Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
تتمة كتاب الجنائز/ باب غسل الميت وتكفينه
يبعد إعادة عظامه النخرة، فإن الدليل الدال على جواز إعادة المعدوم لا يخصص له
بشيء دون شيء. انتهى.
ومما عرف أن لما سلكه أبو سعيد محلاً محتملاً اندفع ما قيل: إنه عرف مغزى
الكلام لكنه يسلك سبيل الإيهام، وحمل الكلام على غير ما يترقب نظير فهمه ولا من
أن يستغفر لهم سبعين مرة، التحديد بقوله: ((سأزيد على السبعين)) مع أن ظاهره
التكثير، وأنه لا ينفعهم استغفار مطلقًا. انتهى.
وقال كثيرون من أئمتنا وغيرهم: إن الملبوس أولى، وهو المعتمد من مذهبنا؛ لأن
مآله للبلاء، ويؤيده ما صح عن أبي بكر به: ((إنه اختار الحلق، وقال: الحي أولى
بالجديد من الميت)) ثم علل ذلك بأن الكفن إنما هو لدم الميت وصديده، وأجاب بعض
هؤلاء عن حديث أبي سعيد بأن المراد بـ(الثياب)) في الحديث الأعمال التي يختم له بها
من خير وشر على حد: ((فلان طاهر الثياب)) أي: النفس لبراءته عن العيوب، وعلى حد
بعض تفاسير: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أي: طهر أخلاقك حتى تسع جهل
الجاهلين، وعناد المارقين.
ويؤيد التأويل خبر: ((يبعث العبد على ما مات عليه)) (١).
وخبر: "إن الناس يبعثون حفاة عُراة))(٤) لكن أجيب عن هذا بأنه يمكن
الجمع بين الحديثين بأنهم عقب النفخة الثانية يقومون على قبورهم بأكفانهم ينتظرون
الحشر، فإذا حشروا تجردت عنهم ثيابهم، وبالغ بعضهم في رد هذا الجمع بما لا يصح،
على أنه جاوز فيه الحد قيل: قوله: ((يموت عليها)) ينبئ عن التأويل؛ لأنه على حد:
((فلان يحمي الحريم ويقري الضيف)) أي: دأبه المستمر ذلك كما أن العامل دأبه
(١) أخرجه مسلم (٢٨٧٨)، وعبد بن حميد (١٠١٣)، وابن حبان (٧٣١٩)، والحاكم (٣٦٨٨)،
وأحمد (١٤٥٨٣).
(٢) أخرجه بنحوه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٧٣٧٧)، الحاكم (٨٦٨٤) وقال: صحيح على شرط
مسلم. وأحمد (٢٤٦٣٢)، والنسائي (٢٠٨٣).
٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
المستمر الدوام على عمله إلى موته، وهذا إنما يليق بالأعمال دون الثياب الحسنة.
١٦٤١ - [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ،
وَخَيْرُ الأُضْحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ](١).
(وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَن رَسُولِ اللهِ وَ قَالَ: خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ) وهي
ثوبان من جنس واحد، قيل: وهي هنا من برود اليمن، وهي نوع مخطط من ثياب
القطن يستحب أن يكون الکفن منها. انتهى.
وليس كذلك بل حقيقة الحلة ما مر سواء أكانت من البرد أم من غيرها، وقد
ثبتت سنية البياض الصرف مما مر الذي لا يحتمل، فأخذنا به وتركنا هذا المحتمل، وفي
((شرح مسلم)) يكره المصبوغ ونحوه من ثياب الزينة، وقال بعض أئمتنا: يحرم المصبوغ
بعد النسخ، وهو ضعيف، وإن صوبه بعض المتأخرين، نعم قال جماعة من أئمتنا: لا
يكره المخطط؛ أي: رعاية لكون هذا الحديث محتملها (وَخَيْرُ الأَصْحِيَّةِ الْكَبْشُ
الْأَقْرَنُ) أي: لكون لحمه أطيب، وأكثر غالبًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ).
١٦٤٢ - [وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ](٢).
١٦٤٣ - [وَعَن ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِقَتْلَى أُحْدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُم
الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه](٣).
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَ بِقَتْلَ أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ)
أي: السلاح والدروع (وَالْجُلُودُ) أي: الفري والخفاف ونحوهما (وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ
وَثِيَابِهِمْ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه) واستفيد منه أنه شهيد المعركة لا يغسل ولا يصلى
عليه، وسيأتي وأن تكفينه في ثيابه التي اعتيد لبسها غالبًا.
(١) أخرجه أبو داود (٣١٥٨).
(٢) أخرجه الترمذي (١٥١٧) وقال: غريب، وعفير بن معدان يضعف في الحديث، وابن ماجه
(٣١٣٠)، والطبراني (٧٦٨١)، والبيهقي (١٨٨٦٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٣١٣٦)، وابن ماجه (١٥٨٢)، والبيهقي (٧٠٦٠).
٦٣
تتمة كتاب الجنائز / باب غسل الميت وتكفينه
وقتل: فيها أولى وإن لم تكن ملطخة بالدم، لكن الملطخة بالدم آكد، وقيل:
يجب تكفينه فيها، وأطال جماعة في الانتصار له فإنه صح الأمر به، نعم يجب نزع
نفيسه إذا كان عليه دين أو في التركة محجورًا وغائب وفارق حل نزعها حرمة غسله،
والصلاة عليه بأن ترك الغسل فيه اتقاء أثر العبادة بالبدن وترك الصلاة فيه إظهار
كرامته باستغنائه عن الدعاء، وأمَّا ترك ثيابه فليس فيه نظير ذلك، أمَّا ما لا يعتاد
لبسه غالبًا كآلة الحرب ونحو فروة وخف وجبة محشوة فیزال عنه ندبًا.
وقيل: وجوبًا لهذا الحديث، ورد بأن سنده غير قوي، وأن دمه لا يزال؛ لأنه
يشهد له يوم القيامة، فإن أزيل بغسل حرم أو بحكة بنحو عود كره، وفارق حرمة
غسله بأن فيه إزالة العين، والأثر بخلاف إزالة الدم بلا غسل، فإنه يسن فيه والواجب
إزالة العين فقط.
