Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة برفعها يجوز ورفع الأول ونصب الثاني نعتًا على المحل وخصهن؛ لأنهن لضعف عقولهن يختصرن القليل، ويتولد عنهن أغلب مواد الفساد والمحن (لَا تَحْقِرَنَّ جَارَة) فقيرة أو غنية أن تهدي (ِجَارَتِهَا) شيئًا قليلاً ولا للمهدي إليها أن ترده (وَلَوْ) وصل في الحقارة إلى أن كان (فِرْسِن شَاة) بكسر الفاء وسكون الراء، ونونه زائدة، وقيل: أصلية. وهو في الأصل من خف البعير ما يشبه حافر الدابة وقد يستعار للشاة كما هنا وهو ظلفها، وذكره مع عدم النفع فيه مبالغة كما فيمن بنى لله مسجدًا مطلقًا، والظلف ينتفع به وفيه قليل دسومة مقصودة في الجملة، فهو مبالغة في الحقارة لا أنه مبالغة لا حقيقة لها، ومقصود هذا النهي الأمر بضده أيضًا من وقوع الصحاب، والتوادد بين الجيران وغيرهم فإن ذكر الجارة والمرأة ليس للتقييد. ومن ثم قال ◌َالى: ((تهادوا تحابوا)»(١) ومعلوم من [التهادي] أن محل ذلك ما لم يترتب على إهداء الحقير فتنة أو إيذاء لكون المهدي إليها من أهل الأشر والبطر والخيلاء والكبر، فيبطل الاستخفاف بها مثلاً ويرتب عليه مقتضاه (مُتَّفَق عَلَيهِ). ١٨٩٣ - [وَعَنْ جَابِرَ وَحُذِيفَة - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ مُتَّفَقَ عَلَيهِ](٢). (وَعَنْ جَابِرٍ وَحُذِيفَة - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: كُلُّ مَعْرُوفٍ) يصل منك إلى غيرك ولو نحو بشاشة الوجه، بل وإن لم يصل لما في الحديث الأتي أنه وَلّ عدَّ بكل تسبيحة أو تهليلة أو تحميدة صدقة، فالمراد بالمعروف الطاعة؛ إذ هو في الأصل اسم جامع لكل ما عرف واستقر حسنه في النفوس من طاعة الله والإحسان إلى الناس، لكنه إنما يتبادر منه في مثل هذا المقام الثاني (صَدَقَةٌ) بطريق (١) أخرجه البيهقي (١١٧٢٦)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٩٤)، وأبو يعلى (٦١٤٨)، وابن عدي (١٠٤/٤). (٢) أخرجه البخاري (٦٠٢١)، ومسلم (١٠٠٥)، وأحمد (٢٣٤١٨)، وأبو داود (٤٩٤٧)، وابن حبان (٣٣٧٨)، وابن أبي شيبة (٢٥٤٢٦)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٣٣٠). ٣٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس التغليب للقسم الثاني، أو بطريق التشبيه؛ إذ القصد من الصدقة ثوابها فكل ما فيه ثواب مثلها في ذلك (مُتَّفَق عَلَيهِ). ١٨٩٤ - [وَعَنْ أَبِي ذَر ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ ](١). (وَعَنْ أَبِي ذَر ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ) أنواع (الْمَعْرُوفِ) بالمعنى الأعم (شَيْئًا) تريد أن تفعله مع غيرك فتتركه، بل لأجل حقارته بل افعله (وَلَوْ) كان حقيرًا بالنسبة إلى أعلى منه مثل (أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ) المسلم (بِوَجْهٍ طَلِيقٍ) أي: ذي طلاقة تامة وبشاشة ظاهرة، فإن ذلك ينفي الغل والقطيعة ويجلب الود والمحبة والتواصل (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ١٨٩٥ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشَعَرِي ◌َ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَّدَقَةُ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِيَدِيهِ فَيَنْفَعَ نَفْسَهُ وَتَصَدَّق قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهِ؟ قال: فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، قَالَ: فَيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ. مُتَّفَقِ عَلَيْهِ](٢). ◌ُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُ: عَلَى) هي هنا لمطلق (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشَعَرِي . الطلب الصادق بالندب (كُلِّ مُسْلِمٍ) أي: في كل يوم أخذًا من الحديث الآتي (صَدَقَةٌ) ولهذا قال أئمتنا: يسن للراغب في الخير ألا يخلي يومًا من الأيام من الصدقة بشيء وإن قل، ولا يأنف من ذلك فإن قليل الخير كثير عند الله تعالى، وما قَبِلهُ تعالى وبارك فيه فليس بقليل (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟) أي: ما يتصدق به (قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِيَدِيهِ) ذكرهما (١) أخرجه مسلم (٢٦٢٦)، وأحمد (٢١٥٥٩)، والترمذي (١٨٣٣) وقال: حسن صحيح. وابن حبان (٥٢٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٤٦٠). (٢) أخرجه البخاري (١٣٧٦) ومسلم (١٠٠٨) أحمد (١٩٥٤٩)، والنسائي في (الكبرى)) (٢٣١٨)، والطيالسي (٤٩٥) وعبد بن حميد (٥٦١)، والدارمي (٢٧٤٧)، والبغوي في ((الجعديات)) (٥٣٥)، والبزار (٣١٠٠). ٣٦٣ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة للغالب (فَيَنْفَعَ نَفْسَهُ) مما يحصل له من كسبه بأن يستغني به عن الناس وذل سؤالهم ومعرة الاحتياج إليهم، ويؤخذ من هذا أن كسب المال وصرفه للمستحقين أفضل من التخلي للعبادة. وفيه خلاف ذكره في ((الإحياء)) وتبعوه، ولم أر من رجح منه شيئًا، قال الغزالي: وهذا في حق من يسلم من آفات الدنيا، أما من تعرض لها بذلك فالعبادة أفضل له قطعًا، وينبغي أن يجتهد في ذلك ويزن الخير بالشر ويفعل ما يدل عليه نور العلم دون طبعه وما يجده أخف على نفسه فهو في الغالب أضر عليه. انتهى. (وَتَصَدَّقُ) منه ليجوز عظيم فضل الصدقة (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أن يكتسب لعلة به مثلاً (أَوْ) استطاع لكنه (لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ) إلى الاستعانة (الْمَلْهُوفَ) بالنصب نعتًا ((لذا)) أي: المكروب وكذا اللهفان كالعاجز عن حمل متاعه أو إمساك دابته أو بلوغ مقصده، بأن يساعده ويعينه حتى يبلغ حاجته (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْه؟ قال: فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ) أو ينهى عن المنكر ويصح شمول ما قبله له؛ إذ الأمر بالشيء يتضمن النهي عن ضده وعكسه (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، قَالَ: فَيُمْسِك عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ) أي: إمساكه عن الشر بألا يفعل معصية كغيبة أو نميمة (لَهُ صَدَقَةٌ) أي: صدقة فيكتب له ثوابها الأعظم إذا فعل ذلك بقصد الامتثال (مُتَّفَق عَلَيهِ) والظاهر أن الترتيب فيه لإفادة أن كل مرتبة أرفع مما بعدها. ١٨٩٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيَرة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَ: كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ على دَابَّتِهِ فَيَحْمِل عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةُ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يخطوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ. مُتَّفَقِ عَلَيْهِ](١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيَرةٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: كُلُّ سُلامَى) بضم أوله جمع (١) أخرجه البخاري (٢٨٢٧)، ومسلم (١٠٠٩)، وأحمد (٨١٦٨)، وابن حبان (٣٣٨١). ٣٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس سلامية وقيل: واحده كجمعه، وهي ما بين كل مفصلين من الأصابع. وقيل: كل عظم صغير مجوف، والمراد هنا سائر مفاصل البدن ونحوها؛ لأن فيها بقاء عظامًا لقدرته بها على القبض والبسط وبالأصابع على دقائق الصنائع المحيرة للفكر ومن ثم قال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] أي: نجعل أصابعه كالعيدان المستوية فلا يقدر أن يعمل بها شيئًا من تلك الدقائق؛ ولأجل اشتمالها على ذلك ذكرت وإن كان المراد المعنى الأعم كما تقرر. (مِنَ النَّاسِ) صفة للمبتدأ (عَلَيْهِ صَدَقَةٌ) خبر وتذكير الضمير رعاية لكل المضافة لنكرة جائز، وإن كان الأكثر اعتباره بالمضاف إليه كما في: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]. (كُلَّ يَوْمٍ) شكرًا لنعمه وجوده (تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ) صفة كاشفة والمراد بطلوعها وجودها وإن استترت نعيم أو نحوه، وصرح الشارح بأن هذا مبتدأ والحمل بعده إخبار له والرواجع فيها محذوفة؛ أي: تعدل فيه، وهكذا ويصح نصبه على الظرفية لقوله: ((عليه صدقة)) و(«تعدل .. إلى آخره)) بدل منه، وعلى الأول: وهو استئناف جواب السؤال محذوف كأنه قيل: من يقدر على هذا، أو أي شيء يتصدق به فقيل: كل يوم. (يَعْدِلُ) برفع اللام مبتدأ بتقدير إن نحو: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: عدلك (بَيْنَ الاثْنَيْنِ) المتخاصمين؛ أي: يصلح بينهما ويدفع ظلم الظالم منهما (صَدَقَةٌ) عليهما، أما على المظلوم فواضح، وأما على الظالم فيكفه عن ظلمه (وَيُعِينُ) مبتدأ بتقدير إن أيضًا (الرَّجُلَ) هو للغالب (على دَابَتِهِ فَيَحْمِل عَلَيْهَا) نفسه بأن يمسكها له حتى يركبها (أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ) وحده أو مع صاحبها (صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) وهي التي فيها نفع للنفس أو للغير (صَدَقَّةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يخطوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَّةٌ، وَيُمِيطُ) مبتدأ بتقدير إن أيضًا، وكذلك عطفه على الجملة الاسمية تارة وعطفها عليه أخرى كما علمت (الأَذَى عَنِ الطّرِيقِ) بالكلية وهو الأفضل أو من ٣٦٥ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة وسطها إلى جانبها (صَدَقَةٌ) على سالكيها لصونهم بذلك عن التعثر به (مُتَّفَق عَلَيهِ). ١٨٩٧ . [وَعَنْ عَائِشَة - رَضِي اللّه عَنهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَائِمَائَةٍ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ الله وَحَمِدَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَرًّا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظْمًا، أو أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَائِمِائَةِ فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ. رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). (وَعَنْ عَائِشَةٍ - رَضِي اللهُ عَنهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى) متعلق بخلق لتضمنه معنى طبع (سِتِّينَ وَثَلَائِمَائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ الله) أي: قال: الله أكبر، وكذا الباقي (وَحَمِدَ اللَّهَ، وَسَبَّحَ اللَّهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَعَزَّلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظْمًا، أو أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّقِّينَ وَالثَّلَائِمِائَةِ) أضيفت المعرفة للنكرة؛ لأنها نكرة في المعنى؛ لأن ((ال)) زائدة أو أن اللام لم تدخل إلا بعد الإضافة (فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ) أي: يوم إذ فعل ذلك العدد (وَقَدْ زَحْزَحَ) أي: باعد (نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ) بفرض أنه کان یستحقها قبل ذلك أو نزل عدم قيامه بشكر ذلك العدد منزلة فعل استحق به النار والمكث فيها، وأن ذلك العدد أنقذه منها (رَوَاهُ مُسْلِم). ١٨٩٨ . [وَعَنْ أَبِي ذَر ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: إِنَّ لَكُلَّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٍ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةُ، وَأَمْرَّ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةُ، قَالَوا: يَا رَسُولُ الله أَيَأَتِي أَحَدُنَا شَهوَتَهُ، وَيَكُونَ لَهُ فِيهَا أَجْرُ؟ قَالَ: أَرَأَيَتُمْ لَو وَضَعَهَا فَي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فَيِهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلَاَلِ كَانَ لَهُ أَجر](٢). (١) أخرجه مسلم (١٠٠٧)، وأبو الشيخ في ((العظمة)) (١٠٦٦٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٦٧٣)، وابن حبان (٣٣٨٠)، والبيهقي (٧٦١١). (٢) أخرجه مسلم (٢٣٧٦)، وأحمد (٢٢٠٩٩). ٣٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس (وَعَنْ أَبِي ذَر ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: إِنَّ لَكُلِّ) الباء بمعنى في، بدليل التصريح بها في المعطوف وهو وفي بضع أو للسببية (تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٍ، وَكُلُّ) بالجر عطفًا والضم استئنافًا (تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ) بالنصب والرفع، وكذا الباقي وليس في هذا عطف على معمول عاملين مخلفين من كل وجه خلافًا لمن زعمه على أن جمعًا أجازوه (وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةُ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةُ). قال عياض: جعل هذه كلها صدقة، أما على جهة تشبيهها بالمال في إثبات الآخر، أو سميت بها على سبيل المشاكلة. وقيل: معناه أنها صدقة على نفسه (وَأَمْرٌ) بالجر عطفًا على ما قبله، وبالضم قطعًا له عنه، ويدل عليه حذف كل منه، وفيه إشارة إلى أن هذا وما بعده لكونهما فرضي كفاية وهو أفضل من النفل، قيل: بسبعين درجة قليلة وهو أدنى فرد منه الذي أفاده التنكير يعادل كثير ما قبله المفاد بكل (بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ) بالنصب والرفع (وَنَغْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ) في إعرابه ما في الذي قبله (وفِي بُضْعِ) أي: جماع (أَحَدِكُمْ) لحليلته (صَدَقَةٌ). (قَالَوا: يَا رَسُولَ الله) هذا أمر عجيب جدًّا (أَيَأَتِي أَحَدُنَا شَهَوتَهُ، وَيَكُونَ لَهُ فِيهَا أَجر؟ قَالَ) نعم، ولا بعد فيه كيف وحكم ضده يقربه (أَرَأْيَتُم) أي: أخبروني (لَو وَضَعَهَا فَي حَرَامٍ أَ) زادها بين ((لو)) وجوابها تأكيدًا بما فيها من الاستفهام التقريري للاستخبار في أرأيتم (كَانَ عَلَيْهَ فَيهِ وِزْر؟) قالوا: نعم ولا شك فيه قال: (فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلَالِ) بقصد أو عفة (كَانَ لَهُ أَجر). فيه يعلم أن ذلك كما صلح أن يكون محلاً للإثم فلذلك يصلح أن يكون محلاً للأجر؛ لأن من شأن الأحكام التكليفية أن يتعاود المحل الواحد بحيثيات مختلفة. ١٨٩٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: «نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللَّقْحَةُ ٣٦٧ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، تَغْدُو بِإِنَاءِ، وَتَرُوحُ بِآخَرَ)). مُتَّفَق عَلَيهِ] (١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللَّقْحَةُ) بكسر اللام وفتحها، وهي الناقة القريبة العهد بالولادة، وهذه هي المخصوصة بالمدح (الصَّفِيُّ) أي: الغزيرة اللبن، صفة لزيادة المدح والتقرير للمطلوب من المنحة وهو اللبن (مِنْحَةً) تمييز؛ أي: عطية ملكًا أو عارية لمن يشرب لبنها، ثم إذا محلت ردها (وَ) نعم (الشَّاءُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، تَغْدُو) صفة منحة فيهما (بِإِنَاءٍ، وَتَرُوحُ بِآخَرَ) أي: تحلب ملأ إنائها بكرة وملأه عشيًا (مُتَّفَق عَلَيهِ). ١٩٠٠ - [وَعَن أَنَس ◌َ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يغَرِسُ غَرْسًا أَوْ يزَرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانُ أَوْ طَيْ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَا كَانَت لَهُ صَدَقَةُ مُتَّفَقَ عَلَيهِ](٤). (وَعَنْ أَفَس ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَا مِنْ) هي لتأكيد الاستغراق والعموم (مُسْلِم) [ ... ] سواء أكان مسلمًا حال الفعل أو بعده؛ لأن الكافر إذا أسلم أثيب على ما قدمه من خير لا يتوقف على نية وما نحن فيه كذلك (يغَرس) ولو في أرض غيره [بإذن صاحبها .... ] إنما هو لأمر آخر، فهو لا ينافي ثوابه على الأكل من ماله (غَرْسًا أَوْ يزَرع زَرْعًا) نَبَّه بهما على أن غيرهما من أموال الناس، كذلك ويؤيده رواية مسلم الآتية، ويحتمل أن تخصيصهما لكون الصدقة المترتبة عليهما باعتبار ثوابها وفوائدها الدائمة بدوامها وإن مات صاحبهما، أكمل من الصدقة المترتبة على غيرهما، فنبه بهذه الرواية على ذلك الكمال المخصوص، وبتلك على ذلك العموم وهما مسلکان جليلان. (فَيأكل) أو يأخذ وأوثر الأكل؛ لأنه الغالب على حد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى﴾ [النساء:١٠] والمراد فيهما الانتفاع بمال الغير بأي وجه كان (مِنْهُ) ولو بعد موته أو انتقاله عن ملكه، كما شمله الإطلاق وأفاده الحديث الآتي (إِنْسَانُ) ولو مهدرًا (١) أخرجه البخاري (٥٦٠٨)، وأبو يعلى (٦١٥٨)، ولم أقف عليه عند مسلم. (٢) أخرجه البخاري (٢١٩٥)، ومسلم (١٥٥٣)، والطيالسي (١٩٩٨)، وأحمد (١٢٥١٧)، والترمذي (١٣٨٢) وأبو يعلى (٢٨٥١)، وأبو عوانة (٥٢٠٠)، والبيهقي (١١٥٢٧). ٣٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس كحرفي (أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَة). قال في ((القاموس)): هي كل ذات أربع وقوائم ولو في الماء أو كل حي لا يميز. انتهى. فعلى الأولى: يكون ذكر الثلاثة ليس المراد به الحصر بل التمثيل. وعلى الثاني: يشمل كل ما يدب على الأرض ما عدا المميز كالحشرات والفواسق الخمس، وحينئذٍ فعطفها على الطير من باب عطف العام على الخاص، ودليل العموم للمهدر وغيره الحديث الآتي في كل ذات كبد رطبة أجر (إِلَّا كَانَت) أي: وجدت وكتبت (لَهُ صَدَقَةٌ) أي: صدقة لعموم نفعها وغزارة جدواها المسبب كل منهما عن فعله من الغرس أو الزرع، وفي هذا الموافق لما في الحديث الآخر أن مما يكتب ثوابه للإنسان بعد موته الغرس والزرع ما يحمل من له أدنى همة أو قدرة ألا يتأخر عن غرس أو زرع شيء وإن قل؛ ليحصل له ذلك الثواب ودوامه بدوام أثره. ومن ثم قيل لشيخ وهو يغرس جوزة، وهو مما يبطئ إثماره: أنت تموت قبل إثمارها فقال: ما علي أن يكون لي أجرها ويأكل بهناها غيري (مُتَّفَق عَلَيهِ). ١٩٠١ [وَفِي رِوَايَةٍ لمُسلم عَنْ جَابِرٍ: وَمَا سَرَقَ مِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٍ]. (وَفِي رِوَايَةٍ لمُسلمٍ عَنْ جَابِرٍ: وَمَا سَرَقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً) وبها يعلم أن كل ما انتفع به من مال الغير ترضاه وغيره له ثوابه الكامل. ١٩٠٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيَرةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: غُفِرَ لاهْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِّ يَلْهَثُ حَتَى كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُقَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا، قَالَ: فِي كُلِّ ذات كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ. مُتَّفَق عَلَيهِ](١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيَرةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: غُفِرَ لامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ) أي: زانية (١) أخرجه البخاري (٣١٤٣)، وأحمد (١٠٦٢٩). ٣٦٩ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة متجاهرة من الومس، وهو تحكك الشيء بالشيء حتى يتجرد، ووجه الاشتقاق لائح (مَرَّتْ بِكَلْبٍ) واقف (عَلَى رَأْسِ رَكيّ) أي: بئر وتقييدها بالذي لم تطو وقع في كلام شارح، وهو مخالف لما في ((النهاية)) و((القاموس)) وغيرهما. (يَلْهَثُ) أي: يخرج لسانه من شدة العطش والتعب الذي هو فيه (حَتَّى كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا) من دخلها منه أن يسن للنساء الخفاف عند الخروج وإن كن فاجرات من العوائد القديمة الموافقة لشريعتنا، أنه ينبغي للمرأة إذا خرجت ألا يظهر من بدنها إلا ما لا ضرورة بها إليه كالعين (فَأَوْنَقَّتْهُ) أي: ربطته (بِخِمَارِهَا) ثم أولته إلى البئر (فَنَزَعَتْ لَهُ) فيه (مِنَ الْمَاءِ) ثم أسقته حتى روي (فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ) ظاهره مغفرة زناها بذلك وإن لم تتب منه قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ولا ينافيه إجماعهم على أن الكبائر لا تزول أثرها إلا بالتوبة؛ لأنه بالنسبة لأحكام الدنيا، وأما من مات وعليه كبائر فهو في خطر المشيئة كما هو مقرر عند أهل السنة خلافا للمعتزلة والخوارج (قيل) يا رسول الله (إِنَّ) أي: أأن وهو للتعجب؛ ولذا أكدوا بأن من بالغ يسير في الجواب لاشتماله على العموم الآتي (لَنَا فِي الْبَهَائِمِ) إذا أطعمناها أو أسقيناها (أَجْرًا قَالَ) نعم لكم فيها ذلك؛ إذ (في كلِّ ذات كَبِدٍ) هي معروفة، ويطلق على الجوف كله (رَطْبَةٍ) وصف لازم لها؛ لأنها محل الحرارة والدم، فهو بمعنى حرًا في الرواية الأخرى. وإيهام كلام شارح الفرق بينهما فيه نظر كقول آخر: الكبد إذا ظمئت ترطبت، وكذا إذا ألقيت على النار. انتهى. لأن المراد بالترطيب هنا ترطب انحلال قواها بفناء الحار الغريزي منها وهذا غير المراد من الحديث؛ إذ المراد بذلك الحي مطلقًا، وبهذا الذي ذكرته يندفع قول شارح آخر هذا من باب وصف الشيء باعتبار ما يؤول إليه؛ أي: في كل كبد حرًا لمن سقاها حتى تصير رطبة أجر. انتهى. ٣٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس أي: في كل حي مهدر لم يلزمه قتله فورًا كالضاري من الفواسق الخمس، والمرتد المصمم على ردته، أو معصوم ومما ذكرته من سن الصدقة على الكافر ولو حربيًّا هو ما نقله النووي وأقره لقوله تعالى: ﴿وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وهو الحربي. وقول بعضهم لحرمة التصدق على الحربي ضعيف (أَجْرٌ) عظيم (مُتَّفَق عَلَيهِ) وبه يعلم أنه يندب للإنسان أن يعم بإحسانه كل حي، ويلزمه في كل معصوم اضطر وقدر على إنقاذه من الموت أن ينقذه منه بكل طريق أمكنه، نعم قال أئمتنا في المكلف المضطر: لا يلزم صاحب المال أن يبذ له إلا بالعوض؛ لأنه من أهل التزامه فإن التزمه ولو في الذمة وجب البذل له، وإلا فلا وللمضطر مقابلته في حالة الوجوب دون الجواز. ١٩٠٣ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيرة ﴾ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ: عُذِّبَتِ امْرَأَةً فِي هِرَّةٍ أمسَكَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ مِن الْجُوعِ فَلَمْ تكن تُطْعِمُهَا وَلَا تُرْسِلُهَا فَتَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ. مُتَّفَق عَلَيهِ] (١). (وَعَنِ ابْنَ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيرة ﴾ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌ِ: عُذِّبَتِ امْرَأَةً فِي هِرَّةٍ) أي: بسببها أو لأجلها؛ لأن في تأتي بمعنى من السببية والتعليلية كما قاله ابن مالك، ونظيره لمسلم: فيما أخذتم أو أفضتم: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] واعترض بأنه لا يحتاج لذلك للاغتناء عنه بتقدير مضاف محذوف؛ أي: في شأن، ويرد بأن الأصل عدم التقدير، فإذا صح مجيء الحرف لمعنى من غير تقدير كان أولى. (أمسكتْهَا حَتَّى مَاتَتْ من) أجل (الجُوع) الحاصل لها من حبسها لها (فَلَمْ) تفصيل وتفسير لسيء الموت من الإمساك والجوع (تكن تُطْعِمهَا) ما بقي روحها عن الهلاك مع قدرتها على ذلك (وَلَا تُرْسِلَهَا فَتَأْكُل) بالنصب؛ لأنه جواب النفي (مِنْ خَشَاشِ) بتثليث أوله المعجم (الأَرْضِ) ذكرت لتأكيد الإحاطة والشمول على حد: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وهو حشراتها (١) أخرجه البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (٢٢٤٢)، وأحمد (٩٤٧٨)، وابن حبان (٥٤٦)، وأبو يعلى (٦١٥٢). ٣٧١ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة والعصافير ونحوها، كما في ((القاموس)) وفي ((النهاية)) هوامها وحشراتها، وكذا الحشيش، وروي بالمهملة؛ أي: يابس النبات وهو وهم. وقيل: إنما هو حشيش بضم الحاء المعجمة تصغير حيناش على الحذف، أو حسیس من غیر حذف. انتهى. وفي ((القاموس)): الحشاش بضم المهملة بقية الروح في المريض والجريح، وبكسرها الجوالق الذي يجعل فيه الحشيش، وكلاهما لا يصح هنا بوجه (مُتَّفَق عَلَيهِ) ويؤخذ منه أن حبس الحيوان من غير إطعامه ما يكفيه حرام شديد التحريم، ومع إطعامه كفايته جائز، وقد أقر النبي وَله من فعله بقوله: ((يا أبا عمير ما فعل النغير؟))(١) عصفور صغیر کان عند اخ صغیر لأنس يلعب به. ١٩٠٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: مَرَّ رَجُلُ بِغُصْنٍ شَجَرَةٍ على ظَهْرٍ طَرِيقٍ فَقَالَ: لأَنْحِيَّنَ هَذَا عَنْ طَرِيْقِ المُسْلِمِيْنَ لا يُؤْذِيْهِمْ فَأَدْخِلَ الْجَنَّة. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٢). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَرَّ رَجُلٌّ بِغُصْنٍ شَجَرَةٍ) امتد على (ظَهْرِ طَّرِيقٍ) أي: ظاهرها حتى منع المرور فيها أو كماله (فَقَالَ) لمن معه أو لنفسه مؤكدًا عليها؛ لأنها كثيرة الإباء والنفار عن الخير والله (لأنْحِيَّنَ هَذَا) بقطعه أو تحويله (عَنْ طَرِيْقِ المُسْلِمِيْنَ) لأن (لا يُؤذِيْهِم) بشوكه أو التعثر به، فهي جملة مستأنفة لبيان سبب العزم على التنحية (فَأُدْخِلَ الْجَنَّة) بسبب نيته بتنحيته، وإن لم يكن قد نحاه؛ لأن النية الصالحة شاب عليها صاحبها، بل قد تكون نية المؤمن خيرًا من عمله، كما في حديث وهذا هو ظاهر الحديث، فالفاء للسببية وبتقدير أنه نحاه تكون الفاء (١) أخرجه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (٢١٥٠)، والطيالسي (٢٠٨٨)، وأحمد (١٢٢٢٠)، والترمذي (٣٣٣) وقال: حسن صحيح. والنسائي في ((الكبرى)) (١٠١٦٥)، وابن ماجه (٣٧٢٠)، وأبو عوانة (١٥٠١)، والطحاوي (١٩٤/٤)، وابن حبان (٢٣٠٨)، وابن أبي شيبة (٤٠٤٢)، وأبو داود (٤٩٦٩). (٢) أخرجه مسلم (١٩١٤)، وأحمد (١٠٧٦٣)، ولم أقف عليه عند البخاري. ٣٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس فصيحة دالة على محذوف سبب لما بعد الفاء؛ أي: فأبر قسمه بتنحيته إياه حتى يسهل للمارة الطروق، فتقبله منه وأدخله الجنة جزاء له على فعل هذه المكرمة العامة النفع. وقول شارح: إنما قال: لأنحين، ولم يقل: لأقطعن ليؤذن بأن الشجرة كانت ملگا للغير، أو كانت مثمرة يرد بأن المملوكة إذا انتشرت في هواء الطريق أو ملك الغير ولم يمكن دفعها إلا بالقطع قطعت؛ أي: لكل أحد قطعها. وقال بعض أئمتنا: لا يقطعها إلا الحاكم؛ لأنه قد يؤدي للفتنة، ويرد بأن الكلام عند انتفائها، وأما المثمرة فإن كانت مملوكة فقد علم حكمها أو مباحة لم ينظر لثمرها وتنحى عن الطريق بالتحويل إن أمكن وإلا فبالقطع كالمملوكة للغير (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٩٠٥. [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ- رَوَاهُ مُسْلِمٍ](١). (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه):﴿ ﴿لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ) أي: ينصرف ويتردد فيها كيف يشاء، كذا في ((القاموس)) وهو معنى قول غيره التقلب: التردد مع التنعم والترفه (في) أي: بسبب (شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ لأنهَا كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ. رَوَاهُ مُسْلِم) وظاهر السياق أن هذه قضية غير التي قبلها؛ لأن تلك تميز فيها بالعزم على القطع وبالغصن، وهذه عبر فيها بالقطع نفسه وبالشجرة. وأيضا فالجزاء مخالف؛ لأنه في تلك دخول الجنة، وفي هذه التصرف فيها كيف شاء، وشتان ما بينهما؛ لأن الجزاء يتفاوت بتفاوت مشقة العمل، ولا شك أن في مباشرة القطع للشجرة من المشقة وصدق الهمة ومحبة فعل الخير ما ليس في نية قطع غصن من شجرة، وبهذا يندفع ما قيل، ويحتمل أن يكون كل واحد من الحديثين مطلقًا من وجه ومقیدًا من وجه. (١) أخرجه مسلم (١٩١٤)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (١٠٧١٩). ٣٧٣ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة فذكر الغصن في الأول، قيد لذكر الشجرة المطلقة في الثاني، وذكر القطع في الثاني قيل: لذكر التنحية في الأول؛ لأن التنحية أعم من أن تكون بالقطع وبالإبعاد من غير قطع. انتهى. وهو مع ركاكته كما تقضي به صدق التأمل في السياق