Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض والذي استدل به أئمتنا لما قالوه من ندب الإسراع لمن مر بأرض قوم معذبين قوله ◌َله: ((إذا مررتم بأرض قوم معذبين فأسرعوا لا يصيبكم ما أصابهم))(١) وعن النهي ألَّا يفر الإنسان من القدر؛ أي: أن يظهر ما يوهم الفرار منه فإنه حمق وجهل، وكيف يليق بعاقل فضلاً عن مسلم أن يتوهم النجاة من قدر كتب عليه؟ وربما قررته من أن النهي في الأمرين التحريم هو منقول أئمتنا، وكان شارحًا شافعيًّا توهم أنه للتنزيه فيما حيث قال: أحد الأمرين تأديب وتعليم، والآخر تفويض وتسليم. انتهى. إلا أن يقال: ليس ذلك صريحًا في عدم التحريم وإن أوهمه. ١٥٤٩ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيَبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ يُرِيدُ عَيْنَيْهِ(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْ أَنَس ◌َ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ) أي: بفقد بصر عينيه، وكأنهما سميتا بذلك؛ لأنه لا أحب عند الإنسان في حواسه منهما، وإن كان السمع أفضل من البصر على الأصح؛ لأن فوائد السمع غالبها أخروي؛ لأنه محل إدراك القرآن والسنة والعلوم، وفوائد البصر غالبها دنيوي. وهذا أولى وأوضح من قول شارح: سميتا بذلك؛ لأن العالم عالمي الغيب والشهادة، وكل منهما محبوب ومدرك الأول بالبصيرة والثاني بالبصر، واشتق الحبيب من حبة القلب، وهي سويداؤه ونظره: سويداء العين؛ ولأن السرور يكنى عنه بـ((قرة العين)) لما شاهد المحبوب منها، ويكنى عن الحزن بسخونتها للمفارقة عنه. انتهى. هي التراخي زمن الصبر؛ لأنه يبعد بمقتضى الجبلة البشرية غالبًا أن توجد = تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ)) ثُمَّ تَقَنَّعَ بِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ. (١) انظر السابق. (٢) أخرجه البخاري (٥٦٥٣). ٤٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس حقيقة الصبر عقب فقد العينين، فلا بد من تسلية النفس وتدريبها حتى توجد حقيقة الصبر أو لتراخي رتبة إشارة إلى أن البلاء نعمة؛ لاقتضائه ترتب الثواب العظيم عليه، وأن الصبر نعمة؛ لأنها المحصلة لذلك الثواب، لكنها أكمل؛ لأنها باختيار المكلف بخلاف البلاء. (فَصَبَرَ) صبرًا جميلاً خاليًا عن التضجر والتسخط، مفوضًا أمره إلى خالقه وموجده من العدم، معتقد أن الله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء؛ لأنه المالك الحقيقي دون غيره (عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا) أي: بدلهما أو من أجل فقدهما (الْجَنَّةَ) أي: دخولها مع الناجين أو منازل مخصوصة فيها، ووجه هذا الجزاء بأن فاقدهما حبيس، فالدنيا سجنه حتى يدخل الجنة على ما ورد: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر))(١). انتهى. وقريب منه أن يقال: إن الأعمى بمنزلة الميت في أن المدرك الحقيقي منه روحه فقط، والميت المؤمن تصعد روحه بمجرد خروجها منه إلى محلها الأعلى، فنزل الأعمى منزلته في ذلك وجعل عماه بمنزلة موته (يُرِيدُ) بحبيبتيه (عَيْنَيْهِ) كما مر. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وفي حديث آخر عند غير البخاري: ((إن فقد أحد العينين فيه الجنة أيضًا، وفضل الله أوسع من ذلك. وينبغي لمن ابتلي بذلك أن يتأسى بأحوال أكابر الأئمة الذين حصل لهم فصبروا عليه ورضوا به وعدوه نعمة، ومن ثم لما ابتلي به خير الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنشد: إن يذهب الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي للهدى نور (١) أخرجه مسلم (٢٩٥٦)، والترمذي (٢٣٢٤) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٨٢٧٢)، وابن ماجه (٤١١٣)، وابن حبان (٦٨٧)، وأبو يعلى (٦٥٢٦)، والطبراني (٦٠٨٧) وفي ((الأوسط)) (٢٧٨٢)، وأبو نعيم (٣٥٠/٦)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٧٩٧)، والديلمي (٣١٠٣)، والحاكم (٦٥٤٥) وقال: غريب صحيح الإسناد. ٤٤٣ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض (الفصل الثاني) ١٥٥٠ - [عَنْ عَلِىّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّ صَلَى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلٍَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّ صَلَى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُوْ دَاوُدٍ]. (عَنْ عَليّ) كرم الله وجهه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّ يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِم يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً) هي من الفجر إلى الزوال (إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ) أي: دعا واستغفر له (سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ) أي: حتى ينتهي المساء وانتهاؤه بانتهاء نصف الليل الأول. (وَإِنْ) نافية (عَادَهُ عَشِيَّةً) هي ما بعد الزوال (إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ) انتهى وقت الصباح وانتهاؤه بالزوال، وكون المساء من الزوال إلى نصف الليل الأول، والصباح من أول النصف الثاني إلى الزوال هو ما صرح به ثعلب. قال بعض المحققين المطلعين: وهي فائدة عزيزة، ويستفاد من الحديث أن سائر الأوقات بالنسبة إلى العبادة مستوية، ويظهر أن أوائل النهار أولى؛ لأن المريض فيها أنشط غالبًا. وأمَّا قول بعضهم: يستحب في الشتاء ليلاً وفي الصيف نهارًا فغريب، وإن وجه بأن الليل يطول شتاء، ففي