(الفصل الثالث)
١٦٤٤ [عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﴾ أَنِيَ بِطَعَامِ
وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ، فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّ، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُظِّيَ رَأْسُهُ
بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غَُّ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ - وَأَرَاهُ قَالَ -: وَقُتِلَ حَمْزَةُ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّ، ثُمَّ
بُسِطَ لَنَا، أَوْ قَالَ: أُعْطِيْنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَ، وَلَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا
عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﴿ أَفِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ
صَائِمًا فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ، فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي) هذا منه على جهة هضم النفس،
والتواضع لله وإلا فعبد الرحمن من العشرة المبشرين بالجنة، ومصعب ليس منهم، وقد
صرحوا بأن هؤلاء العشرة أفضل من بقية الصحابة.
(كُفِّنَ) بيان لوجه ذلك الهضم بذكر سعة الدنيا عليه، وضيقها على نحو مصعب
(١) أخرجه البخاري (١٢٧٥)، والبيهقي (٦٩٣١).
٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الذي خشي منه ما يأتي (في بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غَُّ رِجْلَاهُ بَدَا
رَأْسُهُ) وسيأتي في حديثه في ((جامع المناقب)» أنه غطى بها رأسه، وجعل على رجليه
الإذخر.
ومن ذلك أخذ أئمتنا: على اختلاف طويل لهم فيه أن أقل وأحب الكفن
بالنسبة لحق الله تعالى ثوب يستر العورة فقط، قال النووي: واحتمال أن مصعبًا لم
يكن له غير هذه البردة مدفوع بأنه بعيد ممن خرج للقتال، وبأنه لو سلم ذلك لوجب
تتمیمه من بيت المال ثم من المسلمین. انتهى.
ولا يقال: إنه تمم بالإذخر؛ لأنه لا يكتفى به إلا عند تعذر الثوب، وهو لم
يتعذر على ما تقرر لا يقال ما في التحاذي أيضًا: إنه كان يجمع بين الرجلين من قتلى
أحد في ثوب واحد أظهر دليل على العجز؛ لأنا نقول: بل فيه دليل لما قلناه؛ لأن الغالب
في الثوب أنه يكفي عورتهما، فاكتفي به مع إمكان التتميم من بيت المال ثم من
المسلمين.
أمَّا بالنسبة لحق الميت، فالواجب ستر جميع بدنه إلا رأس المحرم، ووجه
المحرمة ويقدم بذلك على غرمائه اتفاقًا، فإذا خلف مالاً وسترت عورته، ولم يوص
بترك الزائد سقط الحرج عن الأمة، وبقي حرج ترك الزائد على الورثة، وإن كان عليه
دين، وأخذوا من الحديث أيضًا أن الأولى تقديم رأسه على رجليه.
(وَأَرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي) أي: وقع له في الكفن نظير ما ذكر في
مصعب، كما مر قبيل الباب الذي قبل هذا (ثُمَّ بُسِطَ لَنَا) أراد نفسه، وبقية مياسير
الصحابة الذين اتسعت لهم الدنيا بواسطة الغزو والتجارة، وقد مر ثم أن الراكب في
فتح إفریقیة بلغ سهمه ثلاثة آلاف دينار ذهبًا.
(أَوْ قَالَ: أُعْطِيْنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَلَقَدْ خَشِينًا) الظاهر أنه هنا إنما يعني
نفسه (أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا) أي: فدخل في عموم قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ
يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ ... ﴾ [الإسراء: ١٨] أي: من كان همه الدنيا لا غير
٦٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب غسل الميت وتكفينه
أعطيناه منها ما أراد على حسب إرادتنا.
ثم بوأناه جهنم مذمومًا مدحورًا، ويقرب من ذلك: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي
حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠] أي: ما كتب لكم من طيبات الجنة
لو كنتم على السنن الأكمل أذهبتموه بإصابتكم لذات الدنيا، وأهوائها وفتنها التي
شغلتكم عن الآخرة بضياعكم العلم والعمل رأسًا وانهماككم على التمتع بتلك
اللذات المشغلة عن الله والسعي في مرضاته.
فخرج بذلك من ممتع بالنعم متقويًا بها على طاعة ربه، مديمًا لشكره كما هو
شأن الكمل، فإنه عن ذلك بمعزل، وابن عوف، وإن كان من هؤلاء بل من أكابرهم
لكن شأن الكامل أن يزداد خوفه بتقديره عن الواقع واقعًا.
ومن ثم قال الراوي عنه: (ثُمَّ جَعَلَ) من أجل ما ذكر (يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ)
مع شدة احتياجه إليه؛ لأن الخوف إذا غلب عطل الشهوة، ومنع الميل إلى اللذة (رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ).
١٦٤٥ - [وَعَنْ جَابِ ﴾ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِوَ عَبْدَ اللّه بْنَ أُبِيِّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ
حُفْرَتَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأَخْرِجَ، فَوَضَعَهُ فِي رُكْبَتَيْهِ، فَنَفَثَ فيه مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَّهُ قَمِيصَهُ.
قَالَ: وَكَانَ كَسَاه عَبَّاسًا قَمِيصًا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: أَى رَسُولُ اللهِلّهِ عَبْدَ اللّه بْنَ أَبِيّ) المنافق الظاهر النفاق
(بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجٌ، فَوَضَعَهُ فِي رُكْبَتَيْهِ، فَنَفَثَ فيه مِنْ رِيقِهِ،
وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ قَالَ) جابر (وَكَانَ كَسَاه عَبَّاسًا) ابن عبد المطلب عم رسول الله وَيه
(قَمِيصًا. مُتَّفَق عَلَيْهِ).