والمعنى: لا يتعقل مع اختلاف الجزاء على أن التصرف بمثل هذا النوع لا يتأتى فيما سبيله الإخبار المحض، وإنما يسلكونه في أدلة الأحكام ونحوها مما يفضي فيه بالقيد ولو من وجه على المطلق، وأما الإخبارات المحضة فيجب أن يجري كل منها على ظاهره ولا يتصرف فيها بذلك؛ لأنه لا ضرورة إليه، واستفيد من الحديثين أن في دفع ضرر المسلمين لا سيما من الطرق من جزيل الثواب ما يبعث كل موفق على فعله والاعتناء به ما أمكنه، ومن إطلاق الغصن والشجرة أنه لا فرق في إزالة المؤذي أو تنحيته إن أمكنت عن الطريق بين الشجرة الكاملة وبعضها، ولا بين المملوكة والمباحة، كما لو امتدت شجرة إنسان إلى ما هو ملك لغيره، فللغير تنحيتها إن أمكنت وإلا فله قطعها، فكذلك المسلمون بالنسبة للطريق؛ لأن لكل منهم حقًّا في المرور فيها، فله إزالة أو تنحية ما منع المرور أو أذى المار ولو من غير إذن حاكم على ما مر. فإن قلت: جرى جمع من الأئمة على جواز غرس الشجرة في الشارع، قلت: هو عندهم مشروط بعدم الإضرار بالمار، فعليه لو انتشرت وأضرت به جاء فيها ما ذكر من إزالتها أو تنحيتها. ١٩٠٦ [وَعَنْ أَبِي بَرْزَة قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِي الله، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ. قَالَ: اعْزِلِ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٍ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيْثَ عُدَي بن حَاتِمِ: ((اتّقُوا النَّارَ)) فِي بَابِ عَلامَاتِ النُبُوةِ إِنْ شَاءَ اللهُ](١). (وَعَنْ أَبِي بَرْزَة) ﴿ه (قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِي الله عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ) بالجزم جوابًا (١) أخرجه مسلم (٢٦١٨)، وأحمد (١٩٧٨٣)، وابن ماجه (٣٦٨١). ٣٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس للأمر وبالرفع صفة لشيء (بِهِ) في الآخرة إذا أنا فعلته (قَالَ: اعْزِلِ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ) وذكر له هذه الخصلة التي هي أدنى شعب الإيمان: إما: إشارة إلى السهولة واليسر وأنه يكتفي من الخير بأدنى مراتبه. وإما: تشبيهًا بها على الأمر بما فوقها من بقية الشعب بالأولى. وإما: لأن نفس أبي برزة كانت متحلية بأفاضلها فيه على أدناها، إشارة إلى أنه ينبغي للكامل ألا يحقر عملاً وإن قل، فإنه قد يكون فيه من كبر النفس والرقي إلى معالي القرب ما ليس في غيره (رَوَاهُ مُسْلِمٍ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيْثَ عُدَي بن حَاتِمِ: اتقُوا النارَ، فِي بَابٍ عَلامَاتِ النُبُوةِ، إِنْ شَاءَ الله تَعَالى). (الفصل الثاني) ١٩٠٧ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َهِ الْمَدِينَةَ جِئْتُ فَلَمَّا تَبَّنتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ وَأَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ وَجْه كذاب، فَكَانَ أَوَّلَ مَا قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الأَرْحَامَ وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامُ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ. رَوَاهُ الترْمِذِي وَابْن مَاجَه وَالدارِمي](١). (عَنْ عَبْد الله بْنِ سَلَامٍ) الإسرائيلي من بني قينقاع من نسل يوسف القَيْئا، ثم الأنصاري مخالفة (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الشَّبِيُّ ◌َ﴿ِ الْمَدِينَةَ) أول ما هاجر إليها (جِئْتُ) إليه لأنظر هل هو النبي المذكور بعثه في التوراة فأؤمن به ولا أفعل مثل ما فعله بقية يهود المدينة؟ مما أنبأ الله عنهم به بقوله عز قائلاً: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وظاهر ذلك أنه جاء إليه عقب وصوله للمدينة. ويؤيده رواية البخاري: إنه أتاه مقدمه المدينة فقال: ((إني سائلك عن (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٨٤٧)، وأحمد (٢٣٨٣٥)، وعبد بن حميد (٤٩٦)، والدارمي (١٤٦٠)، والترمذي (٢٤٨٥) وقال: صحيح. وابن ماجه (١٣٣٤)، وابن سعد (٢٣٥/١)، والحاكم (٤٢٨٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والضياء (٤٠٤). ٣٧٥ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة ثلاث ... )) (١). وفي رواية أخرى له عن أنس: ((أقبل نبي الله ول# المدينة فاستشرفوا ينظرون إليه فسمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله فعجل، وجاء فسمع من نبي الله، ثم جاء فقال: أشهد أنك رسول الله حقًّا، وأنك جئت بحق، ولقد علمت أني سيدهم وأعلمهم فسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي.))(٢). وأما ما قيل: إن إسلامه تأخر إلى سنة ثماني فبعيد لا يعول عليه، وصح أنه وَله. بشره بالجنة (فَلَمَّا تَبيَّنتُ وَجْهَهُ) أي: تكلفت فيما أتبين به أنه رسول الله، وتأملت في العلامات الدالة على ذلك وطبقت بين ما شاهدته في وجهه الكريم، وبين ما ارتسم في ذهني من أوصافه المذكورة في التوراة، فوجدت تلك الأمور المشاهدة منه في الخارج مطابقة لما في الذهن (عَرَفْتُ) بسبب ذلك بل لو فرض عدم معرفتي بما في التوراة لأنتج لي صدق الفراسة، وباهر ما شاهدته منه أنه رسول الله الموصوف في التوراة. (وَأَنَّ وَجْهَهُ) الكريم لما سطع منه من أنوار النبوة وشموس الرسالة (لَيْسَ وَجْه كذاب) أي: كاذب على حد: ﴿وَمَا رَبُّكُ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] أي: بذي ظلم، وفائدة التحويل بيان أن هذه الصيغة تأتي لأصل العقل، ولا نظر لإيهام قامت الأدلة الضرورية على بطلانه كما زعمت بقية اليهود حينئذٍ، أو إيثارًا