Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
الإِبِلِ، وَلِهَذَا) أي: الأقرع (وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا) أي: الأعمى (وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ، قَالَ: ثُمَّ
إِنَّهُ أَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ) اللتين أتاه عليهما أولاً (فَقَالَ) له يا هذا: إني (رَجُلُ
مِسْكِينٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ) الباء للتعدية (الْحِبَالُ) جمع حبل؛ أي: الأسباب ويطلق الحبل
أيضًا على العهد والأمان والوسيلة وكل ما يرجى منه خير أو دفع ضرر وهو في:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] يحتمل كل ذلك.
(فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ) أي: كفاية (لِيَ الْيَوْمَ) إلى مقصدي (إِلَّا بِاللّهِ ثُمَّ) هي هنا
للترتيب في التنزل (بِكَ) لم يقل: وبك لإيهام التشريك؛ ولذا كان هذا هو الأدب
المتأكد في نظائر ذلك، وهذا من الملك من المعاريض التي يقصد بها المتوصل إلى إفهام
المقصود من غير أن يراد بها حقيقتها كما في قول إبراهيم، صلى الله على نبينا وعليه
وسلم: ((هذا ربي وهذه أختي)».
﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣].
و ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩].
وقول الملك لداود: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعُ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ... ﴾ [ص:٢٣].
(أَسْأَلُكَ) مستعطفًا ومقسمًا عليك، أو متوسلاً إليك (بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ
الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ) أي: ارتفق (بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ)
علي (كَثِيرَةٌ) فانظر غيري (فَقَالَ لَهُ) أي: الشأن (كَأَنّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ
يَقْذَرُكَ) أي: يكرهك (النَّاسُ، فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ الله؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِفْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًّا
عَنْ كَابِرٍ) أي: حال كوني أكبر قومي سنًا ورئاسة ويسارًا أخذًا له عن آبائي الذين هم
كذلك، فقال فلان كبر قومه؛ أي: أکبرهم سنًا ورئاسة ويسارًا.
(فَقَّالَ) له الملك (إِنْ) هي لكونه يعلم كذبه قطعًا بمعنى إذ على حد: ﴿وَخَافُونِ
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] (كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ) عليه من
البرص والفقر.
(قَالَ: وَأَى الأَفْرَعَ في صُورَتِهِ) التي أتاه عليها أولاً ولم يقل هنا وهيئته

٣٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
اختصارًا، أو إشارة إلى شدة لؤم الأبرص وغباوته، فإنه مع كونه أتى له في الصورة
والهيئة التي أتاه عليهما أولاً وحصل له منه ما حصل له من الشفاء والمال الواسع
أنكر معرفته وتجاهل به وتفاخر عليه، بأنه إنما جاءه المال من آبائه، فضم إلى كذبه
قبائح تنبئ عن أنه انتهى في اللوم والحمق والشح إلى غاية لم يصلها غيره (فَقَالَ لَهُ مِثْلَ
مَا قَالَ لِهَذَا وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا
كُنْتَ).
(قَالَ: وَأَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلُّ مِسْكِينُّ وَابْنُ سَبِيلٍ) أي:
ملازم لطريق وسفر، وصرح به في هذا إطنابًا وإلا فهو مفهوم من قوله للأبرص
في سفري (انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ
بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِنَّ
بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَالله لَا أَجْهَدُكَ) أي: لا أشق عليك (الْيَوْمَ
بِشَيْءٍ) أي: بمنع شيء (أَخَذْتَهُ) من مالي وإن كثر، وشتان ما بين هذا وقول ذينك:
((الحقوق كثيرة)) أي: الموانع من الإعطاء كثيرة فلا يمكن أن أعطيك شيئًا وإن
قل.
(فَقَالَ له) الملك (أَمْسِكْ) عليك (مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ) أي: اختبرتم هل
تشكرون نعمة الله بمواساة المحتاجين مما أنعم عليكم به بعد أن كنتم منهم، وذقتم
مرارة الرد بعد السؤال؟ وقد جرت عادة الله في الأمم قديمًا وحديثًا اختبارهم حتى
يظهر للناس المحق منهم من المبطل، والشاكر للنعمة من الكافر لها قال تعالى:
﴿ وَلَتَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١].
(مُتَفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه وأعظم الحض على شكر النعم والإعلام بأن شكرها ببذل
بعضها في جهات الخير يكون سببًا للأمن من زوالها؛ ولذا جاء: «قيدوا النعم
بالشكر)»(١) وأعظم التنفير عن كفرها بإمساكها والإعلام بأنه يكون سببًا لزوالها،
(١) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٠/٥)، وهو قول عمر بن الخطاب.

٣٤٣
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
وأن الغالب في البرص والقرع أنهما ينبئان عن خبث المبتلي بهما ولومه وإنكاره لما
فعل معه من المعروف بادعائه لنفسه، وإبائه وشحه البالغ النهاية في الإمساك، والمنع
ولو من الشيء الحقير، وفي العمى أنه ينبئ عن كرم المبتلي به وشكره للمعروف
واعترافه به.
١٨٧٩ - [وَعَنْ أُم تُجَيْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ
الْمِسْكِينَ يَقِفُ عَلَى بَابِي حَتَّى أَسْتَحْبِي مِنَّهُ فَمَا أُجِدُ مَا أَدْفَعُ فِي يَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله
وَهُ: ادْفَعِي فِي بِدِهِ وَلَوْ ظُلْفًا مُحْرَّقًا. رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدٍ وَالتَرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ
حَسَنُّ صَحِيح](١).
(وَعَنْ أم بُجَيْدٍ) حواء بنت يزيد بن السكن (- رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قُلْتُ
يَا رَسُولَ الله: إِنَّ الْمِسْكِينَ يَقِفُ عَلَى بَابِي) يسأل شيئًا ويكرر سؤاله (حَتَّى أَسْتَحْبِي
مِنَهُ فَمَا أَجِدُ مَا أَدْفَعُ فِي يَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهُ وَّ﴾: ادْفَعِي فِي بِدِهِ وَلَوْ ظُلْفًا مُحْرَّقًا)
تتميم لزيادة المبالغة في ظلف (رَوَاهُ أحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالتَزْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ حَسَنُّ
صَحِيح).
ومنه ومن أحاديث أخر أخذ أئمتنا قولهم: يسن كثرة التصدق، وألا يأنف من
التصدق بالقليل، وليس من التصدق بالرديء؛ أي: لأن المراد به ما تأنف النفس من
أكله مثلاً عرفًا لكونه أشرف على الإتلاف لا مطلق القليل كالدائق والظلف
المحرق.
١٨٨٠ - [وَعَنْ مَوْلَى لِعُثْمَانِ قَالَ: أُهْدِي لأُمِّ سَلَمَةٍ بِضْعَة مِنْ لَحْمٍ وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّ
يُعْجِبُهُ اللَّحْمَ فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ: ضَعَيْهِ فِي البَيْتِ لَعَلَّ النَّبِيَّ ◌َهِ يَأْكُلُهُ، فَوَضَعَتْهُ فِي كَوَّةِ
البَيْتِ، وَجَاءَ سَائِلٌ فَقَامَ عَلَى الْبَابٍ فَقَالَ: تَصَدَّقُوا بَارَكَ اللهُ فِيْكُمْ، فَقَالُوا: بَارَكَ اللهُ
فِيْكَ فَذَهَبَ السَّائِلُ فَدَخَلَ الشَِّيُّ نَّهِ فَقَالَ: يَا أُمَّ سَلَمَةٌ، عِنْدَكُم شَيءٍ أُطْعِمهُ؟
فَقَالَتْ: نَعَم، قَالَتْ لِلْخَادِمِ: اذْهَبِي فَأَنِّي رَسُولَ اللهِ وَ بِذَلِكَ اللَّحْمِ، فَذَهَبَتْ فَلَمْ تَجِدْ
(١) أخرجه أحمد (٢٧٩١٠)، وأبو داود (١٦٦٩)، والترمذي (٦٦٧).

