Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤٣
كتاب فضائل القرآن
سأل: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ إلى ﴿قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣-٣٣] فلم يف
بهذه السهام إلا إبراهيم ومحمد، صلى الله عليهما وسلم) (١).
وجاء عن كعب: ((افتتاح السور، أول الأنعام وقُلْ تَعَالَوْا، وآخر الإسراء).
وفي رواية: («أول ما أنزل في التوراة عشر آيات من سورة الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَثْلُ
مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ .. ﴾ [الأنعام: ١٥١])(٢).
و﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:١] لم ينزل على أحد غير نبينا إلا
سليمان)) (٣) كما في حديث الدارقطني.
وأخرج الحاكم عن ميسرة: ((إنه أول سورة الجمعة في التوراة)) (٤).
٢١٤٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَاقْرَؤُوهُ، فَإِنَّ مَثَلَ
الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَ، فَقَرَأً وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٌّ مِسْكًا يَفُوعُ رِيحُهُ كُلَّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ
مَنْ تَعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ وُكِئَ عَلَى مِسْكٍ(٥). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
والنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ) كما ينبغي في تعلمه من إتقان
ألفاظه، وأحكام معانيه وقضية الأمر أن تعلمه واجب.
وبه أخذ أئمتنا فقالوا: تعلمه وتعليمه فرض كفاية، قال الشيخ أبو محمد
الجويني: لئلا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق إليه تبديل وتحريف.
قال الزركشي: وإذا لم يكن في البلد أو القرية من يتلو القرآن أثموا بأسرهم.
انتهى.
(١) أخرجه الحاكم (٤٠٢١).
(٢) أخرجه بنحوه أبونعيم في ((الحلية)) (١٣/٦)، وابن أبي شيبة (٣٥٨٥٥).
(٣) أخرجه بنحوه الدارقطني (١١٩٥).
(٤) أخرجه الحاكم (٣٧٦٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٤٠٢).
(٥) أخرجه الترمذي (٢٨٧٦)، وابن ماجه (٢١٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٧٤٩)، وابن حبان
(٢١٢٦)، وابن خزيمة (١٥٠٩).

١٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وفيه وقفة؛ إذ المخاطب به جميع الأمة، فحيث كان فيهم عدد التواتر ممن يحفظه
فلا إثم على أحد أخذًا من كلام الجويني السابق، نعم يتعين في عدد التواتر المذكور أن
يكونوا متفرقين في بلاد الإسلام بحيث لو أراد أحد أن يغير أو يحرف شيئًا منه منعوه،
وحينئذ فلا يبعد أن يقال: هنا بنظير ما يأتي في المعنى إنه يجب أن يكون في كل
مسافة قصر حافظ متقن للقرآن، يمنع من يغيره أو يحرفه، ويؤيد هذا القياس قولهم لا
يتعين التعليم حيث كان هناك من يصلح غيره نظير الاقتناء، نعم إن فات التأخير
كمصلٌ يريد تعلم الفاتحة، ولو ظنَّ خروج الوقت لم يجز الامتناع، لكن لا يلزمه إلا
بالآخرة، ولو لوفي الذمة كإطعام المنتظر.
قال النووي: والاشتغال بحفظ ما زاد على الفاتحة أفضل من صلاة التطوع؛ لأنه
فرض كفاية، وأفتى بعض المتأخرين بأن الاشتغال بحفظه أفضل من الاشتغال بفرض
الكفاية من سائر العلوم دون فرض العين منها وإذا تعلمتموه كذلك (فَاقْرُؤُوهُ) أي:
داوموا على تكرير قراءته، والعمل بما فيه آناء الليل وأطراف النهار؛ لتحظوا بعظيم
فوائده وثوابه وتتحلوا بأخلاقه وآدابه.
(فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ) أي: ضرب مثله بالنسبة (لِمَنْ) أو ضربه لأجل من (تَعَلَّمَ)
كما ذكر (فَقَرَاً) أي: داوم على قراءته (وَقَامَ بِهِ) كما ذكر أيضًا (كَمَثَلِ جِرَابٍ) أي:
كضرب المثل بجراب (مَحْشُوِّ مِسْكًا) أي: مملوء به ملأ شديدًا بأن حشي به حتى لم يبق
فيه متسع لغيره (يَفُوحُ) أي: يصل (رِيحُهُ كُلَّ مَكَانٍ) قرب منه ونظيره قوله تعالى:
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] ﴿وَأُوتِيَتْ مِن
كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] مع أن التدبير والإيتاء خاص.
(وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ) أي: نام عن القيام به، وغفل عن تكرير قراءته،
وهذا مقابل لقوله: يقرأ وقام به (وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ وُكِيَ) اشتد رأسه بالوكاء؟
أي: الخيط الذي تشد به الأوعية (عَلَى مِسْكٍ) حتى لم يخرج منه شيء، ولم يفح منه
ریح قوي.

