Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠٣
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
قط، وفرقة هي خير الخلق أفاض تعالى عليها لما رضيت عنه من حقائق رضاه ما
تكفل لها بحصول كل ما يحبه ويتمناه، وأن المتكفل بذلك القرب الأكبر والمقام الأعلى
الأطهر إنما هو خشية الرب المتفضل على العباد تربيتهم بنعمتي الإيجاد والإمداد
والمستحق؛ لأن يطاع فلا يعصى، وأن يُشكر فلا يُكفر، وأن يُذكر فلا يُنسى
فلاشتمال هذه السورة على هذه الجوامع العجيبة المناسبة لتلك الحالة التي اقتضت
تلك القراءة، التي لم يشتمل عليها سورة مثل ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ خصت بقراءتها في هذه
الحالة فتدبر.
ثم رأيت النووي أشار لذلك إجمالاً كما يعلم مما يأتي عنه حيث قال: في الحديث
فوائد جمة:
منها: استحباب القراءة على الحذاق وأهل العلم والفضل، وإن كان القارئ
أفضل من المقروء عليه.
ومنها: المنقبة الشريفة لأبي، ولا يعلم أن أحدًا يشاركه فيها.
ومنها: منقبة أخرى له بذكر الله تعالى إياه ونصه عليه.
ومنها: البكاء للسرور والفرح بما يُبشر الإنسان به، وبما يعطاه من معالي
الأمور، وأما تخصيص قراءة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ [البينة] فلأنها وجيزة جامعة لقواعد كثيرة
من أصول الدين ومهماته في الوعد والوعيد والإخلاص، وتطهير القلوب وكان الوقت
يقتضي الاختصار. انتهى.
٢١٩٧ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ
يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لمسْلِمٍ: لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنِّي
لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ (١)].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلِّ أَنْ يُسَافَرَ
(١) أخرجه مالك (٩٦٨)، والبخاري (٢٩٩٠)، ومسلم (٤٩٤٧)، وأحمد (٥٢٩٠)، وأبو داود (٢٦١٢)،
وابن ماجه (٢٩٨٩)، والبيهقي في «سننه)) (١٨٧٠١)، والحميدي (٧٣٣).

٢٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
بِالْقُرْآنِ) أي: مكتوبه، وإن لم يسمَّ مصحفًا؛ لأن المصحف إنما حدث بعده وَله كما
يأتي، وأما كونه ما كان محفوظًا في الصدور ومكتوبًا، لكن لا كله بل متفرقًا عند كل
أحدٍ منهم شيء من مكتوبه والباء زائدة؛ لأنها دخلت على المفعول به الذي ناب عن
الفاعل، وليست كهي في لا تسافروا بالقرآن؛ لأنها حال كونكم مصاحبين له (إِلَى
أَرْضِ الْعَدُوِّ) أي: دار الكفرة الذميين والحربيين؛ لأنه ربما وقع في أيديهم فبالغوا في
إهانته وتحقيره، ومن ثم حرم ذلك اتفاقًا، وقول البغوي: إنه مكروه مراده كراهة
التحريم، ومحل ذلك أن حتى وقوعه بأيديهم كما في (المجموع)) وفي (شرح مسلم)) إن
أمن ذلك كدخوله في الجيش الظاهر عليهم فلا كراهة ولا منع، وقال جماعة من
أصحابنا بالنهي مطلقًا؛ أي: لظاهر الحديث لا سيما رواية مسلم الآتية خشية أن تناله
أيديهم ولو على بعد، قال الأذرعي: وهو المختار الأحوط (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(وَفِي رِوَايَةٍ لمُسْلِيمٍ: لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنِّ لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ) فيه أبلغ الرد
على ما زعمه شارح أن النهي إنما هو في زمنه له؛ لأنه كان مكتوبًا متفرقًا عند
الصحابة فلو ضاع منه شيء لم يعوض، وفيه الرد أيضًا على من قال: زاد بعضهم في
الحديث مخافة أن يناله العدو، وجعله من لفظ النبي ◌ٍّ﴾ ولم يصح ذلك، وإنما هو من
قول مالك. انتهى.
ووجه الرد أن رواية مسلم المذكورة صريحة في هذه الزيادة، نعم إن كان الإنكار
النسبة اللفظ إليه * دون المعنى كان متجهًا ويستثنى من قولنا؛ أي: ((مكتوبة كتب))
نحو آيتين في ضمن مكاتبتهم فلا يحرم اتفاقًا للخبر الصحيح: إنه كتب كتابًا إلى هرقل
فيه: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ .. ﴾ [آل عمران: ٦٤] ولأنه لا
امتهان في ذلك؛ لأن الآيات في ضمن الاستدلال ونحوه يخرج عن القرآنية.
ومن ثم أخذ أئمتنا من هذا أن الآيات التي في ضمن غيرها، أو التي قصد بها
التبرك أو نحوه ليس لها حكم المستقلة التي قصد بها الدراسة، فمن حمل القرآن هنا
على أن المراد به المصحف مراده به ما كتب للدراسة ولو بعض آية لا لغيرها ولو آيات،

