Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦٣ كتاب الدعوات (إِّ اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي) أي: ادخرتها وجعلتها خبيئة؛ أي: شيء مخبأ مدخورًا لنفاسته بحراسته عن العيون حال كونها (شَفَاعَةً لأَمَّتِي) خاصة بهم لا يشركهم فيها غيرهم وهي أقسام؛ لأنها إما في عدم دخول قوم النار، أو في تخفيف لبثهم فيها، أو في تعجيل دخولهم الجنة، أو في رفع درجات فيها، أو في العفو عما وقع منهم من التقصير في عباداتهم حتى يجزوا بأحسن ما عملوا؛ أي: تكون جميع أعمالهم في درجة أحسنها وأفضلها (إِلىَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ) بسبب أن لي دعوة مستجابة قطعًا، وأني ادخرتها لأمتي إلى هذا اليوم. (هِيَ نَائِلَةُ) أي: حاصلة (إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى) هي للتبرك امتثالاً وللآية أو للتعليق إعلامًا بأن الله تعالى لا يجب عليه لأحد من خلقه شيء، وفيه دليل ظاهر جدًا لما تقوله أئمتنا أن قول المؤمن: ((أنا مؤمن إن شاء الله)) لا محذور فيه؛ لأن الإيمان وإن كان ثابتًا حالة التلفظ بإن شاء الله قطعًا، إلا أنه بعد لا يدري حاله باعتبار أن الخاتمة مغيبة، وأن الله سبحانه لا يجب عليه شيء، فكما أن القطع بقبول دعوته وتله. لم يمنعه قول: إن شاء الله فكذلك القطع بثبوت الإيمان في الحال لا يمنع ذلك بالاعتبار السابق، على أن بعضهم قال: إن الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأنه إن نوى التعليق في الحال كفر اتفاقًا أو التبرك المحض فلا اتفاقًا. انتهى. وما قاله حسن بالنسبة لكون ذلك كفرًا أو لا؛ إذ الإطلاق حينئذٍ كنية التبرك، أما بالنسبة لحرمة هذا اللفظ لإيهامه، فالخلاف فيه متحقق فعندنا لا يحرم؛ لأن المتبادر منه التبرك أو إشارة إلى حُسن الخاتمة، فلا إيهام فيه للتعليق أصلاً بخلافه عند غيرنا نظرًا للإيهام وإن ضعف فتأمل ذلك فإنه مهم. (مَنْ) مفعول ((نائلة)) (مَاتَ مِنْ أَمَّتِي) حال كونه (لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا. رَوَاهُ مُسْلِمُ وَالبُخَارِيُّ) اللفظ بمعناه لكنه (أَقْصَرُ مِنْهُ) وما قررت به هذا الحديث هو المتعين. وأما قول شارح: جميع دعوات الأنبياء مستجابة، والمراد هنا أن لكل نبي دعاء على أمته بالإهلاك، ونبينا ◌َلو لم يدعُ على أعدائه بالإهلاك فأعطي قبول الشفاعة يوم القيامة عوضًا عما لم يدعُ على أمته وصبر على أذاهم، ومعنى بالأمة هنا أمة الدعوة لا ٢٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع الإجابة، فإن أحدًا من الأنبياء لم يدعُ على من أجابه من أمته بل دعا على من كفر به، انتهى. فيرد حصره المراد في أن كل نبي دعا على أمته بأنه لا دليل على هذا الحصر، بل يحتمل ذلك ويحتمل ما قلناه، وقوله: ((فلم يدعُ على أعدائه بالإهلاك)» اعترضه الشارح بأنه وَّ دعا على أحياء من العرب بقوله: ((اللُّهُمَّ العن فلانًا وفلانًا)(١) ودعا على رعل وذكوان وعصية، ودعا على مضر فقال: «اللَّهُمَّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف)»(٢) وما اعترضه به لا يرد عليه؛ لأن الذي ذكره ذلك، نفى الدعاء بالإهلاك على جميع أعدائه، وهذا صحيح لا مرية فيه فإنه وتقليم لم يدع بالإهلاك على جميع أمته بل ولا على بعضهم، وإنما الذي دعا به على من ذكر اللعن أو شدة الجوع أو نحوهما بالإهلاك فيه. وكيف يظن خلاف ذلك وهو ◌َّيه في قصة ذهابه قبل الهجرة إلى ثقيف يدعوهم إلى الله فأغروا به سفهاءهم، فضربوه بالحجارة حتى أدموا رجليه، وجلس من شدة ما لقي ومولاه زيد * ينحني عليه ويتلقى عنه إلى أن كادت نفسه وال# تفتلت. نزل عليه ملك الجبال فاستأذنه في أن يطبق عليهم الجبلين فلم يأذن له، وقال: ((إني أرجو أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله تعالى)(٣) فكان الأمر كما رجاء ◌َّةٍ، فلما وقع له وَّ يوم أحد من أذية أعدائه له بنحو ذلك من شج وجهه وسيلان دمه وکسر رباعیته وغير ذلك، قيل له: يا رسول الله ادع عليهم، فقال: «اللَّهُمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»(٤). وقيل له: ادع على دوس، فقال: ((اللُّهُمَّ اهد دوسًا وأتِ بهم))(٥) فكان كذلك، فعلم (١) أخرجه البخاري (٤٥٥٩)، وأحمد (٦٥٠٠)، والنسائي (١٠٨٦). (٢) أخرجه البخاري (١٠٠٦)، ومسلم (١٥٧٢)، وأبو داود (١٤٤٤)، وأحمد (٧٤٦٢)، والنسائي (١٠٨١)، وابن ماجه (١٣٠٢). (٣) أخرجه البخاري (٣٠٥٩)، ومسلم (١٧٩٥)، وابن حبان (٥١٧). (٤) أخرجه البخاري (٣٤٧٧)، وأحمد (٤٢٨٩)، وابن حبان (٩٧٣)، والطبراني (٥٦٩٤)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (١٤٤٨)، والديلمي (٢٠٤٢). (٥) أخرجه البخاري (٢٧٧٩)، ومسلم (٢٥٢٤)، وأحمد (٧٣١٣). ٢٦٥ كتاب الدعوات أنه 45* لم يدع بإهلاك قوم من أمته أصلاً، ودعاؤه بنحو اللعن وقع حتى على بعض أصحابه كالحكم وولده مروان، لكنه وسل﴾ قال كما يأتي في الحديث الذي عقب هذا: (شتمته لعنته .. إلخ))(١) المعلوم منه أن المدعو عليه بذلك يحصل له به غاية الوصلة والقرب. وبما قررته يعلم ما في قول الشارح: التأويل المستقيم أن معنى ذلك أن الله تعالى جعل لكل نبي دعوة واحدة مستجابة في حق أمته، فكل من الأنبياء نالوها في الدنيا بإهلاك قومه، وأنا ما نلتها في