Indexed OCR Text
Pages 1-20
فَتْحُ الإِلَهُ
في
شَرَجُ المُشْكَارة
تصنيف
الشَّيْخِ الإِمَّامُ القَلَّامَة المُحُقِّوْ
ابْنُحَجَرُ الهَيْتِيّ
المتوفى ٩٧٤ صنعه
تحقيق وَتَخْيُ وَتعليمُ
الشَّيخ أحْمَد فَريد المَزَيَدِيّ
الحُزْءِ السّابع
الأحاديث من ٢٠٣٦ -٢٢٩٢
دار الكتب العلمية®
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
DKİ
أسسّها محمّد علي بيضوت سنة 1971 بَيْرُوت - لبْنَان
Est. by Mohammad Ali Baydoun 1971 Beirut - Lebanon
Établie par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - Liban
الكتاب تفتح الإله
في شرح المشكاة
Title : FATH.AL-ILAH
FĪ ŠARH AL-MIŠKĀT
التصنيف : شرح حديث
Classification: Prophetic hadith explanation
-
المؤلف :العلامة المحقق ابن حجر الهيتمي (ت974 هـ)
Author : Ibn Hajar Al-Haytami (D;974H-)
1
-
المحقق .الشيخ أحمد فريد المزيدي
Editor : Al-Sheikh Ahmad Farid Al-Mazidı
-
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
Publisher : Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah - Beirut
-
عدد الصفحات (10 مجلدات Pages tio Voluine115728
Size
سنة الطباعة
Pontedin: Lebanon
بلد الطباعة : لبنان
، الطبعة : الأولى (لونان)
Edition : 1- (2 colors)
Exclusive rights by @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beirut-Lebanon No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any form or by any
means,or stored in a data base or retrieval system,without
the prior written permission of the publisher.
Tous droits exclusivement réservés à @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beyrouth-Liban Toute représentation, édition, traduction ou reproduction
même partielle,par tous procédés, en tous pays, faite sans autorisation
préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à
des poursuites judiciaires.
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية
بيروت-لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب
كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Dar Al-Kotob
Al-ilmiyah
Est. by Mohamad Ali Baydoun
1971 Beirut - Lebanon
Aramoun, al-Quebbah,
Dar Al-Kotob Al-ilmivah Bldg
Tel
+961 5 804 810/11/12
Fax
+961 5 804813
Po Box 11-9424 Beirut-Lebanon,
Riyad al-Soloh Beirut.1107 2290
عرمون -القبة، مينى دار الكتب العلمية
١١/١٢/ ٨٠٤٨١٠ ٥ ٩٦١+
هاتف
١٩٩١٫٥٨٠٤٨١٣
فاكس
بيروت-لبنان .
صعب:٦٤٢٤-١١
رياض الصلح - بيروت
٠١١٠٧٢٢٩٠
baydoun@al-ilmiyah.com
sales@al-ilmiyah
info@al-ilmiyah.com
-
http://www.al-ilmiyah.com
90000
9 782745 178138
ISBN-13: 978-2-7451-7813-8
ISBN-10: 2-7451-7813-X
17x24 cm
كيس الصفحات
Year
1 2015 A.D - 1436 H-
1
1
نسِ اللَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(باب صيام التطوع)
أي: التقرب إلى الله تعالى بما يجب منه.
(الفصل الأول)
٢٠٣٦ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َُّ: يَصُومُ حَتَّى
نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ اسْتَْمَلَ شَهْرًا
قَظُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ(١)، وَفِي رِوَايةٍ قَالَتْ: كَانَ
يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلاً(٢)، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وََّ: يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ)
بالنون وروي بياء الخطاب؛ أي: حتى يقول: أيها المخاطب، لو اطلعت على حاله
وبالنصب وهو الأكثر، ويجوز الرفع بتقدير كونها ابتدائية؛ أي: حرف يبدأ بعده الحمل
فليستأنف، وحينئذ يدخل على الاسمية والفعلية الماضية والمضارعية كما في ﴿وَزُلْزِلُوا
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] والنصب هنا مشكل؛ لأن الناصبة إما بمعنى إلى
الغائبة أو ((كي)) التعليلية أو ((إلا)) الاستثنائية والأخير لا يتأتى هنا وهو واضح وكذا
الأولان؛ لأن صومه ليس معينًا إلى القول المذكور ولا معللاً به، ويجاب بأن هناك
محذوفاً هي غاية له؛ أي: كان يديم الصيام فيتعجب من رآه إلى أن يقول أو فيظن من
رآه أنه صار لا يفطر إلى أن يقول: (لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ) فيه ما في الذي قبله
(١) أخرجه مسلم (٢٧٧٧)، وأحمد (٢٥٩٣٩).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (٢٧٧٨)، وأحمد (٢٦٠٦٠)، والنَّسَائِيّ (٢١٩١)، وابن ماجه
(١٧٨١)، والبيهقي في ((سننه الكبرى)) (٨٦٨٩).
-٣-
٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ اسْتَْمَلَ شَهْرًا قَطُ إِلَّ رَمَضَانَ).
وقد يستشكل هذا بما قبله، فإن تلك الغاية وهي قول القائل: ما ذكر لا يتأتى في
صوم دون الشهر لا سيما فيمن علم من عادته له أنه لا يستكمل شهرًا أو يجاب بأنه
كان إذا شرع في الصوم وسرده يظن منه الإدامة حتى يقال ذلك، ثم تبين بعدم
استكماله للشهر انتفاء ذلك الظن، فقولها: أولاً حتى تقول: باعتبار ابتداء الصوم،
وثانيًا وما رأيت إلخ باعتبار الانتهاء (وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ) غير رمضان (أَكْثَرَ) يأتي
المفعولين (مِنْهُ) وَّهِ (صِيَامًا فِي شَعْبَانَ) أي: كان يصوم في كل شهر لكن في شعبان
أكثر مما سواه.
(وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلاً. مُتَّفَقُ
عَلَيْهِ) قال العلماء: اللفظ الثاني مفسر للأول؛ فالمراد بكله غالبه وهو تجوز بعيد
حملهم عليه قولها في الرواية الأولى قط إلا رمضان، فإن تأويل كل بالغالب أقرب من
تأويل هذا، وسبب ذلك أنه لو استكمل شهرًا كله لظن وجوبه.
وقيل: كان يصوم كله في سنة وبعضه في آخره، قيل: وهذا أقرب لظاهر
اللفظ.
وقيل: كان يصومه تارة من أوله وتارة من آخره وتارة من وسطه ولا يترك منه
شيئًا بلا صيام، لكن في أكثر من سنة قبله، وإنما خصه بكثرة الصيام؛ لأنه يرفع فيه
أعمال العباد في سنتهم.
وفيه إن صح جواب عن إيثاره بالصوم على الحرم مع أنها أفضل منه، وأجيب
أيضًا بأنه لعله كان يعرض له فيها اعتذار يمنع من إكثاره فيه أو لم يعلم فضلها إلا
آخر حیاته.
٢٠٣٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ وَ يَصُومُ
شَهْرًا كُلَّهُ؟ قَالَتْ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلَّا رَمَضَانَ، وَلَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟
قَالَتْ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلَّا رَمَضَانَ، وَلَا أَقْطَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ) ((حتى))
بمعنى: (كي)) فينصب بتقدير ((إن)) المصدرية؛ أي: ما علمته أفطره كله لأجل علمي بأنه
يصوم بعضه، فإن اعترض هذا بأن شرط حتى الناصبة أفاد بها نقص الفعل قبلها شيئًا
فشيئًا نحو سرت حتى أدخلها، فالسير المعلل بالدخول؛ أي: المفعول لأجل الدخول
يقضي شيئًا فشيئًا، وحينئذ الدخول في حكم المستقبل لكونه مترقبًا وقت السير،
وهذا لا يتصور هنا.
فجوابه منع عدم تصوره هنا، بل هو متصور؛ لأن عدم علمها باستمرار إفطاره
إلى آخر الشهر المستفاد من لا أفطره كله صير صوم بعضه مستقبلاً لكونه مستعقبًا
ومترقبًا، وحينئذ أفادت حتى يقضي ذلك الاستمرار شيئًا فشيئًا إلى أن وجد البعض.
وأنه ◌َل* حين عزم ألا يصوم الشهر كان مترقبًا أن يصوم بعضه (حَتَّى مَضَى
لِسَبِيلِهِ) حتى هذه: غاية لعدم علمها بالحالتين إكمال صوم شهر وفطر شهر؛ أي:
استمر علمي بذلك إلى أن توفاه الله ذاهبًا لما أعده الله له من كرامته الذي هو مستقره
الحقيقي.
وأما وجوده في الدنيا فلم يكن إلا لأداء رسالة ربه وهداية أمته، فبمجرد أن
فعل ذلك تركها ومضى لمستقره (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
٢٠٣٨ - [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلاً وَعِمْرَان
يَسْمَعُ: يَا أَبَا فُلانٍ أَمَا صُمْتَ مِنْ سَرَرٍ شَعْبَان؟ قَالَ: لَا، قال: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ
يَوْمَيْنِ(٢) مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(١) أخرجه مسلم (٢٧٧٤)، وأحمد (٢٦٨٤٠).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٨٣)، ومسلم (٢٨٠٨)، وأبو داود (٢٣٣٠)، وأحمد (٢٠٥١٣)، والبيهقي في
((سننه» (٨٢٢٣).
٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َيْ أَنَّهُ) ◌َّهِ (سَأَلَهُ أَوْ) للشك (سَأَلَ رَجُلاً
وَعِمْرَان يَسْمَعُ: يَا أَبَا فُلَانٍ أَمَا صُمْتَ مِنْ سَرَرٍ شَعْبَان) سرر الشهر وسراره كما في
رواية أخرى بفتح أوله المهمل، وكسره آخر: ليلة منه، سمي بذلك لاستتار الهلال فيها
بنور الشمس، وروي: ((صوموا الشهر وسره)(١) فقيل: أوله، وقيل: مشتملة، وقيل:
وسطه، وسر كل شيء جوفه.
قال البيهقي: والصحيح أن سره آخره، وأنه أراد به اليوم أو اليومين اللذين يستقر
فيهما القمر.
وقال الفارسي: إنه الأشهر قال: وقد روي هل صمت من سرة هذا الشهر كأنه
أراد وسطه؛ لأن السرة وسط قامة الإنسان.
(قَالَ: لَا، قال: فَإِذَا أَفْطَرْتَ) أي: إذا انقضى رمضان (فَصُمْ يَوْمَيْنِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ)
قالوا: كان هذا الرجل قد أوجب صوم يومين على نفسه من شعبان، فلما فاته أمره
بقضائهما من شوال لندب أو وجد النور في القضاء کما مرَّ، وقيل: لعله اعتاد صومهما
فبين له هذا أن صورة العادة مستثناة من النهي السابق في قوله: ((لا تقدموا رمضان
بصوم يوم أو يومين))(٩) كذا قيل: وفيه نظر؛ لأن صورة العادة مصرح باستثنائها في
ذلك الحديث كما مر.
٢٠٣٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ
رَمَضَانَ شَهْرُ الله الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ(٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َيُّ: أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ
شَهْرُ الله الْمُحَرَّمُ) أي: صومه وفيه من التفخيم والتشريف له ما هو ظاهر، ومن ثم
قال أئمتنا: أفضل الأشهر لصوم التطوع المحرم ثم بقية الحرم رجب وذو الحجة
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٣١)، والبيهقي في ((سننه)) (٨٢٢٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (٢٥٧٠)، وأحمد (٨٨٠٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٨١٩٦).