٢٠٥
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
وما ذكرته هو مراد من أجاب بقوله: المراد في النهي حمل المجموع أو المتميز، وهذا إنما
هو في ضمن كلام آخر غير القرآن. انتهى.
لكن ما ذكرته أوضح وأسلم من الإيهام لمن صدق تأمله، وذكر الشارح عن
البغوي هنا مسائل غير محررة فلا بأس بتحريرها:
منها: نقش القرآن على نحو جدار، والمذهب في ذلك أنه يكره كتبه ولو للتبرك،
ومثله أسماء الله تعالى وألحق به الأحاديث والأذكار، وقضيته أن كل اسم معظم كذلك
بجدار ولو لمسجد، ولا يحرم مسه ولا الاستناد إليه خلافًا لابن عبد السلام، وكتابته
تحت السقف أشد كراهة؛ لأنه يوطأ لا في إناء وشربه تبركًا؛ لأنه لا استقذار ولا
امتهان فيه بوجهٍ، وعلى ثوب أو طعام أو نحو ذلك، ويكره على المعتمد إحراق ما نقش
عليه ذلك إلا لقصد صيانته، وعليه حمل تحريق عثمان # المصاحف، ويجوز بلا
كراهة، وقال جمع: يكره هدم جدار نقش به، ويكره لبس ما نقش به بعضه أو كله.
وأن قول الماوردي: إنه حرام بلا خلاف فبالغ النووي في تزييفه، حيث قال
عقبه: وهذا الذي قاله ضعيف لم يوافقه أحد عليه فيما رأيته، بل صرح الجويني وغيره
بجواز اللبس وهو الصواب. انتهى.
ولا يكره أكل طعام نقش به، وقال جماعة: يكره ويجوز كتبه في إناء ومحوه
بماء وشربه كما مرلا ابتلاع قرطاس هو عليه؛ لأنه يلاقي نجاسة المعدة وحروفه
باقية.
ومنها: تحلية المصحف ومذهبنا حل تحلية المصحف، وألحق به كل ما فيه قرآن
وخلافه وإن انفصل عنه بفضة للرجال والنساء إكرامًا له، وجاء أنهم لما جمعوا القرآن
على عهد عثمان فضضوا المصاحف، وكذا يجوز تحلية ما ذكر بذهب لكن للمرأة
فقط، أما تحلية بقية الكتب فلا يجوز بفضة ولا ذهب مطلقًا.
قال الغزالي: ومن كتب القرآن بالذهب فقد أحسن ولا زكاة عليه.

٢٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(الفصل الثاني)
٢١٩٨ - [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ مِنْ ضُعَفَاءٍ
الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَيِّرُ بِبَعْضٍ مِنَ الْعُرْيِ، وَقَارِئُ يَقْرَأُ عَلَيْنَا إِذْ جَاءَ
رَسُولُ الله ◌َّةٍ فَقَامَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ وَلِ سَكَتَ الْقَارِئُ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: مَا
كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قُلْنَا: كُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي
مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ، قَالَ: فَجَلَسَ وَسَطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ:
هَكَذَا، فَتَحَلَّقُوا وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ، فَقَالَ: أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ
التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَذَاكَ خَمْسُمِائَةِ سَنَّةٍ(١).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَ قَالَ: جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ) أي: جماعة (مِنْ ضُعَفَاءٍ
الْمُهَاجِرِينَ) الذين هم أهل الصُّفة (وَ) هي للحال (إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنَ) أجل
(الْعُرْي) لما عدا العورة مما لا يبدوا في المهنة وإنما استتروا حينئذٍ؛ لأن المروءة لا تسمح
بانكشاف ما لا يعتاد كشفه في (وَ) هي للحال أيضًا (قَارِئُ يَقْرَأُ عَلَيْنَا) لإسماعنا
القرآن أو ليعلمنا إياه، لكن السياق الآتي صريح في الأول (إِذْ) هي المفاجأة؛ أي:
كنا غافلين عن مجيئه فنظرنا فإذا هو قائم فوق رؤوسنا (جَاءَ رَسُولُ الله ◌َ فَقَامَ
عَلَيْنَا، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ الله ◌َِّ) على رؤوسنا أو قريبًا منها (سَكَتَ الْقَارِئُ) من هيبته
وَّه (فَسَلَّمَ) علينا (ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟) فسألهم مع علمه بما هم فیہ لترتب
على جوابهم ما بشرهم به مما یأتي.
(قُلْنَا: كُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللّهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ)
أشكر الله وأحمده على حسن حالهم وصنيعهم؛ لأنهم مع فقرهم وغربتهم، ملازمون
لكتاب الله يتلونه ويستمعونه بسرائرهم غير ناظرين إلى الدنيا وأهلها، وزينتها
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٦٦)، وأبو نعيم (٣٤٢/١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٨٨٦٦).

٢٠٧
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
وتمتعاتها وشهواتها ولذا (أَمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ) حيث أنزل الله عليَّ لما قال
كفار قريش اطرد هؤلاء الفقراء عنك حتى نجالسك ونؤمن بك، فملت إلى ما قالوا؛
أي: طمعًا في إيمانهم، وطرد أولئك لا يضرهم؛ لأنه لمصلحة عامة وضرورة متأكدة مع
إمكان جبر خواطر أولئك الفقراء بعد: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَّا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ
مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم.﴾ [الأنعام: ٥٢].
(قَالَ: فَجَلَسَ وَسَطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ) الباء زائدة (فِينَا) أي: لأجل أن يجعل
نفسه معادلة؛ أي: مساوية لنا معشر أولئك الزمرة الذي جلس إلينا في المجلس
ترغيبًا لنا فيما كنا فيه، وتواضعًا لربه سبحانه (ثُمَّ) لما جلس إليهم لم تكن وجوههم
كلها إليه فحينئذٍ (قَالَ) امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلَّا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا﴾ باعتبار حقيقته ومجازه؛ أي: لا تكن عيناك غير ناظرتين إليهم، ولا أنت
مزدريًا لهم لرثاثة زيهم طموحًا إلى زي الأغنياء وما هم فيه من الفخر والخيلاء.
(بِيَدِهِ) أي: حركها وأشار بها (هَكَذَا) أي: مميلاً لساعدها وكوعها حتى تصير
معوجة على هيئة الحلقة (فَتَحَلَّقُوا) أمامه (وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ) كلها (لَهُ، فَقَالَ: أَبْشِرُوا يَا
مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ) أي: فقرائهم (بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) في ذواتكم
وهيئاتكم، وبين أيديكم وبأيمانكم فتتميزون عن الناس في ذلك اليوم بأحسن
هيئة وزي، وأفخم جلالة وعظمة جزاء لما صبرتم عليه في الدنيا من رثائة الهيئة، وألم
استخفاف أغنياء كفار قريش بكم، وأبشروا أيضًا بأنكم (تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ
أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَذَاكَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ) كما دل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ
يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
ولا ينافيه: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] لأنه باعتبار ما يلقى
الكفار من شدة هوله المصير للساعة الواحدة كألوف من السنين، وورد أن ذلك اليوم