٣٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
فِي الكَوَّةِ إِلَّ قِطْعَة مَرْوَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: فَإِنَّ ذَلِكَ اللَّحْمَ عَادَ مَرْوَة لمَّا لَمْ تُعْطُوهُ
السَّائِلَ. رَوَاهُ البَيْهَقِي](١).
(وَعَنْ مَوْلَى لِعُثْمَانِ قَالَ: أُهْدِي لأُمِّ سَلَمَة بِضْعَة) بفتح أوله؛ أي: قطعة (مِنْ
لحْمٍ وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُعْجِبُهُ اللَّحْمَ) جملة معترضة بين المتعاطفين (فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ)
يطلق على الذكر والأنثى لإجرائه مجرى الجوامد كظاهر، وهو هنا أنثى كما أفاده قولها
لها.
(ضَعَيْهِ فِي البَيْتِ لَعَلَّ النَّبِيَّ ◌َِّ يَأْكُلُهُ، فَوَضَعَتْهُ فِي كَوَّةِ البَيْتِ، وَجَاءَ سَائِلٌّ فَقَامَ
عَلَى البَابٍ فَقَالَ: تَصَدَّقُوا بَارَكَ اللهُ فِيْكُم، فَقَالُوا: بَارَكَ اللهُ فِيْكَ) فيه التعريض
بالسؤال والدعاء من السائل، أو التعريض بالرد، والدعاء من المسؤول وأن الله يعاونه
الدعاء للسائل، وهذه آداب ظاهرة فليعدا من آداب السؤال والصدقة (فَذَهَبَ السَّائِلُ
فَدَخَلَ النَّبِيُّ ◌َلِ فَقَالَ: يَا أُمَّ سَلَمَةٍ، عِنْدَكُم) استفهام مقدر؛ أي: أعندكم (شَيء
أَطْعَمَهُ؟) أي: أكله.
(فَقَالَتْ: نَعَم، قَالَتْ لِلْخَادِمِ: اذْهَبِي فَأْتِي رَسُولَ الله ◌َّهِ بِذَلِكَ اللَّحْمِ، فَذَهَبَتْ
فَلَمْ تَجِدْ في الكَوَّةِ) بفتح الكاف؛ أي: الطاق (إِلَّا قِطْعَة مَرْوَة) أي: حجر أبيض براق
(فَقَّالَ النَّبِيُّ وَّهِ: فَإِنَّ ذَلِكَ اللَّحْمِ عَادَ مَرْوَة لَمَّا لَمْ تُعِطُوهُ السَّائِلَ. رَوَاهُ البَيْهَِي) وفيه
تحذير عظيم من الإمساك، وأن عقاب الممسك الإتلاف كما مر في دعاء الملك عليه
بذلك.
فإن قلت: هم كانوا محتاجين إلى تلك القطعة من اللحم؛ لأنهم أعدوها لغدائه
وَلّ قلت: هم يعلمون من حاله و الإيثار التام، وأن المسكين لو سأل وذلك اللحم بين
يديه وبه الحاجة إليه يقدم السائل على نفسه، فكذا كان ينبغي لهم؛ فإذ لم يفعلوه
عوقبوا یإتلافه.
(١) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة)) (٢٥٥٩).

٣٤٥
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
١٨٨١ - [وَعَن ابن عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِ: أَلَا
أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلاً قِيْلَ: نَعَم، قَالَ: الَّذِي يُسْأَلُ بِالله وَلَا يُعْطِي. رَوَاهُ أَحْمَدُ ](١).
(وَعَن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: أَلَا أَخْبِرُكُمْ بِشَرِّ
النَّاسِ مَنْزِلاً) عند الله تعالى (قيل: نعم، قَالَ: الَّذِي يُسْأَّلُ) مقسمًا عليه (بِالله)
استعطافًا إليه وحملاً له على الإعطاء، بأن يقال له: بحق الله عليك أعطني كذا لله (وَلَا
يُعْطِي) مع ذلك شيئًا؛ أي: والصورة أنه مع قدرته علم اضطرار السائل إلى ما سأله.
وعلى هذا حملنا قول الحليمي من أصحابنا أخذًا من هذا الحديث وغيره: رد
السائل بوجه الله كبيرة؛ أي: إن علم اضطراره وقدر على ما سأله لأجل الاضطرار
(رَوَاهُ أَحْمَدُ).
١٨٨٢ - [وعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴿ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلى عُثْمَانَ عَ﴾ه فَأَذِنَ لَهُ وَبِيَدِهِ عَصَاهُ فَقَالَ
عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تُوُفَّ وَتَرَكَ مَالاً فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَصِلُ
فِيهَا حَقَّ اللهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ، فَرَفَعَ أَبُو ذَرِّ عَصَاهُ فَضَرَبَ كَعْبًا وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله
وَهِ يَقُولُ: ((مَا أُحِبُّ لَوْ أَنَّ ◌ِي هَذَا الْجَبَلَ أُنْفِقُهُ وَيُتَقَبَّلُ مِنِي أَذَرُ خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أَوَاقٍ))
أَنْشُدُكَ بِاللّه يَا عُثْمَانُ إِن سَمِعْتَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ ](٢).
(وعَنْ أَبِي ذَرِّ عُ أَنَّهُ اسْتَأْذَن عَلى عُثْمَانَ عَهُ فَأَذِنَ لَهُ وَبِيَدِهِ عَصَاهُ فَقَالَ عُثْمَانُ)
لكعب الأحبار (يَا كَعْبُ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن عوف (تُوُفِي وَتَرَكَ مَالاً) واسعًا جدًّا
بحيث جاء ومع ثمنه ثمانين ألف دينار (فَمَا تَرَى فِيهِ؟) أيضره ذلك في كماله؟ (فَقَالَ:
إِنْ كَانَ يَصِلُ فِيهِا) أي: الأموال التي تركها (حَقّ الله) أي: يجعله موصولاً بها بأن أداه
منها (فَلَا بَأْسَ) أي: نقص (عَلَيْهِ) في تركها (فَرَفَعَ أَبُو ذَرِّ عَصَاهُ فَضَرَبَ) بها (كَعْبًا)
ضربًا غير مؤلم؛ لأنه لم يقصد تأديبه، كيف وهو بحضرة أمير المؤمنين؟
(١) أخرجه أحمد (٢٩٦١)، والترمذي (١٦٥٢) وقال: حسن غريب. والنسائي (٢٥٦٩)، وابن حبان
(٦٠٤)، والطبراني (١٠٧٦٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)» (٣٥٣٩)، والدارمي (٢٣٩٥).
(٢) أخرجه أحمد (٤٦٢).