الدنيا حيث دعوت على بعض أمتي فقيل لي: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] فبقيت تلك الدعوة المستجابة مدخرة في الآخرة. انتهى. فقوله: إن معنى ذلك ((أن الله ... إلخ)) مر ما فيه بأنه لا دليل على الحصر في ذلك كما مر، وقوله: ((وأنا ما نلتها .. إلخ)) فقال عليه: ليست هذه الدعوة على البعض مرادة من الحديث قطعًا وإلا لاستجيب، وحينئذٍ لا يحسن أن يقال: ((وأنا ما نلتها في الدنيا .. إلخ)) لإيهامه أنه وَلثر لم يدخرها لأمته في القيامة اختيارًا، بل بعد أن تيئس من استجابتها في الدنيا، وليس في ذلك كثير مدحة، وإنما المراد أن كل نبي إما دعا لنفسه مقدمًا لها على أمته، أو على جميع أمته الذين لم يؤمنوا به فاستأصلهم العذاب عن آخرهم، وأما أنا فلم أدع لنفسي ولا على كل أعدائي بإهلاكهم، بل ولا على بعضهم بإهلاكهم أيضًا، وإنما ادخرت دعوتي ابتداء لأمتي في القيامة؛ لأنهم إليها أحوج حينئذٍ؛ ولأنها تنفع محض ودعوات أولئك إنما كانتت بإهلاك محض وشتان ما بينهما. ٢٢٢٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: اللّهُمَّ إِنَّ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيِهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرَّ، فَأَيُّ المُؤْمِنِين آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَةً، وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(٢)، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (١) أخرجه مسلم (٦٧٨٤). (٢) أخرجه البخاري (٦٠٠٠)، ومسلم (٢٦٠١)، وابن حبان (٦٥١٦)، وأحمد (٨١٨٤)، والبيهقي = ٢٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّ: اللهُمَّ إِّ الْتَّخَذْتُ) أي: أخذت، وعبر به مع الزيادة فيه عن الطلب المسبب عنه الإعطاء بالأخذ لزيادة المبالغة؛ لأنه إنما يكون في المحسوسات (عِنْدَكَ) أي: منك وعبر به عنه للمبالغة أيضًا؛ لأن عندك إنما تستعمل في مثل هذا المقام للدلالة على نفوذ الرتبة وعلو شرفها (عَهْدًا) هو الأمان واليمين المؤكدة والوعد المؤكد بالحلف ومراعاة الشيء وحفظه حالاً بعد حال، وكل تصح إرادته هنا؛ لأن المراد به حاجة وعبر به عنها للمبالغة أيضًا؛ لأن بها يأمن صاحبها، ويتأكد طلبه لها ويراعيها في سؤاله المرة بعد المرة (لَنْ تُخْلِفَنِيهِ) عبر به للمبالغة أيضًا عن لا تخيبني فيه؛ لأن الكريم لا يخلف عهده أو عن لا ينقضه؛ لأن المتعاهدين يجب على كل منهما البقاء على العهد وعدم نقضه، والمعنى: ((اللَّهُمَّ إني طلبت منك حاجة هي أمان أمتي من الهلاك الباطن والظاهر فوعدتني وعدًا مؤكدًا بأنك تعطینیها ولا تخیبني فيها». (فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرْ) أغضب كما تغضب البشر، كما في رواية، أي المعذرة فيما أطلب تداركه؛ إذ من لوازم البشرية الغضب المؤدي إلى ذلك، وتفرع هذا عما قبله إنما هو باعتبار ما بعده؛ لأن هذا وقع كالتمهيد لعذره فيما صدر عنه بما طلب تداركه بقوله المفصل لبعض ما كان يلتمسه بعد ذلك العهد (فَأَيُّ المُؤْمِنِين آذَيْتُهُ) ثم فصل ذلك الإيذاء بما ترك فيه العاطف حيث قال: (شَتَمْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ) لأن القصد به تعداد أنواع الأذية، وعند التعداد يتعين ترك العاطف ولذا أفرد الضمير وأنثه في قوله: (فَاجْعَلْهَا) أي: تلك الأذية المفهومة من أذيته (لَهُ صَلَاةً) أي: رحمة توصله إلى المقامات العلية (وَزْكَاةَ) أي: طهارة عن النقائص، وهذا في أحواله وعباداته. (وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فجعل ◌َّ كل واحد من الشتم واللعن والجلف مقابلاً لهذه الإنعامات الثلاث، كما يدل عليه ذكر الواو فيها الدالة على - (١٣١٥٨). ٢٦٧ كتاب الدعوات الجمعية، وحذفها في تلك على أن القصد تعدادها كما مر لتعود لكل واحد منها على انفراده الدعاء لصاحبه بحصول هذه الكمالات الثلاثة ، فليس من باب اللف والنشر كل ذلك لعظيم شفقته وَل﴾ وباهر رأفته ورحمته بأمته، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ.﴾ [التوبة: ١٢٨] مع قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] واختاره وَل) عن نفسه بأنه رحمه مهداة لأمته؛ ولذا حصل لهم من اعتنائه بهم ما لم يحصل لأمة من نبيها (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٢٢٢٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َيِّ: إِذا دعا أَحَدُكُمْ فلا يَقُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ، ولِيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لا مُكْرِهَ لَهُ(١) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إذا دعا أَحَدُكُمْ فلا يَقُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ) ولا اللُّهُمَّ (ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ) ولا اللَّهُمَّ (ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ) فيكره ذلك، كما في ((أذكار النووي)) خلافًا لقول شارح: إنه وإن سبقه إليه القرافي فصرح بحرمته، ومما يبعدها أن ذلك التعليق موافق للواقع أن كل الأمور معلقة بمشيئته تعالى لا مشيئة لأحد غيره؛ لأن الإتيان به في مثل هذا المقام يوهم نوع استغناء عن المطلوب، ألا ترى أنك لو قلت