Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الاستسقاء
(وَرَفَعَ يَدَيْهِ) مشيرًا بظهر كفيه إلى السماء كما يأتي (وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ
الْقِيْلَةَ) [كيفية التحويل أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره وبيده
اليسرى الطرف الأسفل أيضًا من جانب يمنه ويقلب يديه خلف ظهره، بحيث يكون
الطرف المقبوض بيده على كتفه الأعلى من جانب اليمين والطرف المقبوض بيده
اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يسارًا
واليسار يمينًا] فنقل عليه إن كان مربعًا، والحكمة فيها التفاؤل بتغيير الحال إلى
الخطيب والسعة.
وفي خبر: ((إنه ◌َُّ حوَّل رداءه ليتحول القحط))(١) وصحَّ أنه وَيٍّ كان يحب الفأل
الحسن.
قال السهيلي: وطول ردائه ◌َله أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر، ويمكن الجمع
بين التحويل والتنكيس، وقلب الظاهر إلى الباطن بأن يأخذ باطن الطرف الأسفل
الذي يلي شقه الأيمن بيده اليسرى من خلف رقبته، وباطن الطرف الذي يلي شقه
الأيسر بيده من خلف رقبته، ويقلب يديه خلف ظهره، بحيث يكون مقبوض اليمنى
على أعلى الكتف ومقبوض اليسرى على أعلى الأيسر، فيحصل تلك الثلاثة بتحويلة
واحدة، ويقتصر في غير المربع على التحويل؛ لتعذر التنكيس عليه، ويُسن للقوم وهم
جلوس أن يفعلوا كما فعل الإمام وأن يستدعوا التحويل إلى نوع الثياب (مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
١٤٩٨ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا
فِي الإِسْتِسْقَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ (٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَفَسِ عِهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ) رفعًا بالغًا
(١) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٦٦٤٨)، والدارقطني (١٨١٩)، والحاكم (١١٦٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٣١)، ومسلم (٢١١٣)، وأبو داود (١١٧٢)، وأحمد (١٣٢٠٤)، والنسائي (١٥٢٤)،
وابن ماجه (١٢٣٦)، وابن حبان (٢٩٢٥)، والدار قطني (١٨٣٠)، والبيهقي في (سننه)) (٦٦٧٥).

٣٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(إِلَّا فِي الإِسْتِسْقَاءِ) ودلَّ على ما قدرته ليقع الاستثناء منه قوله: (فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ) هما
(حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وبذلك المقدر علم أن هذا الحديث لا يعارضه
ما صح من رفعه 180 يديه في غير الاستسقاء في نحو ثلاثين حديثًا؛ لأن معناه لم يرفع
رفعًا بالغًا كما رفع في الاستسقاء.
١٤٩٩ - [وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرٍ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ (١). رَوَاهُ
مُسْلِمْ].
(وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ. رَوَاهُ مُسْلِمُ) ومنه
أخذ أئمتنا أنه يُسن لكل من الحاضرين رفع أيديهم في حالة الدعاء جاعلين ظهورها إلى
السماء وبطونها إلى الأرض.
قال النووي: قال العلماء: يُسن أن يشير بالظهر إلى السماء في كل دعاء لدفع
بلاء، وبالبطن إذا سأل حصول شيء.
وروى الحاكم: ((إنه ◌َّل﴾ كان يفعل الأول إذا استعاذ، والثاني إذا سأل))(٢)
والحكمة أن رفع الظهر يستدعي الإزالة، بخلاف رفع البطن فإنه يستدعي الإعطاء،
فناسب أن يكون الأول عند طلب الدفع، والثاني عند طلب الحصول.
وقيل: فعل هذا تفاؤلاً بتقلب الحال ظهر البطن نظير ما يأتي في الرداء.
وقيل: الإشارة أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب إليها جميع ما فيه.