٣٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
وما ارتكبه مما يأتي لا يقتضي التأديب بالضرب لا سيما مع قوله وَله: «ما أدى
زكاته فليس بكنز))(١) بل تنبيهه على أنه يجوز في نفي البأس من سائر وجوهه كما دلت
عليه لا الاستغراقية، مع أنه موجود من بعضها؛ إذ من أخرج ماله كله في حياته أكمل
ممن خلف منه شيئًا بعد مماته كما هو حال الصديق ونظرائه *؛ وذلك لأن هؤلاء
سلموا من معرته وحسابه والحبس عن الجنة لأجله، بخلاف مثل عبد الرحمن فإنه
يسأل عنه ويحبس خمسمائة سنة بعد دخول فقراء المهاجرين الجنة عنها لأجله في
مقابلة توسعه وتنعمه.
وإن كان قد اكتسبه من حله وصرف منه جميع حقوق الله وحقوق الآدميين
المتعلقة به (وَ) من ثم (قَالَ) مستدلاً على عدم صحة نفي البأس كذلك (سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((مَا أُحِبُّ لَوْ) فرض (أَنَّ ◌ِي هَذَا الْجَبَلَ) الظاهر أنه أخذ (أُنْفِقُهُ)
حال؛ أي: أنفق أكثره بدليل قوله: ((ست أواق)) ولو أراد إنفاقه كله لما صح ما بعده
(وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي) تتميم لزيادة المبالغة في عدم محبته ◌َّ له (أَذَرُ) بالرفع مفعول أو حب
بتقدير: إن؛ أي: ما أحب أن أترك.
(خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أُوَاقٍ) فمحبته ګ إنفاقه كله في حياته دون ترك شيء منه وإن
قل، وأوضح دليل على أن ترك بعضه فيه نقص ما، وإن أخرج أكثره لله تعالى في حياته،
وما في حديث عائشة قريبًا ما يصرح بذلك، وحينئذٍ اتضح عند أبي ذر في إبكاره وأن
كعبًا تجوز أو أراد فلا بأس، ما هي موضوعة له شرعًا كما قاله أئمتنا، وهو نفي الحرمة
تارة والكراهة أخرى وكلاهما منفي هنا عن عبد الرحمن .
(أَنْشُدُكَ بِاللّه يَا عُثْمَانُ إِن سَمِعْتَهُ) أي: هذا الحديث من رسول الله وَله وكرر
عليه ذلك (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أُحْمَدُ) ويمكن أن يكون ضرب أبي ذر
مؤلمًا، وأنه رأى أنه يستحق ذلك وأن له إنكار المنكر ولو بحضرة الإمام؛ وذلك لأنه
(١) أخرجه الطبراني (٦١٣)، والبيهقي (٧٠٢٦)، والدارقطني (١٠٥/٢)، والحاكم (١٤٣٨) وقال:
صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.

٣٤٧
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
مجتهد فلا يدخل تحت حكم غيره ولو عثمان، وكان هذا التحري منه على عثمان
بالضرب في حضرته على أدنى شيء لا يقتضيه بحال، كان له مدخل في إخراج عثمان
بعد ذلك من المدينة إلى الربذة حتى توفي بها.
والحاصل أن أبا ذر من فقهاء الصحابة البالغين في الاجتهاد أعلاه وعثمان،
كذلك وكعب كذلك فكل منهم معذور فيما صدر منه؛ لأن المجتهد لا ينكر عليه
مذهب غيره.
١٨٨٣ - [وعَنْ عُقْبَةَ بنِ الْحَارِثِ ﴾ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ نَّهِ بِالْمَدِينَةِ
الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسرِعًا يَتَخَطَى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ
مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنهم قَدْ عَجِبُوا قَالَ: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرِ عِنْدِنا
فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقَسْمِتِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: كُنتُ خَلَّفْتُ في
البَيْوتِ تِبِرًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهِتُ أنْ أُبَيِّتَهُ] (١).
(وَعَنْ عُقْبَةَ بنِ الْحَارِثِ ﴾ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ◌َ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ
ثُمَّ قَامَ مُسرِعًا يَتَخَظَى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرٍ فِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ) تعليلية
(سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنْهِم قَدْ عَجِبُوا) لا ينافي فزعوا؛ لأن المفزع قد يكون
عجيبًا.
(قَالَ: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرِ عِنْدِنا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي) تأخير قسمته على
مستحقيه عن المقام الأكمل المشار إليه بالحديث السابق: ((لو أن لي مثل أحد ذهبًا
لسرني ألا يمضي على ثلاث وعندي منه شيء ... )(٢) (فَأَمَرْتُ بِقَسْمِتِه. رَوَاهُ البُخَارِيُّ).
(وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: كُنتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْوتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهِتُ أَنْ أَبَيِّتَهُ)
وهي صريحة فيما فسرت به الأولى لا فيما وقع لشارح مما يخالفه.
١٨٨٤ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ وَلـ
(١) أخرجه البخاري (٨٥١ - ١٤٣٠).
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٨٠)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (١٠٠٤٢).