أشا. "برعه إلى أنه لا إشكال في هذا الحديث؛ لأن هذا وإن علم نفاقه وظهر
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدَّا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ .. ﴾ [التوبة:٨٤]
ي (٥٧٩٥)، ومسلم (٧٢٠١)، وأحمد (١٥٤٦٤)، والنسائي (١٦١٢)، والحميدي
٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
إلا أنه ◌َ﴿ أحب أن يكافئه على ما صنع مع العباس، لئلا يكون لمنافق عنده يد لم
يجازه عليها، وأجيب أيضًا باحتمال أنه وسي* فعل ذلك قبل أن يعلمه الله بكفره في
هذه الآية.
ويؤيده أنه لما نزل قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْلَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ
مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] بيان كمال عظيم شفقته على أمته، ومحبته
لهدايتهم على أن فهم من ذكر السبعين أنه قيد، وإن كان على خلاف قاعدة العرب من
أن الغالب ذكره للتكثير لا للتقييد، فقال: ((لأزيدن على السبعين)) حتى نزلت الآية
الأولى قاطعة لطمعه في إيمانه، وإيمان نظرائه من المنافقين، وباحتمال أنه إنما جعل
ذلك زيادة في تأليف ولده، وإن كان ظاهر التوفيق كامل الإيمان والموالاة له وَ له.
ومن ثم لما قال أبوه: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾
[المنافقون: ٨] يريد بـ((الأعز)) نفسه وبـ((الأذل)) المؤمنين، وقف له على باب المدينة
مصلتًا سيفه، وقال: ((لئن لم تقل: إنك الأذل ورسول الله وَليو الأعز وإلا ضربت عنقك
بهذا)» فقال: ذلك مكنه من دخولها، وكان وجه ذكر المصنف لهذا الحديث هنا ما قيل:
إن فيه دليلاً على جواز التکفین في القميص.
وإخراج الميت من القبر بعد الدفن لعلة أو سبب وفيه نظر، أمَّا أولاً فلأن
القميص لم يكن هو الكفن وحده؛ لأنه كان كافيًا، وإنما هو زائد عليه، وأمَّا ثانيًا؛
فلأنه لم يدفن، فإنما وضع في حفرته فقط، وحينئذ لا يقال فيه دليل على إخراج الميت
من القبر بعد الدفن؛ لأن حقيقة الدفن إنما توجد بعد إهالة جميع التراب عليه ولم
يوجد ذلك، وأمَّا نبش القبر في الصور الكثيرة التي ذكرها أئمتنا فدليلها ظاهر، وهو
الضرورة أو الحاجة الحاقة.
(باب المشي بالجنازة والصلاة عليها)
(الفصل الأول)
١٦٤٦ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيْهِ: أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ
صَّالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُم. مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ](١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ) بالكسر الميت
وبالفتح نعشه على ما مر، وهذا الأمر بإطلاقه للندب، وضابط الإسراع أخذًا من خبر
ضعيف: ((إنه ◌َ ﴾ سئل عن السير بها، فقال: ما دون الجنب)) أن يكون مشيه بها فوق
المشي المعتاد و((دون الجنب)) وهو شدة المشي مع تقارب الخطى، ومحل هذا إن لم يخف
تغير الميت بالإسراع أو الثاني، أمَّا إذا خشي ذلك فإن ظنه بالإسراع وجب الثاني، أو
بالثاني وجب الإسراع، وإن لم يظنه كان ذلك أولى لا واجبًا.
وما أحسن قول الشافعي ﴾ في ((الأم)): ويمشي بها على أسرع سجية مشي لا
الإسراع الذي يشق على من يشيعها إلا أن يخاف تغيرها أو انفجارها، فيعجلوا بها ما
قدروا. انتهى.
وصح في حديث: ((إنهم مُرُّوا معه ◌َّ بجنازة)) وهو محمول على الحاجة إلى زيادة
الإسراع في بعض الأحوال، ثم علل ◌َل* طلب الإسراع المندوب بقوله (فَإِنْ تَكُ
صَالِحَةً) يحتمل أن المراد به مطلق الصلاح، وهو الإيمان أو الصلاح الأخص الذي هو
امتثال الأوامر واجتناب المناهي (فَخَيْرٌ) أي: فئواب عملها الصالح كثير طيب
(تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ) والخبر حقيق بالتعجيل إليه ما أمكن، واشتد الصلاح والتقدم
(١) أخرجه البخاري (١٢٥٢)، ومسلم (٩٤٤)، وأحمد (٧٢٦٥)، وأبو داود (٣١٨١)، والترمذي (١٠١٥)
وقال: حسن صحيح. والنسائي (١٩١٠)، وابن ماجه (١٤٧٧)، وابن حبان (٣٠٤٢)، والحميدي
(١٠٢٢)، والبيهقي (٦٦٣٥).
٦٧ ٠
٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
للخير إلى النعش بتقدير فتح الجيم الذي هو محل الميت لزيادة المبالغة في عظمة
صلاحه، وثوابه المقتضية لسريان ذلك حتى إلى محله.
(وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرُّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُم) قائل به ما مر لإفادة المبالغة
أيضًا في أن شره سرى إلى محله فأسند إليه عدم الصلاح، ووصف بكون خفته شرًّا
يوضع عن الأعناق ليستراح منها، ومن ثم سبق في الحديث (مستريح)) و((مستراح منه))
فالأول يستريح بتقديمه إلى رحمة الله ورضوانه، والثاني مستراح منه بالإسراع بجيفته
القذرة حتى يلقى سريعًا عن الأعناق (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وفي رواية: (يقدمونها إليها)) بتأويل الخبر بالرحمة أو الحسنى وهي
الجنة.
١٦٤٧ - [وَعَن أَبِي سَعِيدٍ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ
فَاحْتَمَلَهَا الرَّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُوِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ
صَالِحَةٍ لأَهْلِهَا يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا يَسْتَمِعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّ الْإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ
الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (١).