(٣) أخرجه مسلم (٢٨١٢)، والترمذي (٤٤٠)، والنسائي (١٦٢٤).
٧
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
وذو القعدة واختلفوا في أفضلها، فقال جماعة متأخرون: وجب خروجًا من خلاف من
فضله حتى على المحرم لكن غلط في ((شرح المهذب)» من فضله على المحرم بمخالفته
لهذا الحديث الصحيح.
وقال غيره: أحاديث صوم رجب موضوعة عند الحفاظ.
وقال الغزالي كالجرجاني: الحجة؛ لأن فيه الحج والأيام المعلومات والمعدودات
ويؤيده حديث البيهقي: ((سيد الشهور رمضان، وأعظمها حُرمة ذو الحجة))(١) وبما
قررته في معنى شهر الله المحرم يعلم غلط شارح في قوله: يريد به صوم عاشوراء
فحمل أفضلية صوم المحرم على صوم عاشوراء منه فقط، وهذا غلط صريح وغفلة
قبيحة عن كلام أئمته في معناه الذي قررته، ثم الصوم في الحرم أفضل منه في غيرها
لخبر أبي داود وغيره: ((صم من الحُرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم
واترك)»(٤).
وإنما أمر المخاطب بالترك؛ لأنه كان يشق عليه إكثار الصوم كما جاء التصريح
به في الخبر، ومن ثم كان صوم جميعها أفضل لمن لم يشق عليه ثم يليها شعبان لما مر
فيه مع الجواب عما يشكل على ما هنا (وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ) هي
صلاة الوتر.
ومن ثم قال أئمتنا: إنها أفضل النوافل التي لا يسن فيها الجماعة للخلاف
القوي في وجوبها، فإن أريد صلاة الليل المطلقة كانت أفضل من نفل النهار المطلق
دون غيره كالسنن التابعة للفرائض؛ لأنه ورد فيها ما يفضلها على صلاة الليل المطلقة
كيف وهو لا لم يكن يصلي في الليل إلا الوتر كما صرح به قول عائشة: ((ما زاد
رسول الله 1840 في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ووتره وَله)) كان بعد نومه
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٧٥٥)، وابن عساكر (٣٩٢/٢٦)، والديلمي (٣٤٧٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٣٣٨)، وأبو داود (٢٤٢٨)، وابن ماجه (١٧٤١)، وابن سعد (٨٣/٧)، والبيهقي في
(شعب الإيمان)) (٣٧٣٨)، والضياء (٢١٢).
٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
فهو التهجد الذي أمره الله تعالى به ورتب عليه أفضل مقاماته وَالر بقوله عز
قائلاً: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تُحْمُودًا﴾
[الإسراء: ٧٩].
وبهذا الذي قررته يندفع قول شارح مسلم في الحديث حجة لقول بعض
أصحابنا: إن صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة، وهذا أقول وأوفق لنص الحديث.
انتهى ملخصًا.
وقد علمت الجواب عنه بأن المراد بصلاة الليل الوتر، وهو بعد النوم التهجد
ويعضده أنه ◌َّلو لم يصل في الليل غير الوتر فلم يحمل الحديث على نوافل الليل المطلقة
واتجه ما قاله أكثر أصحابنا: إنها متأخرة عن رواتب النهار وبفرض حمله عليها أفضل
من نوافل النهار المطلقة لا غير (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٢٠٤٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَتَحَرَّى
صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّ هَذَا الْيَوْمَ: يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ؛ يَعْنِي: شَهْرَ
رَمَضَانَ (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَتَحَرَّى صِيَامَ
يَوْمٍ فَضَّلَهُ) بفتح فسكون على ما في بعض نسخ ((المصابيح)) وهو بدل من المفعول
للرواية الأخرى ((يتحرى صوم يوم ينبغي فضله))(٤) وبه يعلم أن المبدل منه ليس في نية
المطروح دائمًا وقولهم: إنه في بيته محمول على الغالب كما هو مبين في محله (عَلَى غَيْرِهِ
إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ: يَوْمَ عَاشُورَاءَ) بالمد وحكي قصره (وَهَذَا الشَّهْرَ؛ يَعْنِي: شَهْرَ رَمَضَانَ. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ) أي: ما رأيته يتحرى فضل صيام يوم على غيره؛ أي: يجتهد ويبالغ في تفصيل يوم
على غيره إلا يوم عاشوراء، إما؛ لأنه كان فريضة ثم نسخ على خلاف فيه، لكن الأصح
(١) أخرجه البخاري (٢٠٠٦)، ومسلم (٢٧١٨)، وأحمد (١٩٦٦)، والنَّسَائِيّ (٢٣٨٢)، والحميدي
(٥١٢).
(٢) لم أقف على هذه الرواية.
٩
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
عند أكثر أصحابنا أنه لم يجب على هذه الأمة أصلاً كما يصرح به حديث الصحيحين
أن هذا اليوم يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه من شاء فليصم ومن شاء
فليفطر.
وأما الأخبار الواردة بالأمر بصومه والمصرحة بأنه لما فرض رمضان ترك
فمحمولة على تأكد الاستحباب على نظر في ذلك؛ إذ هي كالصريحة في الوجوب لكن
ضرورة الجمع بين الأحاديث أوجبت إخراج تلك عن ظواهرها.
وإما؛ لأنه معظمُ جدًّا في المِلَلِ قبلنا فكان ◌َلّ يحب إحياءه بالصوم وبفضله على
غيره حتى أعلمه الله بأنه أتاه ما هو أفضل منه وهو صوم يوم عرفة بدليل جعله وليد
يوم عاشوراء يكفر سنة، وعرفة يكفر سنتين جريًا على ما جاء في الأحاديث مما يفيد
أن ثواب هذه الأمة ضعف ثواب غیرها.
ثم رأيت شارحًا قال: ورد أن ((أفضل الأيام يوم عرفة))(١) وقضية هذا الحديث أن
أفضلها يوم عاشوراء، ثم أجاب بما فيه نظر وإنما الصواب ما ذكرته أن ما هنا قبل
علمه بأفضلية عرفة وإلا رمضان؛ لأنه سيد الشهور كما مر، أو بفتح فتشديد وهو ما
في أكثر النسخ قيل: وهو يدل من يتحرى، والأولى كونه صفة ليوم المستثنى منه؛ لأنه
عام؛ إذ هو يكره في سياق النفل فيفيد العموم واستثناء الشهر يستدعي إما تقدير
وصيام شهر، فضله على غيره ليكون هذا اليوم من المذكور؛ أي: ما رأيته يبالغ في
تفضيل يوم على غيره يتحرى صيامه إلا يوم عاشوراء وكل يوم من أيام
رمضان.
واعلم أن عاشوراء هو عاشر المحرم كما عليه أكثر العلماء، وشذ ابن عباس
فقال كما في ((مسلم)) وغيره: هو ما تبعه أخذًا من إظماء الإبل، فإن العرب تسمي تاسع
يوم الورد عشرًا وتاسعها ثمنًا بكسر أولهما وهكذا وردوا عليه بأن الأول هو المشهور
شرعًا ولغة وبأنه نفسه ذكر أنه كله كان يصوم عاشوراء فذكروا أن اليهود والنصارى
-
(١) ذكره بلفظه ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٦٨٦٧) وعزاه لرزين.
١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
تصومه.
فقال : إنه في العام المقبل يصوم التاسع فهذا صريح بأن الذي كان يصومه
إنما هو العاشر؛ لأنه كالحديث الآتي قريبًا صرح بالتاسع وهو لا يمكن أخذه من
الإظماء المذكور على أنه لا يتم له ذلك الأخذ لو فرض ألا معارض له إلا لو قالوا: عشرًا
كما علم مما تقرر.
أما إذا عبروا بعاشوراء فلا يصح أخذه مما ذكر للفرق بين الصيغتين على أنه
ليس في كلامهم فاعولاً بالمد غيره، قيل: وقد يلحق به تاسوعًا، وأيضا هو من باب
الصفة التي لم يرد لها فعل والتقدير يوم صفته عاشوراء وصح أن الجاهلية الجهلاء
كانوا يسمونه عاشوراء فليس اسمًا شرعيًا فحسب خلافًا لمن زعمه.
٢٠٤١ - [وَعَنْهُ قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ الله ◌َِّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ، يَوْمُ تُعَظِّمُهُ الْتَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ
لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْهُ قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا
رَسُولَ الله) هذا (يَوْمُ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) فكيف توافقهم على تعظيمه؟ (فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَُّ: لَئِنْ بَقِيتُ) أي: عشت (إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ) أي: مع عاشوراء
لأخالفهم، فإنهم إنما يعظمون عاشوراء فقط ونحن نعظمه مع تاسوعاء (رَوَاهُ مُسْلِمْ)
فمات قبله في شهر ربيع ومن هذا لكونه وقليل عزم على صوم التاسع والذي قبله.
أخذ أئمتنا: إنه سألك صوم العاشر والتاسع منه، بل والحادي عشر كما نص
عليه الشافعي ه وحكمة ذلك الاحتياط خشية الغلط في الهلال بالتقديم أو التأخير
ومخالفة اليهود، وروى أحمد خبر: ((صوموا يوم عاشوراء أو خالفوا اليهود، وصوموا قبله
يومًا وبعده يومًا))(٢).
(١) أخرجه مسلم (١١٣٤)، وابن ماجه (١٧٣٦).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٥٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٧٩٠)، وتمام في فوائده (٩٤).
١١
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
٢٠٤٢ - [وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ
رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ
بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفْ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَه(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ) زوجة العباس وأم أولاده ﴾ (أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا
عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامٍ رَسُولِ اللّه ◌َيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ
بِصَائِمٍ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفُ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَه. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومنه أخذ
الشافعي ومالك أنه لا يسن صومه للحاج؛ أي: الذي بعرفه أو قريب منها، وإن كان
قويًّا؛ لأن من شأن الصوم أنه يضعف عن الدعاء المطلوب في ذلك اليوم وإحياء الليلة
التي بعده وما في يوم العيد من الأعمال الشاقة، ومن ثم كان صومه له خلاف الأولى،
بل قال النووي في نكته: إنه مكروه؛ أي: للنهي عنه، وما قيل: إن في إسناده مجهولاً
يرده أن ابن خزيمة صححه، وقال الحاكم: إنه على شرط البخاري وأقره الذهبي.
٢٠٤٣ - [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَائِمًا
فِي الْعَشْرِ قَظُ (٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٣).
(١) أخرجه مالك (٨٣٦)، والبخاري (١٦٦١)، ومسلم (٢٦٨٨)، وأبو داود (٢٤٤٣)، والبيهقي في
((سننه)) (٩٧٤٠).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٤٦)، والترمذي (٧٦١)، وأحمد (٢٤٨٧٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٨٦٥٤).