العيادة فيه تخفيف لبعض مشاقه؛ إذ هي بعظم الليل أكثر. انتهى. وإنما يصح ذلك في نحو قريب أو صديق يحب المريض حضوره عنده في الليل، وإلا فالغالب كراهته لدخول من ليس كذلك عليه ليلاً، ويؤيد ذلك قوله: لا تكره العيادة في وقت من الأوقات إلا في الوقت الذي يشق على المريض فيه. وقولهم: السنة أن يكون غبًّا فلا يواصلها كل يوم إلا إن غلب عليه، ويكره (١) أخرجه الترمذي (٩٦٩) وقال: حسن غريب، وأبو داود (٣١٠٠)، والبيهقي في «سننه)) (٦٨٢٤). ٤٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس إطالة المكث عنده إلا إن أنس المريض بالعائد، وإن كان يتبرك به فحينئذٍ يواصل ويطيل المكث ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك. (وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ) أي: بستان مخروف؛ أي: مجتني من ثمرها، ومر في ((خرفة الجنة)) ما يوضح ذلك (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُوْ دَاوُدٍ) وفيه من الحث على العيادة وعظم ثوابها ما يحمل من له أدنى نظر إلى الكمال على فعلها ويكرر كل من يسن له. ١٥٥١ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﴾ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ◌َهِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُوْ دَاوُدٍ]. (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﴾ قَالَ: عَادَفِي النَّبِيُّ ◌َ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُوْ دَاوُدٍ) وسنده صحيح وبه ردوا قول ابن الصلاح: لا يُسن على عيادة الأرمد، ولا حجة له في خبر: ((ثلاثة ليس لهم عيادة: العين والدمل والضرس)»(٢) لأنه موقوف على بعض التابعين. ١٥٥٢ - [وَعَنْ أَنَسِ عَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُخْتَسِبًا بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ ستِّينَ خَرِيفًا(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ أَنَسِ عَهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أي: أتى به صحيحًا أو كاملاً (وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا) أي: قاصدًا وجه الله لا غير بوضوئه وعيادته (بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةً ستِّينَ خَرِيفًا) أي: سنة كما قاله أنس عه كناية عن عدم دخولها والتأذي بشيء من حرها بأبلغ وجه، وعبر عن السنة بـ((الخريف)) لأنه بعضها، والعرب تؤرخ أعوامهم به؛ لأنه وقت قطافهم وإدراك غلاتهم، إلى أن أرخ عمر بسنة الهجرة (رَوَاءُ أَبُو دَاوُد). فإن قلت: هذا يرد قول أئمتكم: لا يُسن الوضوء لعيادة المريض. (١) أخرجه أبو داود (٣١٠٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٨٢٧). (٢) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٨٨٨٦). (٣) أخرجه أبو داود (٣٠٩٧)، والطبراني في ((الأوسط)) (٩٤٤١). ٤٤٥ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض قُلْت: إنما يتضح رده له ولمن قال: ((من توضأ ليعود أخاه)) لأن هذا هو الذي فيه التصريح بسن الوضوء للعيادة. وأمَّا عبارة هذا الحديث فمحتملة، وغاية ما فيها أن الوضوء ندب لأجل الذكر الذي يأتي به؛ لأن كل الأذكار يُسن له الوضوء، أو أن العيادة مع الوضوء فيها هذا الثواب، ولا يلزم من ذلك سن الوضوء لأجل العيادة لا غير؛ ومع ذلك فلا [ ...... ] عن توقف فيه، والاعتذار عنهم باحتمال أنهم لم يروا هذا الحديث بعيد مع كون السنة بین أعينهم. وقول شارح شافعي فيه: إن الوضوء سنة في عيادة المريض؛ لأن العائد إن عاد وسمى الله وهو على الطهارة كان أقرب إلى الإجابة، إن أراد بذلك أن الأكمل كونه على طهارة فواضح، أو أنه يسن الوضوء لأجل العيادة كان مخالفًا لأئمة مذهبه. ١٥٥٣ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُوْدُ مُسْلِمًا فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّ شُفِيَ إِلَّا أَنْ يَكُوْنَ حَضَرَ أَجَلُهُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُوْدُ مُسْلِمًا فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) خص؛ لأنه أعظم المخلوقات، ومن ثم تكرر ذكره في دعاء الكرب المشهور (أَنْ يَشْفِيَكَ) بفتح أوله (إِلَّ شُفِيَ، إِلَّا أَنْ يَكُوْنَ حَضَرَ أَجَلُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ). وإن قلت: هذا الدعاء يقال كثيرًا ولو من الصالحين، ولا يقع شفاء ولا موت. قلت: يحتمل أن قوله: ((إلا شفي ... إلخ)) حصرًا منافي باعتبار الغالب، وأن الحصر مشروط بصدق اليقين والوجهة وإخلاص النية وأنى بذلك؟ !. ١٥٥٤ - [وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى وَمِنَ الْأَوْجَاعِ كُلِّهَا أَنْ (١) أخرجه أحمد (٢١٣٧)، والترمذي (٢٠٨٣) وقال: حسن غريب، وأبو داود (٣١٠٦)، والحاكم (١٢٦٨) وقال: صحيح على شرط البخاري، والضياء (٣٩٤). ٤٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس يَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ الْكَبِيرِ، أَعُوذُ بِالله الْعَظِيمِ مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ، وَمِنْ شَرّ حَرِّ النَّارِ (١). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثُ غَرِيبُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ يُضَعِّفُ فِي الْحَدِيثِ]. (وَعَنْهُ أَنَّ الَّبِيَّ ◌َ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ) أجل (الْحُمَّى وَمِنَ) أجل (الْأَّوْجَاعِ كُلَّهَا أَنْ يَقُولُوا: بِسْمِ الله الْكَبِيرِ) أي: البالغ نهاية الكبرياء في جميع صفاته وأفعاله ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني واحدًا منهما قصمته))(٢) فلا يطلب الشفاء إلا منه. (أَعُوذُ بِالله الْعَظِيمِ مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ) بنون فمهملة؛ أي: خارج مرتفع عن محله؛ لكثرة امتلائه بالدم المنبئ عن تغيير الجسد، ويقال: ((جرح نعَّار ونعور)) إذا صوت دمه عند خروجه، وفلان نعَّار في الفتن: إذا سعى فيها وصوت بالناس. (وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثُ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ يُضَعِّفُ فِي الْحَدِيثِ) ومع ذلك يُسن ذكر ذلك العائد؛ لأن الضعيف حجة في مثل ذلك اتفاقًا. [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: مَنِ اشْتَكَى ١٥٥٥ مِنْكُمْ شَيْئًا أَو اشْتَكَاهُ أَخَّ لَهُ فَلْيَقُلْ: رَبَّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَمَا رَحْمَتُكَ وَفِي السَّمَاءِ، فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ أَنْزِلْ بِهِ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجِعِ فَيَبْرَأَ(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ :﴿ قَالَ: سَمِعْثُ رَسُولَ اللهِلَ ◌ّهِ يَقُولُ: مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا أَوِ اشْتَكَاهُ أَخُ لَهُ فَلْيَقُلْ: رَبَّنَا) مبتدأ (اللهُ) خبره (الَّذِي) صفة موضحة بخلافها في: (١) أخرجه الترمذي (٢٢١٩). (٢) أخرجه أحمد (٩٣٤٨)، وأبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٤١٧٤)، وابن حبان (٥٦٧١)، وابن ماجه (٤١٧٥)، وهناد في ((الزهد)) (٨٢٥). (٣) أخرجه الحاكم (١٢٧٢)، وأبو داود (٣٨٩٢). ٤٤٧ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] لأن الرب يطلق على غير الله، بخلاف لفظ ((الله)) فإنه لم يسمَّ به غيره تعالى قط باتفاق سائر الملل. (فِي السَّمَاءِ) أي: أمره وسلطانه المقتضي لنزول العذاب على أعدائه حتى يستأصلهم، وهذا مما اختلف فيه السلف والخلف بعد اتفاقهم على تنزيه الله تعالى عن ظاهره الموهم للمكان أو الجهة المحالين عليه تعالى، كما أشار إليه ويلهم إلى ذلك بقوله: (تَقَدَّسَ اسْمُكَ) التفات إلى الخطاب للتلذذ به؛ أي: تنزه عن كل نقص. ومن ثم حرم على الأصح اختراع اسم له تعالى أو صفة لم ترد في القرآن، ولا صح في السنة بلفظه في غير خبر المقابلة، وإن صح ورود أصله كالفعل؛ لأنه لا يعلم ما يليق بالتسمية والوصف على ما ينبغي إلا نبينا ◌َل. فإذا تنزه الاسم حتى عن ذلك فالذات العلي أولى بالتنزيه عن كل ما لا يليق بعلي كماله المطلق، فقال أكثر السلف: یفوض علم ذلك إلیه تعالى ولا يخوض في تأويله. وقال أقلهم والخلف: بل يؤوله؛ لأن البدع قد كثرت، والعقائد قد فسدت، فلو ترکناه على ظاهره من غیر صرف له عنه لتثبت به کل من في قلبه مرض. ومن ثم قال إمام الحرمين: لو كان الناس على ما كانوا عليه في الصدر الأول من صفاء العقيدة لم يحضر عمدة التأويل، وأمَّا وقد صارت أمواج البدع تلتطم فلا سبيل إلی ترکه. قالوا: وطريق السلف أسلم؛ أي: من الوقوع في ورطة التأويل، وطريق الخلف أعلم؛ أي: يحتاج إلى مزيد علم وافر محيط بمعاني المؤول والمؤول به وأنى بذلك، ومن ثم توزع في كثير من التأويلات بأنها لا تناسب الوضع اللغوي، بل شنع بعض الحنابلة على أئمة التأويل بما أنبأ عن فسائد عقائدهم وانحراف طرائقهم، فالواجب ألّا يلتفت إليهم ولا يعول عليهم؛ لأن قائدهم إلى بدعة التجسيم والجهة قال فيه علماء عصره: إنه عبد ذكر الله وأصله. (أَمْرُكَ) بما يريده نافذ (فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ومن فيهما، يطلق الأمر على المأمور ٤٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس به ومنه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] أي: ما أمر به فيها ودبره من خلق الملائكة والنيرات وغيرها، أو شأنها وما يصلحها. (كَمَا) هي كافة مهيئة لدخول حرف التشبيه على الجملة (رَحْمَتُكَ) العامة الممدة لأهل الأرض (وَفِي السَّمَاءِ) أي: لا يوجد خير فيها إلا من الرحمة النازلة إليها منها. قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] وخصت بها دون الأرض؛ لأن الجمهور على أنها أفضل؛ لأنها محل المعصومين، فلم يُعصَ فيها، وإباء اللعين من السجود لم يدفن فيها، أو هو نادر فلا يلتفت إليه، وكون الأرض مدفن الأنبياء وهم أفضل من كل الملائكة على الأصح، بل الصواب لا يقتضي أفضليتها مع وقوع المعاصي الكثيرة فيها من لدن نشئها إلى زوالها. وإذا تقرر اختصاص الرحمة بالسماء (فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ) أيضًا لاضطرار أهلها كذلك، ولما كان منها، بل أعظمها التجاوز عن الزلات، ذكره من غير عاطف إشارة إلى ما بينهما من تمام الاتصال، فقال: (اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا) بفتح أوله وضمه؛ أي: إثمنا، فعطف (وَخَطَايَانَا) عليه للتأكيد. (أَنْتَ) تأكيد وزيادة في التوسل إظهارًا لمزيد الافتقار، ورجاء لإجابة ما هو المقصود من الشفاء (رَبُّ الطَّيِّبِينَ) الأنبياء والملائكة والصالحين؛ أي: مربيهم بجلائل نعمك وخوارق معرفتك، وإجابة دعائهم وقبول شفاعتهم. (أَنْزِلْ بِهِ) عبَّر به وهو من خواص الأجسام في المعاني استعارة وتشبيهًا، إيماء إلى ذلك المعنى لو تجسم لكان عظيمًا (رَحْمَةً) عظيمة (مِنْ) جملة (رَحْمَتِكَ) الواسعة التي