١٥٠٠ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ إِذَا رَأَى
الْمَطَرَ قَالَ: اللهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا(٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَّ
(١) أخرجه مسلم (٢١١٢)، وأحمد (١٢٨٩٠)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٦٧٨).
(٢) ذكره القاري (٢٢١/٥).
(٣) أخرجه البخاري (١٠٣٢)، وأحمد (٢٤٨٧٣)، والنسائي (١٥٣٤)، وابن حبان (٢٨٧)، وابن أبي
شيبة في ((مصنفه)) (٣٢/٧).

٣٨٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الاستسقاء
قَالَ: اللهُمَّ) اسقنا (صَيِّبًا) بتشديد الياء؛ أي: مطرًا، نقله البخاري عن ابن عباس
وقيده الواحدي بالکثیر.
وروى ابن ماجه: ((سَيْبًّ))(١) بفتح فسكون؛ أي: إعطاء (نَافِعًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
وفي رواية أبي داود وابن حبان: ((هينًا)) وكل منهما فيه غاية حسن التيمم؛ لأن
المطر مظنة الضرر لا سيما مع كون تنكير ((صب)) للتعظيم الدال على أنه نوع من المطر
شديدها.
بل قال النووي: فيندب جمع هذه الألفاظ بأن يقول: ((اللَّهُمَّ صيبًا وسيبًا نافعًا
هينًا)).
وقيل: يأتي بكل مرة ويسن تكرير ذلك مرتين أو ثلاثًا، ويسن الدعاء عند
نزول المطر؛ لأنه مستجاب حينئذٍ، كما في خبر رواه الشافعي وآخر رواه البيهقي، وفي
رواية: ((إن رؤية الكعبة كذلك ويستحب أن يقول: ((مطرنا بفضل الله ورحمته))
ويكره: ((مطرنا بنوء كذا)) أي: بوقت النجم الفلاني؛ لأنه موهم بخلاف («في نوء كذا»
واعتقاد كون النجم أو وقته هو الممطر حقيقة كفر.
١٥٠١ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿هَ قَالَ: أَصَابَنَا وَتَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ◌ِهِ مَطَرَّ قَالَ: فَحَسَرَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿ عَنْ تَوْبِهِ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟
قَالَ: لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: أَصَابَنَا وَتَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهْ مَطَرُّ قَالَ: فَحَسَرَ) أي:
كشف (رَسُولُ اللهِ وَلَهُ عَنْ تَوْبِهِ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ) وفي رواية الحاكم: ((حسر
ثوبه عن ظهره حتى يصيبه المطر))(٣).
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٢٢)، وابن حبان (٩٩٩)، والبيهقي في «سننه)) (٦٧٠١)، والحميدي (٢٨٨).
(٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٤٤٥)، ومسلم (٢١٢٠)، وأبو داود (٥١٠٢)، وأحمد (١٢٧٠٠)،
وابن حبان (٥٠٥).
(٣) أخرجه الحاكم (٧٨٧٦).

٣٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ) أي: بتكوينه
وتنزيله من غير أن تمسه يد خاطئة أو يلاقيه مكان عصى الله فيه، ومن ثم وصفه
تعالى بالبركة كما يأتي عن ابن عباس مع ما يعلم منه أن القصد ملامسة من هو
كذلك؛ لتعود علیه بركته ونعمة فائدته.
(رَوَاهُ مُسْلِمْ) وبه أخذ أئمتنا، قالوا: يُسن لكل واحد أن يبرز ولو في حالة
الخصب لأول كل مطر في سائر السنة، وبروزه لأول مطره آكد، وأن يكشف من بدنه
غير عورته؛ ليصيبه المطر.
وقد سُئل ابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عن ذلك فقال: أو ما قرأت ﴿وَنَزَّلْنَا
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارًَا﴾ [ق:٩] فأحب أن ينالوا من بركته.
