Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦٣
كتاب فضائل القرآن
فيها؛ أي: تجتمع.
(إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحَّ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ الله ◌ِهَ يَتَعَوَّذُ بِـ ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ
الْفَلَقِ﴾ وَ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾﴾ أي: بالسورتين المشتملتين على ذلك ويعوذنا بهما
لإظهار حقيقة الافتقار والاحتياج إلى الله تعالى في كل شيء لا سيما في المخاوف،
ولتعليم عقبه ذلك لينقله إلى الأمة فيعملوا بذلك، ويجوز وأفضلها في التعوذ الذي لا
يوجد في غيرهما كما دل على ذلك قوله: (وَ) الحال أنه كلما فرغ من قراءتهما.
(يَقُولُ: يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوَّذٌ بِمِثْلِهِمَا) ومن ثم لما سحر
مكث مسحورًا سنة حتى أنزل الله عليه ملكين يعلماه أنه يتعوذ بهما، ففعل فزال
عنه ما كان يجده من السحر، وبذلك علم أنه لا أبلغ في إزالة السحر وعدم تأثيره من
المداومة عليها لا سيما عقب كل صلاة كما جرب (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
٢١٦٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ خُبَيْبٍ ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ
نَظْلُبُ رَسُولَ الله ◌َّهِ فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقَالَ: قُل، قُلْتُ: ومَا أَقُولُ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾
وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ(١). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ خُبَيْبٍ ، قَالَ: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ
رَسُولَ اللهِ وَِّ) ليلحقه في مسيره الذي هو ذاهب إليه (فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقَالَ) لي (قُل) أي:
أقرأ كما علم مما يأتي (قُلْتُ: ومَا أَقُولُ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدُ﴾ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ) أي: أقرأ
هذه السور الثلاث الملقبة: (هُوَ اللهُ أَحَدُّ)) و((المعوذتين)) (حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ) هذه السور الثلاث؛ أي: تدفع عنك.
(مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أي: كل سوء فـ(امن)) زائدة في الإثبات على مذهب جماعة، بل
وعلى مذهب الجمهور؛ لأن (يكفيك)) متضمنة للنفي كما علم من تفسيرها يندفع،
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٨٢)، والترمذي (٣٥٧٥)، والنسائي (٥٤٤٣)، وعبد بن حميد (٤٩٤)،
والضياء (٢٤٩).

١٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
ويصح أن يكون لابتداء الغاية؛ أي: تدفع عنك من أول مراتب السوء إلى آخرها، أو
تبعيضية؛ أي: بعض كل نوع من أنواع السوء، قيل: ويحتمل أن يكون المعنى يغنيك
عن كل ما عداها وتبصرة الحديث الآتي وفيه نظر؛ لأن الآتي في: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
الفَلَقِ﴾ [الفلق] وحدها والفضائل لا قياس فيها فالوجه ما بينا ذكره ثم (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَأَبُو دَاوُدْ وَالنَّسَائِيُّ).
٢١٦٤ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله أَقْرأُ سُورَةَ هُودٍ أَوْ
سُورَةَ يُوسُفَ؟ فَقَالَ: لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ الله مِنْ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾(١). رَوَاهُ
أَحْمَدِ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمُّ].
(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِر ◌َ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله أَقْرَأُ) أي: أأقرأ (سُورَةَ هُودٍ أَوْ
سُورَةَ يُوسُفَ؟ فَقَالَ: لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ الله) أي: في التعويذ من كل سوء (مِنْ ﴿قُلْ
أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ رَوَاهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) وبما قررته في معنى تكفيك السابق،
وأبلغ هنا ترتب عليه استشكال الحديثين؛ لأن هذه إذا كفت في التعويذ من كل شيء فما
وجه ذكر الثلاثة في الحديث الأول: وقد يجاب بنظير ما مر في صلاة الجماعة: ((تعدل
صلاة الفذ بخمس وعشرين))(٢). وفي رواية: ((تسع وعشرين)) من أنه وَليّ كان يخبر
بالقليل أولاً، ثم بالكثير إعلامًا بمنة الله عليه، ومنته على أمته؛ إذ لم يعطوا ذلك إلا
بسببه، فكذا هنا أخبر ◌َّ بأن الثلاثة تكفي من كل سوء، ثم أعظمت المنة عليه فأخبر
بأن وسطها خلاصتها في أن تلك الكفاية تحصل بها وحدها، ويمكن الجمع أيضًا بجعل
من كل سوء خاصًّا بالثلاث وهو ما في الحديث الأول، وجعل كون: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
الفَلَقِ﴾ [الفلق] أبلغ عند الله؛ أي: في كفاته شيء مخصوص من أنواع السوء.
ويحتمل على بعد أن المراد هنا أبلغ من ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ)) أي: و((الإخلاص))
((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)) بقرينة ما مر في الحديث الأول، وحينئذٍ يتفق الحديثان، نعم مر
(١) أخرجه أحمد (١٧٩١٨)، والنسائي (٥٤٥٦)، وابن حبان (٧٥)، والدارمي (٣٥٠٢).
(٢) تقدم تخريجه.

١٦٥
كتاب فضائل القرآن
في حديث مسلم في المعوذتين: ((لم يرَ مثلهن))(١) أي: ويلحق بهما في ذلك سورة
((الإخلاص)) لما في الحديث السابق.
(الفصل الثالث)
٢١٦٥ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ، وَاتِبِعُوا
غَرَائِبَهُ)) وَغَرَائِبُهُ: فَرَائِضُهُ وَحُدُودُهُ(٢)].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ) أيها العلماء
بالقرآن؛ أي: بينوا ما دلت عليه آياته من غرائب الأحكام وبدائع الحكم، وخوارق
المعجزات، ومحاسن الآداب والأخلاق، وأوضحوا ذلك كله للمتعلمين؛ ليعملوا به،
وبلغوا سوابق الخيرات وسوابغ الكرامات بسببه، أو بينوا إعراب مشكل ألفاظه
وعباراته، ومحامل محمله ومكنون إشاراته، وما يرتبط بتلك الإعرابات من المعاني
المختلفة باختلافها؛ لأن المعنى تبع للإعراب كما قيل، وإن الإعراب تبع للمعنى كما
قیل أيضًا، لكن باعتبارین فلا تناقض بين القولين.
قال بعض المتكلمين على إعراب القرآن: ومن فوائد معرفته معرفة المعنى؛ لأن
الإعراب يميز المعاني ويوقف على إعراض المتكلمين، وقد قال الحسن البصري لمن سأله
عمن يتعلم علم العربية ليقم بها قراءته: حسن ذلك يا بن أخي، فتعلمها فإن الرجل
يقرأ الآية فيعي وجهها فيهلك فيها، وأول واجب على معرب القرآن أن يفهم معنى ما
يريد إعرابه على ما هو المراد من الآية بحسب ما قاله أئمة التفسير فيها، فإن الإعراب
فرع المعنى؛ ولهذا امتنع إعراب أوائل السور المتشابهة التي استأثر الله بعلمها على
القول الأشهر.
ومن ثَمَّ قالوا في توجيه نصب ((كلالة)) على المصدر وأنه يتوقف على معرفة المراد
بها، فإن كان اسمًا للميت فهو حال، و((يورث)) خبر كان، أو صفته وكان تامة، أو ناقصة
(١) أخرجه مسلم (٨١٤)، والترمذي (٢٩٠٢) والنسائي (٥٤٤٠)، وأحمد (١٧٣٤١).
(٢) أخرجه الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٢٩٣).

١٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
و(كلالة)) خبر أو اسمًا للورثة، فهو بتقدير مضاف؛ أي: ذا كلالة، وهو أيضًا حال أو
خبر كما تقدم أو للقرابة فهو مفعول لأجله.
وقوله: ﴿سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي﴾ [الحجر:٨٧] إن أريد ((بالمثاني)): القرآن فـ((من))
تبعيضية، أو: الفاتحة فبيانية.
قال ابن هشام: وقد زلت أقدام كثير من المعربين راعوا ظاهر اللفظ دون المعنى
المراد، كزعمهم في: ﴿أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧] إنه عطف على ﴿أُن
تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ فإنه باطل؛ لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاؤون،
وإنما هو عطف على ﴿مَا يَعْبُدُ﴾ فهو معمول للترك والمعنى: ((أن نترك)): أن نفعل.
ويتعين على المعرب بعد أن يراعي المعنى المراد أن يراعي قواعد الإعراب، ومن
ثم أخطأ من قال في: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ [النجم: ٥١] أنه معمول لأبقى؛ لأنه غفل عن
أن ((ما)» النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، بل هو معطوف على ﴿عَاداً﴾ وبتقدير
وأهلك ثمودا، وقس على ذلك.
(وَاتِبِعُوا غَرَائِبَهُ) ليس المراد هنا غرائبه باعتبار اللغة؛ ولذا فسرها بقوله:
(وَغَرَائِبُهُ) المراد بها هنا (فَرَائِضُهُ) وهي ما يلزم المكلف إيقاعه أو آيات المواريث
(وَحُدُودُهُ) أي: أحكامه أو ما يطلع به على خفايا أسراره ومخبئات رموزه، قيل: وهذا
التأويل قريب من معنى ما ورد: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر
وبطن ولكل حد مطلع))(١) فقوله: ((أعربوا)) إشارة إلى ما ظهر منه، وفرائضه وحدوده إلى
ما بطن منه، ولما كان الغرض الأصلي هذا الثاني قال: ((واتبعوا)» أي: شمروا عن ساق
الجد في تفتيش ما يعنيڪم، وجدوا في تبصر ما يهمكم ولا تتوانوا فيه. انتهى.
٢١٦٦ - [وَعَنْ عَائِشَة - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي
الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ أَفْضَل
(١) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (٩/١)، وابن حبان (٧٥)، والطبراني (١٠١٠٧)، والطبراني في
(الأوسط)) (٧٧٣)، وأبو يعلى (٥٤٠٣)، والبزار (٢٠٨١).

١٦٧
كتاب فضائل القرآن
مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّسْبِيحُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ،
وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ(١)].
(وَعَنْ عَائِشَةٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِ قَالَ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ)
أي: في قيامها لما مر من النهي عنه في غير القيام (أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي غَيْرِ
الصَّلَاةِ) لأن ﴿الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لما يحصل
للقلب فيها من الخشوع والخضوع، ولا شك أن في القراءة مع ذلك من استغراق
القلب في تدبر القرآن الموجب لمزيد الإقبال على الله تعالى، والتخلق بالأخلاق العالية
ما ليس في القراءة خارج الصلاة (وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَفْضَل مِنَ التَّسْبِيحِ
وَالتَّكْبِيرِ) اللذين لم يطلبهما الشارع في زمن أو مكان أو حال مخصوص، لما هو القاعدة
المقررة عند أئمتنا أن القرآن أفضل من الذكر الذي لم يخص، والذكر الذي خص
بواحد من هذه الثلاثة أفضل من القرآن.
(وَالتَّسْبِيحُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ) هذا مؤول للقاعدة المقررة عند أئمتنا أيضًا أن
العمل المتعدي أفضل من العمل القاصر، ولا شك أن الصدقة من المتعدي والتسبيح
من القاصر، فليحمل ذلك على أنه أفضل منها من وجه؛ لأن فيه استجلاء معنى تنزه
الحق تعالى عن سمات المحدثات بأسرها، وذلك يوجب للقلب التنزه عن كل مذموم
والتحلي بكل محمود، ونظير هذا لا يوجد في الصدقة، فهو أفضل منها من هذه
الحيثية، وهي أفضل منه من حيث ما فيها من التعدي إلى الغير ونفعه (وَالصَّدَقَةُ
أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ) على القاعدة المذكورة وتدل له الآيات، فإن الصلاة ما ذكرت إقامتها
إلا اتُبعت بإيتاء الزكاة والأحاديث كحديث: ((بُني الإسلام على خمس))(٢) فإن الزكاة
قدمت فيه باتفاق الروايات، وإنما اختلفت في الحج والصوم والتقديم والقرن بالأفضل
(١) أخرجه الْبَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٢٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (٨) ومسلم (١٦) وأحمد (٦٠١٥) والترمذي (٢٦٠٩) والنسائي (٥٠٠١) وابن
حبان (١٥٨)، وأبو يعلى (٥٧٨٨)، وابن خزيمة (٣٠٩)، والطبراني (١٣٢٠٣)، والبيهقي (٧٠١٣).

١٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
صريحان أو ظاهران فيما ذكرناه، ولا ينافيه الحديث الصحيح: ((كل عمل ابن آدم
يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي
وأنا أجزي به))(١) ويجاب عنه بنظير ما في الذي قبله من أن الصدقة أفضل من حيث
نفعها المتعدي، والصوم أفضل من حيث ما فيه من الإخلاص؛ لكونه لا يطلع عليه
غير الله، بخلاف سائر الأعمال؛ ولذا لا بعد أن يقال هو من هذه الحيثية أفضل حتى
من الصلاة، وإن كان الأصح عندنا أن الصلاة أفضل العبادات البدنية.
(وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ) أي: وقاية وستر حصين (مِنَ النَّارِ) أي: وإذا كان هذا من فوائد
الصوم المفضول فما بالك بالصدقة التي هي أفضل منه.
٢١٦٧ - [وَعَنْ عُثْمَانَ بن عَبْدِ الله بن أَوْسِ الثَّقَفِيّ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَله: قِرَاءَةُ الرَّجُلِ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ أَلْفُ دَرَجَةٍ، وَقِرَاءَتُهُ فِي
الْمُصْحَفِ يُضَاعَفُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَلْفَيْ دَرَجَةٍ (٢)].
(وَعَنْ عُثْمَانَ بِنِ عَبْدِ الله بن أَوْسِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ:
قِرَاءَةُ الرَّجُلِ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ) أي: من حفظه (أَلْفُ دَرَجَةٍ) أخبر به عن
القراءة بجعلها عين تلك الألف مجازًا كرجل عدل، أو بتقدير مضاف؛ أي: ذات ألف
درجة ونظيره فيهما قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتُ عِندَ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣].
(وَقِرَاءَتُهُ فِي الْمُصْحَفِ يُضَاعَفُ عَلَى ذَلِكَ) أي: القراءة في غير المصحف (إِلَى)
غايتها لانتهاء التضعيف (أَلْفَيْ دَرَجَةٍ) لأنه ضم إلى عبادة القراءة عبادة النظر في
المصحف، فلاشتمال هذه على عبادتين كان فيها ألفان، والأولى على واحدة كان فيها
ألف، ومن هذا أخذ جمع أن القراءة نظرًا أفضل مطلقًا، وقال آخرون: بل غيبًا أفضل
مطلقًا، والحق التوسط فإن زاد خشوعه وتدبره وإخلاصه في أحدهما فهو الأفضل وإلا
فالنظر؛ لأنه يحمل على التدبر والتأمل في المقروء أكثر من القراءة بالغيب.
(١) أخرجه مسلم (١١٥١)، وأحمد (١٠١٧٨)، وابن ماجه (١٦٣٨)، والنسائي (٢٢١٨).
(٢) أخرجه الطبراني (٦٠١)، وابن عدي (٢٩٩/٧)، والْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)» (٢٢١٨).

١٦٩
كتاب فضائل القرآن
٢١٦٨ . [وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ هَذِهِ
القُلُوبَ تَصدَأْ كَمَا يَصدَأُ الْحَدِيدُ إِذَا أَصَابَهُ المَاءُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا جَلَاؤُهَا؟
قَالَ: كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَتِلَاوَةُ القُرْآنِ(١). رَوَى الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ
الْإِيمَانِ)].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ُِّ: إِنَّ هَذِهِ القُلُوبَ)
المعلوم أنها في غاية الرفعة تارة والخسة أخرى؛ لأنها لأبدانها بمنزلة السلاطين
لممالكهم فبصلاحيتها تصلح تلك الأبدان وبفسادها تفسد.
(تَصدَأُ) أي: يحصل لها دنس أي دنس بتوالي الغفلات عليها وتزاحم الشهوات
وسوقها إليها (كَمَا يَصدَأُ الحَدِيدُ إِذَا أَصَابَهُ المَاءُ) أي: كما يحصل له حينئذٍ من الوسخ
الساتر للونه شبه القلوب الطاهرة التي في غاية البياض والإضاءة بمرآة في غاية الصقال
والإضاءة، وما يكسبه من الذنوب الموجبة لتدنس القلوب وسوادها وتعطلها عما
طلب منها من الذكر والفكر، بعدما كانت عليه من غاية الإضاءة والتيقظ قصدًا تلك
المرآة، وما يطرأ عليها من الوسخ المتراكم بعضه على بعض إلى أن يصيرها في غاية
السواد والتعطل عما وضعت له، وهذا هو الـ((ران)) المذكور في قوله عز قائلاً: ﴿كَلَّا بَلْ
رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا جَلَاؤُهَا؟ قَالَ: كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ) ويوافقه قوله ◌َّهِ فِي
الحديث المشهور: ((أكثروا من ذكر هادم اللذات))(٢) أي: قاطعها أو مزيلها من أصلها،
فإنه ما ذُكر في كثير؛ أي: من الأمل الموجب للتمادي في الغفلة والعصيان إلا قلله،
ولا في قليل؛ أي: من الأعمال الموجب لقلتها دواء الفتور والكسل إلا كثّره الجلاء، فهو
الجلاء الذي ما سلطه أحدٌ على قلبه إلا أزال جميع ما فيه من الدنس، وبالغ في صقاله
(١) أخرجه الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٠١٤).
(٢) أخرجه أحمد (٧٩١٢)، والترمذي (٢٣٠٧) وقال: حسن غريب. والنسائي (١٨٢٤)، وابن ماجه
(٤٢٥٨)، وابن حبان (٢٩٩٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٥٥٩).

١٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وتنزهه عن المثالب والعيوب حتى يتم صلاحه، وبه ينصلح جميع بدنه وأحواله كما في
الحديث المشهور.
(وَتِلَاوَةُ القُرْآنِ) فإنها أيضًا الدواء النافع والجلاء المانع؛ لأن القارئ إذا تأمل
كل آية مرت به وما اشتملت عليه إما من الحث على اعتقاد التوحيد والتنزيه
والكبرياء والقهر والجلال والعظمة، وإما من التخلق بالأخلاق الحسنة والتأدب
بالآداب العالية، وإما من التأمل في قصص الماضين والاقتداء بأفعال الممدوحين،
والتجنب عن مساوئ المذمومين، وإما من استجلاء أنوار المعارف وحقائق الحكم
واللطائف، حصل له من جلاء قلبه وغزارة علمه وصلاح باطنه ما أقلع به عن
ساحات الذنوب وازداد بعده عن سائر المثالب والعيوب (رَوَى الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ
الْبَيْهَئِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)»).
٢١٦٩ - [وَعَنْ أَيْفَعَ بْنِ عَبْدِ الْكَلَاعِيّ ◌َ﴿ قَالَ: قَالَ رَجُلُّ: يَا رَسُولَ الله أَيُّ سُورَةٍ
الْقُرْآنِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدُ﴾ قَالَ: فَأَيُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: آيَةُ
الْكُرْبِيِّ ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قَالَ: فَأَيُّ آيَةٍ يَا نَبِيَّ اللّه تُحِبُّ
أَنْ تُصِيبَكَ وَأُمَّتَكَ؟ قَالَ: خَاتِمَةُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَةِ الله تَعَالَى مِنْ
تَحْتِ عَرْشِهِ أَعْطَاهَا هَذِهِ الأُمَّةَ، لَمْ تَتْرُكْ خَيْرًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّ اشْتَمَلَتْ
عَلَيْهِ(١). رَوَاهُ الدَّارِمُّ].
(وَعَنْ أَيْفَعَ) بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح الفاء (ابْنِ عَبْدِ الْكَلَاعِيّ ◌َ﴾)
بفتح الكاف (قَالَ: قَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ الله أَيُّ سُورَةِ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ
أُحَدٌ﴾) لا ينافيه ما مر في الفاتحة: «إنها أفضل سور القرآن»(٢). وفي رواية: ((أخير سور
القرآن)).
(١) أخرجه الدارمي (٣٤٤٣).
(٢) تقدم تخريجه.