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ) بين يدي
الرجال ليحملوها (فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ) قيد؛ إذ لا يتولى حمل الجنازة ولو امرأة إلا الرجال
إن وجدوا لضعف النساء غالبًا، فيكره لهن حملها ويكره للرجال كراهة شديدة
تمكينهن منه، بل أطال بعضهم في الانتظار لحرمته، أمَّا إذا فقدوا فيلزم النساء نقله
للضرورة، نعم الأولى ولو مع وجود الرجال ألَّا تتولى حمل المرأة من المغتسل إلى النعش
وتسليمها لمن في القبر وحل ثيابها فيه إلا النساء (عَلَى أَعْتَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً
قَالَتْ: قَدِّمُونِي) اشتياقًا إلى ما أعد الله لها من نعيم القبر ونضارته.
(وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ لأَهْلِهَا) أي: لأجلهم عند وقوعها في الحزن والهلاك
الأبدي، كذا قيل: وفيه بعد، وأقرب منه أنها معذبة؛ أي: أوصلت لأهلها وأسمعتهم
(١) أخرجه البخاري (١٢٥١)، وأحمد (١١٥٦٩)، وعبد بن حميد (٩٣٣)، والنسائي (١٩٠٩).
٦٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
ذلك التحسر ظنًّا منهم أنهم يسمعون أو لأرواحهم؛ لأنها تجتمع في البرزخ.
(يَا وَيْلَهَا) إضافة وما بعده إليها بضمير الغيبة على خلاف القياس من ((ويلي))
لأنه حكاية لكلامها كراهة إيهام أن الويل مضاف لنفس المتكلم؛ أي: يا حسرته
وندامته هذا وقتك فاحضري (أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا يَسْتَمِعُ) الظاهر أنه بمعنى (يسمع))
(صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ) حتى الجماد، كما شملها العموم ولا يعد في خلق قوة الاستماع في
الجماد (إِلَّا الْإِفْسَانَ) وحكمة استثنائه قوله: (وَلَوْ سَمِعَ الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ) أي: مات
لشدة ذلك الصوت الناشئ عن شدة ما يرى مما أعد له من الويل والثبور (رَوَاهُ
الُْخَارِيّ).
١٦٤٨ - {وَعَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا
فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ] (١).
(وَعَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهُ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدُ
حَقَّى تُوضَعَ) أي: بالأرض كما في رواية، وبها رد على من قال: المراد حتى توضع باللحد،
اختلف العلماء في هذين القيامين، فقال الشافعي والجمهور: هما منسوخان فلا يؤمر
فيمن مرت عليه، ولا ممن يشيعها بالقيام، ثم قال جمع: هو مخير بينه وبين القعود، وقال
آخرون: يكره القيام لها إذا لم يرد المشي معها، هذا كله على النسخ.
وقال بعض أئمتنا: هما مندوبان.
قال النووي: وهو المختار لصحة الأحاديث بالأمر بالقيام، ولم يثبت في القعود
شيء إلا حديث علي # وليس صريحًا في النسخ لاحتمال أن القعود فيه لبيان الجواز.
انتهى.
واعترض بأن الذي فهمه علي - كرم الله وجهه - الترك مطلقًا، وهو الظاهر على
أن فهم الصحابي لا سيما مثل علي باب مدينة العلم مقدم على فهم غيره؛ لأنه يساعده
(١) أخرجه البخاري (١٢٤٨)، ومسلم (٩٥٩)، وأحمد (١١٢١١)، والطيالسي (٢١٩٠)، وأبو داود
(٣١٧٣)، والترمذي (١٠٤٣) وقال: حسن صحيح. والنسائي (١٩١٧).
٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
من القرائن الخارجية ما لا يدركه غيره، ولهذا أمر بالقعود من رآه قائمًا، واحتج
بالحديث وهو كما في ((مسلم)): ((قام النبي ◌َّ مع الجنازة حتى توضع، وقام الناس معه
ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود)).
وفي رواية: ((إنه رأى ناسًا قيامًا ينتظرون الجنازة أن توضع، فأشار إليهم بدرة
معه أو سوط أن اجلسوا فإن رسول الله وَ ل﴿ قد جلس بعدما كان يقوم)).
وبهذا اتضح ما ذهب إليه الشافعي من نسخهما، واندفع قول من قال أخذًا مما
مر عن النووي: يحتمل أن قعوده لبيان جواز ترك القيام؛ لأن الأمر به يقتضي وجوبه
فلا نسخ فيه، قال: ولو سلم أن في هذا تجوزًا فاحتمال التجوز أقرب من النسخ، ووجه
اندفاعه ما تقرر من الأمر بالقعود المعارض للأمر بالقيام، فتعين النسخ؛ إذ لا يحتمل
حينئذ غیره.
١٦٤٩ - [وَعَنْ جَابِرٍ قال: مَرَّتْ جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ الله، إِنَّهَا يَهُودِيّة، فَقَالَ: إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعْ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا](١).
(وَعَنْ جَابِرٍ قال: مَرَّتْ جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَة، فَقَالَ: إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعُ) أي: مفزع مخيف أو يتولد عن تصوره
الفزع والخوف (فَإِذَا رَأَيْتُم الجَنَازَةَ فَقُومُوا) علم من ترتيب الأمر بالقيام على ما قيل:
الفاء المؤذن بأن كون الموت فزعًا علة للأمر بالقيام؛ لأن ترتب الحكم على وصف لا
سيما بالفاء فائض من فعليه ذلك الوصف لذلك الحكم أن السبب الباعث على طلب
القيام تهويل أمر الموت، والتنبيه على أنه ينبغي لمن رأى ميتًا أن يضطرب ويستشعر
وقوعه به ليعتد له ولا يثبت على حاله؛ لأنه ينبئ عن قلة احتفاله به، وتذكره لهوله
وهول ما بعده.
١٦٥٠ - [وَعَنْ عَلىِّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِوَهِ قَامَ فَقُمْنَا وَقَعَدَ
(١) أخرجه مسلم (٩٦٠)، وأحمد (١٤٤٦٧)، وأبو داود (٣١٧٤) وعبد بن حميد (١١٥٣)، والنسائي في
الكبرى (٢٠٤٩) وأبو يعلى (١٩٥٠) والبيهقي (٦٦٦٨).
٧١
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
فَقَعَدْنَا - يَعْنِي: فِي الْجَنَازَةِ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَة مَالِك: قَامَ فِي الْجَنَازَةِ ثُمَّ فَعَدَ
بَعْد] (١).