للرئاسة الدنيوية وطمعًا في الحطام الذي كانوا يأخذونه من أتباعهم حتى حملهم ذلك على تغيير أكثر التوراة وتبديلها وتحريفها عن مواضعها، لا سيما ما يتعلق به ولار. قيل: يؤيد أن مراده أنه عرفه بالفراسة وحدها قوله: ((عرفت أن وجهه ... إلخ)) ولو أراد معرفته مما في الكتب لقال عرفت أنه النبي الموعود. وأنشد ابن رواحة في المعنى: كانت بداهية تنبئك عن خير لولم تكن فيه آيات مبينة (١) أخرجه البخاري (٣٩٣٨)، وأحمد (١٢٣٨٣). (٢) أخرجه البخاري (٣٩١١). ٣٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس انتهى. وفي ذلك التأييد نظر كيف وابن سلام كان أعلم اليهود بالتوراة، وبما بدل منها وما لم يبدل كما يصرح به ما نزل في حقه من الآيات نحو: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللّه شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] ولما أسلم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وأنهم إن سمعوا بإسلامي بهتوني؛ أي: كذبوا علي وسبوني فسلهم عني فسألهم فقالوا: سيدنا وابن سيدنا، فلما شافههم بالإسلام بهتوه كما قال، فزعموا أنه شرهم وابن شرهم، وحينئذٍ فهو عند نظره للوجه الكريم كان متصورًا أوصافه المرتسمة عنده، فطبق بينهما كما مر، نعم، لو فرض خلوه عن تلك كان صادق نظره ينتج له معرفته بذلك بلا شك، إلا أن كلامنا في الواقع ما هو والظاهر، بل الظن المؤكد أنه كان مستحضرًا لما في التوراة من أوصافه حينئذٍ. وأما زعم أنه لو أراد معرفته بما في الكتب لقال ... إلخ، فجوابه أن قوله ليس وجه كذاب فيه إثبات أنه رسول الله على أبلغ وجه وأوضحه؛ إذ إثبات الشيء يذكر؛ لأن به البيان أبلغ باتفاق البلغاء وغيرهم، وبيان ذلك أن وجه الكذاب على الله تعالى يعتريه من الكآبة والتحيل وعدم التثبت والاستقرار في الحركات والسكنات ما يوجب لمن تأمله معرفة اختلاله وكذبه، فانتفاء جميع ذلك من لوازم الصدق القطعي، والإنباء الرباني الذي لا يشك من رآه أنه رسول الله، فالحاصل أن المآثر لخارجية الدالة على ذلك طابقت المرسومات الذهنية فأوجب كل منهما له معرفته بنبوته ورسالته. (فَكَانَ أَوَّلَ ما قَالَ) حين حضرت عنده ما هو جامع لمكارم الأخلاق المحمودة، وهو قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ) لأن إفشاءه؛ أي: إظهاره لمن عرف ومن لم يعرف من حسن المعاشرة مع الخلق والتودد إليهم، وإجلالهم وطلب المسالمة من المسلم لهم ومنهم له، وألا يكون بينه وبينهم غلُّ ولا حسد، ولا دخل بوجه؛ إذ مقتضى بذل الأمن وطلبه ذلك، فمن جرى على هذا المقتضى سلم الناس من يده ولسانه وخيانته (وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ) من عرفتم، ومن لم تعرفوا؛ لأن إطعامه كذلك فيه أعظم الإفضال ٣٧٧ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة إلى الخلق وأبلغ جذبهم إلى محبته والثناء عليه والدعاء له بظهر الغيب، جبلت القلوب على محبة من أحسن إليها (وَصِلُوا الأَرْحَامَ) لأن به تآلف الأقارب والإحسان إليهم المتكفل بصلة الحق تعالى لفاعل ذلك كما صرحت به في الأحاديث الصحيحة: ((إن الرحم معلقة بالعرش تناشد ربها وتسأله أن يصل من وصلها ويقطع من قطعها وأنه تعالى أقسم لها أنه يفعل لها ذلك))(١). (وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامُ) لما ذكر ما يتعلق بوصلة الخلق ونفعهم والتقرب إليهم بما يكون سببًا للقرب عند الله تعالى، فثمَّ بما يتعلق بالحق تعالى إشارة إلى أنه المقصود بالذات، وهو إحياء الليل المنزل في قائميه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ .... ﴾ [السجدة: ١٦]. (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ... ﴾ [الذاريات: ١٧] لأن من أحياه على القانون الشرعي والاتباع المرضي فقد صفى نفسه من كدورات شهواتها وقواطع أهويتها، وهيأها إلى الرقي إلى مقام: ((لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه ... )) (٢). (تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ) دخولاً ملتبسًا (بِسَلَامٍ) من الله وملائكته عليكم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامِ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]. ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِّن رَّبِّ رَّحِيمِ﴾ [يس: ٥٨]. ﴿ ◌َحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] (رَوَاهُ الترْمِذِي وَابْن مَاجَه وَالدارمي) وفيه عظيم فضل الصدقة بإطعام الطعام، وقد اختلفوا إنما أفضل الصدقة به أو بسقي الماء لتعارض الأحاديث الكثيرة في ذلك. ويجمع بحمل الأول: على محل الاحتياج فيه للطعام أكثر. (١) أخرجه بنحوه مسلم (٦٦٨٣)، وابن أبي شيبة (٢٥٣٨٨)، وهناد في ((الزهد)) (١٠٠٣)، وأبو يعلى (٤٤٤٦)، والديلمي (٣٣٢٢). (٢) أخرجه البخاري (٦١٣٧)، وابن حبان (٣٤٧)، والبيهقي (٢٠٧٦٩)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٤/١). ٣٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس والثاني: على محل الاحتياج فيه للماء أكثر، فإنه احتيج إليهما في محل واحد رجح ما الحاجة إليه أكثر فإن استوت إليهما استويا. ١٩٠٨ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: «اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَأَفْشُوا السَّلَامَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ. رَوَاهُ الترْمِذِي وَابْن مَاجَە](١). (وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو) رضي الله عنهما (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ) أثره إشارة إلى قرب رحمته