وروى الشافعي بإسناد ضعيف منقطع مرسل: «إنه ◌َّ﴾ كان إذا سال السيل قال:
اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهرًا فنتطهر منه ونحمد الله عليه)(١) فيُسن أن
يتوضأ ويغتسل في السيل كذلك، فأراد الاقتصار على أحدهما فالغسل، ورجَّح غير
واحد أنهما عبادتان لا يحتاجان لنية؛ لأن حكمة ذلك هي حكمة كشف البدن ليناله
المطر وبركته.
(الفصل الثاني)
١٥٠٢ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَيَهَ إِلَى الْمُصَلَّى
فاسْتَسْقِى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ،
وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ دَعَا الله (٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ].
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقِى) فيه
أن الأفضل فعل صلاة الاستسقاء في الصحراء حيث لا عذر من خوف أو نحوه، وقول
بعض أصحابنا: ((تُستثنى مكة وبيت المقدس، فالأولى كونها في مسجدهما؛ لاتساعه))
(١) أخرجه البيهقي في «سننه)) (٦٦٨٧).
(٢) أخرجه أبو داود (١١٦٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٦٤٤)، وأبو عوانة في ((مستخرجه)) (٢٠٣٠).

٣٨٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب الاستسقاء
رده غير واحد بأن الذي عليه الجمهور استحبابها في الصحراء مطلقًا للاتباع،
ولتعليلهم بأنه يحضرها الصبيان والحيض والبهائم والصحراء لهم أليق.
لكن استحسن آخرون الأول؛ بأنه الذي عليه عمل السلف والخلف لفضل
البقعة واتساعها نظر ما مرَّ في العيد، وعليه فنحو الحيض يقفون بباب المسجد.
(وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَجَعَلَ عِطَافَهُ) أي: يشقه ويطلق على جميع
الرداء، سمي بذلك؛ لأنه يجعل على العطفين؛ أي: الجانبين (الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ،
وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ دَعَا الله. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
١٥٠٣ - [وَعَنْه ◌ُ قَالَ: اسْتَسْقَى رَسُولُ اللهِ وَهِ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ
أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّ ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَّبَهَا عَلَى عَاتِقَيْهِ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَأَبُو دَاوُدٍ].
(وَعَنْه ◌َ﴾ قَالَ: اسْتَسْقَى رَسُولُ اللّهِ وَّهِ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ) أي: كساء
مربع له علمان في طرفيه من صوف أو غيره، وجعل بعضهم سوادها شرطًا في تسميتها
خميصة (فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَّبَهَا عَلَى عَاتِقَيْهِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ) بسند صحيح.
وبهذين الحديثين أخذ أئمتنا فقالوا: يُسن في الرداء المربع بعد الاستقبال أن
يحوله بأن يجعل يمينه يساره وعكسه، وأن ينكسه بأن يجعل أعلاه أسفله وعكسه؛
لأن همه ◌َليم بذلك يدل على بدنه، وإنما تركه لثقله كما في الحديث، ومرَّ بیان حكمة
ذلك مع فوائد أخر.
١٥٠٤ - [وَعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ أَنَّهُ رَأَى النَِّيَّ ◌َّهِ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارٍ
الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا
رَأْسَهُ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ].
(١) أخرجه أبو داود (١١٦٦)، وأحمد (١٦٩٠٩)، والنسائي (١٥١٨).
(٢) أخرجه أبو داود (١١٧٠)، والترمذي (٥٦٠)، وأحمد (٢٢٥٨٧)، والنسائي (١٥٢٥)، وابن
-

٣٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(وَعَنْ عُمَيْرٍ) ﴾، وهو صحابي أيضًا (مَوْلَى آبي) بالمد (اللَّحْمِ) هو من قدماء
الصحابة، سمي بذلك؛ لامتناعه من أكل اللحم (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َهُ يَسْتَسْقِي عِنْدَ
أَحْجَارِ الَّيْتِ) محل بالمدينة، سمي بذلك لسواد حجارته (قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ) التي مر
بيانها في ساحة خطبة الجمعة (قَائِمًا يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ) أي:
محاذاته ومقابلته (لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ) لا ينافي ما مر أنه كان يبالغ في الرفع
الاستسقاء؛ لاحتمال أن ذلك كان أكثر أحواله، وهذا في نادر منها (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد،
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ).