١٤٥
كتاب فضائل القرآن
قال الشارح: وهذان التشبيهان يحتمل أن يكونا مفرقين، شبه قراءة القارئ
وتعليمه الناس وإسماعهم قراءته بفتح رأس ذلك الجراب المحشو بالمسك، وشبه
استفادة الناس من التعليم واستلذاذهم بسماعه والعمل بمقتضاه باستنشاق الخياشيم
عرف المسك وانتفاعهم به، وشبه الإمساك عن القراءة والتعليم بإيكائه الجراب،
وشبه عدم الاستفادة والاستلذاذ بعدم القنوع.
ويحتمل أن يكونا مركبين بمثيلين لجواز انتزاع الوجه عن عدة أمور متوهمة،
وخص الجراب بالذكر هنا دون الإهاب؛ لأنه من أوعية المسك (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيّ
وَابْنُ مَاجَه).
٢١٤٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ قَرَّأَ ﴿حم﴾ الْمُؤْمِنَ إِلَى: ﴿إِلَيْهِ
الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١-٣] وَآيَةَ الْكُرْبِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأَهُمَا
حِينَ يُمْسِيَ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبِحَ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبُ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: مَنْ قَرَأَ (حم) الْمُؤْمِنَ) وتسمى سورة غافر من
أولها (إِلَى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وَآيَةَ الْكُرْبِيِّ حِينَ يُصْبِحُ) طرف لـ(اقرأ)» (حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى
يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأَهُمَا حِينَ يُمْسِيَ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبِحَ) أي: ببركة ما اشتملتا عليه
من أسمائه تعالى الجامعة وصفاته العلية المانعة، ومظاهر رحمته الواسعة الغالبة على
مظاهر غضبه والجالبة للفوز برضوانه، والنجاة من سخطه وغضبه، أما اشتمال آية
الكرسي على ذلك فمعلوم مما مرَّ في شرحها، وأما اشتمال هذه الآية على ما ذكر؛ فلأنها
مبتدأة بذكر الكتاب الجامع لسائر كتب الله المنزلة، ثم بعزته المانعة لكل ضير،
وحكمته الجامعة لكل خير ثم بمغفرته للذنوب وقبوله للتوبة من سائر العيوب، ثم لسعة
طوله وعظمة قوته وحوله.
(١) أخرجه الترمذي (٣١٢٠)، والدارمي (٣٤٤٩).

١٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
فلذلك حفظ قارئهما من المؤذيات، وسيق إليه بالمداومة عليهما سوابغ
الكرامات (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
٢١٤٥ - [وعَنِ التُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلََّ: إِنَّ الله كَتَبَ كِتَابًا
قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَي عَامٍ، أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ،
وَلَا يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبُهَا شَيْطَانُ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وعَنِ التَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ اللّهِ كَتَبَ) أي: أمر
ملائكته أن يكتبوا (كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَي عَامٍ، أَنْزَلَ) فيه
على ما في نسخ المصابيح إلا ما أصلح وهو خلاف الرواية؛ إذ هي (مِنْهُ) أي: من جملة
ما في ذلك الكتاب (آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ) استشكل هذا بحديث: «إن الله
كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة))(٢) ويجاب
بأنه يمكن أنه تعالى أمر أولاً بكتاب عام فيه مقدار الخلائق كلها وهو اللوح
المحفوظ، ثم أمر ثانيًا بكتاب يتعلق بالقرآن للدلالة على مزيته وشرفه على غيره، ثم
أنزل منه تينك الآيتين، وهذا الكتاب الثاني يحتمل أنه الذي في بيت العزة، وأنه غيره
لكن مر أن الراجح أنه لم يكتب إلا عند نزول نبوته وقتل10 وهذا صريح في أنه غيره،
وحينئذ يكون القرآن قد كتب ثلاث مرات: مرة في اللوح المحفوظ قبل خلق
السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ومرة قبل خلقهما بألفي سنة، ومرة قرب أو
عند نزول الوحي على رسول الله صل﴾ في بيت العزة.
وأنزل تينك الآيتين من ذلك الكتاب الثاني إلى بيت العزة كل ذلك لمزيد تعظيم
القرآن، ومزيته على غيره ولمزيد تعظيم تينك الآيتين يتكرر نزولهما من اللوح
المحفوظ إلى بيت العزة، ومن الكتاب الثاني إلى بيت العزة، ثم رأيت شارحًا أجاب
(١) أخرجه الترمذي (٣١٢٤)، وأحمد (١٨٩١١)، والطبراني (٧٠٠٠)، والدارمي (٣٤٥٠).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٥٣)، والخطيب (٧٢١).

١٤٧
كتاب فضائل القرآن
بجواب طويل بعيد متكلف لزم عليه ما احتاج في الجواب عنه إلى تكلف أكثر من
الأول، لكن أصلحه الطيبي فقرره بما فيه بعد أيضًا.
وتجوز موهم فقال: ولعل الخلاصة أن الكوائن كتبت في اللوح المحفوظ قبل
خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام، ومن جملتها القرآن ثم خلق الله خلقًا
من الملائكة وغيرهم فأظهر كتابه القرآن عليهم قبل أن يخلق السماوات والأرض
بألفي عام.
وخص من ذلك هاتان الآيتان، وأنزلهما مختومًا بهما أولى الزهراوين قال: ونظير
الكتابة؛ بمعنى: الإظهار على الملائكة قراءة (طه)) و(يس)) على الملائكة قبل خلق
السماوات بألف عام؛ أي: الآتي قريبًا تنبيهًا على جلالتهما وشرفهما، ويجوز ألا يراد
بالزمانين التجديد، بل نفس السبق والمبالغة فيه للعرف. انتهى.
وفيه من البعد والتكلف مما ترى، فالوجه ما ذكرته (وَلَا يُقْرَآنِ فِي دَارِ ثَلَاثَ
لَيَالٍ فَيَقْرَبُهَا شَيْطَانُ) الفاء للتعقيب عطفًا على المتبقي؛ أي: لا توجد قراءتهما
فتعقبهما قربان الشيطان، فالنفي مسلط على المجموع (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
٢١٤٦ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ قَرَّأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ
أَوَّلِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ
صَحِيحٌ].
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: مَنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ
الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) وكان سر ذلك ما ذكر فيهن من الكتاب المعصوم من
العوج الذي يريده ذلك اللعين، ومن أجر الصالحين الحسن المؤيد المستلزم عصمتهم
عن فتنته، ومر أنه ﴿الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ٤] فكيف بذلك اللعين
(١) أخرجه الترمذي (٣١٢٧).

١٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الذي يدعي أنه الإله (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ).
٢١٤٧ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رسول اللّهِ وَّهِ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وَقَلْبُ
الْقُرْآنِ: يس، وَمَنْ قَرَأَ (يس)) كَتَبَ اللهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ(١). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وَعَنْ أَنَسِ عَ﴾﴾ قَالَ: قَالَ رسول اللّهِ وَّهِ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا) أي: خلاصته هي
أشرف ما فيه وأفضله (وَقَلْبُ الْقُرْآنِ: يس) قال الغزالي: لأن الإيمان صحته
بالاعتراف بالحشر والنشر وهو مقرر فيها بأبلغ وجه، فكانت قلب القرآن لذلك
واستحسنه الفخر الرازي.
وقال النسفي: لأنه ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة الوحدانية والرسالة
والحشر، وهذه تتعلق بالقلب لا غير وما يتعلق باللسان والأركان مذكور في غيرها،
فلما كان فيها إعمال القلب لا غير سميت قلبًا؛ ولهذا أمر ◌َله بقراءتها عند المحتضر؛
لأنه في ذلك الوقت يكون الجنان ضعيف القوة والأعضاء ساقطة، لكن القلب قد
أقبل على الله ورجع عما سواه، فيقرأ عنده ما يزداد به قوة في قلبه، ويشتد تصديقه
بالأصول الثلاثة. انتهى.
وفيه كالذي قبله نظر؛ لأن كلاً من المعنى الأول والثاني موجود في سورة
الإخلاص؛ إذ الإيمان صحته بالاعتراف بالتوحيد وهو متعلق بالقلب ولم يذكر فيها
غيره، فكان ينبغي تسميتها قلبًا لذلك، وقد يجاب بأن وجه التسمية لا يلزم اطراده، بل
الأصح أنه لا يشترط مناسبة الاسم للمسمى، ولك أن تقول وجه تسميتها قلبًا أن فيها
شيئًا يتعلق به لم يذكر في غيرها وهو ﴿إِنَّا نَحْنُ تُحْبِي المَوْثَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا
وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢].
فهذه الحياة البرزخية المتعلق كمالها بالقلب دون الجثة، فإنه لا تحله الحياة إلا
(١) أخرجه الترمذي (٣١٢٩)، والدارمي (٣٤٧٩).

١٤٩
كتاب فضائل القرآن
في نصفها الأعلى لما اختصت بها سميت قلبًا بدلالتها على كمال حياة القلب في تلك
الحالة التي هي من أعظم الفتن، وهذا قد يكون من حكم قراءتها على المحتضر
لندبه على ما بين يديه من الفتنة التي هو فيها، والفتنة التي تليها وهي سؤال الملكين.
وفيها أيضًا أن الإنذار إنما يفيد فيمن كان قلبه حيًّا لا ميتًا، وهذا لم يذكر في
غيرها وهو متعلق بحياة القلب، فسميت قلبًا لذلك (وَمَنْ قَرَأَ (يس)) كَتَبَ اللهُ لَهُ
بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ) أي: مثلها (عَشْرَ مَرَّاتٍ) هذا مما يشكل كما يأتي نظيره في: ﴿قُلْ
هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن، بل هذا أشكل؛ لأن ذاك أولى بأنها
لاشتمالها على ثلث مقاصد القرآن عدلت الثلث بهذا الاعتبار لا في الثواب على ما
يأتي، ومثل هذا المعنى لا يأتي هنا؛ لأنه صريح في أن قراءتها تعدل قراءة القرآن عشر
مرات في الثواب، ويجاب بأن الثواب سر وفضل من أسرار الله وفضله؛ فلذا خص
بالإكثار منه ما شاء من العبادات من غير نظير لقلة ولا كثرة، وحديث: («أفضل
العبادة أشقها))(١) بيان للأغلب.
ومن ثم قال أئمتنا: صلاة الضحى ثماني ركعات أفضل من صلاتها ثنتي عشرة،
وكما أن الله تعالى خص بعض الأمكنة والأزمنة بمضاعفة الثواب فيها أكثر من
غيرها كالحرم ورمضان، كذلك خص بعض القرآن بمضاعفة لا توجد في أكثر منه
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ) وفي سنده مجهول لكن
كون ((يس)) قلب القرآن له طرق بعضها صحيح.
٢١٤٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: إِنَّ اللّهَ تَعَالَى قَرَأَ ((طه))
وَ(يس)) قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفِ عَامٍ، فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ الْقُرْآنَ
قَالَتْ: طُوبَى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ هَذَا عَلَيْهَا، وَطُوبَى لِأَجْوَافٍ تَحْمِلُ هَذَا، وَطُوبَى لِأَلْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ
بِهَذَا (٢). رَوَاهُ الدَّارِيُّ].
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه الدارمي (٣٤٧٧).

١٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِلهِ: إِنَّ اللّهَ تَعَالَى قَرَأَ (طه)) وَ(يس)))
أي: أظهرهما لملائكته بأمر بعضهم بقراءتهما على البقية إعلامًا بشرفهما وتميزهما،
ويحتمل بقاؤه على ظاهره، وأنه تعالى أسمعهم كلامه اليقيني بهما إجلالاً لهما بذلك،
وهذا الإسماع يسمى قراءة كما أن الكلام النفسي يسمى قرآنًا حقيقة، وقضاء بذلك
لافتتاح كل منهما باسم من أسمائه ووليد الدالة على غاية كماله وإجلاله مع زيادة
البرهان على شرفه في ((طه)) بقوله: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢].
ثم قوله: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
ثم قوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... ) إلى (والعاقبة للتقوى﴾ [طه: ١٣١-١٣٢] الآيتين.
وفي (يس)) بقوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس:٣] إلى قوله مدحًا لأمته: ﴿إِنَّمَا
تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرُهُ﴾ [يس:١١] إلخ.
ثم قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ إلى ﴿الكَافِرِينَ﴾ ثم قوله: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيَّ﴾
[يس: ٦٩ - ٧٠] ثم قوله: ﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس:
٧٦] ولأجل هذا وأمثاله المذكورة في الصورتين بطريق الإيماء قال الملائكة عند
سماعها ما يأتي عنهم: (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفِ عَامٍ، فَلَمَّا سَمِعَتِ
الْمَلَائِكَةُ الْقُرْآنَ) فيه إطلاقه حقيقة على بعضه کكله، وبه قال الشافعي ﴾ وبه يرد
قول شارح؛ أي: القراءة ويجوز أن يكون اسمًا؛ أي: هذا الجنس من القرآن وسماهما
قرآنًا تفخيمًا لشأنهما. انتهى.
(قَالَتْ: طُوبَى) مصدر من الطيب كبشرى منصوب أو مرفوع كسلامًا وسلام،
ومعنى طوبى لك وطوباك بالإضافة: أصبت خيرًا على الدعاء (لأَمَّةٍ يَنْزِلُ هَذَا) أي:
المقروء أو جنسه (عَلَيْهَا) بواسطة إنزاله على رسولها (وَطُوبَى لِأَجْوَافٍ تَحْمِلُ هَذَا) أي:
يحفظه ويتحلى بما فيه من العلوم والمعارف (وَطُوبَى لَأَلْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذَا) وفي هذا إيماء
إلى ما مرأنه ورد أن الملائكة لم يعطوا فضيلة حفظ القرآن إلا أن يقال: لا يلزم من
عدم حفظهم له قبل نزوله على نبينا عدمه بعده (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ).