(٣) قال المباركفوري: هذا بظاهره يخالف ما تقدم في باب الأضحية من فضيلة مطلق العمل
المتضمن للصيام في عشر ذي الحجة، ومن فضيلة خصوص للصيام فيها، وما في حديث أبي
قتادة الذي يليه من استحباب الصوم في التاسع منها، وهو يوم عرفة. وما في حديث حفصة في
الفصل الثالث من عدم تركه ﴾ صيام العشر، وما في حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن
بعض أزواج النبي قالت كان رسول الله و #* يصوم تسع ذي الحجة - الحديث. أخرجه أحمد
وأبو داود والنسائي والجواب عنه أن المراد من قولها لم يصم العشر أنه لم يصمها لعارض مرض
أو سفر أو غيرهما أو أنها لم تره صائمًا فيها ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، وإذا
تعارض النفي والإثبات فالإثبات أولى بالقبول. قال البيهقي: بعد رواية حديث هنيدة وحديث
عائشة ما لفظه، والمثبت أولى من النافي، مع ما مضى من حديث ابن عباس في فضيلة العمل
=
١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ صَائِمًا فِي
الْعَشْرِ) أي: عشر ذي الحجة الأول (قَظٌ. رَوَاهُ مُسْلِمْ) وهذا النفي منها إنما هو باعتبار
علمها فلا يعارض ما أثبته غيرها، وهو ((أنه ويلي كان يصوم تسع ذي الحجة))(١) رواه
أحمد وأبو داود والنَّسَائِيّ، ولعله ◌َليو كان قد يترك صومه لعارض وسيأتي أنه يتأكد
صومه.
٢٠٤٤ - [وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَن رَجُلاً أَنَى النَّبِيَّ وَ فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ
رَسُولُ اللهِنَّهِ مِنْ قَولِهِ، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ، قَالَ: رَضِينَا بِاللّه رَبَّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ
نَبِيًّا، نَعُوذُ بِالله مِنْ غَضَبِ الله وَغَضَبٍ رَسُولِهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ حَتَّى
سَكَنَ غَضَبُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ کَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الذَّهْرَ كُلّهُ؟ قَالَ: لَا صَامَ وَلَا
أَفْطَرَ - أَوْ قَالَ: لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ - قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ:
وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدَّ؟! قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ، قَالَ:
كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِيّ ◌ُطُوَّقْتُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله
وَّ: ثَلَاثَ كُلَّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ
عَلَى اللهُ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَّةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ أَحْسِبُ
عَلَى اللهُ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَّةَ الَّتِي قَبْلَهُ(٩). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَن رَجُلاً أَنَى النَّبِيَّ ◌َ فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟) أنت (فَغَضِبَ
رَسُولُ اللهِ وَ مِنْ) أجل (قَولِهِ) لأنه ◌َّ خشي إن أجابه بما يصومه أن يعتقد وجوبه
أو يستقبله كما وقع لجماعة من الصحابة أنهم سألوا عن عبادة رسول الله وَالٍ فتقالوها،
-
الصالح في عشر ذي الحجة. وقيل: المراد نفي جميع العشر وفيها يوم العيد وهذا لا ينافي صوم
بعضها وقيل: يحتمل أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل في بعض الأحيان وهو يحب أن
يعمله خشية أن يظن وجوبه. [مرعاة المفاتيح ١٠٨/٧].
(١) أخرجه أحمد (٢٢٩٩٤)، وأبو داود (٢٤٣٩)، والبيهقي (٨٦٥٣).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٠٣)، وأبو داود (٢٤٢٧)، والنَّسَائِيّ (٢٣٩٩).
١٣
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
وديّ فاشتد غضبه عليهم، وقال: ((أنا أتقاكم الله وأخوفكم منه)» أو
فبلغ ذلك النبي
يقتصر عليه مع أنه 185 إنما اقتصر على صوم القليل لشغله بمصالح المسلمين إجمالاً
وتفضيلاً، وحقوقهم وحقوق أزواجه وأضيافه وليس أحد مثله في ذلك، وكان حق
السائل أن يقول: كم أو كيف أصوم ليجيبه وَل بما يناسب حاله كما وقع لغيره؛ لأنه
الطبيب الذي يحيط بحال كل سائل، وما يصلح له والمفوض إليه قسمة مواهب الحق
لمستحقيها إنما أنا قاسم والله يعطي (فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ، قَالَ) خشية من أن يصابوا من آثار
ذلك الغضب ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
(رَضِينَا بِالله رَبًّا) أي: مربيًا ومصلحًا لأحوالنا فيه مناسبة للمقام؛ لأن ذلك
الغضب إنما نشأ عن عدم حسن السياسة في السؤال الناشئ عن عدم كمال التربية
والإصلاح (وَبِالإِسْلَامِ) أي: الانقياد لله ورسوله (دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا) أي: مخبرًا
عن الله فإليه أزمَّة الأمور ومقاليد الحكمة، فلا يطلب ويعلم إلا من جنابه الكريم
(نَعُوذُ بِالله مِنْ غَضَبِ الله وَغَضَبٍ رَسُولِهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يُرَدِّدُ هَذَا الْكُلَامَ) وهو:
((رضينا ... إلخ)).
(حَتَّى سَڪَنَ غَضَبُهُ) وَيهِ؛ لأنه كان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، فإذا رأى شدة
خوف عمر سرى عنه ما كان فيه (فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله کَیْفَ) حال (بِمَنْ يَصْومُ
الدَّهْرَ) بألا يفطر من السنة إلا العيدين وأيام التشريق (كُلَّهُ) هل هو محمود أو مذموم؟
وكان عمر فهم من ذلك الرجل أن هذا مُراده من سؤاله لكنه لم يحسن السؤال عنه
حتى حصل ما حصل، فحين زال ذلك الغضب لم يبقَ إلا استفادة ما أراده ذلك السائل
من سؤاله وهو حكم الاستفهام عن حكم صوم الدهر (قَالَ: لَّا صَامَ) صومًا فيه
كمال الفضيلة (وَلَا أَفْطَرَ) فطرًا يمنع جوعه وعطشه (أَوْ قَالَ: لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُقْطِرْ)
وحمله على الدعاء بعيد، وهذا كخبر الصحيحين: ((لا صام من صام الأبد لا صام من
صام الأبد)(١) محمول عندنا كأكثر العلماء على من يصوم حتى العيدين وأيام التشريق
(١) أخرجه البخاري (١٨٧٦)، ومسلم (١١٥٩)، والنسائي (٢٣٩٧)، وابن ماجه (١٧٠٦).