١٥٠٥ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَله.
- يَعْنِي: فِي الإِسْتِسْقَاءِ - مُتَبَذِّلاً مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ
وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وََّ - يَعْنِي: فِي
الإِسْتِسْقَاءِ - مُتَبَذِّلاً) أي: في ثياب بذلته؛ أي: مهنته وشغله في منزله من غير طيب
ولا زينة (مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه)
والتخشع: التذلل، والتضرع: الخضوع في الدعاء وإظهار الحاجة والافتقار، وبذلك أخذ
أئمتنا فقالوا: يُسن لهم أن يخرجوا متخشعين في مشيهم وكلامهم، لابسين ثيابًا خلقة
من غير زينة في شيء من ملبوسهم ومن غير طيب في بدنهم أو غير هذا وقت
مسألة واستكانة، نعم يسن لهم التنظف بالغسل والسواك وإزالة الريح الكريه، وأن
يكونوا مشاة والإمام متكثًا على نحو قوس، ولا يكره كونهم حفاة مكشوفي
الرأس.
١٥٠٦ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ:
=
حبان (١٦٣).
(١) أخرجه أبو داود (١١٦٧)، والترمذي (٥٦١)، والنسائي (١٥١٩)، وابن ماجه (١٣٢٤)، والبيهقي في
((سننه)) (٦٦٣٠).

٣٨٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب الاستسقاء
كَانَ النَِّيُّ ◌َهَ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: اللهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْي بَلَدَكَ
الْمَيِّتَ (١). رَوَاهُ مَالِكُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ].
(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص
(رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: اللهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ)
أي: جميع الحيوانات المحتاجين إلى السقيا (وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ) عليهم؛ أي: اجعلها عامة
شاملة لهم (وَأَحْي بَلَدَكَ الْمَيِّتَ) لانقطاع الماء الذي به الحياة عنه حتى صار
يسأل رحمتك، استعارة بالكناية يتبعها استعارة ترشيحية (رَوَاهُ مَالِكُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو
دَاوُدٍ).
١٥٠٧ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يُوَاكِى فَقَالَ: اللهُمَّ اسْقِنَا
غَيْئًا مُغِيئًا مَرِيئًا مُرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ، قَالَ: فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِم
السَّمَاءُ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله وَهِ يُوَاكِئ) بالياء المثناة المضمومة وآخره
مهموز؛ أي: يتحامل على يديه إذا رفعهما، من توكأ على العصا: تحامل عليها؛ أي: يرفع
يديه ويمدها في الدعاء، هذا ما جرى عليه الخطابي ضبطًا ومعنى، لكن اعترضه
النووي في كتابه ((خلاصة الأحكام)) بأن الذي في جميع نسخ أبي داود ومعظم كتب
الحديث: ((أتت النبي ◌َّ بواكي)(٣) بالموحدة؛ أي: جمع باكية من الجدب، وبأن ما قاله لم
تأتِ به الروايات ولا انحصر الثواب فيه، بل ليس هو واضح المعنى.
وفي رواية البيهقي: ((هوازن بل بواكي)»(٤) أي: وهو يؤيد ما قاله النووي لا ما قاله
الخطابي.
(١) أخرجه مالك (٤٥٣)، وأبو داود (١١٧٨)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٦٧١)، ولم أقف على لفظه عند
أحمد.
(٢) أخرجه أبو داود (١١٧١) بلفظ ((بواكي))، ولم أقف على لفظ ((يواكئ)).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه البيهقي (٣٥٥/٣).

٣٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(فَقَالَ: اللهُمَّ اسْقِنَا غَيْئًا) هو المطر (مُغِيثًا) هو بضم أوله المتقدم من الشدة من
غاث الغيث الأرض: أصابها، وغاث الله البلاد والأرض؛ أي: أصابها به.