١٥١
كتاب فضائل القرآن
٢١٤٩ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾ِ: مَنْ قَرَأَ ﴿حم﴾ الدُّخَانَ فِي لَيْلَةٍ أَصْبَحَ
يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، وَعُمَرُ بْنُ
أَبِ خَتْعَمِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ، وَقَالَ مُحَمَّدَ - يَعْنِي: البُخَارِيُّ -: وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: مَنْ قَرَأَ ﴿حم﴾ الدُّخَانَ فِي لَيْلَةٍ) أي ليلة كانت
وإن لم يقرأها فيما قبلها ولا فيما بعدها (أَصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ) أي: يدعو له بالمغفرة
(سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ) أي: دائمًا نظير قولهم: فلان يقري الضيف أو في صبح تلك الليلة
فقط، وهذا هو المحقق والزائد عليه محتمل، وفضل الله أوسع من ذلك (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي خَتْعَمِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ) وخصت بذلك؛
لافتتاحها بمقام أنزل القرآن ليلة القدر، وأنه رحمة بالغة أعلى مراتب الشرف، ثم مقام
التولي عنه ◌َلچر.
وذكر عقابهم كنظرائهم، ثم يذكر ثواب المؤمنين ثم ختمها بما يطابق ما ابتدأها
به الدالين على غاية الرحمة لهذه الأمة.
ومنها: إثابة قارئها بما ذكر (وَقَالَ مُحَمَّدُ - يَعْنِي: البُخَارِيُّ -: وَهُوَ مُنْكَرُ
الْحَدِيثِ).
٢١٥٠ [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: مَنْ قَرَّأَ ﴿حم﴾ الدُّخَانَ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ
غُفِرَ لَهُ(٩). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَهِشَامُ أَبُو الْمِقْدَامِ الرَّاوِي
يُضَعَّفُ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ قَرَأَ (حم﴾ الدُّخَانَ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ غُفِرَ لَهُ)
صغائره المتعلقة بالله تعالى كما مرَّ بيانه مرات (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ
غَرِيبٌ، وَهِشَامُ أَبُو الْمِقْدَامِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ) وخصت بهذه الليلة لافتتاحها بمدح ليلة
القدر التي هي من خصائص هذه الأمة، كما أن ليلة الجمعة ويومها من خصائصهم
(١) أخرجه الترمذي (٢٨٨٨)، والْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٤٧٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٣١٣٢).

١٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
أيضًا، فالتشبيه بقراءتها ليلة الجمعة على ذلك غفر له.
٢١٥١ - [وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﴾ أَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ كَانَ يَقْرَأُ الْمُسَبِّحَاتِ قَبْلَ أَنْ
يَرْقُدَ، وَيَقُولُ: إِنَّ فِيهِنَّ آيَةً خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد].
(وَعَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﴾، أَنَّ الَّبِيَّ ◌َ﴿ْ كَانَ يَقْرَأُ الْمُسَبِّحَاتِ) هي كل سورة
افتتحت بسبحان وسبح ويسبح وسبح (قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ، وَيَقُولُ) استئناف لبيان الحامل له
على قراءة تلك السور كل ليلة قبل أن ينام (إِنَّ فِيهِنَّ آيَةً خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ) قيل أبهمها
إبهام ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وليلة القدر في عشر رمضان الأخير محافظة على
قراءة الكل كما حوفظ بذينك على إحياء جميع يوم الجمعة، والعشر الأخير وعين
الحافظ ابن كثير تلك الآية فقال: إنه ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ.) إلى ﴿عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]
فإن كان قاله توفيقًا وهو الظن به فواضح أو اجتهادًا فلا؛ لأنه لا دخل للاجتهاد في
مثل هذا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد).
٢١٥٢ - [وَرَوَاهُ الدَّارِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ مُرْسَلاً، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ
حَسَنُّ غَرِيبٌ].
(وَرَوَاهُ الدَّارِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ مُرْسَلاً، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ
غَرِيبٌ).
٢١٥٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهُ: إِنَّ سُورَةً فِي الْقُرْآنِ ثَلاثُونَ
آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾(٢) [الملك: ١]. رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: إِنَّ سُورَةً فِي) بمعنى من (الْقُرْآنِ
ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ) خبر بعد خبر أو استئناف فلا (لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ: ﴿تَبَارَكَ
(١) أخرجه الترمذي (٣١٧١)، وأبو داود (٥٠٥٩)، وأحمد (١٧٦٢٤)، والدارمي (٣٤٨٧).
(٢) أخرجه أحمد (٧٩٦٢)، والترمذي (٢٨٩١)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٥٤٦)، وابن ماجه
(٣٧٨٦)، وابن حبان (٧٨٧)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٨٨).