٣٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
عِنْدِي فِي مَرَضِهِ سِتَّةُ دَنَانِيرَ أوْ سَبْعَةٍ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ وََّ أَنْ أَفَرِّقَهَا فَشَغَلَنِي وَجَعُ
نَبِيِّ اللّهِوَِّ ثُمَّ سَأَلَنِي أَوِ السَّبْعَةُ قُالْتُ: لَا وَاللهِ، لَقَدْ كَانَ شَغَلَنِي وَجَعُ نَبِيِّ الله وَِّ ثُمَّ
سَأَلَنِي عَنْهَا مَا فَعَلْتُ السِّتَةِ أَوِ السَّبْعَةُ، قُالْتُ: لَا وَالله لَقَدْ كَانَ شَغَلَنِي وَجَعُكَ، فَدَعَا
بِهَا ثُمَّ وَضَعَهَا فِي كَفِّهِ فَقَالَ: مَا أَظَنُّ، نَبِيّ اللّه لَوْ لَقِيَ الله وَنَ وَهَذِهِ عِنْدَهُ رَوَاهُ
أحْمَدُ](١).
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - إِنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ وَ عِنْدِي فِي
مَرَضِهِ سِتَّةُ دَنَانِيرَ أوْ سَبْعَةٍ، فَأَمَرَفِي رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ أَفَرِّقَهَا فَشَغَلَني وَجَعُ نَبِيِّ الله
وَِّ ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْهَا) قائلاً (مَا فَعْتُ السِّتة) بالرفع ويجوز النصب (أَوِ السَّبْعَةُ) التي
أمرتك بتفرقتها أفرقتيها (قُالْتُ: لَا وَالله) ما فرقتها، وحكمة القسم تحقيق التقصير
ليكون سببًا لقبول الاعتذار (لَقَدْ كَانَ شَغَلَنِي وَجَعُكَ) عن تفرقتها (فَدَعَا بِهَا ثُمَّ
وَضَعَهَا في كَفِّهِ فَقَالَ: مَا أُظَنُّ) مصدر مضاف للفاعل
(نَبِيّ اللّه لَوْ لَقِيَ الله وَكَ) أي: في حال لقيه (وَهَذِهِ عِنْدَهُ) هذا كله؛ أعني:
وضعها في كفه والعدول عن الإضمار إلى الإظهار؛ إذ القياس ما ظني؛ وتخصيص ذكر
نبي الله ثم الإشارة بقوله: ((هذه)) بعد ذكر: ((لقي الله)) تصوير لشناعة تلك الحالة
واستهجانها، وتحذير عن فعل مثلها، وحث أكيد على أن الإنسان ينبغي له أن يثابر على
أن يلقى ربه طاهرًا مطهرًا من الدنيا ومحبتها والتعلق بها بأي وجه كان، وإيذان لهن
بأن حال النبوة ووراثتها منافية؛ لأن يلقى الله ومعه هذا الدين الحقير (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
١٨٨٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ أَنَّ الَّبِيَّ ◌َّهِ دَخَلَ عَلَى بِلالٍ وَعِنْدَهُ صَبَرَة مِنَ الثَّمْرِ،
فَقَالَ: مَا هَذَا يَا بِلالُ؟ قَالَ: شَيءَ ادَّخَرْتَهُ لِغَدَاءٍ فَقَالَ: أَمَا تَخْشَى أَنْ تَرَى لَهُ غَدَاء تُجَارًا
فِي نَارٍ جَهَنَّم؟ أَنْفِقْ بِلالُ وَلا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالاً] (٢).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ه أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ دَخَلَ عَلَى بِلالٍ وَعِنْدَهُ صَبَّرَةٍ مِنَ التَّمْرِ، فَقَالَ:
(١) أخرجه أحمد (٢٥٤٧٠)، وابن حبان (٣٢٨٢).
(٢) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (١٣٤٥).

٣٤٩
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
مَا هَذَا يَا بِلالُ؟ قَالَ: شَيءُ الدَّخَرْتَهُ لِغَدَاءٍ) أي: لحاجتي في المستقبل (فقَالَ: أَمَا تَخْشَى
أَنْ تَرَى لَهُ غَدَاء) أي: يوم القيامة، فالمراد بالغد فيهما غير حقيقته (بُخَارًا فِي نَار
جَهَنَّم؟) يحتمل أنه حال من الفاعل فيفيد دخوله لها، أو المفعول فيفيد قربه منها.
فإن قلت: ادخار المال لنفقة المستقبل لا حرمة فيه، بل ادخار قوت العيال سنة
جاء عنه له فكيف مع ذلك يستحق بلال هذا التوعد؟ قلت: هو ◌َلّه لم يجزم بأن له
ما ذكر وإنما علقه بخشيته؛ أي: أ ما يخشى أن حبسك للمال يحببه إليك حتى يمنعك
من إخراج الواجب منه؛ لأن النفس جبلت على محبة المال والشح به وإن لم يكن
عندها، فكيف وهو عندها وقد ذاقت حلاوة جمعه؟ وإذا ترتب على حبسه ذلك كان
سببًا للعذاب بدخول النار أو القرب منها.
ويدل على هذا الذي ذكرته أمره وَ ل﴿ له بالإنفاق مرتبًا له على ما قبله كما يشهد
له السياق في قوله: (أَنْفِقْ بِلالُ) أي: إذا كان الأمر على ما ذكرت لك فانفق جميع ما
عندك ولا تدخر منه شيئًا ثقة منك بالله تعالى، فإنه لا يضيعك فالزم ذلك (وَلا تَخْشَ
مِنْ ذِي الْعَرْشِ) الذي بلغت عظمته على أن أوجده بما اشتمل عليه مما ينبهر العقل
ويدهش العقل، ما السموات السبع والأرضون السبع في جنب الكرسي إلا كحلقة
معلقة في أرض فلاة، فإذا كان هذا شأن السموات والأرض وما فيهن بالنسبة لسعة
الكرسي الذي نسبته إلى العرش كنسبة سلم السير إليه، فما ظنك بسعة العرش، فوقع
ذكره هنا في غاية المناسبة لما الكلام فيه.
(إِقْلَالاً) أي: لا تخشَ أن تقل معيشتك إذا أنفذت ما عندك، بل لا يضيعك
مدبر هذا الملك الذي تقصر العقول عن تصور سعته أبدًا فثق به وتوكل عليه، ولم
يراع وق السجع بإلحاق الألف لبلال أو حذفها من إقلال؛ لأن مقام بلاغته بريًا عن
رعاية هذه الديانات ورعايته له في غير ذلك، أما لا عن قصد كالسجع الواقع في القرآن،
أو أنه قد يقع للتبليغ رعاية الأمور التوابع في بعض الأحيان.
١٨٨٦ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: السَّخَاءِ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ فَمَنْ كَانَ