وصحَّ في ((مسلم)): ((أغثنا))(١) رباعي.
قال القاضي عن بعضهم: وما هنا من الإغاثة بمعنى: المعونة، وليس من طلب
الغيث، ويحتمل أنه من طلبه؛ أي: هيئ لنا غيئًا.
(مَرِيئًا) هو بفتح أوله وبالمد: المحمود العاقبة، من مرأني الطعام وأمرأني: انحدر
عن المعدة سريعًا.
وفي رواية قبله: ((هنيئًا)(٢) وهو الطيب الذي لا ينغصه شيء.
وقيل: المنمي للحيوان من غير ضرر، فهو ستر النفع الظاهر، والمرئي ستر للنفع
الباطن.
(مُرِيعًا) هو بضم فكسر وبالتحتية ما يأتي بالريع والزيادة، ويروى بالموحدة؛ أي:
منبتًا للربيع حتى يغني الناس عن النجعة للرعي، من أربع البعير: إذا أكل البعير،
وبالفوقية؛ أي: منبتًا ما ترتع فيه الماشية من النبات الحسن والخصب الواسع من
أرتعت الماشية إذا أكلت ما شاءت، وكل ذلك صحيح مناسب هنا (نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ،
عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ) أكد كلاًّ بمرادفه زيادة في الاعتناء بشأن الأمة، وطلبًا لوسع رحمة الله
بهم.
(قَالَ: فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِم السَّمَاءُ) أي: طبق السحاب الأُفق وملأه عقب هذا
الدعاء ببركته ﴿ أو المراد بالسماء: حقيقتها، وأسند إليها مآل السحاب مبالغة (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد).
(١) أخرجه مسلم (٢١١٥) بلفظ: قَالَ وَّةِ: ((اللَّهُمَّ أُغِتْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا)) قَالَ أَنَسُ: وَلَا وَاللهِ
مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَرَعَةٍ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعِ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، فَطَلَعَتْ مِنْ
وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ.
(٢) تقدم تخريجه.

٣٨٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب الاستسقاء
(الفصل الثالث)
١٥٠٨ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: شُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ قَحطَ
الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّ، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ﴿ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ
قَالَ: إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ وَقَدْ
أَمَرَّكُمُ اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ
* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] اللهُمَّ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ،
أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ ثُمَّ
رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَتْرُكُ الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ أَوْ
حَوَّلَ رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافِعُ يَدَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، فَأَنْشَأَ اللهُ تَعَالَى
سَحَابَةً فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللهِ، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ،
فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ تَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنِي عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: شُكِي إِلَى رَسُولِ اللهِ﴾ فَحَطَ الْمَطَرِ)
أي: فقده، فهو مصدر، أو هو جمع إشارة إلى وقوع القحط في بلد أشتى (فَأَمَرَ بِمِنْبَرِ
فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ) يؤخذ منه أن يُسن للإمام إذا أراد
الاستسقاء أن يأمر بوضع منبر له بالصحراء أو ببناية، وأنه ينادي في الناس: ((إنا يوم
کذا خارجون للاستسقاء بمحل کذا، فبادروا کذلك وتھیاوا له».
(قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ) أي: أول طلوع
شعاعها من الأفق.
أخذ أئمتنا أن وقت هذه الصلاة المختار وقت العید، بل أخذ منه کثیرون منهم
(١) أخرجه أبو داود (١١٧٥)، والبيهقي في (سننه)) (٦٦٣٧)، والحاكم (١١٧١).

٣٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
أنها تتأقت بوقته فلا تُفعل في غيره، وعلى الأول فلا تتأقت، بل يجوز فعلها ليلاً ونهارًا.
(فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ) فيه التصريح بتقديم خطبة الاستسقاء على صلاته، وجرى
عليه أئمتنا فقالوا: تُجرى الخطبة هنا قبل الصلاة للاتباع، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وغيره بأسانيد
صحيحة.