٢٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
على بعض المؤمنين كركعتي الفجر، وأفاد قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤]
أن غاية ما يطول ذلك اليوم على بعض المؤمنين من الفجر إلى الزوال، وهو نصف يوم
من أيام الآخرة المعادل لألف سنة المراد من قوله تعالى: ((وَإِنَّ يَوْمًا ... إلخ)).
فالحاصل أن أغنياء المسلمين وإن وصلوا إلى مرتبة كونهم شاكرين بأن لم
يمسكوا المال لحظوظهم، بل أخرجوه في وجوه استحقاقه كما دلَّ عليه قوله وله: ((إلا
من قال بيده هكذا أو هكذا))(١) يقضون للحساب بأن يسألوا عن تلك النعم التي
وصلت إليهم سؤال تكريم وتلذذ، بمخاطبة الحق تعالى في ذلك الموقف الأكبر،
فتأخرهم ليس لفضل أولئك الفقراء عليهم، بل لفضلهم هم على أولئك الداخلين
للجنة قبلهم، وقد يختص المفضول بمزية بل مزايا، لكن إذا تأملت ما قررته علمت
أن تخلفهم ليس لمفضوليتهم، بل لأفضليتهم بناء على القول الأشهر أن الغني الشاكر
أفضل من الفقير الصابر؛ لأن مرتبة الغناء مع الشكر هي المرتبة التي ختمت بها حياة
نبينا ◌َّ﴾، ولم يكن الله ليختم له عمره إلا بأفضل الحالات بخلافه في أول عمره، فإن
تلك مرتبة الجهاد، والتخلي عما سوى الله تعالى.
وذلك إنما يليق به الفقر مع الصبر فتأمل ذلك ليعلم به رد ما توهم من هذا
الحديث أن بعض صعاليك المهاجرين أفضل من أغنيائهم، كعثمان وعبد الرحمن بن
عوف ونظرائهم، وبهذا يعلم ما في قول شارح وذلك؛ أي: دخول الفقراء قبل
الأغنياء بما ذكر؛ لأن الأغنياء وقفوا في العَرصات للحساب وسُئِلوا من أين حَصَّلوا
المال وفي؛ أي: شيء صرفوه؟ ولم يكن للفقراء مال حتى يوقفوا، وعنى رسول الله وليه
بالفقراء الصابرين والصالحين منهم، وبالأغنياء الشاكرين المؤدين حقوق أموالهم.
انتهى.
نعم هذا يتأتى على القول الثاني أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد).
(١) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٢١٩/١).

٢٠٩
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
٢١٩٩ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: زَيِّنُوا الْقُرْآنَ
بِأَصْوَاتِكُمْ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ].
(وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ)
أي؛ لأن الصوت الحسن يزيد اللفظ حسنًا وزينة ورونقًا ونضارة، فيزيد إقبال النفس
على الاستماع إليه، ومن ثم قال الأئمة: يسن في المؤذن أن يكون حسن الصوت؛ لأن
ذلك أدعى إلى إقبال الناس على الإجابة والحضور؛ أي: لما علمت من أن الصوت الحسن
من أعلى مشتهيات النفس وأقوى لذاتها، وأنه جاذب للنفوس إلى الميل لصاحبه قهرًا
عليها، ومن ثم قال رسول الله وَ له: ((ما أرسل الله من نبي إلا حسن الوجه حسن
الصوت وإن نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًّا))(٢).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ) ومما قررته يعلم أنه لا يحتاج إلى قول
من قال: هو من المقلوب، ويدل عليه أنه روي أيضًا عن البراء عكس ذلك، ونظيره في
كلام العرب عرضت الناقة على الحوض والمعروض هو الحوض على الناقة. انتهى.
ولك رده بأن القلب لا يحتاج إليه إلا إذا تعين كما في المثال المذكور بخلافه في
الحديث، فإنه يصح إجراؤه على ظاهره فلا يصرف عنه إلى القلب الذي هو مجاز،
وروايته بعكسه لا تعين القلب؛ لأنه لا يصح إجراؤها على ظاهرها أيضًا، فكما أن
القرآن يتزين بالصوت الحسن كذلك هو يتزين بالقرآن، كما هو ظاهر.
ثم رأيت شارحًا قال: يجوز إجراء الحديث على ظاهره، فيقال: المراد تزيينه
بالترتيل والجهر به وتحسين الصوت بأنه إذا استمع من صَيّت حسن الصوت يقرأ
(١) أخرجه أحمد (١٨٥١٧)، وأبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (١٠١٥)، وابن ماجه (١٣٤٢)، والطيالسي
(٧٣٨)، وعبد الرزاق (٤١٧٥)، وابن أبي شيبة (٨٧٣٧)، والدارمي (٣٥٠٠)، وأبو يعلى (١٦٨٦)،
وابن خزيمة (١٥٥٦)، وابن حبان (٧٤٩)، والروياني (٣٥٣)، والحاكم (٢٠٩٨)، والبيهقي
(٢٢٥٤).
(٢) أخرجه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (٣١١).

٢١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
بصوت طيب ولحن حزين يكون أوقع في القلب وأشد تأثيرًا، وأرق لسامعيه وسماه
تزيينًا؛ لأنه تزيين اللفظ والمعنى. انتهى، وسيأتي لذلك مزيد أول الفصل الثالث.
٢٢٠٠ - [وَعَنْ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﴿ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: [مَا مِنْ أَحَدٍ)(١) يَقْرَأُ
الْقُرْآنَ، ثُمَّ يَنْسَاهُ، إِلا لَقِيَ اللّه ◌َ يَوْمَ القِيَامَةِ أَجْذَم(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ
يَنْسَاهُ، إِلا لَقِيَ الله ◌َ يَوْمَ القِيَامَةِ أَجْدَم. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ) وروى أبو داود
والترمذي وتكلم فيه أنه وَلّم قال: ((عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها
الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن
أو أنه أوتيها رجل ثم نسيها))(٣) ومن هذين الحديثين أخذ أئمتنا قولهم: نسيان شيء
ولو حرفًا من القرآن لغير عذر كمرض وغيبة عقل كبيرة يفسق بها الناسي، والجُدام
في الحديث على ظاهره، فإن قلت: ما مناسبة الجذام لناسي القرآن حتى عوقب به
قلت: يمكن أن يقال: القرآن نور؛ وأي: نور ترتاح إليه النفوس وتقر به العيون باطنًا
وظاهرًا ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِم﴾ [الفتح: ٢٩] فلما فوته عوقب بضده من سواد الوجه
وغيره وشناعة الخلقة؛ لأن الجذام علة يحمر منها العضو ثم يسود وينقطع ويتناثر
اللحم، وذلك يوجب هجر الناس له ونفرتهم عنه ما أمكن استقذارًا له وخوفًا من
شره.
ومن ثم قال لي: ((فر من المجذوم فرارك من الأسد))(٤) فالجذام في الحديث على
(١) في الأصل: ((امرئ).
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٧٦)، وأحمد (٢٢٥١٦)، وعبد بن حميد (٣٠٦)، والدارمي (٣٣٤٠)، والطبراني
(٥٣٩١)، والْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ» (١٩٦٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦) وقال: غريب. ثم قال: وذاكرت به محمد بن
إسماعيل، فلم يعرفه واستغربه. وابن خزيمة (١٢٩٧) والبيهقي (٤١١٠) والطبراني في ((الأوسط))
(٦٤٨٩)، وفي («الصغير)) (٥٤٧).
(٤) أخرجه أحمد (٩٩٧٣)، والبيهقي (١٤٦٣٤).