لا تحصى ولا تعد. (وَشِفَاءً) عظيمًا (مِنْ) جملة (شِفَائِكَ) الباهر المزيل لكل عناء ومشقة (عَلَى هَذَا) الإنسان (الْوَجِع) بكسر الجيم؛ أي: المريض، ويصح فتحها؛ أي: على هذا المرض، وفيه تجوز (فَيَبْرَأَ) بيان لـ(يقل)) بُيِّن به. أقول: هذا الدعاء المشتمل على هذا الثناء والتذلل سبب لتعجيل البرء، لا سيما ٤٤٩ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض إن كان ممن خلصت نيته وصفت سريرته (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد). ١٥٥٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَلَهُ: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا، فَلْيَقُلْ: اللّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا، أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى جَنَازَةٍ(١). رَوَاهُ وَأَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ: اللَهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ) أي: هذا (يَنْكأ) بفتح أوله وهمز آخره بالجزم جواب ((اشفٍ)) ويصح الرفع بتقدير ((وإنه)) (لَكَ عَدُوًّا) أي: يكثر فيه النكاية والإيلام بجرح أو قتل أو إقامة الحجة عليه، وبيان تسفيه رأيه وشدة غوايته، ولعل اقتصار الشارح على الأولين؛ لأن عدو الله حقيقة هو الكافر كما هو في الاستعمال القرآني، لكن الوجه ما ذكرته من العموم؛ لأنه الأنسب بهذا المقام؛ إذ المقصود من شفاء المريض كل ذلك إن صلح له منها. (أَوْ يَمْشِي) المحفوظ إثبات الياء فيه، ولا تأييد فيه للرفع؛ لأنه نظير القراءة المشهورة في ((مَن يَتَّقِي وَيَصْبِرْ)) ونظيره قول الشاعر: ((ألم يأتيك)). والحاصل: أن إثبات الياء مع الجازم لغة شهيرة، فـ((يمشي)) يحتمل الأمر كسلاً. (لَكَ) أي: لأجل رضاك وامتثال أمرك (إِلَى جَنَازَةٍ) لتجهيزها أو تشييعها، وخُصت؛ لأن غيرها من القرابات ليس كذلك، بل ليكون مقابلاً لما قبلها؛ إذ هو سعي في دفع العقاب عن أعداء الله بمجاهدتهم حتى يكونوا من أوليائه، على أنه جاء في رواية: ((إلى صلاة))(٢) فالمراد: ليجمع مرتين الكمال من دفع كل أذى واتصال كل بر، وهذا مقام الكمل (رَوَاهُ وَأَبُو دَاوُد) ولم يضعفه فيكون صالحًا عنده. (١) أخرجه أحمد (٦٦٠٠)، وأبو داود (٣١٠٧)، وابن السني (٥٥٢)، والحاكم (٢٠١٣) وقال: صحيح الإسناد. (٢) أخرجه الحاكم (١٢٧٣) وقال: صحيح على شرط مسلم، وعبد بن حميد (٣٤٤)، وابن حبان (٢٩٧٤). ٤٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس ١٥٥٧ - [عَنْ عَلىِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمَيَّةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - عَنْ قَوْلِ الله وَّ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]، وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدُّ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ مُعَاتَبَةُ الله للعَبْدِ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى، وَالنَّكْبَةِ حَتَّى الْبِضَاعَةُ يَضَعُهَا فِي كُمّ قَمِيصِهِ فَيَفْقِدُهَا، فَيَفْزَعُ لَهَا حَتَّى إِنَّ الْعَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التّبْرُ الأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (عَنْ عَلَيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمَيَّةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - عَنْ قَوْلِ اللهِ وَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ وَعَنْ قَوْلِهِ) تَعَالَى: ﴿﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدُّ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ الله وَ ر) أي: عنها. (فَقَالَ: هَذِهِ) المحاسبة أو المجازاة المذكورة في الآية (مُعَاتَبَةُ) من عتب، وروي (مبايعة)) ومعناها هنا صحيح خلافًا لمن نازع فيه؛ لأنه تعالى تبعه بمعنى: طالبه، فترجع لمعنى عاتبه: أخذه، ومن ثم سميت مظالم الناس بالتبعات؛ لأنهم يتبعون بها ويعاقبون عليها، ومن ذلك خبر: ((اتبعوا القرآن)) أي: اقتدوا به ((ولا يتبعكم))(٢) أي: لا يطلبكم بما صنعتموه من حقوقه كما يطلب أحدكم ظالمه بما له عنده من الحق؛ فالمعنى على كل هذه مؤاخذة، ومطالبة (الله للعَبْد) المُذهب (بِمَا) صلة معاتبة، ويصح كون الباء للسببية (يُصِيبُهُ) في الدنيا (مِنَ الْحُمَّى) خصت؛ لأنها من أشد الأمراض وأخطرها. (وَالتَّكْبَةِ) أي: الحوادث المزعجة، وكان سبب سؤال عائشة عن ذلك: ظنها أنها مؤاخذة غضب وعقاب أخروي فاستشكلته، فبيَّن لها أنها مؤاخذة عتاب يقع بين المتحابين، وعقاب دنيوي تمحيصًا له عن سوء ما اقترف، وردًّا له عن التمادي في غيِّه، (١) أخرجه الترمذي (٣٢٥٩)، وأحمد (٢٦٥٨٦). (٢) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (١٩٦٥)، والدارمي (٣٣٩١). ٤٥١ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض والاسترسال في شهواته عناية وعطفًا ورحمة، ولطفًا من اللطيف الكريم الرؤوف الرحيم، ولأجل ذلك لما شقت الآية الأولى على الصحابة وأزعجتهم نزل عقبها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أنه شق عليهم ﴿اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وتفسيره وَ ل# لها بأن يُذكر فلا يُنسى ويُطاع فلا يُعصى ويُشكر فلا يُكفر نزل: ﴿ فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. (حَتَّى) غائية جارة أو ابتدائية (الْبِضَاعَةُ) أي: المال المتخذ للتجارة، سمي بذلك تشبيهًا له بالبضعة؛ أي: قطعة اللحم؛ لأن الإنسان يقطع من ماله قطعة يتجر فیها. (يَضَعُهَا فِي كُمِّ قَمِيصِهِ) أي: كمه، سمي باسم ما يحل فيه (فَيَفْقِدُهَا) أي: يطلبها لسقوطها أو أخذ سارق لها منه (فَيَفْزَعُ) أي: يتغير حاله من شدة ما لاقاه (لَهَا) أي: لأجل ذهابها، ثم لا يزال يكرر عليه تلك النكبات (حَتَّى إِنَّ الْعَبْدَ) أظهره ليكرر وصفه بالمعبودية المؤذنة بمزيد صحبة الله له، ولطفه به حيث محضه ورده إليه قهرًا بما ابتلاه به. (لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ القَّبْرُ) أي: الذهب غير المضروب، ويطلق على غير المطلوب من الفضة أيضًا (الأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ) أي: من النار التي نفخت بالكير عليه حتى أخرجت جميع ما فيه من الخبث والغش، وفي هذه السببية من مزيد المبالغة في التمحيص ما لا يخفي عظم وقعه (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) وفيه تسليمة عظيمة للمصابين، وحمل لهم على الصبر الجميل؛ لينالوا هذا الثواب الجزيل. ١٥٥٨ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: لَا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةُ، فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللهُ عَنْهُ أَكْثَرُ، وَقَرَأَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠](١). رَوَاهُ التّزْمِذِيُّ]. (١) أخرجه الترمذي (٣٥٦١). ٤٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس (وَعَنْ أَبِي مُوسَى عِظُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّةِ قَالَ: لَا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ) أي: يبلي بلية (فَمَا فَوْقَهَا) في العظم (أَوْ دُونَهَا) في الحقارة، ويصح عكسه، ونظيره: ﴿مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] لا يقال: القليلة تصدق بأدنى القليل فلا دون منها؛ لأنَّا نقول: إنما يتوجه هذا لو كان التنوين للجنس، وأما إذا كان للتقليل فالقلة نسبية فقد يقل الشيء بالنسبة لما فوقه لا لما دونه. (إِلَّا بِذَنْبٍ) يصدر من العبد، وهو لا يستلزم أن كل ذنب يقابله بلية إلا في مقابلة ذنب، ومن ثم قال: (وَمَا يَعْفُو اللّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ، وَقَرَأَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ١٥٥٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَّهُ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ، ثُمَّ مَرِضَ قِيلَ لِلْمَلَكِ الْمُؤَكَّلِ بِهِ: اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذَا كَانَ طَلِيقًا حَتَّى أُظْلِقَهُ أَوْ أُكْفِتَهُ إِلَّ](١). (وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَّ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ) الواجبة والمندوبة بأن يسلم من أسباب الفساد، وشوائب النقص (ثُمَّ مَرِضَ قِيلَ لِلْمَلَكِ الْمُؤَكَّلِ بهِ) أي: قال الله تعالى كما مرَّ في الرواية الأخرى، ودل عليه قوله هنا حتى أطاعه ... إلخ؛ لكاتب الحسنات: (اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذَا كَانَ طَلِيقًا) أي: مطلوقًا من هذا المرض، فكتب له جميع ما فاته لأجل المرض مما جعله الشارع عذرًا فيه، كالقيام في الفرض والجماعة، والنوافل [والمقضيات ...... ]. (حَتَّى أُظْلِقَهُ) أي: أعافيه من مرضه (أَوْ أَكْفِتَهُ إِلَيَّ) أي: أميته، واجعل الأرض کفاتًا؛ أي: ضامة له إلى أن يلقاني. ١٥٦٠ - [وَعَنْ أَنَس ﴾ه أن رسول اللّه ◌َ لْ قَال: إِذَا ابْتُلِيِّ الْمُسْلِمُ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ (١) أخرجه أحمد (٦٨٩٥)، والبيهقي (٦٣٣٨)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٣/٣). ٤٥٣ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض قَالَ لِلْمَلَكِ: اكْتُبْ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، فَإِنْ شَفَاهُ غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ(١) . رَوَاهُمَا فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ))]. (وَعَنْ أَنَس ◌َ﴾ أن رسول اللّه ◌ِ ﴿ قَالَ: إِذَا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ قَالَ) أي: الله تعالى (لِلْمَلَكِ: اكْتُبْ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ) أي: مثله (الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ) في صحته فعاقه عنه المرض؛ لعذره فيه (فَإِنْ شَفَاهُ) الله تعالى منه (غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ) عطف تفسير؛ أي: من ذنوبه؛ لأن المرض كفَّرها (وَإِنْ قَبَضَهُ غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ) أي: زيادة على ذلك التطهير لما جاء أن المرض كفارة لكل مسلم. فمن مرض ثم عوفي حصل له تكفير واحد، ومن مرض ثم مات حصل له تكفيران، تكفير بالمرض، وتكفير بالموت، لكن هذا ألمًا لم يجد ما يكفره، فحصل له في مقابلته تلك المغفرة والرحمة، ويدل كذلك قولهم في صوم عرفة: ((تكفير سنين)) وأمثاله لو لم يوجد ذنوب، ولو ليكفرها بالصلوات الخمس ونحوها رفع له درجات كثيرة في مقابلة ذلك (رَوَاهُمَا) البغوي (في ((شَرْحِ السُّنَّةِ))). ١٥٦١ - [وَعَنْ جَابِرٍ بن عَتِيكٍ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: الشَّهَادَةُ سَبْعُ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدُ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرَأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ(٢). رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيّ]. (وَعَنْ جَابِرِ بنِ عَتِيكٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: الشَّهَادَةُ) أي: طرقها المحصلة لها (سَبْعٌ) بل أكثر كما علم من أحاديث أخر (سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ الله) ثم (١) أخرجه أحمد (١٢٥٢٥) وابن أبي شيبة (١٠٨٣١)، وأبو يعلى (٤٢٣٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٩٣٣). (٢) أخرجه مالك (٥٥٤)، وأحمد (٢٣٨٠٤)، وأبو داود (٣١١١)، والنسائي (١٨٤٦)، وابن ماجه (٢٨٠٣)، والطحاوي (٢٩١/٤)، وابن حبان (٣١٨٩)، والطبراني (١٧٧٩)، والحاكم (١٣٠٠) وقال: صحيح الإسناد، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢١٤١). ٤٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس بيَّن تلك السبع بذكر محالها المستلزم لذكر سببها، والاعتناء بتلك المحال فقال: (الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبٍ) وهي قروح تحدث داخل الجنب ثم تنفتح وتسكن الوجع، وذلك وقت الهلاك، ومن علاماتها: الوجع تحت الأضلاع، وضيق النفس مع ملازمة الحمى والسعال، فهي في النساء أكثر. (شَهِيدٌ وَالْمَبْطُونُ) عطف عام على خاص، لما مر أن المراد به كل ذي مرض مخوف بجوفه (شَهِيدُ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ) الميت به (شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ) بالسكون والفتح كما مرَّ، ولم يعبر فيه بصاحب الهدم؛ لأنه قد يوهم أن المراد به مالك المنهدم (شَهِيدُ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ يُجُمْع) بضم الجيم فسكون الميم، كالذخر بمعنى: المذخور، وجوَّز الكسائي كسر الجيم؛ أي: بسبب ما جمع في بطنها من الولد بأن تموت بالولادة أو سابقها كالطلق، أو لاحقها كباقي المشيمة بجوفها، وهي المسماة بالخلاص، وقيل: هي التي تموت بكرًا؛ لأن البكارة مجموعة فيها كالولد (شَهِيدُ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ). ١٥٦٢ - [وَعَنْ سَعْدٍ ﴾ قَالَ: سُئِلَ النبيِوَِّ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءَ؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، حَتَّى يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبٍ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةُ هَون عَلِيهِ، فَمَا زَالَ كَذَلك حَتَّى يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا له ذَنب(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه والدَّارَاقُطْنِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسن صَحِیح]. (وَعَنْ سَعْدٍ ﴾ قَالَ: سُئِلَ النبيِوَِّ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءَ؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ) لأنهم يتلذذون به كما يتلذذ غيرهم بالعافية؛ ولأنهم يشهدون فيه من تجليات الجلال والقرب ما يسهل عليهم تحمل مشاقه، ويوجب لهم الرضا الكامل؛ ولأنهم لو لم يبتلوا لتوهّم فيهم بعض ضعفاء العقول الألوهية كما توهم النصارى في عيسى ابن مريم. (١) أخرجه الطيالسي (٢١٥)، وأحمد (١٤٨١)، وعبد بن حميد (١٤٦)، والدارمي (٢٧٨٣)، والترمذي (٢٣٩٨) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٤٠٢٣)، وابن حبان (٢٩٠١)، والحاكم (١٢١). ٤٥٥ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض (ثُمَّ) هي لتراخي الرتبة (الأَمْثَلُ) أي: الأشبه بهم في نوع من الفضل، والأقرب إليهم في الخير؛ لأنه الوارث، وهو يلحق بمورثه في بعض أحواله (فَالأَمْثَلُ) الفاء لتعاقب المراتب، وبيان التنزل فيها من الأعلى للأدنى و((أل)) فيما ذكر للجنس، ويصح كونها للاستغراق خلافًا لما يوهمه كلام الشارح؛ إذ لا يخلو واحد من أولئك الكمل من عظيم ابتلاء ومحنة بالنسبة لأهل زمنه. ثم بيَّن ذلك بقوله: (حَتَّى يُبْتَلَى الرَّجُلُ) ((أل)) هنا للاستغراق، ويصح كونها للجنس خلافًا للشارح أيضًا؛ لأن بعض أفراد الرجال قد لا يُبتلى، وقد لا يكون له دين حتى يحبه، فإن أريد بالرجل المسلم، أو المسلم المتصف بنوع كمال دلَّ عليه السياق؛ لأنه في الأمثل اتضح ما قاله. (عَلَى حَسَبٍ) أي: قدر (دِينِهِ) كمالاً ونقصًا (فَإِنْ كَانَ) هو (فِي دِينِهِ) متعلق بالخبر، وهو (صُلْبًا) أي: عظيم الصلابة والشدة بأن يأخذ في كل عمل يعمله بالأحوط حتى ينزه عن شبهة الوقوع في ورطة خلاف، أو نقص (اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ) لرضائه به أو صبره عليه الصبر الجميل الدافع لكل شكاية وضجر؛ لما فيه من قوة اليقين الناشئة عن الصلابة في الدين. (وَإِنْ كَانَ) هو، فالجملة بعده وهي: (فِي دِينِهِ رِقَّةٌ) الخبر، ويصح أن رقة الاسم، ولم يؤنث ((كان)) للفصل، وما قبلها الخبر، والمراد بها: التساهل في العمل بأن يأتي غير مبالٍ بما أُقرن به من النقائص المانعة لكماله. (هَون عَلِيه) البلاء؛ لئلا يضجر؛ إذ ليس عنده من قوة اليقين ما يحمله على تجرع مرارة الشدة والصبر عليها، وإذا عرف ما في البلاء من التكفير، وتقرر هنا أنه يشتد أو يسهل بحسب الدين (فَمَا زَالَ) المبتلى (كَذَلك) أي: يشتد عليه البلاء أو يسهل ويتكرر (حَتَّى) یعافى، فيطلق من حبس المرض، و(يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ) في حال كونه (مَا له) أي: عليه (ذَنب). وجعل ضمير زال، وكذا الإشارة في ((كذلك)) شاملاً للنوعين كما هو صريح ٤٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس الحديث أولى من قول الشارح: إنه راجع للأول دون الثاني على أن فيه منافاة؛ لما سبق في الأحاديث أن المرض كفارة للكامل والناقص (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه والدَّارَاقُطْنِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسن صَحِيح). ١٥٦٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ الله ◌َيِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا أَغْبِطُ) من الغبطة، وهي محبة حصول المغبوط عليه للغابط (أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ) أي: سبب موت هين رقيق لم يحصل له منه شدة (بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ الله ◌ِ وَّهِ- رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) وسبق الكلام في الفصل الأول. ١٥٦٤ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَهُوَ بِالْمَوْتِ وَعِنْدَهُ قَدَحُ فِيهِ مَاءً، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ في الْقَدَحِ ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى مُنْكَرَاتِ الْمَوْتِ، أَوْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه]. (وَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ وَهُوَ بِالْمَوْتِ) أي: مشغول أو ملتبس بمقدماته (وَعِنْدَهُ قَدَحُ فِيهِ مَاءُ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ) بالماء (ثُمَّ يَقُولُ: اللهُمَّ أَعِنِي عَلَى مُنْكَراتِ الْمَوْتِ) أي: ما تنكره النفس وتستغربه من شدائد مقدماته التي لم يلحق مثلها قبل. (أَوْ) شك من الراوي (سَكّرَاتِ الْمَوْتِ) أو شدائد مقدماته التي تقوى على الروح حتى تفنيها عن إدراكها، وقد صح أنه و # كان يغمى عليه في مرضه من شدة المرض، وفي دعائه وهو بذلك من إظهار الذل والافتقار ما يليق بعلا كماله، وجليل مقامه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه). ١٥٦٥ - [وَعَنْ أَفَسِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ (١) أخرجه الترمذي (٩٩٥)، ولم أقف على لفظه عند النسائي. (٢) أخرجه الترمذي (٩٩٤)، وأحمد (٢٥٠٨٨)، وابن ماجه (١٦٩١). ٤٥٧ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيهِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ أَفَسِ عَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ) بالبلايا التي تتغاير عليه (في الدُّنْيَا) حتى يلقاه ولا ذنب عليه، أفاده ما يأتي في ضده (وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ) ما يستحقه من العقوبة (بِذَتْبِهِ) أي: بسببه (حَتَّى يُوَافِيه بِهِ) الفاعل: الضمير المستتر لله، والمنصوب للعبد أو عكسه؛ أي: لا يجازيه به بذنبه حتى يأتيه متوافر الذنوب وافيها فيُجازى بها (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) إن لم يعفُ عنه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ١٥٦٦ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللّه وَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ (٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه]. (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ) بالتكفير ورفع الدرجات (مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ) أي: يصاحبه ولا ينفك عنه ما لم يوجد محبطة كالتسخط بالقضاء خلافًا لمن قال: يثاب مطلقًا وإن عصى بالتسخط؛ لأنه جهة أخرى. (وَإِنَّ اللّه ◌َ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ) ليمحص ذنوبهم ويرفع درجاتهم، ومن شأن المحب أن يفعل ذلك بحبيبه، ألا ترى أن من بلغ من المحبة ما بلغ يرى أن بما أوجبته المحبة عليه أن يسقي حبيبه الدواء المر، وينحل دونه بالأدوية الحارة، بل ويقطع المتآكل من جسده؛ لئلا يسري لباقيه، فكذلك الابتلاء بالمصائب؛ لترتب عليها تلك الفوائد، ولم يصرح بمفهوم هذا. وإذا أبغض قومًا لم يبلِهم إشارة إلى مزيد تحقيرهم، وأنهم ليسوا أهلاً لأن (١) أخرجه الترمذي (٢٣٩٦)، وقال: حسن غريب، والحاكم (٨٧٩٩). (٢) أخرجه الترمذي (٢٣٩٦) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٤٠٣١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٧٨٢)، والقضاعي (١١٢١). ٤٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس يذكروا بالنص، بل بالتلويح والإيماء، وإنما ذكر جزاءهم في مقابلة جزاء الأولين مبالغة في تحقيرهم، والتسجيل عليهم حيث قال مفرعًا على ما ذكر ومفهومه المطوي الذي تقرر: (فَمَنْ رَضِيَ) بما وصل إليه من تأدية التصرف فيه كيف أراد، والظاهر أنه أراد بالرضا هنا: ما يشمل الصبر لمقابلته بالسخط الضد لهما معًا؛ ولأن ظواهر الأحاديث تدل على أن ما جاء من ثواب المرض يحصل للصابر أيضًا، وإن كان الراضي أكمل منه بمراتب، لكن لعسر وجوده بكماله بأن تطمئن نفسه بالبلاء كما تطمئن بالعافية لم تكلف به عموم الناس رفقًا بهم وتوسعة في ثوابهم. (فَلَهُ الرِّضَا) بالثواب الأخروي الذي لعظمته تقر به عينه (وَمَنْ سَخِطَ) القضاء بالمرض بأن كرهه (فَلَهُ السُّخْطُ) أي: الإثم والعقاب عليه في الآخرة (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه) .. قال الشارح: وقوله: ((فمن رضي ... إلخ)) شرط وجزاء، فتم منه أن رضا الله مسبوق برضا العبد، ومحال أن رضا العبد عن الله إلا بعد رضا الله عنه، كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] ومحال