٣٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
سّخِيًّا أَخَذَ بِغُصْنٍ مَنهَا فَلَم يَتَرُكَهُ الغُصَنُ حَتَى يُدخِلَهُ الجَنَّةِ، وَالشُّحُّ شَجَرَةٍ فِي النَّارِ
فَمَنْ كَانَ شَحِيحًا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنَّهَا، فَلَمَ يَتَرُّكَهُ الغُصنُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ. رَوَاهُ البَيهَقِي
في ((شُعَبِ الإِيمَانِ))](١).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: السَّخَاءِ شَجَرَةٌ فِي الْجَنّةِ) لا مانع من إجرائه
على ظاهره أن الجنة فيها شجرة معروفة تسمى السخاء، أو شجرة السخاء وحينئذٍ فلا
يحسن صرفها ظاهرها إلى أن المراد تشبيه السخاء بشجرة عظيمة ذات أغصان وشعب
كثيرة، أو إلى أنه جعل على جهة الادعاء جنس الشجرة الدنيوية نوعين متعارفًا وغير
متعارف، وهي شجرة السخاء الثابت أصلها في الجنة وفرعها في الدنيا، فمن أخذ بعض
منها أوصله إلى أصله في الجنة.
(فَمِنْ كَانَ سَخِيًّا أَخَذَ بِغُصْن مَنَهَا) أي: تعلق بسبب من أنواع السخاء (فَلم
يُتْرُكَهُ) ذلك (الغُصنُ حَتَى يُدخِلَهُ الجَنَة) فإن قلت: هذا مجاز وإذا اضطر إليه ولا بدَّ
فليكن في الشجرة على أحد التأويلين السابقين أولى، قلت: ممنوع؛ لأن هذا أقل
تجوزًا، وأيضًا يكون السخاء شجرة ظاهرة في الجنة يأوي إليها الأسخياء ويتعلقون
فيها أفخم لشأنهم، وأظهر في غيرهم ومدحهم بكونهم يشار إليهم في الجنة بالأصابع،
وهذه مرتبة جليلة دل عليها ظاهر الحديث بإبقاء الشجرة على ظاهرها، فلا يحسن
إخراجه عنه المفوت لما هو المقصود من الحديث من زيادة مدح السخاء والحث عليه.
(وَالشُّحُّ شَجَرَة فِي النَّارِ) فيه ما مر في الوعد قبله أنه شجرة ظاهرة في النار تسمى
بذلك لتتميز الأشجار في النار، ويكثر أسفهم وتشتد فضيحتهم وعذابهم (فَمِنْ كَانَ
شَحِيحًا أَخَذَ بِغُصْنِ مِنَهَا، فَلمَ يَترُكَهُ الغصنِ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّار) ويقرب من هذا
الحديث المعنى الذي قررناه الحديث السابق: ((السخي قريب من الجنة بعيد من النار،
والبخيل قريب من النار بعيد من الجنة))(٢) (رَوَاهُ البَّيهَقِي فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))).
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٤٥١).
(٢) أخرجه الترمذي (١٩٦١) وقال: غريب. وابن عدي (٤٠٣/٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
-

٣٥١
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
١٨٨٧ - [وَعَنْ عَلِّ مَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: بَادِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ البَلَاءَ لَا
يَتَخَطَّاهَا. رَوَاهُ رَزِینَّ](١).
(وَعَنْ عَلِيٍّ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: بَادِرُوا بِالصَّدَقَّةِ) أي: أسرعوا بفعلها ولا
تتوانوا فيه (فَإِنَّ) الصدقة و(البَلَاءَ) كفرسي رهان فأيهما سبق لم يلحقه الآخر
وحينئذٍ، ينبغي أن يثابروا ويحافظوا على سبق الصدقة لما علمتم أن البلاء (لَا
يَتَخَطَّاهَا) أي: لا يتجاوزها بل يقف دونها، ففيه غاية الحث على المبادرة إليها حسب
الإمكان؛ لأن الإنسان عرضة لنوائب البلايا والمحن الدينية والدنيوية، فإذا أمكنه أن
يجعل له حاجزًا بينه وبين تلك النوائب بقليل يخرجه من ماله كل يوم ثم يتركه.
دل ذلك على غاية حمقه وسخافة عقله؛ لأن ذوي العقول يتخلصون من البلايا
ببذل نفائسهم، فمن قدر على التخلص منها بلقمة مثلاً ثم تركها فلا رأي له ولا
تدبير (رَوَاهُ رَزِين).
=
(١٠٨٥١).
(١) أخرجه بنحوه الطبراني في «الأوسط)) (٥٨٠١).

(باب فضل الصدقة)
هي ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة واجبًا كان أو تطوعًا، سميت
بذلك لإنبائها عن صدق رغبة صاحبها في الخير، وقد يطلق على القرب البدنية أيضًا،
وسيأتي في الفصل الثاني بسط يتعلق بذلك.
(الفصل الأول)
١٨٨٨ [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَالَ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ
مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّ الطَّيِّبَ - فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا
◌ِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِي أَحَدُكُمْ فِلِوَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ. مُتَّفَقَ عَلَيهِ](١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ) بكسر
العين أو فتحها؛ أي: مما يساوي قيمتها من جنسها أو غيره، وأصل العدل بالفتح: المثل
في القيمة، وبالكسر: المثل في النظر، وهو معنى قول الفراء: المفتوح المساوي من غير
الجنس، والمكسور المساوي من الجنس (مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) أي: حلال صفة مخصصة
لثمره، وكان تخصيص الكسب بالذكر لكونه أشق، فلو ورث مالاً حلالاً وتصدق منه لم
يكن له ثواب المتصدق من كسبه، ويحتمل أنه للغالب فلا فرق.
(وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّ الطَّيِّبَ) جملة اعتراضية بين الشرط والجزاء مؤكدة لما أفهمه
وصف التمرة، بما ذكر أن الصدقة من غير الحلال لا يعبأ بها، بل ثوابها لمالك ذلك
المال، وعلى المخرج الإثم نعم إن عذر كان وصل إليه مال من جهة لا يتيقن حرمتها
فتصدق منه، وهو في الباطن ملك لغيره بإثم بل لا يبعد أن يقال أنه يثاب على قصده
القربة وإن كان مطالبًا بما أخرجه في الدنيا [ثواب] ذلك، وفي الآخرة يأخذ بعض
-
-
(١) أخرجه البخاري (١٣٤٤)، ومسلم (١٠١٤)، وأحمد (٨٣٦٣)، ومالك (١٨٠٦)، والنسائي في
((الكبرى)) (٧٧٣٥)، وابن حبان (٣٣١٩)، والبيهقي (٧٥٣٥).
٣٥٢