٢١١
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
ظاهره، وقال شارح معناه مقطوع اليد، من الجذم وهو القطع.
وفي ((الغريبين)): احتج أبو عبيد في هذا القول بقول عليَّ، كرم الله وجهه: من
نکث بيعته لقي الله تعالی وهو أحدم لیس له ید. انتهى.
ويرد بأن الأجدم له معنى حقيقي متعارف في الشرع، وهو ما قدمته فلا يجوز
حمله على غيره إلا بدليل لما هو مقرر في ((الأصول)) أن كلام صاحب الشرع يتعين حمله
على معناه الشرعي ما لم يمنع منه مانع شرعي، فحينئذٍ يحمل على اللغة فالعرف، وهذا
له معنی شرعي لم یمنع منه مانع، فوجب حمله علیه لا علی غیره، ویرد احتجاج أبي
عبيد بوضوح فرقان ما هنا وثم؛ لأن البيعة إنما تعقد باليد كما كانوا يفعلون فبين علي
- كرم الله وجهه - أن نكث ما به اليد عقوبته قطع اليد؛ لأنه من جنسه وما هنا
ليس كذلك؛ لأن النسيان السبب في العقوبة أمر قائم بالقلب، وهو رئيس البدن
الذي به صلاحه وفساده، فسرى فساده إلى جميع البدن فابتلي بالجذام في سائر بدنه؛
ليتم محاكاة العقوبة لما به الذنب، ثم رأيت ابن قتيبة صرح بما ذكرته حيث قال:
الأجدم هنا من ذهبت أعضاؤه كلها، وليست يد الناسي أولى بالعقوبة من سائر
أعضائه، فقال: رجل أجدم إذا تهافتت أعضاؤه من الجذام. انتهى.
وابن الأنباري قال: القول ما قال أبو عبيد فإن العقاب لو كان لا يقع إلا
بأطرافه التي باشرت المعصية لما عوقب الزاني بالنار في الآخرة، وبالرجم أو الجلد في
الدنيا. انتهى.
ويرد بأنا لم ندع الحصر الذي ذكره بقوله: لو كان لا يقع ... إلخ، وإنما وجهنا ما
وقع العقاب فيه بالجارحة المباشرة للمعصية في أن ناسي القرآن يعاقب بجذام البدن
كله، وناكث البيعة تقطع يده فقط فلا يرد علينا ما ذكر في الزاني، على أن لما ذكر فيه
حكمة أخرى في غاية الوضوح هي أن الذكر به التناسل وبقاء العالم، فلم يناسب
العقوبة بقطعه مطلقًا، وإنما عوقب بذلك؛ لأن اللذة في الزنا عمت جميع أعضاءه
فناسب إيلامها جميعًا بالحد في الدنيا والنار في الآخرة فتأمله.

٢١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وقيل معناه: إنه أجزم الحجة لا لسان له يتكلم فلا حجة في يده، واليد يراد به
الحجة ألا ترى أن الصحيح اليد يقول لصاحبه: قطعت يدي؛ أي: أذهبت حجتي، ويرد
بأنه تجَوز بعيد فلا يصرف عن ظاهره إليه من غير حاجة إليه، لما علمت من صحة
إجراء اللفظ على ظاهره بل تعينه، وقال الخطابي معناه ما ذكره ابن الأعرابي؛ أي: خالي
اليد عن الخير، وکنی باليد عما تحویه الید. انتهى.
ويرد بنظير ما رددت به الذي قبله من أنه مجاز ولا حاجة إليه بوجه؛ إذ لا
أبلغية فيه بل حمله على الظاهر المتعين في مثل ذلك من كل ما صح فيه إجراء النص
على ظاهره أبلغ وأظهر، وقول الشارح عقب كلام الخطابي هذا، ويطابقه قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ
تُنسَى﴾ [طه: ١٢٦] انتهى.
ويرد بأن هذا لا مطابقة فيه ولا تأييد لاختلافهم في ذكري، والمشهور أنه
الإيمان، وفي العمى هل هو عمى البصر والبصيرة، أو عمى البصيرة كناية عن عدم
الحجة؟ وإذا كان الأمر كذلك فلا مطابقة في الآية ولا تأييد كما تقرر.
٢٢٠١ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَ قَالَ:
لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِهِ قَالَ: لَمْ
يَقْقَهْ) أي: لم يفهم ما طلب منه من تدبير القرآن وفهم معانيه الظاهرة بحسب ما
يمكنه استحضاره منها عند مروره عليه (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) من الأيامِ؛
لأن غاية أمر من قرأ منه في كل يوم وليلة ثلثًا أنه يستحضر بعض المعاني الظاهرة، وأما
من قرأ منه كل يوم أكثر من ذلك فإنه ينقص فهمه وتدبره؛ لأنه يحتاج إلى مراعاة
ألفاظه مع ذلك الاستعجال، وهو مشتغل عن التدبر والتفهم، أي اشتغال وجعلت
(١) أخرجه أبو داود (١٣٩٤)، والترمذي (٢٩٤٩)، وابن ماجه (١٣٤٧)، والْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ»
(٢١٦٨)، والطيالسي (٢٢٧٥)، والدارمي (١٤٩٣)، وابن حبان (٧٥٨).