أن يحصل رضا الله، ولا يحصل رضا العبد في الآخرة لما قال: ﴿يَا أَيَّتُّهَا النَّفْسُ المُظْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]. انتهى. (تنبيه): ما صرحت به من حرمة السخط بالقضاء الذي هو صريح الحديث هو ما صرح به بعض محققي أئمتنا حيث قال: إن شكا المريض حاله لغيره تبرمًا وتسخطًا حرم وإن قلَّت الشكوى [ ... ] لاستجلاب دعاء صالح مع الرضا بالقضاء، فلا كراهة وإن لم يخطر له ذلك كرهت، وإكثارها أشد كراهة، وقد يفرق بين إجابة سائل عن حاله، وذکر ذلك تضجرًا. انتهى. وقضية صيغ الجواهر من كتب أئمتنا: إن السخط غير الجزع، وإن السخط محرم والجزع مكروه، والضجر قد يكون لسخط وقد يكون لجزع. ٤٥٩ كتاب الجنائز/ باب عيادة المريض وثواب المرض وكان الفرق بينهما أن السخط: كراهة القضاء من حيث كونه قضاء. والجزع: هو عدم الصبر، ولا يلزم منه الكراهة من تلك المذكورة فكان أخف، وبهذا التفصيل يجمع بين ما في الأحاديث وكلام الأئمة ظاهره التنافي فاستفده. ١٥٦٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ: لا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ(١). رَوَاهُ التِّرْمِدِيُّ، وَرَوَى مَالِك ◌َحوهُ، وَقَالَ التِّزْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسنُّ صَحِيح]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: لا يَزَالُ الْبَلاءُ) ينزل (بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ) الواو بمعنى: أو بدليل إفراد الضمير، ثم رأيت في نسخة أو واستفيد من الوصف بالإيمان؛ أي: الكامل أنهما صابران أو راضيان به (فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ) هو على حد ﴿وَلَنَبْلُوَّنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]. (حَتَّى يَلْقَى اللّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) أي: من الخطايا التي تقبل التكفير كما هو معلوم (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى مَالِك ◌َحوه، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ حَسنُ صَحِیح). ١٥٦٨ - [وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ السُّلَمِيُّ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَّهُ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ الله مَنْزِلَةُ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ وَ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدْ]. (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ السُّلَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ الله مَنْزِلَةُ) أرادها له في الأزل (لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ) لعجزه عن (١) أخرجه الترمذي (٢٣٩٩) وقال: حسن صحيح، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٨٣٦)، وابن حبان (٢٩٢٤)، والحاكم (٧٨٧٩) وقال: صحيح على شرط مسلم. (٢) أخرجه أبو داود (٣٠٩٢)، وأحمد (٢٢٩٩٨)، والبيهقي في (سننه)) (٦٧٨٣). ٤٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس العمل الموصل إليها (ابْتَلَاهُ اللهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى) غائية أو تعليلية (يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ) إرادتها (مِنَ اللّه ◌َكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) وبه يعلم أنه قد يكون من ثواب الصبر على البلاء ما لا يبلغه عمل الطاعات، ولعلَّ هذا من جملة الأسباب التي ميّزت الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل بأشدية البلاء على غيرهم. ١٥٦٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ الشّخِّيرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّهِ: مَثَلُ ابْنِ آدَمَ وَإِلَى جَنْبِهِ تِسْعُ وَتِسْعُونَ مَنِيَّةً، إِنْ أَخْطَأَتْهُ الْمَنَايَا وَقَعَ الْهَرَمُ حَتَّى تَمُوتَ(١). رَوَاهُ القِّزْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]. (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ الشِّخِّيرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: مَثَلُ ابْنِ آدَمَ) أي: صور (وَإِلَى) الواو للحال (جَنْبِهِ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ) الأظهر أن المراد الكثير لا التحديد؛ لأن ابتلاء ابن آدم يزيد على هذا المعدد بكثير (مَنِيَّةً) هي: الموت، والمراد بها هنا البلية؛ لأنها مقدمته؛ أي: خلق وطبع، على أن من شأنه أنه لا ينفك عنه البلايا والأمراض. (إِنْ) فرض الندرة أنه (أَخْطَأَتْهُ) تلك (الْمَنَايَا) والنوائب (وَقَعَ الْهَرَمُ) الذي لا دواء له، واستمر عليه (حَتَّى تَمُوتَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ). ١٥٧٠ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]. (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: يَوَدُ) أي: يتمنى (أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ) العظيم الذي لا غاية له على بلائهم (لَوْ) أنهم في الدنيا (١) أخرجه الترمذي (٢٤٥٦) وقال: حسن صحيح غريب، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٥٧٥)، والضياء (٤٥٨)، والطبراني في ((الأوسط)) (٢٨٣٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١١/٢). (٢) أخرجه الترمذي (٢٤٠٢) وقال: غريب، والبيهقي (٦٣٤٥)، والطبراني في ((الصغير)) (٢٤١)، والبيهقي في («شعب الإيمان)) (٩٩٢١).