لمخلوق مثلك: أعطني إن شئت لم ير أنك مؤكد عليه في الطلب ولا صادق الرغبة فيما عنده. ويؤيد ذلك قول أئمتنا: لو قال ذو الوليمة لمن يدعوه إليها إن شئت فأحضر لم يلزمه الحضور، وسببه ما ذكرته أنه لم يدعه دعاء الراغب في حضوره، وإلا لم يقل له إن شئت نعم إن ظهرت قرينة ثم قوية تدل على أنه لم يقل له ذلك إلا تأدبًا وحياء أن تكلفه الحضور لزمه لارتفاع ذلك الإيهام حينئذٍ بخلافه هنا، فإنه لا يأتي فيه ذلك لوجود الإيهام هنا على كل تقدير كما يفيده قوله: (ولِيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ، فَإِنَّهُ) تعالى (يَفْعَلُ (١) أخرجه البخاري (٧٤٧٧). ٢٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع مَا يَشَاءُ) لأنه قدير لا يعجزه شيء وقاهر قوي جبار (لا مُكْرِه لَهُ) على شيء يفعله أصلاً بخلاف غيره، وأما تعليل القرافي للحرمة بأن قوله ذلك خالٍ عن إظهار الحاجة إلى الله تعالى، ثم رأيت القرافي علل الحرمة التي زعمها بما يقرب مما عللت به الكراهة، فقال: لخلوه عن إظهار الحاجة إلى الله. انتهى. ويرد بأن الجزم بخلوه عن ذلك ممنوع وإنما هو موهم له كما عبرت به، وهذا الإيهام غايته أنه يقتضي الكراهة لا الحرمة فتأمله (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). ٢٢٢٦ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللّه لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءُ أَعْطَاءُ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ) قال شارح: نهي عن ذلك في الدعاء؛ لأنه شك في القبول. انتهى. وما ذكرته آنفًا أولى وأقرب كما لا يخفى، ومر أن ذلك مكروه وإن وافق ذلك التعليق الواقع أن كل الأمور معلق بمشيئته تعالى لا يتعاظمه شيء منها، بل يستوي في جنب قدرته الحقير والجليل، دلَّ على هذا قوله الآتي: ((بأن إلخ)) كما دل عليه الأول: ((إنه إلخ)) (وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ) مسألته أي: يجد ويجتهد في الدعاء بحصولها راجيًا أن مولاه يمن بها عليه لسعة كرمه وجوده وباهر بره وإحسانه (وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ) فيما عند الله تعالى، فإن جميع الموجودات بيده، وفي الحديث: ((لو جمع الأولون والآخرون فسأل كل مسألته وأعطيته إياها ما نقص ذلك من ملكي شيئًا))(٢). (فَإِنَّ اللّه لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ) للداعي وإن بلغ ذلك الشيء المعطي من العظيم ما بلغ (رَوَاهُ مُسْلِمْ) ومنه كالذي قبله، وكالحديث الصحيح أيضًا: ((إذا دعي (١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٦٠٧)، مسلم (٢٦٧٩)، وأحمد (٧٣١٢)، وأبو يعلى (٦٤٩٦). (٢) أخرجه مسلم (٢٥٧٧)، وأحمد (٢١٤٠٥)، والترمذي (٢٤٩٥) وابن ماجه (٤٢٥٧)، والبزار (٣٩٩٥)، وابن حبان (٦١٩)، والحاكم (٧٦٠٦). ٢٦٩ كتاب الدعوات أحدكم فليعظم الرغبة فإنه لا يتعاظم على الله شيء)(١). والحديث الصحيح أيضًا: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة))(٢) أخذ الحليمي ومن تبعه قولهم: من شروط الدعاء ألا يكون على وجه الاختيار، بل لمحض السؤال؛ لأن العبد لا يختبر ربه ولا يشتغل به عن فرض، وألا يستعظم حاجته، وأن تكون الإجابة عنده أغلب من الرد. ٢٢٢٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾: لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِئْم أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، وَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ(٣). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا) أي: مدة كونه (لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ) أي: لمحرم كفرًا كان كالدعاء بالمغفرة لمن مات كافرًا؛ أي: يقينًا أو بطلب الراحة من أهوال القيامة، أو بتخليد مؤمن في النار، أو استدامة الحياة للراحة من هول الموت، أو لجميع بني آدم بالسلامة من إبليس وجنوده، أو بأن الله يرى في اليقظة في الدنيا أو أن يفيض عليه ما هو مختص بالقدرة الإلهية كالإيجاد والإعدام، والقضاء النافذ لاستحالة ذلك في البعض، وتكذيب خبر الصادق في الباقي كذا نقله الزركشي عن القرافي، وسكت عليه وظاهر أن محله إن تعمده الداعي وعلم بالمنع منه على أن ما ذكره في طلب الراحة فيه نظر، بل لا يصح؛ إذ لا قاطع على أن كل مؤمن يحصل له شيء من تلك الأهوال قال تعالى: ﴿وَهُم مِّن فَزَعْ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]. ودلت النصوص على أن بعض المؤمنين يعافى من أهوال البرزخ أيضًا، وفيما ذكره في تخليد المؤمن في النار بإطلاقه، ورؤية الله تعالى في اليقظة غير مستحيلة، وإلا لم (١) أخرجه ابن حبان (٨٩٦). (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه مسلم (٧١١٢). ٢٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع يطلبها موسى - على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة والسلام - ولا ورد فيها نص قاطع بامتناعها، وفي تعليل الكفر بالاستحالة نظر أيضًا، بل الذي ينبغي أنه لا يناط إلا بما فيه تكذيب قاطع معلوم من الدين بالضرورة، أو غير كفر كطلب مستحيل عقلاً كأن يجعل في مكانين متباعدين في زمن واحد، والسلامة من الأسقام والآلام، وفي كون هذا؛ أي: قسم المستحيل العقلي نظر ظاهر وعادة كولد من غير والد إلا أن يكون وليًّا؛ أي: بناء على أن ذلك يجوز أن يكون كرامة لولي وفيه خلاف، وكطلب ثبوت ما دل الشرع على ثبوته أو نفي ما دل على نفيه؛ لأنه تحصيل الحاصل فيكون سوء أدب، ومنهم: ((اللَّهُمَّ لا تهلك هذه الأمة بالخسف العام)). قال ومنه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] مع قوله ◌َّ: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)(١) واعترض بحديث: ((هن - أي: أواخر سورة البقرة - دعاء)) ويقول ابن القاص: يسن في القنوت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا .. ﴾ [البقرة: ٢٨٦] واستحسنه الروياني، واستغراب النووي له ليس إلا من حيث أنه قرأه في غير القيام، ويعترض أيضًا بأنه ليس من الدعاء بتحصيل الحاصل؛ إذ الخطأ والنسيان لا يمنعان ضمان الأموال إتفاقًا، وأيضًا قد يؤاخذ بالنسيان إذا قصر به كأن اشتغل بالشطرنج فنسي الصلاة حتى خرج الوقت، فإنه يأثم بذلك إثم المتعمد، فإذا قال ذلك يقصد أن ما ترتب في ذمته لا يؤاخذ به في الآخرة، كألا توجد حسناته فيه، ولا تحبس به نفسه عن مقامها الكريم، وألا يؤاخذ بما قصر فيه بالنسيان كان ذلك دعاء محضًا ليس فيه من تحصيل الحاصل شيء. قال: ومن المحرم أيضًا: ((واخف زللنا عن الكرام الكاتبين)) نعم إن قصد التوفيق للتوبة عقب الزلة حتى لا يكتبها الملك جاز؛ لحديث ابن عساكر: ((إذا تاب العبد أنسى الله الحفظة ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض، حتى (١) أخرجه الطبراني (١٤٣٠) وفي ((الشاميين)) (١٠٩٠). ٢٧١ كتاب الدعوات يلقى الله تعالى، وليس عليه شاهد بذنب))(١). ومن المحرم أيضًا طلب نفي ما دلَّ السمع الآحادي على ثبوته، كاللَّهُمَّ اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم؛ لأن الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة أنه لا بد من دخول طائفة منهم النار، ولا ينافيه قولهم: من الآداب أن يقول: «اللَّهُمَّ اغفر لي ولجميع المسلمين)) لأن محله ما إذا أراد مطلق المغفرة لهم، أما إذا أراد عمومها له ولهم في الآخرة فهو محل الحرمة؛ لأنه حينئذٍ مكذب بالأحاديث الصحيحة. قال: ومن المحرم أيضًا: (اللَّهُمَّ استر عورتي يوم القيامة عن الأبصار)) لما صح أن الخلق يحشرون حفاة عراة. انتهى. وفيه نظر؛ لأنهم وإن كانوا كذلك لكن لا ينظر أحد لعورة أحد مطلقًا، كما صرح به حديث عائشة أنها لما سمعت حشرهم عراة قالت: وافضيحتاه فأخبرها وَله: ((إن لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه))(٢) أي: لا يقع إبصار من أحد إلى عورة أحد ألبتة، نعم هو حينئذٍ من الدعاء بتحصيل الحاصل، وقد مرت حرمته فلو ذكر هذا من جزئيات ذاك لكان هو الصواب، على أن حديث حشرهم عراة ليس على عمومه، فإن من المؤمنين من يبعث في أكفانه، كما ورد في عدة أحاديث، فإن أراد الداعي بقوله: ((استر عورتي)) فقال: «اللُّهُمَّ استر عورتنا)). قال: ومنه التعليق بما هو من شأنه تعالى؛ كاللُّهُمَّ افعل بي ما أنت أهله في الدنيا والآخرة، فهو قبيح وإن استحسنه بعضهم؛ لأنه تعالى أهل للمغفرة والمؤاخذة، فكأنه طلب إما الخير وإما الشر، فأشبه التخيير في المسؤول. انتهى. وسكت عليه الزركشي ونظر فيه غيره، وكان وجه النظر قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ المَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦] ويجاب بأنه لأهل؛ لأن يبقى ويخشى عذابه وأهل؛ لأن يغفر فجاء التخییر. (١) أخرجه ابن عساكر (١٧/١٤). (٢) أخرجه أحمد (٢٤٦٣٢)، والترمذي (٣٣٣٢)، والنسائي (٢٠٨٣)، والحاكم (٨٦٨٤). ٢٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع قال: ومنه ترتيبه سبق المشيئة، فاللَّهُمَّ قدر أو اقضٍ لي بالخير حيث شئت؛ لأن الدعاء بوضعه اللغوي إنما يتناول المستقبل دون الماضي؛ لأنه طلب، وقوله: ((واقدر لي الخير حيث كان))(١) في حديث الاستخارة المراد تيسره مجازًا، فإن أريد هذا المعنى جاز. ومنه: الدعاء بلفظ أعجمي؛ أي: إن جهل معناه، أو كان في الصلاة مع قدرته على العربية أو عجزه، ولم يرد خلافًا لمن أطلق حرمته. ومنه: الدعاء على من لم يظلمه مطلقًا، أو من ظلمه لا يمثل ما ظلمه به أو بدونه بخلافه بأزيد، ولا ينافيه قصة سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، حيث دعا على من ظلمه بأكثر؛ لأنه مذهب صحابي، ومع حله هو يذهب أجره لحديث الترمذي: ((من دعا على ظالم فقد انتصر)) (٢) نعم، الدعاء على من ظلم المسلمين لا يذهب أجر الداعي؛ لأنه لم يدع لخاصة نفسه، واختلفوا في الدعاء على الظالم بسوء الخاتمة ونحوه، فقيل: يباح كما قال نوح: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً﴾ [نوح: ٢٤]. وموسى: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا.﴾ [يونس: ٨٨] ودعاء نبينا ◌َّ على عقبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته وشج وجهه، فقال: ((اللّهُمَّ لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا)) فكان كذلك، وقيل: يمتنع وجمع بعضهم بحمل الأول على متمرد عم ظلمه، أو كثر أو فحش أو أمات حقًا أو سنة، أو أحيا باطلاً، والثاني على من ظلم لا يقيد ما مر. ومنه: الدعاء بوقوع محرم، كاللَّهُمَّ يسر لي أو لفلان ولاية كذا، وهي تتضمن معصية. (١) أخرجه البخاري (٦٩٥٥)، وأبو داود (١٥٣٨) والترمذي (٤٨٠) وأحمد (١٤٧٤٨)، والنسائي (٣٢٥٣)، وابن ماجه (١٣٨٣)، وابن حبان (٨٨٧)، وابن أبي شيبة (٢٩٤٠٣)، وعبد بن حميد (١٠٨٩). (٢) أخرجه الترمذي (٣٥٥٢) وقال: غريب، وابن أبي شيبة (٢٩٥٧٦)، والقضاعي (٣٨٧)، والديلمي (٥٧٢٨). ٢٧٣ كتاب الدعوات (أَوْ قَطِيعَةٍ رَحِمٍ) هو لكونه من جملة الدعاء الحرام من عطف الخاص على العام مبالغة في التنفير عن قطيعة الرحم ولو بالدعاء المعلوم حرمته مما مر، كقوله: اللُّهُمَّ افعل بفلان كذا وهو رحمه وليس بظالم له، أما الرحم الظالم يتجوز الدعاء عليه بقدر ظلمه كما علم مما مر (مَا) ترك العاطف فيه استئنافًا تنبيهًا على أن كل واحد مستقل بمنع الاستجابة؛ أي: مستجاب لأحدكم ما لم يدعُ بإثم يستجاب لأحدكم (لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ) أي: قد تكرر دعائي مرات كثيرة (فَلَمْ أَرَ) أي: أعلم أو أظن دعائي وهو المفعول الأول والثاني (يَسْتَجِيبُ لِي وَ) مثبت ذلك (يَسْتَحْسِرُ) أي: هل (عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ) استثناء لا له فعلم أن المراد بعدم الاستجابة هنا عدم الدعاء؛ لأن الذي هو سبب الاستجابة الاستعجال المذكور موجب ترك الدعاء كما تقرر، وهذا أولى من قول شارح: من كان له ملالة من الدعاء لا يقبل دعاؤه؛ لأن الدعاء عبادة حصلت الإجابة أو لم تحصل، فلا ينبغي للمؤمن أن يمل من العبادة. انتهى. لأن هذا وإن كان صحيحًا في نفسه إلا أنه غير مطابق لهذا الحديث، نعم قال الحليمي، وتبعه الزركشي وغيره: من شروط الدعاء ألا يضجر من تأخير الإجابة؛ لأن المصلحة قد تكون في تأخيرها؛ ولأن الدعاء عبادة واستكانة وذلك ينافيها (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٢٢٢٨ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكْ مُؤَكِّلُّ كُلَّمَا دَعَا لَأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُؤَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ) (١) أخرجه مسلم (٧١٠٥). ٢٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع المسلم حال كونها (بِظَهْرٍ) مفخم للتأكيد (الْغَيْبِ) أي: عند غيبته عنه وإن كان حاضرًا معه بأن دعا له بقلبه حينئذٍ أو بلسانه ولم يسمعه (مُسْتَجَابَةٌ) خبر دعوة؛ لأنها تدل على خلوص الداعي بل ومبالغته في الإخلاص، وأنه إنما دعا له لوجه الله لا يطلب شيء منه (عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكُ) جملة مبينة للاستجابة (مُؤَكِّلُ) يقول ما يأتي (كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرِ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُؤَكَّلُ بِهِ: آمِينَ) أي: استجب له يا رب دعاءه لأخيه، ثم يقول الملك له جزاء لما فعله من ذلك المعروف العظيم (وَلَكَ بِمِثْلٍ) بكسر الميم وسكون المثلثة، وحكى فتحها والباء زائدة في المبتدأ في ((بخسك درهم)) أي: ولك مماثل ما دعوت له ومساوية، وللجزم في هذه الاستجابة وتأمين الملك عليها، ودعاؤه بحصول مثلها للداعي كان بعض السلف يجعل ذلك وسيلة لقبول دعائه، فكان إذا أراد أن يدعوا لنفسه يدعو لأخيه بتلك الدعوة؛ لأنها تستجاب ويحصل له مثلها (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٢٢٢٩ - [وَعَنْ جَابِرِ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِ كُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاء فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ]. (وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِ كُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا) نهي للداعي وعلة للنهي؛ أي: لا تدعو على من ذكركي لا توافقوا (مِنَ الله سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءُ فَيَسْتَجِيبُ) بالنصب جواب النهي، ويجوز رفعه؛ أي: فهو يستجيب (لَكُمْ) أي: لا تدعوا على من ذكر كي لا توافقوا ساعة الإجابة فتندموا (رَوَاهُ مُسْلِمْ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ) مَرِّ (فِي كِتَابِ الَّكَاةِ). (١) أخرجه مسلم (٣٠٠٦)، وأبو داود (١٥٣٢)، وابن حبان (٥٧٤٢). ٢٧٥ کتاب الدعوات (الفصل الثاني) ٢٢٣٠ - [عَنِ التَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّةِ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ .. ﴾ [غافر:٦٠](١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ]. (عَنِ الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ) لا غيرها، وأتى بحاصرين مبالغة في أنه ليس غيرها. وقول شارح: أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام؛ ليدل على الحصر وأن العبادة ليست غير الدعاء مقلوب، وصوابه أن الدعاء ليس غير العبادة كما قررته، بل هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالتها على أن الداعي يقبل بجوارحه إلى ربه معرضاً عن كل ما سواه لا يرجو إلا هو، ولا يخشى إلا منه، فالمراد بالعبادة هنا معناها اللغوي أو الشرعي، والمراد حينئذٍ أنه متضمن لغايتها المقصودة منها، وهي التذلل والافتقار، وهي؛ أي: الدعاء ليس إلا إظهار غاية التذلل والافتقار والاستكانة والخضوع؛ إذ العبادة ما شرعت إلا للخضوع إلى البارئ وإظهار الافتقار إليه. (ثُمَّ قَرَأَ) استدلالاً على ذلك قوله تعالى: ﴿﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ .. ﴾) وهي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] صاغرين حيث عدل عن دعائي الدال عليه السياق إلى عبادتي؛ لإفادة أن الدعاء يسمى عبادة لكونه عينها إن حملت على اللغوية، أو غايتها إن حملت على الشرعية كما تقرر؛ ولذا جعل خبرًا الاستكبار عن ذلك التذلل والافتقار دخول جهنم مع الهوان والصغار (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه). (١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧١٤)، وأحمد (١٨٤١٥)، وأبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩) وقال: حسن صحيح، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٤٦٤)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، وابن حبان (٨٩٠)، والحاكم (١٨٠٢) وقال: صحيح الإسناد، وابن أبي شيبة (٢٩١٦٧)، والبيهقي في الشعب الإيمان)» (١١٠٥)، والقضاعي (٢٩). ٢٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ٢٢٣١ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ(١). رَوَاهُ القِّرْمِنِيُّ]. (وَعَنْ أَنَسِ بَ﴾﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ) الشرعية؛ أي: خالصها المقصود منها لما علمت أن غايتها التذلل والافتقار والاستكانة والخضوع إلى الله تعالى، وأن الدعاء يتضمن ذلك كله (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ٢٢٣٢ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَيْسَ شَيْءُ أَكْرَمَ عَلَى الله مِنَ الدُّعَاءِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَقَالَ التّزْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: لَيْسَ شَيْءُ) من العبادات التي شرفت لغاياتها كما يعلم مما سأقرره (أَكْرَمٌ) خبر ليس (عَلَى الله) أي: أشرف عنده (مِنَ الدُّعَاءِ) لما تقرر أنه مخ العبادة؛ أي: خالصها وخالص الشيء أشرف ما فيه فأشرفيته ليست لذاته بل لما يتضمنه من الخضوع والتذلل بين يدي الله تعالى، وإظهار الافتقار لما عنده والإعراض عن كل ما سواه، وحينئذٍ فلا ينافي هذا أن قراءة القرآن والذكر المخصوص ونحو الصلاة أفضل من الدعاء؛ لأن هذه شرفت لذواتها ولا كذلك الدعاء، وهذا كله وإن لم أر من ذكره إلا أنه واضح من القواعد وكلامهم، وبه يعلم أن ما ذكره هنا شارح بعضه لا حاجة إليه، وبعضه لا يطابق ما نحن فيه. وحاصل عبارته التوفيق بين هذا وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] إن كل شيء شرف في بابه وصف بالكرم كما في: ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء:٧] وإنما كان أكرم الناس أتقاهم؛ لأن الكرم من الأفعال المحمودة وإكرامها ما قصد به أشرف الوجوه، وأشرف الوجوه ما قصد به (١) أخرجه الترمذي (٣٣٧١)، والديلمي (٣٠٨٧). (٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧١٢)، وأحمد (٨٧٣٣)، والترمذي (٣٣٧٠)، وابن حبان (٨٧٠)، وابن ماجه (٣٨٢٩)، والحاكم (٨٠١) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)» (١١٠٦). ٢٧٧ كتاب الدعوات وجه الله، فمن قصد ذلك لمحاسن أفعاله فهو التقي، فإذًا أكرم الناس أتقاهم وعلى هذا حكم الدعاء؛ لأنه مخ العبادة كما مرَّ. انتهى (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ). ٢٢٣٣ - [وَعَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّ الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّ الْبِرُّ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّ الدُّعَاءُ) المراد بالقضاء المقضي المقدر، وأولوه إما بأن يراد بالقضاء ما يخافه العبد ويتوقاه، فإذا وفَّق للدعاء دفع الله عنه ذلك، فتسميته قضاء مجاز واستدل له بما في الحديث: ((أرأيت رقى يسترقى بها أترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: هي من قدر الله)(٢) ولما بلغ عمر الشام، وقيل له: إن بها طاعونًا رجع فقال له أبو عبيدة: أتفر من قضاء الله تعالى يا أمير المؤمنين، فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قضاء الله إلى قضاء الله. والحاصل أنه تعالى أمر بالدعاء والتداوي مع علم الخلق، بأن المقدر كائن لا محالة؛ لأن حقيقة المقدور وجودًا أو عدمًا مخفية عنهم، فأمروا بذلك ليتحقق كمال التفويض والتسليم إلى الله تعالى، وأيضًا فيحتمل أن في اللوح المحفوظ قضاء معلقًا على الدعاء أو التداوي، فأمرنا بهما لعلنا نصادف ذلك فيداوى بإذن الله، وإما بأن يراد به حقيقته، ويعني: رد الدعاء تهوينه وتيسير الأمر فيه حتى يكون القضاء النازل كأنه لم ينزل به، واستدل له بالحديث: ((إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل))(٣) كما يأتي شرحه قريبًا، فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له، فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء؛ فالدعاء سبب لرد البلاء ووجود الرحمة، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم (١) أخرجه الترمذي (٢١٣٩)، والطبراني (٦١٢٨)، والبزار (٢٥٤٠). (٢) أخرجه ابن حبان (٦١٠٠). (٣) أخرجه الترمذي (٣٥٤٨) وقال: غريب، وأحمد (٢٢٦٩٤)، والحاكم (١٨١٥). ٢٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع فيتدافعان كذلك الدعاء والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء ألا يحمل السلاح، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فقدر الله تعالى الأمر، وقدر سببه، وفي الدعاء من الفوائد حضور القلب والافتقار وهما نهاية العبادة والمعرفة. (وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ) للوالدين وبقية الأرحام فإنه يزيد في العمر، إما بمعنى أنه يبارك له في عمره فييسر له في الزمن القليل من الأعمال الصالحة ما لا ييسره لغيره في الزمن الكثير، فالزيادة مجازية؛ لأنه يستحيل في الآجال الحقيقية، وهي المطابقة لعلم الله القديم أن يزيد أو ينقص، وإما بمعنى أنه يزاد له في عمره حقيقة، قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَّا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّه يَسِيرُ﴾ [فاطر: ١١] وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ. وقال تعالى: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] أي: من اللوح المحفوظ فيزاد فيه وينقص منه على ما سبق به قلمه في كل شيء، ويناسب هذا قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلَّ مُّسَمَّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢] فالإشارة بالأجل الأول إلى ما في اللوح، أو إلى ما عند ملك الموت وأعوانه: ﴿ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] أي: العلم القديم الذي لا يقبل التبديل والتغيير، والأجل المطابق لهذا هو المراد بقوله عز قائلاً: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. وبقوله: ﴿ وَأَجَلَّ مُّسَمَّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢] إذا تقرر ذلك، فالمراد أخذًا من كلام البغوي والنووي وغيرهما بكون البر يزيد في العمر، إنما هو بالنسبة لما في اللوح المحفوظ وللمطلعين عليه، فإنه قد يقع فيه التعليق كفلان يعيش عشر سنين إن وصل رحمه وسبعًا إن لم يصل، والذي في العلم القديم أحدهما فقط، فإن كان العشر وفق لعمل شرطه وهو صلة الرحم، فتحصل له الزيادة بالنسبة للسبع، وإن كان السبع لم يوفق لتلك الصلة؛ ليحصل له النقص بالنسبة للعشر، وحينئذٍ فمن علم ذلك حمله على المبادرة إلى الصلة مثلاً لاحتمال أن تكون الزيادة الحقيقية في العمر معلقة ٢٧٩ كتاب الدعوات عليها، فتوجد بوجودها وليس للإنسان أن يقول: إن كانت العشر لي باطنًا وفقت للصلة وإلا لم أوفق لها؛ لأن هذا نظير من يترك الأعمال ويقول: إن كنت كتبت سعيدًا لم تضرني المعصية، وإلا لم تنفعني الأعمال. وهذا قول باطل وحجة إبليسية؛ لأن الله سبحانه لم يطوِ العواقب عنا إلا لمزيد اختبارنا وشديد امتحاننا، فعلينا أن نمتثل أوامره ونتجنب نواهيه من غير نظر للعواقب ولا تعويل على الخواتيم، وإلا لارتفع نظام التكليف واتسع مجال البطالة والتسويف، ولم يبقَ لإنزال الكتب فائدة ولا لإرسال الرسل عائدة، فلينتبه العاقل من سنة الاحتجاج على الله بقضائه وقدره، وليخص عمره تكليفه صابرًا على عسره ومره غير ناظر لما وراء ذلك، فإن الكريم بفضله يوفقه لمجانبة جميع المهالك (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ٢٢٣٤ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللّهِ بِالدُّعَاءِ(١). رَوَاهُ التّزْمِنِيُّ]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ) بأن يوفق ببركة الدعاء إلى الصبر عليه والرضا به حتى لا يتضجر ولا يتمنى عدم نزوله (وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ) بأن يصرفه عنه أو يمده بتأييد من عنده، حتى يخفف عنه أعباء ذلك إذا نزل به، وإذا كان هذا شأن الدعاء (فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ الله) الذين حصل لهم شرف الإضافة إليه بما وفقوا له من الأعمال الصالحة (بِالدُّعَاءِ) أي: ألزموه وداوموا عليه ليرزقوا به الصبر والرضى إن تحتم القضاء وإلا رزقتم به صرفه والمعافاة منه، فخصصهم بالنداء للتحريض على دوام الدعاء والإعلام بأنه العبادة الكاملة بالاعتبار السابق (رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ). ٢٢٣٥ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ (١) أخرجه الترمذي (٣٥٤٨)، والحاكم (١٨١٥). ٢٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع غَرِيبٌ(١). ٢٢٣٦ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ مَا سَأَلَ، أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهُ مَا لَمْ يَدْعُ بِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ (٢). رَوَاهُ القِّرْمِنِيُّ]. (وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ مَا سَأَلَ) إن كان مما قدر وصوله إليه (أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهُ) أي: مثل المسؤول الذي لم يقدر وصوله إليه فيدفع الله عنه، سواء بكون الراحة في دفعه بقدر الراحة التي يحصل له لو أعطى ذلك المسؤول، فالمثلية باعتبار الراحة في دفع ذاك وجلب هذا، وما ذكرته في تقرير هذه المثلية أوضح بل وأصوب من قول الشارح، فإن قلت: كيف مثل جلب النفع بدفع الضرر وما وجه التشبيه، قلت: الوجه ما السائل مفتقر إليه وما ليس مستغني عنه (مَا لَمْ يَدْعُ بِئْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ) مر الكلام آنفًا على ذلك مستوفى (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقد يعلم الرد على من زعم أن الدعاء لا فائدة فيه محتجًّا بأنه إن دعا بمقدر له، فهو حاصل له وإن لم يدع أو بغير مقدر له لم يحصل له وإن دعا. ووجه رد هذا ما علمت آنفًا أن الدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل، وهنا أن المسؤول إن قدر للسائل أوتيه؛ أي: على وجه كامل سالم من الغبر والنقائص والمكدرات، وإلا أبدله الله مثله بأن يدفع عنه من البلايا والمصائب ما يوازنه بالاعتبار الذي قدمته ما لم يدع ممنوع، وإلا لم يعط شيئًا وكان عليه وزر السؤال، وهذه فوائد جلية جليلة فمن ترك الدعاء لعدم فائدته فقد ضل وأضل وفاته من الخيرات، وحصول الإعراض ما يكون لسببه خطأ أوزلل. ٢٢٣٧ - [وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَ اللّهـ (١) أخرجه أحمد (٢٢٦٩٤). (٢) أخرجه أحمد (١٤٩٢٢)، والترمذي (٣٣٨١). ٢٨١ كتاب الدعوات سَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللّه يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسنُّ]. (وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: سَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ) من تعليلية؛ أي: سلوه من أجل واسع فضله على خلقه ما شئتم مما ليس بمحظور أو تبعيضية؛ أي: سلوه بعض فضله (فَإِنَّ الله) كريم منعم وهاب معط غني مغني باسط، ومن هو بهذه الصفات العلية (يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ) ليزيد في واسع عطائه وإكرامه وما مع تفضله وجوده وإحسانه وهذا مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَّلُوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] أي: من عطاياه التي يتفضل بها على عباده من غير مقابل؛ إذ الفضل الزيادة في الإحسان لا في مقابل، وعطاء الله كذلك؛ لأنه ليس باستحقاق من العبد بوجه بل هو محض إكرام وإفضال من غير سابقة، وإذا كان كذلك فأي مانع لكم من السؤال، مع أنه تعالى يحب أن يسأل؛ لأن خزائنه ملأى لا تنقص بالإعطاء وإن بلغ في الكثرة ما بلغ؟ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. (وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ) أي: الدعاء نظير ما مر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] (انْتِظَارُ الْفَرَج) أي: أفضل الدعاء أن تدعو وأنت منتظر الإجابة المقتضية لتفريج كربك، وتحقيق محبوبك، وأملك لغلبة ظنك بها لما مرَّ في حديث: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة))(٢) وبغلبة ظنك بها يزداد خضوعك إليه وخوفك منه وحضورك بين يديه، فيكون حينئذٍ في أكمل الحالات وأفضل العبادات؛ ولذا أحب تعالى منك أن تسأله وأنت كذلك، وأما أن دعوتك وأنت مستبطئ الإجابة فإنك تكون في غاية الفتور والغفلة وعدم الحضور، فیؤدي ذلك بك إلی أن یستحسر ويترك الدعاء فتفوت خيرة الكثير ويقع في ورطة الناس وسواء التدبير (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) أخرجه الترمذي (٣٥٧١)، والطبراني (١٠٠٨٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١١٢٤). (٢) أخرجه الترمذي (٣٨١٦)، وأحمد (٦٨١٥). ٢٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ حَسنُّ). ٢٢٣٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ: مَنْ لَمْ يَسْأَّلِ اللهِ يَغْضَبْ عَلَيْهِ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهِ يَغْضَبْ عَلَيْهِ) لما تقرر أن الله تعالى يحب أن يُسأل من فضله، فمن ترك سواء له تعالى أشعر ذلك باستغنائه وعدم افتقاره إلى مولاه المتفرد بالإيجاد والإمداد، ومن زعم ذلك فهو كافر أي كافر، ومارق من الدين أي مارق، ومن لم يزعمه وأشعر به حاله يخشى عليه أن يجره ذلك إلى ذلك الزعم الموجب لمقت الله وغضبه، فعدم السؤال يجر لذلك فجعل جزاؤه الغضب مبالغة في بعث الناس على سؤال ربهم إظهارًا لعظيم الافتقار إليه، ولتمام الخضوع بين يديه، أما من ترك السؤال لاشتغاله بذكر ربه وامتلأ قلبه لشهود مولاه وعدم تطلعه إلى شيء من حظوظ نفسه بذاك غير ملوم، بل ممدوح غاية المدحة كما صرح بذلك الحديث الصحيح: ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين))(٤) ولا ينافي ذلك قول النووي: المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها سلفًا وخلفًا أن الدعاء مستحب، بدليل الكتاب والسنة. انتهى. لأن استحبابه لا يقضي أنه لا أفضل منه، فهو وإن كان مستحبًّا لكن الاشتغال عنه بالذكر كما ذكر أفضل، كما صرح به الحديث المذكور، على أن ذلك الاشتغال متضمن للسؤال كما أفاده قول من قال: إذا أثني عليك المرء يومًا كفاه من تعارضه الثناء، ولذا قال تعالى: ((أعطيته أفضل ما أعطي السائلين))(٣) (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). (١) أخرجه الترمذي (٣٧٠٠). (٢) أخرجه البخاري في ((خلق أفعال العباد)) (ص ١٠٩)، والترمذي (٢٩٢٦) وقال: حسن غريب، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٢٠١٥)، والدارمي (٣٣٥٦). (٣) تقدم تخريجه.