٢١٣
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
الثلاث غاية في ذلك؛ لأنها تحتمله.
وأما من أراد فهم معانيه على حقيقتها فقد يمضي عمره في فهم آية ولا يحيط بها
بل ولا ببعضها، هذا كله في تفهم معانيه كما علمت، أما الثواب على قراءته فهو
حاصل لمن فهم ومن لم يفهم بالكلية للتعبد بلفظه، بخلاف غيره من الأذكار فإنه لا
يثاب عليه إلا من فهمه ولو بوجه ما، وجرى على ظاهر الحديث جماعة من السلف
وكانوا يختمون في ثلاث دائمًا، وكرهوا الختم في أقل من ثلاث ولم يأخذ به آخرون نظرًا
إلى أن مفهوم العدد ليس بحجة، وهو الأصح عند أكثر الأصوليين، فختمه جماعة في
يوم وليلة مرة، وآخرون مرتين، وآخرون ثلاث مرات، وبعضهم ثماني ختمات أربعًا
ليلاً وأربعًا نهارًا، وختمه في ركعة من لا يحصون كثرة.
نعم ذمت عائشة من يختمه ثلاثًا في ليلة، واستدلت بأنه المعروف خلاف من
حاله وَّة، وزاد آخرون على الثلاث فختمه جماعة مرة في كل شهرين، وآخرون في كل
شهر، وآخرون في كل عشر، وآخرون في كل سبع أسبوع إلى أربع.
قال بعضهم: وأوسط الأمور وأحسنها ما جاء عن أكثر الصحابة وغيرهم من
ختمه في سبع، روى الشيخان أنه ﴿4﴾ قال لعبد الله بن عمرو: «اقرأه في سبع ولا تزد
على ذلك))(١) قال النووي بعد ذكره ذلك: والمختار أن ذلك يختلف باختلاف
الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر اللطائف والمعارف فليقتصر على قدر
يحصل له كمال فهم ما يقراؤه، ومن اشتغل بنشر العلم أو فصل الحكومات من مهمات
المسلمين فليقتصر على قدر لا يمنعه من ذلك، ولا يختل ما هو مرصد له، ومن لم
يكن من هؤلاء فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملال والهذرمة.
٢٢٠٢ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ
كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ
(١) أخرجه البخاري (٤٧٦٧)، ومسلم (١١٥٩)، وأبو داود (١٣٨٨)، والبيهقي (٣٨٦٣).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٩١٩) وقال: حسن غريب، وأبو داود (١٣٣٥)، وأحمد (١٧٤٠)، والنسائي
=

٢١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وَالدَّارِمِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسنُّ غَرِيبٌ].
(وَعَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ بَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ
بِالصَّدَقَةِ) وحكمه أنه إن جهر بها ليقتدي به فيها أهل الأموال فيخرجونها كما
يخرجها، أو ليكثر وقوعها في أيدي مستحقيها أو نحو ذلك من الأعذار، وقد أمن على
نفسه الإعجاب والرياء والفخر والخيلاء كان سنة، وإلا كان مكروهًا أو حرامًا،
فكذلك القراءة من جهر بها ليقتدى به فيها أو ليتلقاها الناس عنه لكونه أحاط بعلم
القراءات، وأحسن الأداء وأمن الرياء، وما مر معه ولم يشوش على مصلٍّ أو نائم كان
سنة، وإلا كان مكروهًا كما يأتي بما فيه (وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ) فكما أنه
يسن الإسرار بالصدقة حيث لا مصلحة في الجهر، فكذا يسن هنا.
والحاصل أنه يسن أن يجهر بالقراءة إن أمن رياء أو إعجابًا أو غيرهما من
القبائح، أو تأذى أحد برفع صوته كمصلٍّ أو نائم أو قارئ آخر؛ لأن العمل فيه أكثر؛
ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين؛ ولأنه يوقظ قلبه القارئ ويجمع همه إلى الفكر
ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم ويزيد في النشاط، فإن لم يأمن ذلك ندب له الإسرار
كما صرَّح به النووي في كتبه، ولا يبعد حمله على توهم الرياء دون تحققه وهو ظاهر،
أو على تأذًا خفيف أو على ما إذا رجحت مصلحة القراءة على مصلحة تركها، كما يشير
إليه كلام النووي في ((فتاويه)) أما إذا حصل بها تأذًا شديد، ولم تترجح مصلحتها فلا
يبعد القول بحرمتها حينئذٍ، وعلى القول بها فينبغي تقييدها بمن لم يسبق نومه على
قراءة هذا، وكذا صلاته في غير مسجد، أما فيه فينبغي الحرمة وإن تأخر الشروع فيها
عن الشروع في القراءة، ويلحق بها نحوها من الأذكار فيما يظهر؛ لأن كلاً عبادة بذاتها
بخلاف النوم لا يكون عبادة إلا بالفصل.
=
(٢٣٤٢)، وابن حبان (٧٣٤)، والطبراني في ((الشاميين)) (١١٦٤)، والبيهقي (٤٤٨٨) وفي («شعب
الإيمان)) (٢١٣١)، والديلمي (٢٦٢٣)، والحاكم (٢٠٣٨).