٣٥٣
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
حسناته في مقابلته.
وأخذ أئمتنا من هذا الحصر أنه يكره تعمد الصدقة بما يعلم أن فيه شبهة،
وينبغي حمله على شبهة قوية كأن يكون أكثر ماله حرامًا، وإلا فلا يوجد لنا الآن مال
بأيدي الناس خالٍ عن الشبهة كما قرروه في محله (فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقْبَّلُهَا) منه قبولاً حسنًا
ویثیبہ علیها ثوابًا جزيلاً، فيتقبلها (پیمِینِهِ) أي: بمنه وبركته في مال مخرجها وسائر
أحواله، أو التقبل باليمين كناية عن غاية الرضى بها والإثابة عليها، أو هو من مجاز
التمثيل، وذكر اليمين أثر الكسب الطيب لما بينهما من الاتحاد في الفخامة
والشرف.
وقال عياض: لما كان الشيء الذي يرتضى يتلقى باليمين استعملت اليمين في
مثل هذا، واستعيرت للقبول في رواية للنسائي إلا أخذها الرحمن الك بيمينه وإن كانت
تمرة فتربو في كف الرحمن، وفي قوله: ((الرحمن )) ما يصرفه عن ظاهره المحال على الله
تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وتبين أن التعبير باليمين والكف مع اقترانهما بالرحمن
إنما هو كناية عما مر، وأن ذلك التقبل وتلك التربية إنما هي من سعة رحمة الحق
بالخلق والتجاوز عن نقائص أعمالهم، وإلا فقد صح في الحديث: ((من نوقش الحساب
عذب))(١).
(ثُمَّ) بعد هذا التقبل باليمين على المعنى الأول أو الثاني (يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا
يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فِلْوَهُ) بكسر فسكون وكعدو وسمو الجحش والمهر إذا فطما أو بلغا
السنة، قاله في ((القاموس)) وظاهر السياق هنا يقتضي أن المراد المهر لما يأتي فيه؛ فلذا
اقتصر الشراح عليه؛ إذ هو أقبل للتربية من سائر النتاج لكرم طبعه وفخامة شأنه
وكثرة نموه، ومن ثم خص المثل به لمناسبته الكسب الطيب الذي هو أفضل أكساب
الإنسان، وأقبل للمزيد والمضاعفة.
وأيضًا فهو لكونه نتاجًا معرضًا للآفات أحوج ما يكون للتربية إذا فطم، فإذا
(١) أخرجه مسلم (٢٨٧٦)، والقضاعي (٣٣٨).

٣٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أحسن القيام به وصل من الكمال إلى غايته فكذلك الصدقة نتاج العمل وقد تُحَاذِيهَا
آفات كالشح والهوى والربا فلا يكاد يخلص إلى الله تعالى بسبب نقائص لا يجيرها إلا
نظر الرحمن إليها المقرون بفتح باب الرحمة دونها، فلا يزال يكتسب بذلك نعت
الكمال ويتضاعف إلى حد لا يقدر قدره كما أنبأ عن ذلك قوله: (حَتَّى تَكُونَ) هي أو
ثوابها، ويصح بقاؤه على ظاهره، وهو أن الله يزيد في ذاتها ليثقل في الميزان.
(مِثْلَ الجبل. مُتَّفَق عَلَيهِ) وجميع ما تقرر للكسب الطيب يكون ضده
للكسب الخبيث، ومن ثم قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِ الصَّدَقَاتِ﴾
[البقرة: ٢٧٦].
١٨٨٩ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ
عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّ ◌ِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدَّ لله إِلَّ رَفَعَهُ الله. رَوَاهُ مُسلم](١).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِهِ: مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ) زائدة لصحة المعنى
بدونها، أو صلة لنقصت والمفعول الأول محذوف؛ أي: شيئًا من (مَالٍ) باعتبار أن الله
تعالى ينزل فيه من النمو والبركة ودفع المفسدات ما يجبر نقصه الصوري، وهذا مشاهد
لا يحتاج لبرهان، ولقد أخبر الثقة: ((إن شريكين في زرع في زمننا أكيالاً ما حصل
من حبه، ثم أخرج كل منهما زكاته من غير علم صاحبه، ثم اقتسماه فرأياه كما هو لم
ينقص شيئًا فتعجب كل منهما في نفسه لعدم نقصه، ثم أعاداه فرأياه لم ينقص، فأظهر
أحدهما التعجب للآخر وقص عليه القصة فأخبره الآخر به أخرج أيضًا فازداد
تعجبها)) وليس ذلك على القدرة الإلهية بعزيز، أو باعتبار أن نقصه الصوري خلفه
زيادة ثوابه إلى أضعاف كثيرة.
(وَمَا زَادَ الله عَبْدًا بِعَفْوٍ) وقع منه عمن ظلمه (إِلَّا عِزَّا) حسيًّا في الدنيا؛ إذ من
(١) أخرجه مسلم (٢٥٨٨)، وأحمد (٧٢٠٥)، والترمذي (٢٠٢٩) وقال: حسن صحيح. وابن حبان
(٣٢٤٨)، والدارمي (١٦٧٦)، وأبو يعلى (٦٤٥٨)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٦٤٢٣)، وفي
(شعب الإيمان)) (٨٠٧١).