١٧١
كتاب فضائل القرآن
وفي أخرى: «أعظم سورة»(١) لأن حديث الفاتحة طرقه كلها صحيحة، بخلاف
هذا الحديث، وأيضًا فالفاتحة صرح فيها بأنها أفضل سور القرآن وبأنها أخيرها ولم
يرد نظير ذلك هنا، فلنحمل الأعظمية هنا على الأفخمية من حيث التوحيد والتقديس
المشتملة عليهما الإخلاص، أو على أنها أعظمها أو بعد الفاتحة والبقرة لما مر فيهما.
(قَالَ: فَأَيُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ
الْقَيُّومُ﴾) وهذا على إطلاقه كما مر بيانه في الفصل الأول (قَالَ: فَأَيُّ آيَةٍ يَا نَبِيَّ الله
تُحِبُّ أَنْ تُصِيبَكَ وَ) تصيب (أَمَّتَكَ؟) أي: فائدتها لا نزولها فإنها نزلت عليه قبل أن
يقول له الرجل ذلك (قَالَ) الذي أحب أن ينالني وأمتي فائدته قبل بقية القرآن (خَاتِمَةُ
سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّهَا) نزلت علي (مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَةِ الله تَعَالَى) العظمى؛ إذ هي (مِنْ)
الخزائن التي (تَحْتِ عَرْشِهِ أَعْطَاهَا هَذِهِ الأُمَّةَ) كرامة لهم لأجلي (لَمْ تَتْرُكْ خَيْرًا مِنْ خَيْرِ
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ) تصريحًا أو إشارة؛ لأنها إلى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن
رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] بينت حقيقة الإيمان المتكفل بكل خير دنيوي وأخروي وما
يعتبر فيه، وفضلت المؤمن به بما لم يبقَ فيه شبهة لبليد فضلاً عن غيره.
ومن: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا﴾ إلى ﴿المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ثبت أن الاستكانة إلى قبول
أمره ونهيه، والذلة إلى امتثال كل ما جاء من حضرته والافتقار إلى مسامحته ومغفرته،
المشعر بأن كل كامل عاجز عن القيام بواجب حقه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم
سلطانه طريق الكُمَّل من خلقه، فيجب علينا التأسي بهم في ذلك والاقتداء بما جاء
عنهم في سائر المسالك الدنيوية والأخروية، وأن الخلق كلهم مَصيرهم إلى الوقوف بين
يدي ربهم ليتجلى عليهم بمظهر غضب لم يتجل عليهم بمثله قبل ذلك ولا بعده،
فينبغي للعاقل أن يتهيأ لما يريحه من ذلك التعب، ويحرسه من كل سوء وعطب.
ومِنْ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا .. ﴾ إلى (اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] بينت رفع
(١) أخرجه البخاري (٤٢٠٤)، وابن خزيمة (٨٦٣)، والطيالسي (١٢٦٦)، وأحمد (١٥٧٦٨)، والنسائي
(٩١٣)، وابن ماجه (٣٧٨٥).

١٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الحرج وهو عدم وقوع التكليف بالمحال لذاته عن هذه الأمة، وأنهم محاسبون بجميع
أعمالهم، لهم حسنها، وعليهم قبيحها وإن من شأن النفس أنها تثابر على المعصية
وتحبها؛ فتهلكها إلا إن حصل لها توفيق إلهي.
ومن: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخرها بينت أن الدعاء لا سيما
بمجامع الخيرات، والدوام على ما أتحفوا به من الخصوصيات سنة الكُمَّل، وأن له فوائد
تقتضي طلبه خلافًا لمن حرم فَهَمَ هذه المعاقد، فظن ألا شيء فيه من الفوائد، وإن من
أعظم ما يدعى به ويرغب في حصوله النصر على الكافرين، فإنه متكفل بصلاح الدنيا
وصلاح الآخرة (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ).
٢١٧٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: فِي فَاتِحَةٍ
الْكِتَابِ شِفَاءُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ(١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ))].
(وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم تولى قضاء
الكوفة بعد الشعبي (مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) أي: قراءتها
بنية الاستشفاء بها مع صدق الوجهة إلى الله تعالى في طلب ذلك، وتفويض الأمور إلى
قدرته تعالى وحدها في سائر المقاصد والمسالك (شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ) باطن أو ظاهر لما
اشتملت عليه من العلوم القرآنية، والمعارف الإيقانية التي لا منتهى لغاياتها، وطلب
الاستعانة من الله في مبادئ الأمور ونهاياتها مع قطع النظر حمله عن السِّوى والبراءة
من كل حول وقوة وهوى (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))).
٢١٧١ - [وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ ﴾ قَالَ: مَنْ قَرَأَ آخِرَ آلِ عِمْرَانَ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ
قِيَامُ لَيْلَةٍ(٢)].
(وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ ﴾، قَالَ: مَنْ قَرَأَ آخِرَ آلِ عِمْرَانَ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ
لَيْلَةٍ) وكان سر ذلك أنها ختمت بتلك الآيات الجامعة التي يسن للإنسان إذا قام من
(١) أخرجه الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٣٧٠)، والدارمي (٣٣٧٠).
(٢) أخرجه الدارمي (٣٣٩٦).