٢١٥
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
قال النووي: وما تقرر من أن الجهر أفضل تارة والإسرار أفضل أخرى
جمع به العلماء بين الأخبار المقتضية لأفضلية الرفع والأخبار المقتضية
لأفضلية الإسرار، وبما قررته في هذا الحديث يعلم أنه مصرح بالجمع المذكور
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدْ وَالدَّارِمِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسنُ
غَرِيبٌ).
٢٢٠٣ - [وَعَنْ صُهَيْبٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ
تَحَارِمَهُ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ).
(وَعَنْ صُهَيْبٍ عَهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَ: مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ
تَحَارِمَهُ) ذكر الجميع ليس بقيد للإجماع على أن من استحل محرمًا مجمعًا على تحريمه
معلومًا من الدين بالضرورة كان كافرًا، وكثير من محارم القرآن؛ أي: المحرمات التي
نص عليها معلوم تحريمها من الدين بالضرورة، وخص القرآن بالذكر مع أن من
استحل ما ذكر لا يكون مؤمنًا بالله ولا برسله ولا بغيرهما مما يجب الإيمان به؛ لأنه
الدال فيكون الكفر به مطابقة ولغيره تضمنًا أو استلزامًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثُ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ).
٢٢٠٤ - [وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةً عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ أَنَّهُ سَأَلَ
أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ بَ﴾ فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ].
(وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ
سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ) أي: تصف (قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا) إما
بأن يقول ذلك أو بأن يقرأ قراءة كذلك، ثم يقول هكذا كانت قراءته والر والأول هو
المتبادر هنا، بل وفي قوله تعالى: ﴿وَتَصِفُ أُلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] أي: بقوله
(١) أخرجه الترمذي (٢٩١٨)، والطبراني (٧٢٩٥)، والْبَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (١٧٣).
(٢) أخرجه الترمذي (٣١٧٣) وأحمد (٢٧٢٨٥) والنسائي (١٦٤٠) والبيهقي في ((سننه)) (٤٩٠٠).

٢١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
ومن هذا أو غيره كالحديث الصحيح: ((كانت قراءته ◌َّ﴿ مفسرة حرفًا حرفًا))(١) و((كانت
مدَّا يمد في البسملة الله والرحمن والرحيم)(٢) أخذ أئمتنا قولهم: ويسن إجماعًا ترتيل
القراءة للتدبر وغيره، وهو الانتقال من حرف إلى آخر بتأنٍّ بلا وقفة لقوله تعالى:
﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ٤] ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير وأشد تأثيرًا في
القلب، ولهذا يسن حتى للأعجمي الذي لا يفهمه، ويكره اتفاقًا إفراط إسراعها.
قال الأئمة: وحرف ترتيل أفضل من حرف في غيره بالحدر في قدر ذلك الزمن،
بل قال ابن عباس: لأن اقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله بغير ترتيل،
وروى أبو يعلى: ((في أمتي قوم يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل))(٣) وذهبت جماعة إلى
تفضيل كثرة القراءة عددًا، قال ابن الجزري في ((النشر)): وأحسن بعض أئمتنا فقال:
ثواب قراءة الترتيل أجلَّ قدرًا وثواب الكثرة أكثر عددًا. انتهى.
وقولهم في الاتباع ما يربو على كثرة الثواب يرد على هذا التفضيل الموهم
للتساوي، وفي ((البرهان)) للزركشي كمال الترتيب تفخيم ألفاظه والإبانة عن حروفه،
وألا يُدغم حرفًا في حرف؛ أي: في غير موضع الإدغام، وقيل: هذا أقله وأكمله أن يقرأه
على منازله، فإن قرأ تهديدًا لفظ به لفظ المتهدد، أو تعظيمًا لفظ به على التعظيم (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ).
٢٢٠٥ - [وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجِ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةً عَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رَضِي اللهُ عَنْهَا -
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ: (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ
يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ يَقِفُ (٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ؛ لأَنَّ
اللَّيْثَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ،
(١) أخرجه أحمد (٢٧٣٢٣)، والترمذي (٣١٧٣)، والنسائي (١٠٣٠)، والبيهقي (٤٩٠٠).
(٢) أخرجه ابن حبان (٦٤٢٣).
(٣) ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٦١٤/١).
(٤) أخرجه الترمذي (٣١٧٧).

٢١٧
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ].
(وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجِ عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِي اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَ﴿ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ) بدل من يقطع (﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثُمَّ
يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ يَقِفُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ
بِمُتَّصِلٍ؛ لأَنَّ اللَّيْثَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَ بْنِ مَمْلَكٍ عَنْ أُمِّ
سَلَمَةَ، وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ).
غاية ما فيه: أن سند هذا الحديث الأول منقطع، فبفرض أنه لم يرد متصلاً،
فكيف وقد ورد كذلك؟ الحجة فيه لما مرَّ أن النووي نقل الاتفاق على أن الحديث
الضعيف والمرسل والمنقطع ونحوها يعمل به في فضائل الأعمال كما هنا، وقد أخذ من
هذا الحديث وغيره أئمتنا أنه يسن لقارئ ((الفاتحة)) أن يقف على كل آية من آياتها
إتباعًا لرسول الله وَ لّ، نعم البسملة عندنا آية من ((الفاتحة)) ولا يسن الوقف عليها، بل
يسن وصلها بالفاتحة والوقوف على العالمين.
هذا حاصل فقه الحديث فطعن فيه بعقله وبالغ في ذلك بما لا سند له فيه إلا
مجرد تخيل أوحيه عدم رعاية القواعد الحديثية، فقال: هذه الرواية ليست بسديدة في
الألسنة ولا بمرضية في اللهجة العربية، بل هي ضعيفة لا يكاد يرتضيها أهل
البلاغة.
وعلل ذلك بأنه ليس هنا وقف حسن ولا تام، وهو يلير أفصح الناس؛ أي:
فكيف يقف على غير ذلك؟ وبأن الترمذي قال: الأول أصح وعجيب من شارح شافعي
كيف اختار هذا التخيل الفاسد مع أحد أئمته بما في هذا الحديث، ومع سقوط ما
استدل به ذلك المتخيل وبيانه أن قوله: ((ليست بسديدة ... إلخ)) في غاية سوء الأدب؛ لما
تقرر من اتفاقهم على حجيتها والعمل بها واستبعاده، وقفه وسلم على غير الوقف التام
والحسن ليس في محله؛ لأن ((الفاتحة)) سبع آيات بنص أنها السبع المثاني السابق في
فضائلها؛ فاحتاج قل إلى بيان تلك السبع، فوقف على رأس كل آية ليعلم أمته بتلك