١٥٣
كتاب فضائل القرآن
الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)) طول ما قبله وأبهمه، ثم بينه وحصره بقوله: وهي ... إلخ؛ ليكون
أوقع في شرفها وفخامتها، وأبلغ في المواظبة على قراءتها.
((وشفعتا ما على بابها إخبارًا عما وقع بعد نزولها أن رجلاً قرأها فشفعت له حتى
غفر له، وأطلع على ذلك * فأخبر به ترغيبًا فيها فرجل حينئذ إما باق على تنكيره
بالنسبة لعلمه 18 فأخبر به ترغيبًا فيها، والأمة بأن أخبر به على إبهامه أو للأمة فقط
بأن أعلم به ﴿ ﴿ وكتمه للأمر له به أو لمصلحة رآها أو بمعنى يشفع في القيامة على حد
﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] فرجل هنا المراد به جنس القارئ من ذكر أو
امرأة وإثبات الشفاعة للقرآن مرَّ أنه صحيح باعتبار تجسمه فلا معدل عنه (رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه) وابن حبان والحاكم.
وخصت بذلك لافتتاحها بخلق الحياة وختمها بالماء الذي هو سبب الحياة
ففاتحا الشافعة التي هي سبب الحياة الكاملة للمشفوع له، وأيضًا افتتحها تعالى
بعظائم عظمته ثم بباهر قدرته وإتقان صنعته، ثم ندم من نازع في ذلك أو أعرض
عنه ثم يذكر عقابهم وما له عليهم من النعم، ثم ختمها بما اختصها به من بين
سائر الصور، وهو الإنعام العام بالماء المعين الذي هو سبب الحياة المناسب لذلك
كله المعافاة من سوء القطيعة بتشفيع هذه السورة في قارئها وجعلها مانعة عنه منجية
له.
٢١٥٤ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ضَرَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيّ
وَهُ حِبَاءَهُ عَلَى قَبْرٍ، وَهُوَ لَا يَحْسِبُ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانُ يَقْرَأُ سُورَةَ (تَبَارَكَ الَّذِي
بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ حَتَّى خَتَمَهَا، فَأَنَى النَّبِيَّ رَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّْ هِيَ الْمَانِعَةُ، هِيَ
الْمُنْجِيَةُ تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ضَرَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّيِّ ◌َكُ
خِبَاءَهُ) هو أحد بيوت العرب من وبر أو صوف ولا يكون من شعر، ويكون على
(١) أخرجه الترمذي (٣١٣٣).

١٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
عودين أو ثلاثة؛ أي: ختمة صغيرة (عَلَى قَبْرِ، وَهُوَ لَا يَحْسِبُ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانُ)
محتمل أنه معين، وأنه مبهم قيل: ويحتمل أنه الرجل في الحديث الذي قبل هذا، وهو
بعيد بل لا يصح عندنا من السياقين (يَقْرَأْ سُورَةَ ﴿قَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ حَتَّى
خَتَمَهَا، فَتَى التَّبِيَّ رََّ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َِّ: هِيَ الْمَانِعَةُ) لقارئها عن أن يناله مكروه
في الموقف منعًا كاملاً، كما أفاد به ((ال)) الدالة على الكمال في هذا.
وفي قوله: (هِيَ الْمُنْجِيَةُ) له (تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ الله) في القبر كما يدل له رواية
هي المانعة هي المنجية من عذاب القبر، فإن جعل القيد لهما تعين التأكيد وحملي لكل
من هاتين الجملتين على ما ذكرته لتكون الثانية مؤسسة لا مؤكدة ولا مفسرة أولى؛
لأن التأسيس خير من التأكيد، والتفسير إنما يصار إليه أن يعين كما في تنجيه هنا
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
٢١٥٥ - [وَعَنْ جَابِرٍ عَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾
[السجدة:١-٢] وَ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾(١) [الملك: ١]. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَكَذَا فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)) وَفِي ((المصَابِيح):
غَرِيبُ].
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ كَانَ لَا يَنَامُ) أي: لا يريد النوم إذا دخل وقته
(حَقَّى يَقْرَأَ ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ وَ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾) وإنما حملت قوله: ((لا ينام)»
على ما ذكرته؛ ليفيد ما قرره الأئمة أنه يسن قراءة هاتين السورتين مع سورة أخرى كل
ليلة قبيل النوم، ويؤيده حديث النسائي في الثانية ((أن من قرأها كل ليلة منعه الله بها
من عذاب القبر))(٢) فما وقع لشارح هنا مما يقتضي خلاف ذلك غفلة عما ذكره الأئمة
مما ذكرته، وخصهما بذلك لما مر في الثانية؛ ولأن الأولى مسوقة للبرهان على صدق
القرآن وواسع ما أنعم به على الإنسان من مبدأه إلى استقراره في أحد المستقرين مع
(١) أخرجه الترمذي (٣١٣٥)، وأحمد (١٥٠٣٦)، والدارمي (٣٤٧٤).
(٢) أخرجه النسائي (١٠٥٤٧).

١٥٥
كتاب فضائل القرآن
تعداد ما لكل منهما المبين لعدم استوائهما، وذلك كله موجب لدوام الشكر والاستعداد
للبقاء بالعمل الصالح قيدها عند النوم ليقع هو، ثم اليقظة منه على أكمل الهيئات
وأعلى مراتب الاستعدادات.
وأيضًا فقد نصت الأولى على مدح قُوَّامِ الليل الذين ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
المَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] مع وصفهم بأكمل الصفات وجزائهم بأعالي الدرجات، وذلك
حامل؛ أي: حامل لمريد النوم على أنه إذا استيقظ في أثناء ليله تطهّر وصلى ودعا خوفًا
وطمعًا ثم أنفق مما رزقه من النعم الظاهرة والأحوال الباطنة؛ ليقيم المباني ويحيي
المعاني، ويجوز فضيلتي الرواية المحمدية والآثار المصطفوية (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَكَذَا) هو (في (شَرْجِ السُّنَّةِ)) وَ) الذي
(في (المصَابِيح))) أنه (غَرِيبٌ) ولا منافاة بينه وبين ما قبله؛ لأن الغريب قد يكون
صحیحًا.
٢١٥٦ [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وأنس بن مالك ﴾ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: ﴿إِذَا
زُلْزِلَتْ﴾ تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ، وَ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ﴾ تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وأنس بن مالك ﴾ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ بِ هِ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ﴾
تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ) لأن المقصود الأعظم من القرآن بيان المبدأ والمعاد، وهي
مقصورة على ذكر المعاد مستقلة ببيان أحواله كلها إجمالاً، وزادت على القارعة بإخراج
الأثقال وتحديث الأخبار.
وفي حديث آخر: «أنها تعدل ربع القرآن)»(٢) ولا تنافي؛ لأن هذا باعتبار النظر
إلى أن الإيمان بالبعث ربع الإيمان في حديث الترمذي: ((لا يؤمن عبد حتی یؤمن
بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت،
(١) أخرجه الترمذي (٢٨٩٤)، والحاكم (٢٠٧٨)، والْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٥١٤).
(٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٥٣٠).

١٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
ويؤمن بالقدر))(١) فإن مقتضاه أن الإيمان بالبعث الذي قررته هذه السورة، ومع
الإيمان الكامل الذي دعا إليه الإيمان أو بالنظر إلى اشتمال القرآن على تقرير التوحيد
والنبوات، وبيان أحكام المعاش وأحوال المعاد وهي مستقلة ببيان الرابع، فكانت ربعًا
بهذا الاعتبار.
وبهذا يتضح لك أنه لا يلزم من كون السورة تعدل الربع أو النصف مثلاً أن
ثوابها كثوابه، وإلا لحصل التناقض إلا أن يجاب عنه بأنه ولو كان يخبر بالقليل
من الثواب، ثم يزاد في كرامة أمته لأجله وثوابهم لأجله فخبر به ثانيًا كما
هو أحد التأويلات في خبر: ((صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بخمس وعشرين
درجة»(٢).
وفي رواية: ((بسبع وعشرين درجة))(٣).
(وَ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ قُلُثَ الْقُرْآنِ) مرَّ الكلام على هذا في حديث مسلم
السابق مختصرًا، ويزيده هنا بيانًا فيقول هذا مما كثر اختلاف العلماء فيه فقيل كأنه
05لو سمع شخصًا يكررها تكرار من يقرأ ثلث القرآن، فخرج الجواب على هذا،
وبالغوا في رده كيف وسائر طرق الحديث ترد هذا الحدس الذي لا أصل له ولا معنى
يقصده، والحق ما قاله آخرون: إنها إنما سميت ثلثًا؛ لأن القرآن قصص وشرائع
وتوحيد أو توحيد وصراط مستقيم، وآخره وهي مشتملة على التوحيد أو براهين قاطعة
على وجود الله ووحدانيته، وصفاته.
وهي إما صفات الحقيقة، وإما صفات الفعل، وإما صفات الحكم وهي مشتملة
على صفات الحقيقة؛ أو لأن مطالب القرآن معظمها الأصول الثلاثة التي بها يصح
(١) أخرجه أحمد (٧٥٨)، والترمذي (٢١٤٥)، وابن ماجه (٨١)، والحاكم (٩٢)، والطيالسي (١٠٦)،
وأبو يعلى (٥٨٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٩)، وأحمد (١١٥٣٨)، وابن ماجه (٧٨٨)، وأبو يعلى (١٣٦١).
(٣) أخرجه البخاري (٦١٩)، ومسلم (٦٥٠)، ومالك (٢٨٨)، وأحمد (٥٣٣٢)، والترمذي (٢١٥)
وقال: حسن صحيح. والنسائي (٨٣٧)، وابن ماجه (٧٨٩)، وابن حبان (٢٠٥٢).

١٥٧
كتاب فضائل القرآن
الإسلام وتحصيل الإيمان وهي معرفة الله والاعتراف بصدق رسله، واعتقاد القيام
بين يديه فإن من عرف أن الله واحد، وأن النبي صادق، وأن الجزاء واقع مؤمن حقًّا،
ومن أنكر واحدًا منها قطعًا، وهذه تفيد الأصل الأول؛ أو لأن القرآن إما خبر
وإما إنشاء، والخبر إما عن الخالق أو عن المخلوق وهي أخلصت الخبر عن
الخالق.
وقيل المراد: إنها تعدل في الثواب ثلث القرآن وهو الذي يشهد له ظاهر الحديث
والأحاديث الواردة في سورة ((الزلزلة)) و((العاديات)) و(النصر)) و((الكافرون)) وضعفه ابن
عقيل: ((من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات))(١) ويرده إنا إذا فرعنا على
الأول لا نقول: إنها تعدل ثلثه في الثواب مع المضاعفة، بل بدونها؛ لئلا يستوي من
قرأها معه.
ومن قرأ ثلث القرآن وذلك يفيد، ويرده أنه يلزم على القول: بأنها تعدل الثلث
بلا مضاعفة أن من قرأها ثلاثين مرة كان كمن قرأ القرآن مضاعفًا، وحينئذ يلزم
عليه ما أشار إليه ابن عقيل من مساواة العمل القليل للعمل الكثير، والجواب
الصحيح ما أشرت إليه فيما مر أن الثواب من محض فضل الله وجوده فيخص بزيادته
ما شاء من الأعمال فلا محذور حينئذ في أن العمل القليل يساوي الكثير أو يزيد
علیه.
وما قيل: إنه يلزم عليه أن ((الزلزلة)) أفضل من ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ﴾
[الإِخلاص] يرد بأن أحاديث هذه أصح من أحاديث تلك، فإن فرض صحة حديث
الزلزلة، وأن المراد الثواب قلنا: بقضيته من تفضيلها على تلك ولا محذور فيه؛ لما
علمت أن الله يخص ما يشاء بما يشاء، غاية الأمر أن المعادلة في كلام الشارع محتملة،
فإن كانت بأحد الاعتبارات السابقة، فواضح أو باعتبار زيادة الثواب فكذلك،
وتوجيهه ما ذكرته أن الثواب محض فضل الله فيخص به ما يشاء ولو قليلاً دون كثير.
(١) تقدم تخريجه.

١٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
والأصل أن العمل الكثير أكثر ثوابًا من العمل القليل إلا إن صح عن الصادق
أن ثواب القليل أكثر، فإن لم يصح عنه التصريح بذلك، وإنما احتمل كلامه لذلك
ولغيره كما في المعادلة هنا، قلنا: الأصل أن ذا العمل الكثير أكثر ثوابًا فلا يعدل عنه
إلا بصريح أو ظاهر قوي، وأما مع تساوي الاحتمالين فالتمسك بالأصل له وجه
والتوقف له من وجه.
ومن ثم قال ابن عبد البر: إن السكوت في هذه المسألة أفضل من الكلام فيها
وأسلم، ثم أسند إلى أحمد أنه سئل عن كونها تعدل ثلث القرآن، فلم يبد فيها شيئًا.
وقال إسحاق بن راهويه: معناه أن الله لما فضل كلامه على سائر الكلام جعل
لنقيضه أيضًا فضلاً في الثواب لمن قرأه تحريضًا على نقله لا أن من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ
أَحَدُّ﴾ ثلاث مرات كان كمن قرأ القرآن جميعه، هذا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة.
انتهى.
قال ابن عبد البر: فهذان إمامان بالنسبة ما قاما ولا قعدا في هذه المسألة.
انتهى.
وقد مر أن ظاهر الحديث: ((إنها تعدل الثلث في الثواب)) وأنه لا محذور فيه لا
سيما إذا حملناه على أنها تعدله بلا مضاعفة (وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تَعْدِلُ رُبُعَ
الْقُرْآنِ) لاشتماله على أربعة أمور، مر تقريرها بوجهين: في كون ((الزلزلة)) تعدل ربعًا
أحدها التوحيد و((الكافرون)) دالة عليه وحده؛ لأن البراءة من الشرك إثبات للتوحيد،
فكانت ربعًا بهذا الاعتبار وفارقت ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ﴾ مع أن كلا يسمى سورة
((الإخلاص)) لأن هذه اشتملت من صفات الله على ما لم يشتمل عليه تلك.
وأيضًا فالتوحيد إثبات إلهية المعبود وتقديسه، ونفي الإلهية ما سواه فقد صرحت
((الإخلاص)) بالإلهية والتقديس وصرحت إلى نفي عبادة غيره و((الكافرون)) صرحت
بالنفي وصرحت بالإثبات والتقديس، وكان بين المدعين من التصريحين والتلويحين ما
بين الثلث والربع (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

١٥٩
كتاب فضائل القرآن
٢١٥٧ - [وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ﴾ عَنِ النَّبِيِّوَ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأْ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةٍ
الْخَشْرِ وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ
الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وَعَنْ مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارِ ع عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ:
أَعُوذُ بِاللّه السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأ) اندفع بهذه الفاء، أخذ الظاهرية
بظاهر قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ .. ﴾ [النحل: ٩٨] والذي عليه عامة
العلماء غيرهم أن المراد فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ.
ومر أن القرآن يطلق على الكل وعلى البعض (ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ)
هو ﴿اللّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ.﴾ إلى آخر السورة (وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ
يُصَلُّونَ عَلَيْهِ) أي: يقولون: ((اللَّهُمَّ ارحمه رحمة مقرونة)) بتعظيم يناسبه (حَتَّى يُمْسِي،
وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا) أي: مماثلاً للتشهد في نوع من الأنواع المختصة
به لا في كلها نظير ما مر في ((الإخلاص)): ((تعدل ثلث القرآن)»(٤) على ما فيه مما مر
بسطه قریبًا.
(وَمَنْ قَالَهَا) أي: القصة المذكورة من أنه يفتتح بتلك الاستعاذة، ثم يقرأ تلك
الآيات (حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة) أن ذلك العدد الكثير من الملائكة يصلون
عليه، وأنه إن مات في تلك الليلة يموت شهيدًا قوله: ((حين يصبح وحين يمسي))
الظاهر أن المراد بالصباح فيه أوائل النهار عرفًا، وبالمساء أوائل الليل عرفًا، وكذا يقال
في كل ذكر أنيط بالصباح أو المساء وليس المراد هنا اللغوي؛ إذ الصباح لغة من نصف
(١) أخرجه أحمد (٢٠٣٢١)، والترمذي (٢٩٢٢)، والطبراني (٥٣٧)، والْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)»
(٢٥٠٢)، والدارمي (٣٤٨٨)، والرافعى (٤٩٥/٢).
(٢) تقدم تخريجه.

١٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الليل إلى الزوال والمساء من الزوال إلى نصف الليل كما قاله ثعلب ومن تبعه.
وهذا تبعد إرادته هنا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ
غَرِيبٌ) وخصت تلك الآيات بذلك؛ لاشتمالها على الاسم الأعظم عند کثیرین، وعلى
غرر من أسمائه وصفاته الدالة على أن قارئها العارف بمعانيها عنده من حقائق
الإيمان ومعالي الإيقان ما اقتضى أن يجازى بما ذكر من الثواب.
٢١٥٨ [وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: مَنْ قَرَأْ كُلَّ يَوْمٍ مِائَتَيْ مَرَّةٍ
﴿قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدُّ﴾ مُحِيَ عَنْهُ ذُنُوبُ خَمْسِينَ سَنَّةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنُ(١). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ: (خَمْسِينَ مَرَّة) وَلَمْ يَذْكُرْ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَیْنٌ].
(وَعَنْ أَفَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: مَنْ قَرَأْ كُلَّ يَوْمٍ مِائَتَيْ مَرَّةٍ ﴿قُلْ
هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ مُجِيَ عَنْهُ ذُنُوبُ خَمْسِينَ سَنَةً) إذا كانت صغائر متعلقة بالله تعالى كما
علم من الأحاديث السابقة (إِلّا) استثناء من الذنوب يجعل الدين من جنسها تهويلاً
وفطمًا للناس عن الاستدانة ما أمكنهم، وإعلامًا بخطر الديون، وأنها لا تغفر.
ومن ثم روى مسلم: ((يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين))(٢).
(أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) ولو لله تعالى كزكاة وكفارة فلا يمحى بذلك؛ لأن فيه
شائبة قوية للآدمي؛ لأنه الذي يصرف إليه فلم يمحه ذلك (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمُّ،
وَفِي رِوَايَةٍ: خَمْسِينَ مَرَّة) أي: من قرأها خمسين مرة (وَلَمْ يَذْكُرْ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ
دَيْنٌ).
٢١٥٩ - [وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَنَامَ عَلَى يَمِينِهِ،
ثُمَّ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ مِائَةَ مَرَّةٍ، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: يَا عَبْدِي
(١) أخرجه الترمذي (٢٨٩٨)، وابن عدي (٤٣٩/٢)، والْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٥٤٧)، والدارمي
(٣٥٠١).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٨٦)، وأحمد (٧٠٥١)، وأبو عوانة (٧٣٦٩)، والحاكم (٢٥٥٤) وقال: صحيح
الإسناد.