١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
كما ذكرته عائشة وتبعها عليه خلائق.
ومن ثم جاء عنها وعن كثيرين من الصحابة وغيرهم أنهم كانوا يصومون
الدهر، أو على من يخشى منه ضررًا يلحقه أو تفويت حق عليه واجب أو مندوب،
واحتج أخذًا من قول ابن دقيق العيد: المراد فوات مصالح واجبة على الصوم أو متعلقة
نحو الغير، كالزوجة.
ويؤيد هذا الحمل ما في البخاري ((عن سلمان أنه رأى أم الدرداء متبذلة
فقال: ما شأنك؟ فقالت: إن أخاك ليس له حاجة في شيء من الدنيا، فقال: يا أبا
الدرداء إن لربك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولجسدك عليك حقًّا، فصم وأفطر
وقم ونم وآت أهلك، وأعطِ كل ذي حقٍّ حقه، فذكر أبو الدرداء للنبي ◌َّ ما قال
سلمان، فقال النبي ◌َ﴿ مثل ما قال سلمان))(١) أما من لم يخشَ شيئًا من ذلك، فلا
كراهة بل هو مندوب؛ لقوله ◌َلي: ((من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد
تسعين))(٤) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وجعله العمدة في نفي الكراهة التي قال بها الحنفية، وزعم أنه
دليل لها ظاهر الفساد؛ إذ معنى ضيقت عليه؛ أي: عنه فلا يدخلها أو لا يكون له
فيها موضع، وفي خبر مسلم أنه وَليل لم ينكر على من قال أنه سرد الصوم حتى في السفر،
بل قال: ((إن شئت فصم وإن شئت فأفطر)(٣).
(قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا) يقول ذلك (قَالَ: وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ)
دائمًا من غير خشية شيء مما مر؛ أي: الغالب العجز عن ذلك فلا يفعله من يخشى
منه ذلك (قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ) وظاهر سياق
الحديث أن هذا أفضل من صوم الدهر، وإن قلنا بندبه وهو ما ذكره جماعة من أكابر
(١) أخرجه البخاري (١٩٦٨)، والترمذي (٢٥٩٦).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٢٤٤)، وابن حبان (٣٤٣/٨)، والبيهقي في «سننه)) (٨٧٤١).
(٣) أخرجه مالك (٦٥٨)، والبخاري (١٩٤٣)، ومسلم (٢٦٨١)، والترمذي (٧١٥)، وأحمد (٢٤٩٢٨)،
والنسائي (٢٣١٢)، وابن ماجه (١٧٣١).
١٥
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
أصحابنا وصححه في (شرح مسلم)) لخبر الصحيحين: ((أفضل الصيام صيام داود كان
يصوم يومًا ويفطر يومًا))(١).
وفيه أيضًا: «لا أفضل من ذلك))(٢).
وخالف في ذلك ابن عبد السلام فقال: ((صوم الدهر أفضل)) لأن الحسنة بعشر
أمثالها، وأوّل الخبر بأن المراد: لا أفضل من ذلك لك، وقد بينت في (شرح العباب))
الجواب عما قاله (قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ، قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي طُوَّقْتُ
ذَلِكَ) أي: لاشتغالي عنه بالقيام بمصالح المسلمين الخاصة والعامة، والقيام بها أولى
بالرعاية من ذلك؛ لأنه نفل وهي أعظم الواجبات وأفضلها لا لعجزي عنه، كيف وأنا
أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني فلا يعسر علي صوم أصلاً؟ وإنما أتركه خشية اعتقاد
الأمة لوجوب شيء خُصص لي فيما أفعله منه، أو أفضليته وتقديمه على الاشتغال
بمصالح المسلمين.
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ◌َّةِ: ثَلَاثٌ) أي: صوم الإنسان ثلاثة أيام (كُلَّ شَهْرٍ) مسوغ
للابتداء بثلاث وحذف التاء، والأصل ثلاثة لحذف المعدود، وقيل: لاعتبار الليالي ففي
((الكشاف)) في أربعة أشهر وعشرًا.
قيل: عشرًا ذهابًا إلى الليالي والأيام داخلة معها ولا يراهم يستعملون
التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام، يقول: صمت عشرًا ولو ذُكَّرت خرجت من كلامهم.
انتهى.
وما ذكره في الآية من تغلبي الليالي ظاهر؛ لأنها معدودة من العدة، وفي صمت
عشرًا فيه نظر ظاهر؛ لأن الليالي لا اعتبار لها في الصوم بوجهٍ؛ لأنها لا تقبله فلا
وجه لتغليبها، فإن قيل: إنه سماعي، قلنا: الصوم الشرعي لم يعرف إلا من الشارع
فلا دخل للغة فيه (وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ) أي: صوم ثلاثة من كل شهر، وصوم
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
رمضان من كل سنة (فَهَذَا) إدخال الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط (صِيَامُ
الدَّهْرِ كُلِّهِ) أي: كصيامه في الثواب، لكن من غير تضعيف، على حد نحو: قراءة
الإخلاص تعدل ثلث القرآن، بل من غير مضاعفة على ما يأتي قريبًا في فضائل
القرآن.
وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها فصوم ثلاثة من كل شهر كأنه صوم لذلك
الشهر، والسنة أحد عشر شهرًا ورمضان (صِيَامُ) يوم (عَرَفَةَ) وهو تاسع الحجة
(أَحْتَسِبُ عَلَى الله) أمل رجوًا من فضله رجاءً قويًّا، ومن ثم عداه بعلى المشيرة إلى
التحتم مبالغة في البشارة بحصول ذلك التكفير، وإلا فتعالى الله علوًّا كبيرًا عن أن
يجب عليه شيء (أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ) قال إمام الحرمين:
والمكفر الصغائر.
قال القاضي عياض: وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وأما الكبائر فلا
يكفرها إلا التوبة أو رحمة الله، وأيده النووي بما في خبر مسلم: ((ما من امرئ مسلم
يحضر صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها
من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله))(١).
وفي آخر له: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن إذا اجتنبت
الكبائر))(٢).
قال: وفي تأويل هذه الأحاديث تأويلان:
أحدهما: تكفير الصغائر بشرط ألا يكون هناك كبائر وإلا لم تكفر الصغائر
فضلاً عن الكبائر.
والثاني: وهو الأصح المختار تكفير الصغائر، وتقديره يغفر ذنوبه كلها إلا
الكبائر، قال العلماء: والمراد بتكفير الوضوء والصلاة والجمعة ورمضان وعرفة
-
(١) أخرجه مسلم (٢٢٨)، وابن حبان (١٠٤٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤)، وأحمد (٩١٨٦)، والبيهقي (٢٠٥٤٨).
١٧
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
وعاشوراء ونحو ذلك أن كلاً منها صالح للتكفير، فإن وجد صغائر كفرها وإلا كان له
به حسنات ورفعت له به درجات، وذلك كصلوات الأنبياء والصالحين والصبيان وسائر
عباداتهم، وإن وجد كبيرة أو كبائر رجونا أن يخفف من الكبائر.
وأما قول ابن المنذر وتبعه مجلى من أصحابنا: إن الكبائر تكفر أيضًا، فقد بالغ
ابن عبد البر في رده وتزييفه فإنه لما نقله عن بعض معاصريه، قال: وهذا جهل
وموافقته للمرجئة في قولهم: أي لا يضر مع الإيمان ذنب، ولو كان كما زعموا لم يبقَ
للتوبة معنى، وقد أجمع المسلمون أنها فرض والفروض لا يصح شيء منها إلا بالقصة.
انتهى.
وفيما ادعاه من الملازمة بقوله: (ولو إلخ ... )) نظر، وكيف ومن فوائد التوبة منع
وصمة الفسق السالب للولايات وقبول الشهادات؟ ولعل مراده لم يكن للتوبة
بالنسبة لأحكام الآخرة معنى، وفيه نظر أيضًا، وما المانع أن المكفر التوبة تارة؛ وذلك
العمل أحرى، فللتوبة معنى أي معنى فالوجه حمل كلامه على أن مراده لم يبقَ لقولهم
أن التوبة فرض عين إجماعًا معنى؛ لأن تكفير غيرها يمنع تعينها، ثم في تكفيره
سنتین تأويلين:
أحدهما: مغفرة ذنوب سنتين، سنة ماضیه ومستقبله.
والثاني: عصمته؛ أي: حفظه فيهما، وقيل: في الثانية عن المعصية، وظاهر أن
ذلك يختلف باختلاف أحوال الصائمين، وإلا فكثير ما يرى بعض صائميه لا يحفظ
عن الكبائر فضلاً عن غيرها.
وقيل: إنما يكفر سنتين ماضيتين؛ لأنه ليس لنا شيء من العبادات يكفر
الزمان المستقبل. انتهى.
ويرد بأنه مخالف لصريح الحديث، وبأنه ورد في كثير من العبادات أنه يكفر ما
تقدم وما تأخر، ولو لم يكن له ما يكفر أعطى من الثواب قدر ما يكفر ذلك
القدر لو كان عليه ذنوبه.
١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
تنبيه:
أخذ الحليمي من أصحابنا من ترك الحاج لصوم يوم عرفة ليقوى على الدعاء، أن
من كان له ورد صلاة أو قراءة والصوم يضعفه عنه سنَّ له الفطر ليتقوى على ورده،
ومثله بالأولى الاشتغال بالعلم (وَصِيَامُ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ أَحْسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ
الَّتِي قَبْلَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٢٠٤٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولِ اللهِ وَِّ عَنْ صِيَامِ الإِثْنَيْنِ، هَلْ فِيهِ فَضْلُ؟
فَقَالَ: إِنِي وُلِدْتِ فِيهِ، وَفِيهِ أَنْزِلَ عَ (١)].
(وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولِ اللهِ وَِّ عَنْ صِيَامِ الإِثْنَيْنِ، هَلْ فِيهِ فَضْلُ؟) ويأتي وجه
تسميته بذلك (فَقَالَ) نعم فيه فضل عظيم؛ لأن هذا اليوم قد وقع فيه أمران عظيمان
يدلان على مزيد شرفه وفضله: أحدهما (إني وُلِدْتِ فِيهِ وَ) ثانيهما: إني (فِيهِ أَنْزِلَ عَلَّ)
أي: فيه وجود نبيكم ومشرفكم، وفيه نزول كتابكم وثبوت نبوة نبيكم، وأي يوم
أفضل وأولى أن يصام فيه شكرًا لله تعالى على هاتين النعمتين العظيمتين من هذا
اليوم؟ وبما قررته في معنى الحديث كما يدل عليه سياقه يعلم أنه ليس من الأسلوب
الحكيم خلافًا لما ذهب إليه الشارح؛ لأن السؤال عن فضيلة الصوم والجواب فيه بيان
فضيلته فبينهما غاية المطابقة، نعم فيه زيادة بيان سبب تلك الفضيلة وهو من أحسن
أنواع البلاغة وأبدعها.