(وَعَنْ عَلِيَّ - كَرَّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ الله ◌َّهِ قَامَ فَقُمْنَا وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا
- يَعْنِي: فِي الْجَنَازَةِ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ومر الكلام عليه آنفًا، ومنه يعلم أن من لم يقل
بالنسخ يستحب القيام عند رؤية جنازة الكافر كما مر من العلة في ذلك الشاملة
الجنازة المؤمن وغيره (وِفِي رِوَايَة مَالِك: قَامَ فِي الْجَنَازَة) أي: لأجلها على حد ((والحب
في الله» (ثُمَّ قَعَدَ بَعْد).
١٦٥١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِم
إِيمَانًّا بالله وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِن
الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ
يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ] (٢).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ) أي: ولو
طفلاً كما شمله الحديث، وكلام أئمتنا (إِيمَانًا بالله) أي: تصديقًا بثوابه (وَاحْتِسَابًا)
أي: ابتغاء لوجهه (وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا) أي: ما يكفي شرعًا
لو اقتصر عليه، وإن لم يفرغ من تمام الدفن العرفي فيما يظهر أخذًا من قاعدة: إن
نصوص الشارع إنما تخرج على عرفه.
(فَإِنَّه يَرْجِعُ مِن الْأَجْرِ) حال من ((قيراطين)) وقع كالبيان لجنس الموزون، وقوله:
كل بيان لقدره (بِقِيرَاطَيْنِ) أي: بمقدارين عظيمين (كُلَّ قِيرَاطٍ) أصله: قرَّاط بتشديد
الراء؛ لجمعه على قراريط أبدلت الراء الأولى بياء.
(مِثْلُ أُحُدٍ) بفرض تجسم الثواب، ولا ينافي هذا الرواية الآتية: «وأصغرهما
كأحد)) لأنهما يختلفان باختلاف كمال المشيعين، ويستفاد من هذه أيضًا أنهما قد
(١) أخرجه مسلم (٢٢٤٧)، وأحمد (٦٤١)، والنسائي (٢٠١٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٧)، وأحمد (١٠٣٩٦)، والنسائي (٥٠٣٢)، وابن حبان (٣٠٨٠).
٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
يكونان غير متساويين (وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ یَرْجِعُ بِقِیرَاطِ،
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وفي رواية متفق عليها أيضًا: ((من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط،
ومن شهدها حتى تدفن)) أي: يفرغ من دفنها، كما في رواية للبخاري ودلت عليه
الرواية الأولى: ((فله قيراطان)) قيل: وما القيراطان؟ قال: ((مثل الجبلين العظيمين)).
وفي رواية لمسلم: ((أصغرهما مثل أحد)).
وفي أخرى له أيضًا: ((حتى يوضع في اللحد)) وهي محمولة على الرواية الأولى؛ لأنها
أصح، وصريحة لا تقبل تأويلاً بخلاف هذه، فعلم أنه متى انصرف قبل تمام الدفن لم
يحصل له قيراط التشييع أيضًا إن صلى، وتقدم وحده إلى القبر وإن مكث حتى دفن
لكن له في مقابلة ذلك آخر في الجملة. انتهى.
وواضح أنه ينتفي قيراط التشبيع أيضًا بأن يتقدم عليها أو يتأخر عنها بحيث لا
يعد عرفًا من مشيعيها، ويحث بعض المتأخرين أنه لو حضر الدفن فقط، وصلى على
القبر حصل له القيراط الثاني، ومراده كما هو ظاهر قيراط الصلاة؛ لأنها التي وجدت
منه دون التشييع، فهي ليست مشروطة بوجود التشييع بخلافه، فإنه مشروط بوجودها
كما دل عليه الحديث حيث اشترط لحصول الثاني شرطين اتباعها وكون التشييع بعد
الصلاة، فالقيراطان أحدهما لها مطلقًا لكن يأتي لها قيد في رواية مسلم ينازع في هذا
البحث.
قال النووي: والثاني للتشييع إن تقدمته صلاة وإلا فلا، وورد في رواية عند
أحمد في ((مسنده)) تقييد الثاني بقيود أخرى الحمل، والجثو في القبر وإذن الولي في
الانصراف، وجرى على هذا الأخير قوم، ومن ثم قال بعض أئمتنا: يندب استئذان الولي
خروجًا من الخلاف، وعليه فالعود معه كاستئذانه كما هو ظاهر، وكأن أصحابنا لم
يعتبروا هذه التقييدات؛ لأن الحديث لم يصح أوله علة شذوذ أو نحوه عندهم.
لكن في ((مسلم)) تقييد قيراط الصلاة بمن خرج معها من بيتها ثم صلى عليها،
٧٣
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
وقضية إن من لم يخرج معها من بيتها لا يحصل له ذلك القيراط، وإن صلى عليها
وشيعها، وبه أخذ الإمام التقي السبكي في جوابه عن سؤال تلميذه الإمام الأذرعي له:
هل يتعدد قيراط الصلاة بتعدد المصلى عليهم؟ فقال: ليس القيراط على الصلاة فقط
حتى يقال بتعدده بتعدد المصلى عليهم، بل هو مشروط بشهودها مع أهلها حتى يصلى
عليها كما في الحديث.
وحينئذ إنما يتحقق السؤال فيمن شهد جنازتين من مكانهما حتى صلى عليهما
صلاة واحدة، فحينئذ الذي يظهر تعدده بكل ميت وما ذكره من التعدد بتعدد
المصلى عليهم وافقه عليه جماعة محققون من متأخري أئمتنا قالوا: وهذه المسألة
ليست منقولة، وإنما وقع النزاع فيها بعد الثلاثين وسبعمائة، ولا يشكل ما قالوه من
التعدد هنا بقول السبكي نفسه بعدم تعدد نقص القيراط بتعدد الكلاب.