١٦١
كتاب فضائل القرآن
ادْخُلْ عَلَى يَمِينِكَ الْجَنَّةَ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسنُّ غَرِيبٌ].
(وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَامَ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ قَرَأْ
﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ مِائَةَ مَرَّةٍ، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) مر مع جوابه الذي هو (يَقُولُ) ولم
يجزم؛ لأن إذا لا محرم خبرًا لـ((من)) (لَهُ الرَّبُّ: يَا عَبْدِي ادْخُلْ عَلَى يَمِينِكَ) باتت من
أهل اليمين خبرًا لنومك على يمينك قارئًا تلك السورة التي فيها صفاتي لا غير ممتثلاً
ما أخبر به رسولك (الْجَنَّةَ) أي: ادخلها حال كونها على يمينك حين وقفت للحساب،
وبه يعلم أن الناس في وقوفهم للحساب تكون الجنة عن أيمانهم والنار عن
شمائلهم، وظاهر الحديث أن المراد دخولها بلا حساب، لكنه مقيد بما مرَّ أن محله
فيمن ليس عليه حق آدمي (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسنُّ غَرِيبٌ).
٢١٦٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ
أَحَدَّ * اللهُ الصَّمَدُ﴾ فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ(٢). رَوَاهُ مَالِك
وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿َ سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ " اللّهُ
الصَّمَدُ﴾ فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقُلْتُ: وَمَا) معنى قولك: جزاء لقراءته (وَجَبَتْ؟ قَالَ:) معناه
وجبت (الْجَنَّةُ) له بمقتضى وعد الله وفضله الذي لا يخلفه كما قال تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ
المِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩].
(رَوَاهُ مَالِك وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ) وفيه كالذي قبله إشارة إلى أن من عمل بما في
ذاك، أو بما في هذا كان ذلك علامة على أنه يختم له بالإسلام المتكفل بدخول الجنة
ونظيره: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)»(٣) فإن التفقه في الدين أمارة على ذلك؛
لأن إرادة الخير بالعبد إنما يحصل لمن مات على الإسلام.
(١) أخرجه الترمذي (٣١٤٤).
(٢) أخرجه مالك (٤٩٠)، والترمذي (٣١٤٢)، وأحمد (١١٢٠٨)، والنسائي (١٠٠٢).
(٣) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧)، وأحمد (١٦٩٢٤)، وابن حبان (٨٩)، والدارمي (٢٢٤).

١٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
٢١٦١ - [وَعَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ أَبِيهِ ﴿ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَّمْنِي شَيْئًا
أَقُولُهُ إِذَا أَوَيْتُ إِلَى فِرَاشِي، قَالَ: اقْرَأْ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ(١).
رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِيُّ].
(وَعَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْقَلٍ عَنْ أَبِيِهِ ﴾. أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ إِذَا
أَوَيْتُ إِلَى فِرَاشِي، قَالَ: اقْرَأْ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ) أي: توجب
لقارئها متأملاً ما اشتملت عليه من سلب الألوهية عما سوى الله تعالى، وإثباتها له
دون غيره مع التزام ذلك، والدوام عليه المستعار من ولي ديني أنه قدير من اعتقاد
شريك لله تعالى في ذاته أو صفته أو فعله؛ لأنه منزه عن كل سمة من سمات النقص،
بل من السمات التي لم تصل إلى أعلى غايات الكمال وتحلى بكل صفة من الصفات
البالغة أقصى غايات الجلال والجمال (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ).
٢١٦٢ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهُ بَيْنَ
الْجُحْفَةِ وَالأَبْوَاءِ، إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةً، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَتَعَوَّذُ
بـ ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وَيَقُولُ: يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ
مُتَعَوِّذَّ بِمِثْلِهِمَا(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ].
(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَظِهَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِ بَيْنَ الْجُحْفَةِ)
وهي ميقات أهل مصر ونحوهم سميت بذلك؛ لأن السيول أحفتها وهي التي دعا النبي
وَلّ نقل حمى المدينة إليها فانتقلت إليها، فكان لا يمر بها طير إلا حُمَّ، ولانبهام
موضعها الآن أو قلة مائها وكثرة الخوف للجائي إليها استبدل الناس الإحرام من رابع
محل مشهور قبيلها لأمته وكثرة مائه (وَالأَبْوَاءِ) محل بين الجحفة والفرع البلد المشهورة
تنبيهًا؛ أعني: الأبواء وبين الجحفة نحو عشرين ميلاً سميت بذلك؛ لأن السيول تبوء
(١) أخرجه أحمد (٢٣٨٥٨)، وأبو داود (٥٠٥٥)، والترمذي (٣٤٠٣)، والحاكم (٣٩٨٢)، والْبَيْهَقِيُّ فِي
((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٥٢٠)، وابن أبي شيبة (٢٦٥٢٨)، والدارمي (٣٤٢٧)، وابن حبان (٥٥٤٦).
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٦٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٤٢٢١).