٢١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
السبع الآيات.
فالوقف على رؤوس الآي؛ لهذه المصلحة التامة واستدلاله على ما شنع به بقول
الترمذي: ليس في محله؛ إذ الترمذي لم يقل ذلك، وإنما قال: وحديث الليث أصح،
وهذا يفيد غاية الحجية؛ لأن الليث روى هذا الحديث متصلاً، والقاعدة أن الحديث
إذا ورد من طريق متصلاً ومن طريق منقطعًا فالحكم للمتصل سيما وهو هنا أصح،
فاتضحت الحجية في هذا الحديث وأنه لا غبار عليها.
وإن سلمنا أن هذه العبارة لا تفيد صحته أخذًا من قولهم في قول الحفاظ: هذا
أصح شيء في الباب أنه لا يفهم صحته؛ لأن الأصحية قد تكون لضعيف بالنسبة إلى
ضعيف آخر، فقد تقررت حكاية الاتفاق بل الإجماع لكنها معترضة على أن مثل ذلك
حجة.
ثم رأيت الشارح وجه الوقف على ((العَالَمِينَ)) و((الرَّحِيمِ)) من حيث المعنى بما
حاصله أن ﴿رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] يشير إلى ملك أولي العلم؛ أي: بل الخلق كلهم
في الدنيا و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يشير إلى تصرفه فيهم في الآخرة و﴿الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] متوسط بينهما؛ ولذلك قيل: ((يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة)) ولا
حاجة بنا في الرد على ذلك الشارح إلى هذا؛ لأنا بينًا أن حكمة الوقف إنما هي بيان
رءوس الآي الذي أخذ منه أئمتنا أن الوقف على ذلك كسائر رءوس الآي في ((الفاتحة))
سنة.
(الفصل الثالث)
٢٢٠٦ - [عَنْ جَابِ﴾ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَفِينَا
الأَعْرَائِيُّ وَالعَجَبِيُّ، فَقَالَ: اقْرَؤُوا فَكُلُّ حَسَنَّ، وَسَيَجِيءُ أَقْوَامُ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ،
يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))].
(١) أخرجه أبو داود (٨٣٠)، والبيهقي في (الشعب)) (٢٥٣٨).

٢١٩
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
(عَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَتَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَفِينَا
الأَعْرَائِيُّ وَالعَجَيِيُّ) وفي نسخة: ((والأعجمي)) والمراد بها هنا واحد، وظاهر أنهم ليسوا
منحصرين في هذين القسمين بل أن هذين مندرجان في جملة الصحابة الذين هم
العرب، وهم هنا [ ....... ] الذين سكنوا البادية أو الحاضرة، اسم جمع لا واحد له من
لفظه؛ أي: وفينا الأعراب، وهم سكان البوادي من العرب الذي لا يدخلون العمران
إلا لحاجة، والعجم وهم من يتكلمون بغير لسان العرب.
(فَقَالَ: اقْرَؤُوا فَكُلُّ) من قراءة الفرق الثلاث (حَسَنُ) إذا قدمتم الثواب الآجل
يوم القيامة على الرفق العاجل في هذه الدار، سواء أقمتم ألسنتكم إقامة السهم أم لا،
بخلاف من آثر العاجل فقرأ للدنيا، وتعجيل رفقها الذي يعطاه من الناس فإنه لا يعبأ
به، وإن قوم لسانه به كما أفاد ذلك كله قوله: (وَسَيَجِي ءُ أَقْوَامُ يُقِيمُونَهُ) أي: يبالغون في
تحقيق حروفه وإخراجها من مخارجها (كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ) أي: السهم ومع ذلك هم
مذمومون غاية الذم وملامون أقبح اللوم؛ لأنهم راعوا هذا الأمر السهل التابع مع بناء
الأمر فيه على دفع الحرج، والمساهلة في مخارج الحروف بحيث يصدق على الحرف أنه
خرج من أدنى مخرجه من غير مبالغة، ولا إعمال فكر يشوش الخشوع ويمنع الفهم،
وغفلوا عن الأمر المهم المقصود من القارئ بالذات وهو الإخلاص في القراءة، والتفكر
في معانيها والخوض في عجائبها.
وزادوا في القبح أنهم ضموا إلى هذه الغفلة أنهم إنما يقرأونه لأجل الحطام
الفاني الذي (يَتَعَجَّلُونَهُ) أي: يأخذونه من الناس عاجلاً (وَلَا) يقصدون به حيازة
الثواب الأعظم الذي (يَتَأَجَّلُونَهُ) أي: ينتظرونه في الآجل، وهو الآخرة، فقراءتهم
كذلك عرية عن الإخلاص فلا ثواب فيها، وعن ذلك التفكر والغوص بصرفهم همتهم
إلى تحقيق الحروف لا غير.
وهذا من تسويل شيطان ؤُكُّل بالقراء؛ ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله
والتفكر فيها، فلا يزال يحملهم على ترديد الحروف، ويخيل إليهم أن الحروف لم تخرج

٢٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
من مخرجها حتى يقصر تأملهم على ذلك، ويمنعهم من أن ينكشف لهم شيء من المعاني
ويصيرهم أعظم ضحكة، فلا يزال يسخر بهم دائمًا ويسول إليهم الباطل حقًّا،
والكذب على الله صدقًا، وهذا أحد الأسباب والحجب التي أسدلها الشيطان على قلوب
أكثر الناس حتى عميت عليهم عجائب أسرار القرآن، وتعطلت عليهم أسباب فهم
معانيه فضلاً عن تدبرها، والغوص في عجائبها، ذكره حجة الإسلام في ((إحيائه)) (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدِ وَالْبَيْهَفِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))).
٢٢٠٧ - [وَعَنْ حُذَيفَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ العَرَبِ
وأصواتِها، وإِيَّكم ولُحُون أَهْلِ الفِسْق، ولُون أهْلِ الكِتَابِيْنِ، [وَسَيَجِيءٌ](١) بَعْدِي
أَقْوَامُ يُرَجِّعُونَ بالقرآن تَرْجِيعَ الغِناءِ والنَّوْحِ، لا يَجَاوِزُ حَناجِرَهم، مَفْتُوَنَةٌ قُلُوبُهم
وَقُلُوبُ الذين يُعْجِبُهُمْ شَأَنُهُمْ(٢). رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)) وَرَزِين فِي كِتَابِهِ].
(وَعَنْ حُذَيفَةٍ ضَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ العَرَبِ) هو
كالألحان جمع: لحن، وهو التطريب وترجيع الصوت وتحسين القراءة أو الشعر أو الغناء
(وأصواتِها، وإيَّاكم ولُحُون أَهْلِ الفِسْق، ولُون أهْلِ الكِتَابِيْنِ) التوراة والإنجيل، وهي
الأصوات المخرجة على النقرات الموسيقية والحركات الطبيعية التي تخرج القرآن عما
قصد منه من التدبر والخشوع، وحروفه عن مخارجها التي يجب رعايتها، وحقوق أدائها
التي يحل تركها بموضوعها ودرايتها.
(وَسَيَجِيءُ بَعْدِي أَقْوَامُ يُرَجِّعُونَ بِالقُرَآن تَرْجِيعَ الغِناءِ والنَّوْح) أي: يرددون
حروفه ترديدًا مخرجًا لها عن موضوعها إذا لم يتأت تلحينهم على أصول النغمات إلا
بذلك (لا يَجَاوِزُ) القرآن (حَناجِرَهم) جمع: حنجرة، وهي رأس الغلصمة الناتئ من
خارج الحلق؛ أي: لا يجاوز ذلك الحلقوم؛ ليتأمله القلب ويتفكر فيه، بل هو في الفم
فقط يتلاعب به تلاعبه بالغناء والشعر.
(١) في الأصل: وسيأتي.
(٢) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٢٥٤١)، والطبراني في «الأوسط)) (٧٤٣٠).