٢٠٤٦ - [وَعَنْ مُعَاذَة الْعَدَوِيَّةِ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَصُومُ مِنْ
كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لَّهَا: مِنْ أَِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ
يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ مُعَاذَة الْعَدَوِيَّةِ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ يَصُومُ مِنْ كُلِّ
(١) أخرجه مسلم (١١٦٢)، وأبو داود (٢٤٢٦)، وأحمد (٢٢٥٩٤)، وابن حبان (٣٦٤٢)، والحاكم
(٤١٧٩)، والْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (١٣٨٦).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٠١).
١٩
تتمة كتاب الصوم/ باب صيام التطوع
شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟) تلك الثلاثة
أمن أوله أو وسطه أو آخره (قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ).
ورواية البخاري: ((هل كان يخص من الأيام شيئًا؟ قالت: لا)»(١) محمولة على ذلك؛
أي: كان لا يخص الثلاثة الأيام التي يصومها من كل شهر بالبيض ولا بغيرها، بل تارة
يكون البيض وتارة يكون غيرها، فلا يشكل قولها لا بأنه كان يخص الاثنين
والخميس وغيرهما بالصوم، ومنه أخذ أئمتنا أنه يسن صوم ثلاثة أيام من كل شهر ولو
غير البيض أو السود؛ لأن أحد هذين بخصوصه سنة أخرى، فمن جعل الثلاثة هي
البيض فقد حصل السنتين.
وأما قول ((شرح مسلم)): إن الثلاثة المأمور بصومها من كل شهر هي تلك فينبغي
تأويله بما يوافق الأول.
قال ابن دقيق العيد في قوله {وَلاو لا بن عمر: ((وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن
الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر))(١) اختلفوا في تعيينها اختلافًا في تعيين
الأفضل لا غير، وليس في الحديث دلالة لشيء منه، وقوله: ((مثل صيام الدهر)) أي: بلا
تضعيف كما مر.
٢٠٤٧ - [وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَسِ قَالَ: مَنْ صَامَ
رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتّ مِنْ شَوَّلٍ كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ(٣). رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيٌّ) واسمه خالد بن زيد (أَنَّهُ) أي: أبا أيوب (حَدَّثَهُ)
(١) أخرجه البخاري (٦٤٦٦)، ومسلم (١٨٦٥)، وأبو داود (١٣٧٢)، وأحمد (٢٦٣٠٧)، والبيهقي في
«سننه» (٨٧٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (٢٧٨٦)، والنسائي (٢٤٠٤).
(٣) أخرجه مسلم (١١٦٤)، وأبو داود (٢٤٣٣)، والترمذي (٧٥٩) وقال: حسن صحيح، وأحمد
(٢٣٥٨٠)، والنَّسَائِيّ في («الكبرى» (٢٨٦٢)، وابن ماجه (١٧١٦)، وابن حبان (٣٦٣٤)، والْبَيْهَقِيُّ
فِي («شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٣٧٣٥)، وعبد بن حميد (٢٢٨).
٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
أي: الراوي عنه الأول المذكور في السند، وهو المعول، أو حدث الحديث فما بعده بدل
منه وهو (أَنَّ رَسُولَ الله ﴿ قَالَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ سِتًّا) من أن حذف التاء
لحذف المعدود جائز، بل هو الأفصح (مِنْ شَوَّالٍ كان كمن صَامَ الدَّهْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمُ) أي:
لأن الحسنة بعشر أمثالها كما بينه خبر النَّسَائِيّ بسند حسن: «صيام شهر رمضان
بعشرة أشهر وصيام ستة أيام لشهرين فذلك صيام السنة))(١) أي: كصيامها فرضًا، وإلا
فلا يختص ذلك بما ذكر لما مر من حصوله ثلاثة أيام من كل شهر؛ أي: نفلاً، وقضية
الحديث أنه لا يحصل هذا الثواب إلا لمن صامها مع رمضان جميعه دون من أفطر
بعضه ولو لعذر، ومع ذلك ينبغي ندب صومها ولو لمن لم يصم رمضان فصومه شرط
لكمال السنة لا لأصلها، نعم محل ندب صومها بل جوازه حيث لم يلزمه صوم فورًا
كأن أفطر من رمضان لغير عذر، ويسن فيها التتابع والإفصال بالعيد مبادرة بالعبادة
ما أمكن، وكراهية بعض العلماء وصلها به، بل نقل مالك عن أهل العلم؛ أي:
بالمدينة كراهة صومها من أصله؛ لأنه يوهم العامة.
وجوبها مردودة بأن هذا لا يخفى الآن على أحد ممن هو محال للمسلمين، وعلى
التنزل فاعتقاد النفل واجبًا لا محذور فيه، ولما نقل البيهقي عن الشافعي في القديم أنه
قال: أكره أن يتخذ الرجل صوم شهر بكماله من بين الشهور؛ لقول عائشة: ((ما رأيته
﴿* أكمل شهرًا قط إلا رمضان))(٢) وكذا يومًا من بين الأيام؛ لئلا يظن جاهل وجوبه
وإن فعل فحسن، قال: أعني: البيهقي بيَّن الشافعي وجه الكراهة، ثم قال: وإن فعل
فحسن وذلك إن من العلم العام بين المسلمين أنه لا يجب بأصل الشرع غير رمضان
فارتفع بذلك معنى الكراهة.
وقول مالك: ما رأيت أحدًا من أهل العلم يصومها، قالوا: يكره؛ لئلا يظن
(١) أخرجه أحمد (٢٢٤٦٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٨٦٠)، والدارمي (١٧٥٥)، والبيهقي في (شعب
الإيمان)) (٣٧٣٦)، والطبراني في ((الشاميين)) (٩٠٣)، والديلمي (٣٧٥٣).
(٢) تقدم تخريجه.