قال: لأن نقص ذلك أمر تعبدي لا يعلم إلا من الشارع ولا دلالة لكلامه على
التعدد، فإن صيغة الحديث: ((من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل
یوم قیراط»(١) ولفظه لا يدل على تعدد وكذا معناه؛ إذ لا قیاس فیه. انتهى.
وكأنه رأى في ذلك إلى أن كلبًا يكره في معنى اسم الجنس، فيصدق بالقليل
والكثير فإن قلت: النكرة في حيز الشرط للعموم قلت: هذا مؤيد له وليس عليه كما
هو واضح.
تنبيهان:
أحدهما: ظاهر هذه الأحاديث أن الحاصل لمن وجدت فيه تلك الشروط
قيراطان فقط، وبه صرح جماعة من متقدمي أئمتنا.
وفي ((صحيح البخاري)) في كتاب ((الإيمان)) التصريح به، لكن روى الطبراني
مرفوعًا: ((من تبع جنازة حتى يقضي دفنها كتب له ثلاثة قراريط))(٢) أي: واحد
(١) أخرجه مسلم (١٥٧٥) وابن ماجه (٣٢٠٤) والترمذي (١٤٩٠) والنسائي (٤٢٨٨).
(٢) أخرجه بنحوه الطبراني (٤٨١).
٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
للصلاة، واثنان للتشييع، وبفرض صحة سند هذه الرواية لا يعارض؛ لإمكان حمل
تلك على أن معنى ((فله قيراطان)) أي: غير قيراط الصلاة، أو أنه قال : أخبر بالقيراطين
أولاً ثم زاده الله ثالثًا لأمته فأخبرته ثانيهما.
علم مما تقرر أن الأجر المتعلق بالميت في تجهيزه، وما يتعلق به له أجزاء يعبر عن
بعضها بالقيراط، ويختلف بمشقة العمل وسهولته، وذكره للتقريب إلى فهم السامع؛ إذ
كانوا يقابلون عملهم به كما يدل عليه حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كنت أرعى الغنم
لأهل مكة بالقراريط)»(١).
قال ابن ماجه عن بعض شيوخه: معنى كل شاة بقيراط، وأغرب من قال:
القراريط هنا اسم جبل بمكة.
وقيل: إنما ذكره؛ لأنه أقل ما كانت تقع به الإجارة عندهم، واختلفوا في وزنه،
والأصح أنه نصف سدس درهم على أنه مختلف باختلاف عرف البلاد، وأبدى
بعضهم لذكره حكمة مبنية على أن كل يوم اثنا عشر ساعة، قياسًا على يوم الجمعة الوارد
فيه ذلك وليس هذا القياس بصحيح، فلم يصح ما قاله كما بينته في ((شرح العباب)
مع بيان أن الصواب هنا.
وفي حديث ((اقتناء الكلب)) أن المراد بالقيراط جزء من أجزاء معلومة عند الله
تعالى، وإنما قربه و 0 بتمثيله بأحد المشاهد عظمه ليعلموا عظم ذلك الجزء من الأجر
مع ما تفضل الله تعالى به من المضاعفة، وفي أحد خصوصية أخرى أشار إليها وَله
بقوله: ((أحد جبل يحبنا ونحبه)(٢) وقيل: إن نجومه واصلة إلى الأرض السابقة.
١٦٥٢ - [وَعِنْهُ أَنَّهِوَهِ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ
إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
(١) أخرجه البخاري (٢١٤٣)، وابن ماجه (٢١٤٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٣٢)، ومسلم (١٣٩٣)، وابن حبان (٣٧٢٥)، وأبو يعلى (٢٩٤٨).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٣٣) ومسلم (٢٢٤٧) ومالك (٥٣٦) وأحمد (٩٩١٣) والنسائي (١٩٨٣)، وأبو
=
٧٥
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
(وَعِنْهُ أَنَّهِ وَهِ نَعَى) أي: أذاع (لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ) أي: موته، وهو بفتح النون
أشهر من كسرها وتخفيف الجيم، وأخطأ من شددها وبتشديد الياء أشهر من تخفيفها،
والأصح في اسمه أنه أصحمة بوزن أربعة وحاؤه مهملة وقيل: معجمة، وهو ممن آمن
بالنبي ◌َّه ولم يره، وكان ردًّا للمسلمين المهاجرين إليه مبالغًا في الإحسان إليهم (في
الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) وهو كما قاله جماعة: في رجب سنة تسع، وقيل: قبل فتح مكة،
وإعلامه ** وهو بالمدينة بموته بأرض الحبشة يوم موته من غرر معجزاته.
(وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وفي
رواية في ((الصحيح)) أيضًا بيان ذلك النعي، وهو أنه والير قال: قد مات اليوم عبد صالح
يقال له: أصحمة، فقوموا فصلوا عليه)(١).
وفي أخرى عند ابن شاهين والدارقطني أنه قال: ((قوموا فصلوا على أخيكم
النجاشي)(٢) فقال بعضهم: يأمرنا أن نصلي على علج من الحبشة فأنزل الله: ﴿وَإِنَّ مِنْ
أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ﴾ [آل عمران:
١٩٩] إلى آخر السورة.
وفي أخرى لأبي هريرة: «أصبحنا ذات يوم عند رسول الله ◌َله فقال: إن أخاكم
أصحمة النجاشي قد توفي فصلوا عليه، قال: فوثب رسول الله صل﴾ ووثبنا معه حتى
جاء المصلى فقام فصففنا وراءه فكبر أربع تكبيرات)).
وفي هذه الأحاديث أوضح حجة لما ذهب إليه الشافعي، ومن وافقه من جواز
الصلاة على الميت الغائب عن البلد ومقبرتها، وادعاء أن الأرض انطوت حتى صارت
الجنازة بين يديه وقال﴿ لا يلتفت إليه؛ لأن مثل هذا لا يثبت بالاحتمال وإلا لم يوثق
-
داود (٣٢٠٦).
(١) أخرجه أحمد (١٤٨٠٧)، والبيهقي (٧١٥٠).
(٢) أخرجه ابن عدي (٢٧٥/٦)، ولم أقف عليه عند الدار قطني.
٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
بشيء من ظواهر الشرع لاحتمال خرق العادة في كل قضية مع أن مثل هذا لو وقع
لتوفرت الدواعي على نقله، وبفرض وقوع ذلك فالحجة لنا فيه باقية؛ لأن ذلك إنما هو
بالنسبة له له وإنما بالنسبة للصحابة فهي صلاة غائب قطعًا؛ إذ لا تلازم بين صلاة
الإمام والمأموم لجواز تخالفهما في ذلك وغيره.
وجاء في خبر قال النووي: إنه ضعيف اتفاقًا ((إنه ◌َّ أخبره جبريل بتبوك بموت
معاوية بن معاوية، وأنه نزل سبعون ألف ملك يصلون عليه فطويت الأرض له وَله
حتى ذهب فصلى عليه ثم رجع) وأن ذلك لسبب حب معاوية هذا لـ﴿قُلْ هُوَ اللهُ
أَحَدُ﴾ [الإخلاص: ١] وإكثاره من قراءتها، وما يتفرع على الصلاة على الغائب ما قاله
جماعة من متقدمي أئمتنا: قال العلائي: وارتضاه المتأخرون؛ أي: ولا نظر لمن نازع
منهم فيه أنه يستحب آخر كل يوم أن يصلى على من مات غائبًا بمشارق الأرض،
ومغاربها وغسل من المسلمين.
١٦٥٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى
جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًّا فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُكَبِّرُهَا.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١).
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا،
وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّه ◌َ يُكَبِّرُهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قال
النووي في ((شرح مسلم)): دل الإجماع على نسخ الخمس؛ لأن ابن عبد البر وغيره نقلوا
الإجماع على أنه لا يكبر اليوم إلا أربعًا، والإجماع بعد الخلاف جائز على
الأصح.
وقال في (شرح المهذب)): كان في هذا خلاف ثم أجمعت الأمة على أنها أربع من
غير زيادة ولا نقص، ثم ذكر في فرع اختلاف العلماء في عدد التكبير ما ينافي ذلك،
وقد يجاب بأنه في هذا المحل ذكر ما استقر عليه الأمر من الإجماع، وفي ذاك ذكر
-
(١) أخرجه مسلم (٢٢٦٠)، وأبو داود (٣١٩٩)، والترمذي (١٠٣٩)، وابن ماجه (١٥٧٢).
٧٧
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
الخلاف قبل الإجماع أو يقال: الإجماع في الأفضل والخلاف في الجواز؛ إذ الأصح
عندنا أنه يجوز زيادة خامسة، ونقل البغوي فيه الإجماع؛ أي: إجماع الأكثر حتى لا
ينافي ما تقرر، بل وأكثر من خامسة؛ لأنها أذكار لا تحل بالصلاة، وبه يندفع من قال:
كل تكبيرة بمنزلة ركن، ووجه اندفاعه أن هذا إنما هو في الأربع دون ما زاد عليها،
بل هو محض ذکر فلم يؤثر.
١٦٥٤ - [وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَوْفٍ قَالَ: صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسِ عَلَى
جِنَازَةٍ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَوْفٍ قَالَ: صَلَّيْتِ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسِ عَلَى جِنَازَةِ
فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَقَالَ) بعد سلامه: إنما أسمعتكم قراءة ((الفاتحة)) كما صرح
بذلك الرواية الأخرى: ((إنه جهر بها وقال: إنما جهرت)) (لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةُ. رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ) والمراد بـ((السنة)) هنا الطريقة المقابلة للبدعة، وهو على حد قول الصحابي:
من السنة كذا، فيكون مرفوعًا إلى النبي ◌َّيم وبه يعلم ظهور ما قاله الشافعي : إنها
ركن لا تصح الصلاة إلا بها.
ومما يصرح بذلك أيضًا الخبر الصحيح السابق: ((لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بأم
القرآن)) وخبر أبي أمامة وسنده صحيح على شرط الشيخين إنه قال: ((السنة في الصلاة
على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة))(9) وعلم من قوله: ((مخافتة))
أنه لا يسن الجهر في قراءة صلاة الجنائز ليلاً ولا نهارًا، وجهر ابن عباس إنما هو كما
دل عليه كلامهم السابق ليعلمهم أنها سنة.
١٦٥٥ [وَعَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله ◌َّه عَلَى جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ
مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْخَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزْلَهُ، وَوَسَّعْ
مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِن الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ
- -
(١) أخرجه البخاري (١٣٣٥).
(٢) أخرجه النسائي (١٩٨٨).
٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
الدَّفَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ،
وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ - وَفِي رِوَايَةٍ: وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ
وَعَذَابَ النَّار - قَالَ: حَقَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتِ رَوَاهُ مُسْلِمْ) (١).
(وَعَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللّهِ وَِّ عَلَى جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ
دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ) أي: يدعو، وهذه الجملة لمجرد التأكيد، أو أنها لبيان أنه حفظ من
دعائه بسماعه له منه لا عنه، ولا ينافي هذا ما تقرر من ندب الإسرار؛ لأن الجهر هنا
للتعليم لا غير (اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ) تأكيدًا، وأعم (وَعَافِهِ) سلمه من كل مؤذ
(وَاعْفُ عَنْهُ) تأكيدًا وأخص؛ أي: سلمه من خطر الذنوب (وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ) أي: أحسن
نصيبه من الجنة، وأصل النزل ما يقدم للضيف من الطعام.
(وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ) أي: قبره الذي يدخل فيه (وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالشَّلْجِ وَالْبَرَدِ) أي:
طهره من الذنوب بأنواع المغفرة أو كرر طهره بتكرير المغفرة له، حتى لا يبقى
شيئًا من نقائصه (وَنَقِّهِ مِن الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ) تأكيد
للأول.
(وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا) ليست على بابها من كونها أفعل تفضيل؛ إذ لا خيرية في
الدنيا بالنسبة للآخرة، ويصح ذلك نظرًا إلى ما في الدنيا من الأعمال الصالحة التي
تكون الآخرة على طبقها، ومن ثم قيل: الآخرة تبع للدنيا (مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ
أَهْلِهِ، وَزَوْجًّا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ).