٢٢١
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
(مَفْتُوَنَةٌ قُلُوبُهم) إذ لم يحصل لها أدنى خير ولا فكر ولا تأمل ولا غوص على
معنى مما يتلفظ به الفم، وإنما هي في غفلتها ولهوها واستغراقها في تلك الألحان
القبيحة الموجبة لتعطلها عن تطرق أدنى نقيصة إليها (وَقُلُوبُ الذين يُعْجِبُهُمْ شَأَنُهُمْ)
لما تقرر من قباحة شأنهم، ومن أعجبه القبيح فهو فاسد القلب حقيق بالعطب
والسلب (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) وَرَزِين فِي كِتَابِهِ) والطبراني.
وبهذا الحديث مع الأحاديث السابقة في الفصل الأول والفصل الثاني، والآتية
قريبًا يعلم أن الحق ما رآه أئمتنا من التفصيل في هذه المسألة، حيث قالوا: يسن إجماعًا
أن يقرأ بتحسين الصوت لخبر: ((من لم يتغنَّ بالقرآن، فليس منا))(١) إسناده جيد،
ومعنی «لم یتغن»: لم يحسن صوته.
وروى الطبراني: ((حسن الصوت زينة القرآن))(٢).
والحاكم وغيره: ((حسِّنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن
حسنًا))(٣).
وعبد الرزاق وغيره: ((لكل شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن))(٤).
قالوا: فإن لم يكن حسن الصوت حسَّنه ما استطاع، ويسن بالاتفاق طلب
القراءة من حسنه والإصغاء إليها لما صح أنه وتل﴾ قال لأبي موسى: «لقد أوتيت مزمارًا
من مزامير داود)) (٥).
(١) أخرجه البخاري (٧٠٨٩)، وأحمد (١٥٤٩)، وأبو داود (١٤٧٠)، وابن حبان (١٢٠)، والبيهقي
(٢٠٨٣٥)، وابن عساكر (٢٤٢/٥١)، وعبد الرزاق (٤١٧٠)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٤٢)، والطيالسي
(٢٠١)، والدارمي (١٤٩٠)، والحاكم (٢٠٩١)، والضياء (٩٧١).
(٢) أخرجه الطبراني (٩٨٨١).
(٣) أخرجه الدارمي (٣٥٠١)، والحاكم (٢١٢٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢١٤١).
(٤) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٥٣١)، وعبد الرزاق (٤١٧٣)، والخطيب (٢٦٨/٧)، والضياء
(٢٤٩٦)، وابن عدي (١٣٣/٤).
(٥) أخرجه البخاري (٤٧٦١)، والترمذي (٣٨٥٥).

٢٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وأنه قال: ((لقد رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة))(١).
وروى ابن ماجه: «الله أشد أذنًّا - أي: استماعًا - إلى الرجل الحسن الصوت
بالقراءة من أصحاب القينة إلى قينتهم))(٢) ومن ثم كان ذلك عادة الأخيار والصالحين،
وقد مات جماعة منهم بقراءة من سألوه القراءة، وقراءته تحزينًا من أحب ما يقرأ به،
وهو تليين الصوت وترقيقه.
روى الطبراني: ((أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن فيه)»(٣).
وأبو يعلى: ((اقرأ القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن))(٤).
وجاء أن أبا هريرة قرأ ((التكوير)) بتحزين يشبه الرثاء، ومع ذلك فليحرص على
تفخيمات الحروف.
ومن ثم قال الحليمي: فأخبر أنه وَّه قال: ((نزل القرآن بالتفخيم)) (٥) رواه
الحاكم، ومعناه أن يقرأ على قراءة الرجال، ولا يخضع الصوت به فيكون مثل كلام
النساء، وليس من هذا الإمالة التي هي اختيار بعض القراء؛ لأنه وإن نزل بالتفخيم
لكن رخص مع ذلك في إمالة ما يحسن إمالته.
قال أئمتنا: ولا بأس بقراءته بالألحان الموضوعة إن لم يفرط؛ لأنها تزيد في
تحسينه، ومن ثم قال جمع متقدمون منهم: ندب الألحان في هذه الحالة، أما إذا أفرط في
المد والإشباع فزاد حرفًا أو أسقطه من الحركة، أو أدغم في غير موضع الإدغام أو مد
مقصورًا، أو قصر ممدودًا أو مطط حتى خفي بعض اللفظ والتبس المعنى، فيحرم بل
يفسق به القارئ، ويأثم المستمع؛ لأنه عدل به عن نهجه القويم.
(١) أخرجه مسلم (١٨٨٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٠٠٢)، وابن ماجه (١٣٤٠)، وابن حبان (٧٥٤)، والطبراني (٧٧٢)، والحاكم
(٢٠٩٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢١٤٤)، والديلمي (٤٩٥٦).
(٣) أخرجه الطبراني (١٠٨٥٢).
(٤) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٩٠٢)، وأبو يعلى في ((معجمه)) (١١٠)، والديلمي (٣١٣).
(٥) أخرجه الحاكم (٢٩٠٨) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٢٩٠).