٣٥٥
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
عرف بالعفو والصفح يسود ويعظم في القلوب ويزداد عزه وكرامته، أو في الآخرة بزيادة
ثوابه وكرامته في الجنة وما قبلها (وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدُ) بأن أنزل نفسه عن مرتبة
يستحقها (الله) أي: لرجاء التقرب إليه لا لنيل مال أو جاه مثلاً (إِلَّا رَفَعَهُ الله) رفعة
حسية في الدنيا، بأن يثبت له بتواضعه منزلة في القلوب ويرفعه عند الناس فيجلوه
ويعظموه، أو في الآخرة برفعة منزلته فيها عوضًا عن تواضعه في الدنيا، وليست في
الثلاثة مانعة جمع بل خلو كما هو ظاهر.
ثم رأيت النووي صرح بذلك فقال نقلاً عن العلماء: وقد يكون المراد في كل
من تلك الثلاثة الوجهين معًا (رَوَاهُ مُسلم) وجمع بين هذه الثلاثة في هذا السياق؛ لأن
كل منها مترتب على ما قبله ((الكرم والسخاء فالحلم فالتواضع)) لأن من سمح بماله لله
طهره الله من الشح الذي هو الداء العضال، ومن طهره الله منه عفي عن ظلامته؛ لأن
سبب عدم العفو عنها هو شح النفس وامتلاؤها بخبائتها، ومن وصل لهاتين المرتبتين
لم يبقَ عنده نظر لنفسه ولا لمرتبته، بل يكون دائم التواضع مشاهدًا لحقارته
وتقصيره وتفريطه في جنب الله؛ إذ الإنسان كلما ازداد كماله ازداد خوفه وتواضعه،
قال ◌َّ:((أنا أعلمكم بالله وأخوفكم منه))(١).
١٨٩٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ
فِي سَبِيلِ الله دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَلِلْجَنَّةِ أَبْوَابُ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ
بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ
دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
مَا عَلَى مَنْ دُعِي مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ من ضَرُورَةٍ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ. مُتَّفَق
عَلَيهِ] (٢).
(١) أخرجه بنحوه الحاكم في ((المستدرك)) (١٧٤٢)، وعبد ابن حميد (١٥٠٦).
(٢) أخرجه البخاري (١٧٩٨)، ومسلم (١٠٢٧)، وأحمد (٧٦٢١)، ومالك (١٠٠٤)، والترمذي (٣٦٧٤)
وقال: حسن صحيح. والنسائي (٢٤٣٩)، وابن حبان (٣٠٨)، وابن خزيمة (٢٤٨٠)، والبيهقي

٣٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِوَيِّ: مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنٍ) أصل الزوج الصنف والنوع
من كل شيء، وكل شيء مقترنين شكلين كانا أو نقيضين فهما زوجان وكل واحد منهما
زوج، يريد من أنفق صنفين من ماله (مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ) أي: من أي صنف من
أصناف المال، كدرهمين قيل أو صلاتين أو صوم يومين حملاً للحديث، على جميع
أعمال البر. انتهى.
وهو بعيد جدًّا وإنما المطلوب لتشفيع صدقته بأخرى.
وقيل: أو رغيفين أو تمرتين مثلاً، قيل: والتشبيه للتكثير على حد: (لبيك)).
﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أي: من كرر الإنفاق مرة بعد أخرى حتى
يصير دأبه وعادته، ورجح بأن القصد من الإنفاق حمل النفس على إخراج كرائم
الأموال والمواظبة عليه؛ إذ هو شقيق الروح، فبذله أشق على النفس من سائر العبادات
الشاقة. انتهى.
ويأتي أول الفصل الثالث حديث أبي ذر وظاهره يخالف هذا، وهو أنه لا يحصل
له ذلك إلا إن أنفق من كل نوع من أنواع ماله صنفين، فإن خلت فما المرجح؟ قلت:
حديث مسلم لأمرين:
أحدهما: إنه أصح بأيهما أن القاعدة في باب الثواب أنه يؤخذ بما يدل على
زيادة الفضل، قالوا: لأنه ◌َ ﴿ كان يعلم بالقليل من الثواب ثم بالكثير زيادة للمنة عليه
وعلى أمته.
(فِي سَبِيلِ الله) أي: في جميع وجوه الخير، وقيل: مخصوص بالجهاد، قال النووي
كعياض والأول أصح وأظهر (دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ) أي: دعاه خزنة كل باب أن أدخل
من هذا، أو فائدة ذلك إظهار تعظيمه وفخامته وأنه عمل عملاً يوازي الأعمال التي
يستحق بها الدخول من تلك الأبواب، فاندفع ما قيل: كيف يدعي المنفق من باب
=
(١٨٣٤٤).

٣٥٧
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
الصلاة أو الصوم؟ واندفع الجواب عنه بأنه عني بالزوجين نفسه وماله.
تنبيه:
في رواية النسائي: ((دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير))(١) وهو مشكل؛ إذ
كيف يقول أن بابه خير وهو مشكل مع علمهم بتفاوت الأعمال، الصريح في تفاوت
الأبواب؟.
وجوابه: إنه لا مانع أن كل موكل بباب يعتقد أن بابه أفضل من غيره، ولا
يكون عنده علم بتفاوت فضل الأعمال.
(وَلِلْجَنَّةِ أَبْوَابٌ) ثمانية كما في الأحاديث الصحيحة كل باب منها يسمى بباب
عبادة من أمهات العبادات يدخل منه من الغالب عليه تلك العبادة، ومن استكثر من
كل منها حتى صار كالغالب عليه، أو عمل عملاً يوازي تلك الأمهات دعي من كل
الأبواب لتأهله للدخول من كل منها، والمذكور منها هنا أربعة، وجاء في حديث آخر
باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وباب الراضين، وجاء في
حديث السبعين ألفا الذين يدخلون من الباب الأيمن. قال عياض: فلعله
الثامن.
(فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ) بأن غلبت على سائر أعماله لإكثاره منها أكثر من
غيرها (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ) بالمعنى المذكور (دُعِيَ مِنْ بَابٍ
الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ) بالمعنى المذكور (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ) هذا مشكل
مع ما مر أن منفق الزوجين يدعى من كل الأبواب؛ لأن من هو من أهل الصدقة الذي
غلبت عليه ضرورة أنه يكون أنفق زوجين على كل من المعنيين السابقين، فأي معنى
أوجب؟ لمنفق الزوجين، أن يدعى من كل الأبواب، ولمن غلبت عليه الصدقة أن يدعى
من بابها فقط، وقد يقال: إنه يدعى من كل الأبواب، فلا يلهم إلا الدخول من باب
الصدقة فيسكت غير خزنة بابها ويستمر خزنة بابها يدعونه حتى يدخل من بابهم.
(١) تقدم تخريجه.