١٧٣
كتاب فضائل القرآن
نومه أن يرفع بصره إلى السماء ثم يقرؤها، وأولها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾
[آل عمران: ١٩٠] إلى آخر السورة، ثم إن أراد قيام الليل تهيأ له مما يطلب الصبر والمثابرة
والمرابطة، ثم يطلب غاية الصبر وما بعده، وهي التقوى التي هي:
إما الأمر العام: المقصود من سائر المكلفين وهو امتثال الأوامر واجتناب المناهي.
وإما الخاص بخواصهم: وهو أن يضم لذلك التخلق بالأخلاق الحسنة والتجنب
عن الأخلاق السيئة.
أو بخواص خواصهم: وهو البراءة مما سوى الله تعالى، ولا شك أن من استحضر
طلب البارئ منه ذلك الصبر وما بعده وكان ممن تأهل لإجابة دواعي التوفيق وموانع
الكسل والتعويق، انفتح له بقراءة تلك الآيات أبواب الهمة في العبادات التي أفضلها
وأنتجها قيام الليل، فكتب له بسبب قراءتها في ليلة قيام تلك الليلة، وأعين بعد ذلك
ببركتها على قيام الليل.
٢١٧٢ [وَعَنْ مَكْحُولٍ ﴾ قَالَ: مَنْ قَرَأْ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّتْ
عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى اللَّيْلِ(١). رَوَاهُمَا الدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ مَكْحُولٍ ﴿ قَالَ: مَنْ قَرَأْ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّتْ عَلَيْهِ
الْمَلَائِكَةُ إِلَى اللَّيْلِ) وكان سر ذلك أن يوم الجمعة عيد المؤمنين، وهذه السورة اشتمل
أكثرها على ما وقع بين رسول الله وَله والنصارى وغيرهم مما أظهر الله به حجة
المؤمنين وأدحض به آراء الملحدين، وأيضا بيَّن الله فيها أن هذه الأمة: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فهذه خصيصة من خصائصها، كما أن يوم الجمعة
كذلك فإذا قَرَأت السورة أمة المحمدين في يومهم الذي خبأه الله لهم، ومیزهم به عن
بقية الأمم ناسب أن يجازى القارئ بأن الملائكة تصلي عليه جميع ذلك اليوم.
(رَوَاهُمَا الدَّارِيُّ) لكن الأول في حكم المرفوع إلى النبي ◌َّ؛ لأنه لا يقال من
(١) أخرجه الدارمي (٣٤٦٠).

١٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
قبل الرأي، فإذا قاله صحابي صغير أو كبير عرف بالأخذ عن الكتب السالفة أولاً: كان
كأنه قال: قال النبي ◌َّله؛ لأن جلالته قاضية بأنه لا يسكت عن شيء، وقد عرف
أن روايته إذا أطلقت إنما تنصرف لما رواه عن النبي ◌ّيم إلا إذا كان رواه عن
النبي ◌ُلّ.
والثاني: ليس كذلك؛ لأن الأصح أن قول التابعي شيئًا لا يقال من قبل الرأي، لا
يكون كالمرفوع فرقًا بينه وبين الصحابي؛ لأن الأخذ عن الكتب القديمة فتطرق
احتماله والسكوت عليه أقرب في التابعي منه في الصحابي لما قدمته قريبًا.
٢١٧٣ - [وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: إِنَّ اللهَ خَتَمَ سُورَةَ
الْبَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أُعْطِيتُهُمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءَكُمْ،
فَإِنَّهُمَا صَلَاةُ وَقُرْآنُّ وَدُعَاءٍ(١). رَوَاهُ الدَّارِيُّ مُرْسَلاً].
(وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: إِنَّ اللهَ خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ
بِآيَتَيْنِ أَعْطِيتُهُمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ) يؤخذ منه أن القرآن تعددت كتابته في
أماكن متعددة من السموات وما فوقهن؛ لأنه كله مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي
صحائف الملائكة الموضوعة ببيت العزة من سماء الدنيا كما مر بسط ذلك في
الفصل الأول، وبعضه في صحائفهم أو غيرها الموضوعة، فهذا الكنز كما أفاده هذا
الحديث وحكمة هذا التعدد إعلام الملائكة بشرف القرآن وشرف من سينزل عليه،
وشرف أمته بشرف بعض القرآن على بعض، وكان سبب تسمية هذا كنزًا، اشتماله على
هذا النفيس الذي لا أنفس منه، وهو أفضل ما في القرآن، ويحتمل أن المراد بالكنز هو
اللوح المحفوظ؛ لأنه في جهة إسرافيل، وإسرافيل من خدمة العرش لكن يبعد هذا
أن القرآن كله مكتوب في اللوح المحفوظ، والذي دل عليه سياق هذا الحديث أن هذا
الكنز ليس فيه القرآن كله، وإلا لم يبقَ لتخصيص تينك الآيتين بهذا الكنز إما فيه
هاتان الآيتان وحدهما أو مع بقية فواضل القرآن تمييزًا لها على البقية، وإذا اختصت
(١) أخرجه الدارمي (٣٤٥٣).

١٧٥
كتاب فضائل القرآن
هذه الخواتيم بهذه المزية العالية.
(فَتَعَلَّمُوهُنَّ) أي: حروف تينك الآيتين ولم يثنِ؛ لئلا يتوهم أن المراد
بمجموعهما، فلما عدل عن التثنية للجمعية علم أن المراد جميعهما لا مجموعهما،
وهذا نظير: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩].
﴿ وَإِنِ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩].
(وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءَكُمْ) الظاهر أن ذكرهن لكونهن أولى بتعليمهن من غيرهن لا؛
لأن غيرهن لا يعلمهن، ويوجه ذلك بأن هاتين للحفظ لا سيما من الشياطين كما مر،
والشياطين أعظم تسلً على النساء لما جبلن عليه من ضعف العقل المؤدي إلى كثرة
الخوف وتخيله، ولو مما لا يخاف منه فنص عليهن لذلك لا غير (فَإِنَّهُمَا) لم تقل: فإنهن
لبيان جواز كل من الأمرين (صَلَاةُ) هي هنا بمعنى الدعاء بالرحمة التي يخص الله تعالى
بها قارئها لاشتمالها على سؤالها في: ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أو
بمعنى الاستغفار لاشتمالهما على طلبه في قوله: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
(وَقُرْآنُ) أي: تقرب إلى الله تعالى بالغ حد المبالغة؛ لأن من تأمل ما اشتملت
عليه من إيمان الرسول والمؤمنين: ﴿بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ وجميع رسله، وقولهم:
﴿سَمِعْنَا﴾ أي: قولك: ﴿وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] أي: أمرك ونهيك، وطلبهم المغفرة مع
كمالهم، ومر أن مرجع الخلق كلهم إلى الله تعالى؛ ليجزيهم بأعمالهم: إن خيرًا فخير
وإن شرًّا فشر، حمله ذلك على مزيد التقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، مع غاية
التفويض والتسليم لما جاء من الله بالسمع والطاعة، وغلبة التواضع وهضم النفس
بسؤال المغفرة المستدعية للاعتراف بالذنب والتقصير، وإن كان الإنسان على غاية من
العبادة والطاعة.
(وَدُعَاءُ) لاشتمالها على مهماته من إظهار سوابغ النعم الله علينا المحتاجة
للشكر في صور الدعاء؛ لتدوم لنا تلك النعم المشار إليها بقوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾.

١٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا .. ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخرهما المصرح بأن الله خصَّ هذه
الأمة برفع الخطأ والنسيان عنهم والآصار؛ أي: التكليفات الثقيلة التي كلف بها من
كان قبلهم كاشتراط القتل في التوبة، وفرض محل النجاسة، وكتابة ما عمله الإنسان في
خلوته من المعاصي على باب داره، ومؤاخذتهم بالسهو والخطأ والنسيان وغير ذلك
(رَوَاهُ الدَّارِيُّ مُرْسَلاً).
٢١٧٤ - [وعَنْ كَعْبٍ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: اقْرَؤُوا سُورَةَ هُودٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (١).
رَوَاهُ الدَّارِيُّ مَرْسَلاً].
(وَعَنْ كَعْبٍ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ ﴿ قَالَ: اقْرَؤُوا سُورَةَ هُودٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، رَوَاهُ
الدَّارِميُّ) ويؤخذ منه لما مر أن المرسل والمنقطع والضعيف يعمل بها في الفضائل اتفاقًا،
سنة لم أرها في كلام أصحابنا، وهي قراءة ((هود)) يوم الجمعة وكان حكمة ذلك أنها تشبه
سورة ((الكهف)) المسنون تكريرها ليلة الجمعة ويومها؛ لأنها مقررة للبعث والحساب
بأبلغ وجه وأبينه، والقيامة تقوم يوم الجمعة فندبت قراءتها بل تكريرها فيه؛ ليزداد
تأمل الإنسان في ذلك واستحضاره له، فيحمله على مزيد العمل في هذا اليوم الذي هو
عيد المؤمنين، ومن شأن العيد كسل النفوس ومزيد غفلتها فيه، فشرع لها ما يوقظها
فیه عن سِنْةٍ غفلتها.
وكذلك سورة ((هود)) مقررة للبعث من أولها وهو: ﴿إِلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ﴾ إلى
قصة نوح المسوقة وما بعدها؛ للإشارة إلى زيادة تقرير ذلك وتبيينه، ثم بعد قصة
موسى التي هي آخر قصصها من عند تقدم قومه يوم القيامة إلى آخر السورة، فالمقصود
الأعظم من جميع السورة تقرير البعث بأدلته وإشاراته، بل إذا تأملت ذلك وجدتها أدل
عليه من سورة ((الكهف)) ومن ثم ابتدئت بـ﴿إِلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ﴾ [هود:٤] وختمت
ب﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلَّهُ﴾ [هود:١٢٣] فطابق أولها آخرها في ذلك الغرض مطابقة لم
(١) أخرجه الدارمي (٣٤٦٧).

١٧٧
كتاب فضائل القرآن
يوجد مثلها في سورة ((الكهف)) فليكن قراءتها سُنَّة مثلها كما دلَّ عليه هذا الحديث.
٢١٧٥ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴿ أَنَّ النَِّيَّنَ قَالَ: مَنْ قَرَأْ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمٍ
الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ(١). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ))].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ :﴿ قَالَ: مَنْ قَرَأْ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ
لَهُ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ) أضاء إما لازم فـ((ما بين)) طرف المسند إليه ((الإضاءة)) مبالغة؛
أي: أشرق له نور عظيم في الزمن الذي من يوم الجمعة إلى مثله، أو متعدٍّ فلاما بين))
مفعول به وبهما أعرب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧].
(رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ))) ومن هذا كأحاديث أُخر أخذ أئمتنا أنه
يسن الإكثار من قراءة سورة ((الكهف)) يوم الجمعة وليلتها، وسبق قريبًا بيان الحكمة
في ذلك.
٢١٧٦ - [وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﴾ قَالَ: اقْرَؤُوا الْمُنَجِّيَّةَ، وَهِيَ: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾
فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَقْرَؤُهَا مَا يَقْرَأُ شَيْئًا غَيْرَهَا، وَكَانَ كَثِيرَ الْخَطَايَا فَنَشَرَتْ
جَنَاحَهَا عَلَيْهِ، قَالَتْ: رَبِّ اغْفِرْ لَهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ قِرَاءَتِي، فَشَفَّعَهَا الرَّبُّ تَعَالَى فِيهِ،
وَقَالَ: اكْتُبُوا لَهُ بِكُلِّ خَطِيئَةٍ حَسَنَةً، وَارْفَعُوا لَهُ دَرَجَةً، وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّها تُجَادِلُ عَنْ
صَاحِبِهَا فِي الْقَبْرِ، تَقُولُ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ مِنْ كِتَابِكَ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ مِنْ
كِتَابِكَ فَالحُنِي عَنْهُ، وَإِنَّهَا تَكُونُ كَالظَيْرِ تَجْعَلُ جَنَاحَهَا عَلَيْهِ فَيُشْفَعُ لَهُ، فَتَمْنَعُهُ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَالَ فِي (تَبَارَكَ)) مِثْلَهُ، وَكَانَ خَالِدْ لَا يَبِيتُ حَتَّى يَقْرَأَ بِهِمَا، وَقَالَ طَاووسُ:
فُضِّلَتَا عَلَى كُلِّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِتِّينَ حَسَنَةً(٢). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﴿ قَالَ: اقْرَؤُوا الْمُتَجِّيَةَ، وَهِيَ: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ فَإِنَّهُ
بَلَغَنِي) القاعدة المقررة في علمي الحديث والأصول أن قول الصحابي مثل ذلك لا يقال
من قِبل الرأي، يكون في حكم المرفوع، وهذا كذلك فإن أسامي السور توقيفية، ولا
(١) أخرجه الحاكم (٣٣٩٢) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي (٥٧٩٢).
(٢) أخرجه الدارمي (٣٤٧٣).

١٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
ينافي ذلك قوله: ((فإنه بلغني ... إلخ)) لأن ذلك يمكن أن يكون من كلامه ◌َله إخبارًا
منه بأن الله سبحانه أوحى إليه ذلك، أو مثله جميعه لا يقال إلا بوحي، ومن قال:
يحتمل أن يكون من كلام الراوي إن أراد أنه من جهة رأيه فغير صحيح؛ لأن هذا لا
مجال للرأي فيه لما تقرر أن قوله: ((المجيئة فيه تسمية: ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]
بذلك، وأن أسماء السور توقيفية لا مجال للرأي فيها.
وإن ما بعد بلغني كذلك أو من جهة نقله عن النبي ◌َلّ فهو الأول؛ إذ معنى
قولهم قول الصحابي الذي لا يقال من قبل الرأي في حكم المرفوع أنه كأنه قال: قال
النبي ◌َ﴾، أو نقله عن بعض كتب الله المنزلة، فهذا الاحتمال لا يؤثر؛ لأن شأن
الصحابي أنه إذا أطلق الأمر التوقيفي لا يطلقه إلا عن النبي ◌َّ، ومن ثم كان الأصح
أنه لا فرق فيماتقرر من كونه في حكم المرفوع بين صحابي عرف بالإحاطة بالكتب
السالفة، كعبد الله بن عمر - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - وغير معروف به.
(أَنَّ رَجُلاً) أي: من هذه الأمة (كَانَ يَقْرَؤُهَا مَا يَقْرَأُ شَيْئًا غَيْرَهَا) يحتمل أن
المراد أنه لم يحفظ مما عدا ((الفاتحة)) غيرها وأنه لا ورد له غيرها، وهو الأقرب؛ ولذا
جزم به شارح (وَكَانَ كَثِيرَ الْخَطَايَا فَنَشَرَتْ) بعد أن تجسمت بصورة طير له جناح
مظل (جَنَاحَهَا عَلَيْهِ) لتظله به وتريحه من كل تعب (قَالَتْ) بدل اشتمال أو بعض من
نشرت؛ لأن البشر مشتمل على الشفاعة الحاصلة بقولها: (رَبِّ اغْفِرْ لَهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ
قِرَاءَتِي) والدليل على أن ذلك شفاعة منها فيه قوله: (فَشَفَّعَهَا الرَّبُّ تَعَالَى فِيهِ) وبهذا
يعلم أن فيها مشابهة للزهراوين فيما مر أنهما يحاجان عن قارئهما، وأنهما يكونان
مطلقتين عليه بصور مختلفة منها ((كأنهما فِرْقَان من طير صواف))(١) لكن مر أن هذه
لأعلى القارئين لها مرتبة، والمتوسط له ظلة، والأدنى له كالسحاب، فهل يقال بهذا
التفصيل هنا.
(١) أخرجه مسلم (٨٠٤)، وأحمد (٢٢٢٠٠)، وابن حبان (١١٦)، والطبراني (٧٥٤٢)، والحاكم (٢٠٧١)،
والبيهقي (٣٨٦٢).

١٧٩
كتاب فضائل القرآن
والظاهر لا؛ لأن أبواب الثواب لا قياس فيها، وحينئذٍ فيفرق هذه منهما فإنها
تنشر جناحها على كل قارئيها وإن تفاوتت مراتبهم ويؤيده تسميتها بالمنجية، وحينئذٍ
يَشَكُل هذا بأمر أن ((البقرة)) أفضل سور القرآن بعد ((الفاتحة)) بأن يقال: هذه امتازت
في نفع قارئها بما لم يوجد في تلك، ويجاب بأن الأفضلية ليست من هذه الجهة فحسب
بل لما اشتملت عليه ((البقرة)) من العلوم والمعارف والحجج والأحكام، والأمثال
واللطائف وغيرها مما لم يوجد في هذه ولا في غيرها.
(وَقَالَ: اكْتُبُوا لَهُ بِكُلٌّ خَطِيئَةٍ) عليه؛ أي: بدلها (حَسَنَةً) نظير ما في قوله تعالى:
﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] فكما أن التوبة مكفرة
للخطايا ومتكلفة بقلبها حسنات، فكذلك هذه السورة بل زادت هذه على تلك بقوله:
(وَارْفَعُوا لَهُ دَرَجَةً) لكن هذا مشكل لما مر أن الكبائر والصغائر المتعلقة بالآدمي لا
يكفرهما إلا التوبة، فلتحمل الخطيئة هنا على صغيرة متعلقة بالله تعالى لا غير،
وحينئذٍ فإطلاق شارح أن هذه كالتوبة تقلب الخطيات كلها حسنات غير
صحيح.
(وَقَالَ) أي: خالد وما بعده في حكم المرفوع (أَيْضًا) كما علم مما مر (إِنَّها) أي:
﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] (تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا) أي: الذي يكثر قراءتها، وإن
حفظ غيرها على [اعتبار] ما مرَّ في الاحتمال الثاني (في الْقَبْرِ) فتأتيه من منكر ونكیر
وغيرهما بأن يمنعهما من سؤاله، أو التشديد عليه فيه أو تجيبهما عنه (تَقُولُ) بدل من
((تجادل)) (اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ مِنْ كِتَابِكَ) أي: القرآن (فَشَفِّعْنِي فِيهِ) بألا يسأل أو لا يشدد
عليه، أو بأن يفوض جواب منكر ونكير إليَّ عنه (وَإِنْ لَمْ أَكُنْ مِنْ كِتَابِكَ فَامْحُنِي
عَنْهُ) وهذا على سبيل الفرض والتنزل حصرها عليه علمها بعظيم منزلته، وسعة
رجاءها في أن الله يشفعها فيه، ولا يجيبها فيما أملته من نجاته والإلطاف به، ونظير
ذلك تدلل بعض خواص الملك عليه بقوله: ((إن كنت عبدك فشفعني في كذا وإلا
فبعني)) وهذا أولى مما نظر به شارح كما يعرف بالتأمل.

١٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(وَ) قال خالد أيضًا (إِنَّهَا تَكُونُ) في القبر (كَالطَّيْرِ) كما أنها في الموقف كذلك
الذي مر أو لا (تَجْعَلُ جَنَاحَهَا عَلَيْهِ) لتظله (فَيُشْفَعُ لَهُ) لا ينافي ما مر في شرح قوله:
قالت: من أنه بدل اشتماله أو بعض؛ ((لأنه)) ثم اعتبر في جعل جناحها عليه مطلق
الراحة، وهنا اعتبر فيه خصوص التظليل والشفاعة مغايرة له ومتأخرة عنه فعطفت
بثم.
(فَتَمْنَعُهُ) بسبب شفاعتها فيه المقبولة (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَالَ) خالد (في) سورة
(تَبَارَكَ))) الملك (مِثْلَهُ) أي: مثل جميع ما ذكره في ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]
حتى تسميتها بالمنجية أيضًا كما اقتضاه إطلاق المثلية المذكورة (كَانَ خَالِدُ لَا يَبِيتُ
حَتَّى يَقْرَأَ بِهِمَا) حيازة كفضلهما المذكور (وَقَالَ طَاووسُ: فُضِّلَتَا عَلَى كُلُّ سُورَةٍ فِي
الْقُرْآنِ بِسِتِّينَ حَسَنَةً) هذا لا يعارض ما مر في البقرة أنها أفضل سور القرآن بعد
الفاتحة، إما أولاً فذاك حديث صحيح مرفوع إلى النبي ◌َّ نصًا، وهذا ليس كذلك
وأما ثانيًا؛ فلأن الأصح أن قول التابعي ما لا يقال من قبل الرأي لا يكون في حكم
المرفوع لما مر من الفرق بينه وبين الصحابي (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ).
٢١٧٧ - [وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِ رَبَاجٍ ﴾ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: مَنْ قَرَأَ
(يس)) فِي صَدْرِ التَّهَارِ قُضِيَتْ حَوَائِجُهُ(١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلاً].
(وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاجِ ﴿ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللّه ◌َ قَالَ: مَنْ قَرَأَ (يس)
فِي صَدْرِ التَّهَارِ قُضِيَتْ حَوَائِجُهُ. رَوَاهُ الدَّارِيُّ مُرْسَلاً) وكان حكمة ذلك إذا قرأتها أول
النهار مع تأمل ما اشتملت عليه من بيان أحوال الدنيا والبرزخ والآخرة، وأحوال
المنعمين والمعذبين وما أنعم الله به على خلقه من عظائم النعم يحمل قارئها على إحياء
ذلك اليوم بالعمل الصالح، وكف النفس عن كل نقص ومعصية، وذلك متكفل بقضاء
الحوائج، ومن ثم قالوا في قول الأكثرين: إن الله هو الاسم الأعظم لا يشكل عليه أن
كثيرين يدعون به فلا يستجاب لهم، والاسم الأعظم اختص من بين سائر الأسماء بأنه
(١) أخرجه الدارمي (٣٤٨١).