إن قلت: قاعدة قضية التأسي والاتباع ندب قول هذا، وإن كان الميت لا زوجة
له أو امرأة مزوجة مع أنها مع زوجها في الجنة وعكسه، وحينئذ فكيف الإبدال؟
قلنا: الجواب أن المراد في الأول ما يعم الإبدال الفعلي أو التقديري؛ أي: خيرًا
من زوجه لو تزوج، وفي الثاني ما يعم إبدال الذات وإبدال الصفات؛ أي: أبدل لها
أحوال زوجها التي هي معه بأحوال خير من أحواله التي كانت تعرفه بها، وكذا في
(١) أخرجه مسلم (٢٢٧٦)، والبيهقي (٧٢١٦)، والطبراني (١٤٥٠٦).
٧٩
تتمة كتاب الجنائز/ باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
الرجل المزوج ممن تكون معه في الجنة.
(وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ) أي: ابتداء مع الناجين كما دل عليه السياق (وَأَعِذْهُ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ) شك من الراوي (مِنْ عَذَابِ النَّارِ) وظاهر أنه يدعو بذلك ولو للفاسق
لجواز العفو عنه خلافًا للمعتزلة والخوارج ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] والخلود في آية القاتل المراد به الزمن الطويل لهذه
الآية وغيرها من الأدلة المتواترة بما قلناه.
(وَفِي رِوَايَةٍ: وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ) وهي الحيرة في الجواب بعد سؤال الملكين، وأمَّا
حقيقة الفتنة فانتفت قطعًا بموته على الإسلام (وَعَذَابَ الثَّارِ، قَالَ) عوف راويه: لما
سمعت هذه الدعوات منه وَل﴿ لهذا الميت وقعت مني موقعًا عظيمًا (حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ
أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّت) لأفوز بتلك الدعوات الجامعة التي لم يبق مطلوبًا إلا حصلته
ولا نقصًا إلا أزالته (رَوَاهُ مُسْلِمْ) قال البخاري وغيره: وهذا الدعاء أصح شيء ورد في
الدعاء على الميت، واستحسن الشافعي الدعاء المشهور: ((اللَّهُمَّ هذا عبدك وابن
عبديك ... إلخ)) بطوله، وهو مفضول بالنسبة إلى الأول، وإن كان الشافعي جمعه من
أخبار متعددة واستحسنه أصحابه.
١٦٥٦ - [وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ لَّمَّا تُوُقِّ سَعْدُ بْنُ أَبِي
وَقَّاصٍ قَالَت: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّ عَلَيْهِ. فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ:
وَالله لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى ابْنَي بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ. رَوَاهُ
مُسْلِمْ](١).
(وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا تُوُنِّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) بقصره
بالعقيق على نحو عشرة أميال من المدينة فحمل إليها على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع،
وكان ذلك في إمارة معاوية، رضي الله عنهما (قَالَت: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أَصَلِّ
عَلَيْهِ فَأَنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: وَالله لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ الله ◌ِّهِ عَلَى ابْنَي بَيْضَاءَ) هي
(١) أخرجه مسلم (٢٢٩٨)، وابن حبان (٣١٣١)، والبيهقي (٦٨٢٧).
٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السادس
أمهما (فِي الْمَسْجِدِ سُهَیْلٍ وَأُخِیهِ) سهل.
(رَوَاهُ مُسْلِمُ) وفيه أوضح حجة لقول الشافعي : الأفضل إدخال الميت
المسجد للصلاة عليه فيه إن أمن تلويثه له، واحتمال أن الصلاة عليهما فيه لعذر نحو
مطر ممنوع بأن مثل ذلك الذي الأصل عدمه لا يكفي، وليس كل احتمال ينظر إليه
على أن المخالف لا يقول بالدخول به لذلك إذا أمكن أن يقيه غيره كدار أو سوق.
ومعلوم أنه لو وقع ذلك لسهل عليه وسلم أن يقيه بغير المسجد، واحتمال أنه
كان داخله، وهما خارجه أو أن المراد بـ((المسجد)) مصلى الجنازة، ترده هذه القصة
المشار إليها في الحديث، وهي أنها كبقية أمهات المؤمنين طلبن أن تحضر بجنازة سعد
إلى المسجد حتى يصلين عليه فيه ليقدر خروجهن إلى الصلاة عليه لو صلى عليه
خارجه، فأنكر إحضاره فيه فردت عائشة ذلك الإنكار بأنه ◌َ لخير- صلى عليهما فيه.
وقالت: ما أسرع ما نسي الناس، بل الصحابة يكادون أن يكونوا مجمعين
على ذلك، فإن عمر ﴾ أوصى أن يصلى عليه فيه فنفذوا وصيته وصلوا عليه فيه، ولم
يخالف فيه أحد منهم فكان إجماعًا سكوتيًّا لوجود شروطه فيه، وبه يرد منازعة جمع من
متأخري أئمتنا في الاستحباب بأنه كان للجنائز موضع معروف خارج المسجد،
والغالب منه ◌َلّ الصلاة عليها، ثم ووجه اندفاعه أن ذلك لا يثبت منع دخولها
المسجد؛ لأن ذلك الغالب لو سلم وقوعه يحتمل أنه كان لعذر قرب ذلك الموضع من
المقبرة أو مشقة دخول حامليها له أو خوف تلويث المسجد منه بإيثار ذلك الموضع؛
لأجل العذر لا يقتضي منع دخولها المسجد الذي هو محل الخلاف، بل ولا عدم ندبها
في أن المسجد الذي ادعاه أولئك المنازعون فتأمله.
وأمَّا خبر أبي داود وغيره: ((من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له))(١)
فضعيف باتفاق المحدثين، والذي في جميع أصول أبي داود المعتمدة ((فلا شيء عليه))
(١) أخرجه أحمد (٩٧٢٨)، وابن ماجه (١٥١٧)، والبيهقي (٦٨٣١)، والطيالسي (٢٣١٠)، والبغوي في
((الجعدیات)) (٢٧٥١).