٣٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
فإن قلت: يلزم على ذلك أن كل من غلبت عليه الصدقة يدعى من كل الأبواب
قلت: لا مانع من ذلك خصوصية للصدقة، أما على الحديث الآتي أول الفصل الثالث
فلا إشكال؛ لأنه لا يلزم من كون الصدقة أكثر أعماله أن يكون أنفق من كل نوع من
أنواع ماله صنفین؛ لأنه قد يتصدق دائمًا من نوع واحد.
(وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ) بالمعنى المذكور (دُعِيَ مِنْ بَابِ الرََّّانِ) لم يسم باب
الصيام كالذي قبله؛ لأن الصوم اختص عن غيره بإضافته إلى الله؛ لكونه لا يطلع عليه
غيره بخلاف بقية العبادات في قوله تعالى في الحديث القدسي الآتي: ((الصوم لي وأنا
أجزي به بترك طعامه وشرابه من أجلي))(١) فلأجل شرفه بهذه الإضافة لم يضفه
للباب، ولما كان الإمساك عن الشراب من أشق أو أشق ما فيه أضيف بأنه إليه؛ لأنه
الأهم حينئذٍ لما فيه من البشارة له بأنه لما عطش نفسه في الدنيا أدخل من باب يأمن
فيه من العطش أبدًا.
والظاهر أن الريان اسم للباب مأخوذ من الري بالإضافة بيانية، ويصح أنها
معنى اللام، فالريان بمعنى: الرواء وهو الماء الذي يروي.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) حين سمع أن للجنة أبوبًا وأن المتصدق السابق يدعى من كلها
(مَا) نافية (عَلَى مَنْ دْعِي مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ من) زائدة لتأكيد الاستغراق، وتصييره نصًا
بعد أن كان ظاهرًا (ضَرُورَةٍ) أي: ضرر بل دعاؤه من الكل غاية في كرامته، فهل يدعى
أحد من كلها غير المتصدق المذكور هنا بمعنى كلامه ﴾؟ كما يدل عليه السياق، وكذا
الجواب الذي تضمنه قوله: (قَالَ: نَعَمْ وَأَرْجُو) لا ينافي أنه بشره بالجنة وحرم له بذلك؛
لأنه مع جزمه به بمقتضى إعلام الله له بذلك يجوز لا مع النظر للوعد؛ لأنه لا يخلف
خلافه نظرًا إلى أن الله لا يجب عليه لأجل من خلقه شيء، وأن له أن يفعل بمن شاء
وإن جلت مرتبته ما شاء.
(١) أخرجه البخاري (٧٤٩٢)، وأحمد (٩٣٥٠)، والبيهقي (٨٣٦٦).

٣٥٩
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
على أن المرجو هنا غير المبشر به؛ لأنه منطلق دخول الجنة وهو لا يستلزم الدعاء
من تلك الأبواب، وحينئذٍ فكأنه لم أعلم بالدخول فجزم به دون الدعاء من كل
الأبواب فرحًا (أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ مُتَّفَق عَلَيهِ).
وفي رواية قال أبو بكر: يا رسول الله، ذلك الذي لأبوي؛ أي: بفتح الفوقية
والقصر عليه؛ أي: لا هلاك ولا ضياع ولا خسارة.
١٨٩١ - [وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ فَقَالَ
أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: فَمَنْ أَطْعَمَ
مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ قَالَ
أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ رَوَاهُ
مُسْلِمْ)(١).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه وَُّ: مَنْ) استفهام یظهر به مراتب أصحابه ویرتب
عليه الحكم الأقرب، وهو قوله: ما اجتمعن .. إلخ (أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا، فَقَّالَ
أَبُو بَكْرٍ: أَنَا) فيه كآية: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣].
﴿ وَلَا أَنَا عَابِدٌ﴾ [الكافرون: ٤].
﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرِّ مِّثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠].
وكحديث: ((أنا سيد ولد آدم، وأنا أول من تنشق عنه الأرض))(٢) رد لكراهة
طائفة من علماء الظاهر والباطن، قول: ((أنا)) وإشارة بعضهم إلى أن إبليس إنما لعن
لقوله: أنا في غير محلها، بل لا موجب للعنة الأبدي إلا تكبره عن أمر ربه، ونظره إلى
نفسه بعين الخبرية مصادمًا للنص غير مبال له، ويعلم أن كفره ليس لمجرد عدم
امتثاله؛ لأنه لا يقتضيه بل لما قاربه مما ذكر، ولا حجة لهم في حديث جابر الصحيح:
أتيت النبي ◌َّ في دين كان على أبي فدققت الباب، فقال: ((من ذا؟» فقلت: أنا، فقال:
(١) أخرجه مسلم (٢٤٢١)، والبيهقي (٨٠٨٢).
(٢) أخرجه الطيالسي (٢٧١١)، وأحمد (٢٥٤٦)، وأبو داود (٤٩٧٥)، وابن ماجه (٤٤٥٠).

٣٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
((أنا أنا))(١) كأنه كرهها؛ لأن سبب الكراهة ليس هو مجرد أنا، بل الاقتصار عليه المؤدي
إلى عدم تعریفه له بنفسه بعد أن دق عليه.
فلا دلالة لهم إلا لو كان قال: أنا جابر فكرهه، بأن قلت: الظاهر أنه وَيّ كان
يعرف صوت جابر، فالكراهة إنما هي لقوله: أنا قلت: ممنوع وبتسليمه، فهو ◌َّ أراد
أن يعلمه أدب الاستئذان عليه وعلى غيره فالكراهة؛ لئلا يفعل ذلك مع لا يعرف
صوته، نعم إن أراد من كرهه أن محل الكراهة إذا أنبأ عن النظر إلى النفس بعين
الكمال أو المدح لم يبعد كلامه حينئذٍ، والظاهر أن هذا هو ملحظ الصوفية؛ لأن محط
نظرهم البعد إلى النظر إلى النفس وعن الدعوى ما أمكن.
(قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ
الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ:
أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَا اجْتَمَعْنَ) أي: هذه الخصال الأربعة (في امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ
الْجَنَّةَ) أي: مع الناجين؛ لأنها جمعت سائر أنواع الوصلة لله تعالى بالصيام، ولخلقه
الموتى بإتباع جنائزهم، والمرضى بعبادتهم، والأصحاء بإطعام مسكينهم.
قد أطبق أئمتنا على أن الصالح هو الذي قام بحقوق الله تعالى وحقوق خلقه
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وفيه أكد حث على أنه ينبغي لمزيد الكمال ألا يخلى يومًا من هذه الأربعة
أو بعضها.
١٨٩٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: يَا نِسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَة
◌ِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنْ شَاةٌ. مُتَّفَقَ عَلَيْهِ](٢).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَمِ: يَا نِسَاء) بالنصب (الْمُسْلِمَات) بإضافة
الموصوف إلى صفته، أو العام إلى الخاص كمسجد الجامع بلا تقدير عند الكوفيين وبه
عند البصريين؛ أي: يا نساء الطوائف المسلمات، ومسجد المكان الجامع، ويروى
(١) أخرجه البخاري (٦٢٥٠)، وأحمد (١٤٥٥٣)، والدارمي (٦٢٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٠)، وأحمد (٧٥٨١).