تعالى من المقربين إليه بطاعته أن رحمة الله قريب من المحسنين، وقدم هنا ما يتعلق بالحق عكس ما مر إشارة إلى الطريقتين المشهورتين: طريقة المؤدين: وهي الأولى؛ لأنهم يندرجون في مراتب التقرب بالأسباب إلى مسببها حتی ینیلهم مراتب قربه ويتحفهم بكشف حجبه. وطريقة المريدين: وهي الثانية؛ لأنهم يفاجئون بأنوار القرب أولاً وهو مقام الجمع الأكبر، ثم يردون إلى مقام الفرق والتعبد بأنواع الطاعات. (وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَأَفْشُوا السَّلَامَ) وكان حكمة كون هذا على عكس ترتيب الأول ما مر أن ذاك مقام تدرج من مفضول إلى فاضل وهكذا، وإفشاء السلام دون إطعام الطعام، وهذا مقام تلذذ وشهود، ولا شك أنه بالفاضل أكثر (تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَّلَامٍ . رَوَاهُ الترْمِذِي وَابْنِ مَاجَه). ١٩٠٩ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ. رَوَاهُ الترْمِذِي وَقَالَ: حَسَنَّ غَرِيْبُ](٢). (وَعَنْ أَنَّس ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: إِنَّ الصَّدَقَةَ) من العاصي (لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ) عليه فلا يقع في مكروه، ومن ثم قال أئمتنا: يسن لمن وقعت منه معصية (١) أخرجه الترمذي (١٨٥٤) بمعناه، وقال: حسن صحيح غريب. وابن ماجه (٣٨٢٥). (٢) أخرجه الترمذي (٦٦٤)، وابن حبان (٣٣٠٩)، والضياء (١٨٤٧). ٣٧٩ كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة أن يبادر بالصدقة، وعبر بتطفئ تنزيلاً للغضب منزلة النار المسببة عنه، وبالرب إشارة إلى شدة ذلك الغضب؛ لأن تربية الله تعالى للعبد بجلائل النعم ودقائقها إذا قوبلت بعصيانه اقتضت شدة غضبه المحرقة لمن وقعت عليه، وبأن والجملة الاسمية وزيادة اللام الداخلة على يطفئ مبالغة في تحقيق إطفائها لنار المعصية، وفي هذا؛ أي: رفع شاء والصدقة ما لا يخفى؛ لأنها إذا أطفأت هذا الغضب وأزالت أثره بالكلية حتى لا يرى مكروهًا في الدنيا ولا في الآخرة. ويؤيده الحديث الآخر: ((لا يرد القضاء إلا الصدقة))(١) كان فيها من عظيم الجدوى ما يحمل كل أحد على المبادرة إليها بكل طريق أمكنه (وَتَدْفَعُ مِيتَةَ) بكسر الميم (السُّوءِ) أي: الحالة القبيحة التي تعتري الإنسان ويستمر عليها إلى الموت، وهي كل ما لا تحمد عاقبته لعدم الصبر عليه، كفقر مدقع وألم موجع يفضي بصاحبه إلى كفران النعم ونسيان الذكر، والارتباك في ربقة الإصر أو إلى سوء الخاتمة - والعياذ بالله - وقد أشار ◌َله إلى ذلك باستعاذته من الهدم والغرق والهدم، وأن يموت لذيعًا وأن يتخبطه الشيطان عند الموت. (رَوَاهُ الترْمِذِي وَقَالَ: حَسَنُّ غَرِيْبُ) أعله النووي في ((مجموعه)) وإذا تقرر أن الصدقة تطفئ الغضب. وفي رواية: ((الخطيئة)) وبها يدفع ميتة السوء كانت موجبة للحياة الهنية الدائمة في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَتَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وفي هذا الحث الأكيد على إكثار الصدقة وبيان ما فيها من جلائل الفوائد وكثرة العوائد، وأنه ينبغي لمن قدر عليها ولو بالقليل ألا يتركها ليلاً ولا نهارًا. ١٩١٠. [وعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: («كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ في إِنَاءِ أَخِيك)). رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) لم أقف عليه. ٣٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس وَالترْمِذِي](١). (وعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((كُلُّ مَعْرُوفٍ) في الشرع بأن أمر به فعله الإنسان (صَدَقَةٌ) يثاب عليه، ولا ينافي ذلك تعريفهم لصدقة التطوع بقولهم: هي أن يعطي محتاجًا بقصد ثواب الآخرة؛ إما لأن المعتبر بالإعطاء للغالب، أو المراد تعريف الصدقة المرادة عند الإطلاق. وفي ((شرح المهذب)): ومن الصدقة الشرعية كل معروف وتسبيح وتهليل وتكبير وتحميد، وأمر ونهي وكف عن الشر، وعدل بين اثنين، وإعانة على دابة، أو متاع، وما أكل من زرعة أو غرسة، وإماطة الأذى عن الطريق، وخطوة إلى الصلاة، والكلمة الطيبة، وفي كل ذلك أحاديث صحيحة. انتهى ملخصًا. (وَإِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ) في الإسلام (بِوَجْهٍ طَلْقٍ) بتثليث أوله وسكون ثانيه وبفتح فكسر ويقال: طليق؛ أي: ضاحك مشرق مستبشر، ويقال: في اللسان طلق بالفتح والكسر طليق (وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيك))) نبه بهذين على سائر صور المعروف السابقة عن المجموع وما شابهها (رَوَاهُ أُحْمَدُ وَالترْمِذِي). ١٩١١ [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةُ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةُ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةُ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَّ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَّةُ، وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوٍ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةُ رَوَاهُ التِّرْمِذِي، وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبٌ] (٢). (١) أخرجه أحمد (١٤٧٥١)، وعبد بن حميد (١٠٩٠)، والترمذي (١٩٧٠) وقال: حسن. والدارقطني (٢٨/٣)، والحاكم (٢٣١١) وقال: صحيح ولم يخرجاه. والبخاري في (الأدب)) (٣٠٤)، والطبراني في ((الأوسط)» (٩٠٤٤). (٢) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٨٩١)، والترمذي (١٩٥٦) وقال: حسن غريب. وابن حبان (٥٢٩)، والبزار (٤٠٧٠)، ومحمد بن نصر (٨١٣).