١٨١
كتاب فضائل القرآن
يستجاب للداعي به لوقته غالبًا؛ لأن عدم الاستجابة إنما هي لعدم استجماع الداعي
شرائط الدعاء التي من جملتها أكل الحلال ولبسه.
كما أشار إليه الحديث: ((يقول أحدكم: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه
حرام وملبسه حرام فأنى يستجاب له)(١).
٢١٧٨ [وَعَنْ مَعْقِلٍ بن يَسَارِ الْمُزَّنِّ ي أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: مَنْ قَرَّأَ (يس)) ابْتِغَاءَ
وَجْهِ اللّه ◌َ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، فَاقْرَؤُوهَا عِنْدَ مَوْتَاكُمْ (٢). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي
((شُعَبِ الْإِيمَانِ))].
(وَعَنْ مَعْقِلٍ بِن يَسَارِ الْمُؤَّبِيِّ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: مَنْ قَرَّأَ ((يس)) ابْتِغَاءَ
وَجْهِ اللهِ رَكْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) أي: صغائره المتعلقة بالله كما سبق مرات
كثيرة، ووجه ذلك ما قررته فيها مما يحمل على الإنابة والتوبة من جميع المعاصي، وحينئذ
قد يبقى قوله: ذنبه على العموم نظرًا إلى أن الغالب فيمن قرأها ابتغاء لوجه الله أنه
بسبب ذلك يتوب توبة نصوحًا بالمغفرة؛ لأجل التوبة المسببة عن قراءتها، يصح
إضافتها لها نظرًا لسببيتها، وإذا تقرر أن قراءة يس فيها تلك المغفرة لما ذكر مما
اشتملت عليه (فَاقْرَؤُوهَا عِنْدَ مَوْتَاكُمْ) لعل أن يغفر لهم قال أكثر أئمتنا: أي من
حضره الموت؛ لأن الميت لا يقرأ علیه. انتهى.
وفيه نظر فقد صرحوا بأن السنة للمشيعين والزائرين قراءة شيء من القرآن
عند القبر إلا أن يجاب بأن مرادهم أن الميت بعد خروج روحه لا يقرأ عليه، وإنما
يسعى حينئذ في أسباب تجهيزه والمبادرة به ما أمكن، وبهذا يضعف قول بعض أئمتنا:
يؤخذ بظاهر الحديث، ويقرأ عليه يس بعد خروج روحه، وقد يجمع على بُعد من
كلامهم، ولكنه قريب جدًّا من جهة المعنى، بل والدليل كما ستعرفه يحمل كلام
(١) أخرجه مسلم (١٠١٥)، وأحمد (٨٣٣٠)، والترمذي (٢٩٨٩) وقال: حسن غريب. والدارمي
(٢٧١٧).
(٢) أخرجه الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٤٥٨).

١٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الأكثرين على ما إذا توفرت أسباب تجهيزه عقب موته، فلا يسن حينئذ قراءة يس ولا
غيرها مبادرة بالتجهيز ما أمكن؛ إذ لا أحق بالميت من الاستعجال بتجهيزه.
ورد فيه كما يدل عليه طلبه ويليه الإسراع بالجنازة وعللها بأنها إن كانت من
أهل الخير فخيرًا يعجل بها إليه، وإن كانت من أهل الشر فشرًّا يوضع عن الأعناق،
وكلام الأقلين على ما إذا لم يتوفر تلك الأسباب فلا بعد أن يقال، ومدة ذلك الانتظار
يقرأ عنده يس وغيرها، وخصت بذلك لما مر أنها مشتملة على بيان أحكام البرزخ
والآخرة وغيرهما مما يذكر المحتضر بالشهادة فينطق بها فيدخل الجنة كما في الحديث
الصحيح: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة))(١) ومن ثم سن تلقينه إياها
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ))).
٢١٧٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا، وَإِنَّ سَنَامَ
الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابًا، وَلُبَابُ الْقُرْآنِ الْمُفَصَّلُ(٢). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا) أي: رفعة وعلوًّا،
استعير من سنام البعير، ثم كثر استعماله فيها حتى صار مثلاً، ومنه سميت البقرة
سنام القرآن كما قال (وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) باعتبار أنها أطول سورة فيه
وأكثرها أحكامًا وغيرها مما مرآنفًا (وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ) مما يصح أن يكون له لب (لُبَابًا)
أي: خلاصة هي المقصودة منه ومنه الزُّبَد؛ لأنه خلاصة اللبن (وَلُبَابُ الْقُرْآنِ
الْمُفَصَّلُ) باعتبار أن غيره من بقية القرآن في الكتب السالفة له مشابهة ما بخلاف
المفصل كما أفاده حديث: ((وأوتيت المفصل نافلة))(٣).
(١) أخرجه أحمد (٢٢١٨٠)، وأبو داود (٢٩٤٥)، والطبراني (٧٢٧)، والحاكم (١٢٩٩) وقال: صحيح
الإسناد. والبيهقي (١٢٧٩٧)، وابن خزيمة (٢٣٧٠)، والديلمي (٥٦٠٩).
(٢) أخرجه الدارمي (٣٤٤٠).
(٣) أخرجه ابن السني مختصرًا (٦٨٩)، والحاكم (٢٠٨٧) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) (٢٤٧٨)، والطبراني (٥٢٥).