وفي (البخاري)) ما يدل عليه، لكنه في حقنا خلاف الأفضل؛ لأن رواة خطبته
بعد الصلاة أكثر مع اعتضاده بالقياس على خطبة العيد والكسوف، ولذا جرى
عليه الخلفاء والأئمة بعدهم، وكان وجه أجر التقديم هنا دون ذينك: أن الناس
مضطرون هنا إلى الدعاء الواقع في الخطبة، فجاز تقديمها نظرًا بذلك لخلافهم، ثم لا
ضرورة بل لا حاجة للتقديم، ولا بد هنا من خطبتين مشتملتين في أركان خطبتي
الجمعة نظير ما مر.
(فَكَبَّرَ) هذا مشكل على قول أصحابنا: لا يكبر في هذه الخطبة، بل يستغفر الله
بعدد التكبيرات التي في خطبتي العيد؛ لأنه اللائق بالحال. انتهى.
ولأجل هذا الإشكال اختار جماعة منهم أن الأفضل التكبير، وأطالوا في
الاستدلال له بنص الشافعي وبالخبر الصحيح: ((ثم لم يزل في الدعاء والتضرع
والتكبير)»(١) وقد يجاب بأن الذي هنا مطلق التكبير في الخطبة، ولا كلام لهم فيه، وإنما
كلامهم في التكبير خطبة العيد، وليس في هذين الحديثين ما يفيد هذا التكبير
المخصوص، فلا يشكلان عليهم على أن ما استنبطوه من تعدد الاستغفار بعد التكبير
أو لخطبتي العيد وجهه ظاهر لائق بالحال، فلم يكن فيه كثير بعد عن
السنية.
(وَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ) بالدال المهملة (دِيَارِكُمْ وَاسْتِئْخَارَ
الْمَطَرِ) أي: تأخره عنكم تأخرًا طويلاً كما أفادته السنن (عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ) من إضافة
الأعم إلى الأخص، ونونه إمَّا أصلية فهو فعال، أو زائدة فهو فعلان من آبَ الشيء إذا
(١) أخرجه أبو داود (١١٦٧)، والترمذي (٥٦١)، والنسائي (١٥١٩).

٣٩١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الاستسقاء
تهيأ للذهاب (عَنْكُمْ وَقَدْ أَمَرَّكُمُ اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ).
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي﴾ أي: دعائي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] أي: صاغرين، ومن ثم
جاء في الحديث: ((ومن لم يسأل الله يغضب عليه إن الله يحب الملحين في
الدعاء))(١).
(ثُمَّ قَالَ) شكرًا لله على هذا الفضل الواسع، وهو الأمر بالدعاء والوعد
بالاستجابة ومبينًا أن الله لا يجب عليه لأحد شيء وإن جلَّت مرتبته، فإن [أعطى](٢)
فمن محض فضله، وإن منع فمن حکمته وعدله.
(﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾) أي: يهدينا
بعد سبق الحمد كما مرَّ؛ ليذكر الناس مقام تربية الحق لهم ورحمته بهم، ومقام تفرده
بالملكية والمالكية ليوم الجزاء الذي لا بد لكل إنسان أن يوافقه حتى يستعد فعله
بعبادته من واجب وغيره، مع أنه تعالى لا يصدر عنه شيء إلا وهو جارٍ على أعدل
قوانين الحكمة، وأقوم السنن والمحجة.
(اللهُمَّ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَتَحْنُ الْفُقَرَاءُ) فيه أمدح ثناء وأبلغ
افتقار وأنسب توسل إلى استدرار واقع فضله وجوده وكرمه ورحمته (أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ
وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ) علينا منه (قُوَّةً) لنا على شكرك وطاعتك (وَبَلَاغًا) نبلغ به ونتوصل
به لمطلوبنا، ويعم انتفاعنا به (إِلَى حِينٍ) أي: زمان طويل نأمن فيه من الجدب ونتمتع
فیه بالخصب.
(ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ) أي: بالغ في رفعهما لا أنه ابتدأه حينئذٍ؛ لأنه مقتضي ما ثبت
من أحواله أنه كان يرفع يديه عند كل دعاء (فَلَمْ يَتْرُكِ الرَّفْعِ) بل بالغ فيه (حَتَّى بَدَا
(١) أخرجه ابن عدي (٢٠٦٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١١٠٨)، وابن عساكر (٣٦٨/٣٢)،
والعقيلى (٤٥٢/٤)، والقضاعي (١٠٦٩).
(٢) في الأصل: ((غاب).

٣٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) وفي رواية: ((عفرة إبطيه))(١) ولا تخالف؛ لأنها عفرة نسبية، لا سيما مع
وجود الشعر في ذلك المحل، ودعوى أنه سليم لم يكن له شعر فيه ما لم يثبت وبياض
ليس بالناصح؛ لأن الإبط محل للشعر.
(ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ) واستقبل القبلة، فهو السنة كما مرَّ (وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ
رِدَاءَهُ) سبق أنه حوله أو أراد أن ينكسه فقيل عليه، وأن السنة فيه التحويل
والتنكيس معًا (وَهُوَ رَافِعُ يَدَهُ) وفي نسخة: ((يديه))(٢) وعلى كليهما فالتركيب مشكل؛
لاقتضائه وجود قلب الرداء أو تحويله في حال رفع يد أو اليدين معًا، وذلك متعذر،
أمَّا مع رفع اليدين فواضح، وأمَّا مع رفع يد فكذلك؛ لأن كلاً من القلب
والتحويل لا يكون إلا باليدين جمعًا، فتعين جعل هذا حالاً لـ((حوَّل ظهره)) لا لما
بعده.
(ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَّ اللّهُ تَعَالَى سَحَابَةً فَرَعَدَتْ
وَبَرَقَتْ) إسنادهما للسحابة مجاز (ثُمَّ أَمْطَرَتْ) إجابة الدعوة نبيه ◌ِّهِ (بِإِذْنِ الله) أي:
إرادته وقدرته لا بسبب غير ذلك (فَلَمْ يَأْتِ) وَليل من المحل الذي استسقى فيه من
الصحراء (مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ) أي: الساتر من
بناء ونحوه؛ ليتقوا به عن المطر (ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) أي: آخر أضراسه تعجبًا من
حالهم أولاً في طلبهم للمطر، وكونه أشهى إليهم من كل شهوة، ثم ثانيًا في الفرار منه
وطلب الستر والتوقي عنه، ومن عظم قدرة الله تعالى، وعظيم اعتنائه برسوله وإجابته
لدعوته في أقرب زمن، ومن ثم تشهد إعلامًا بذلك (فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ وَأَنِي عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ).
١٥٠٩ - [وَعَنْ أَنَسِ هِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَ﴾ه كَانَ إِذَا قُحِطُوا اسْتَسْقَى
بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَلِّبٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا، وَإِنَّا
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم (٢١٥٧)، وأبو داود (١١٧٥).

٣٩٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب الاستسقاء
نَتَوَسَّلُ إِلَيْك بِعَمِّ نَبِيّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَنَسٍ ﴾ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ه كَانَ إِذَا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ
عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ فَقَالَ: اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا) كرامة له ◌َّةِ (وَإِنَّا
نَتَوَسَّلُ إِلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا) فإنه من جلدته وأقرب الناس الآن (فَاسْقِنَا) ببركة قربه
وعظيم رحمه (قَالَ: فَيُسْقَوْنَ) بواسطة هذا التوسل الصالح.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ومنه أخذ أئمتنا أنه يُسن الاستسقاء بأقاربه وَله وبسائر
الصلحاء والأكابر؛ لأن دعاءهم أقرب للإجابة، وكما استسقى معاوية بيزيد بن الأسود
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُما . فقال: ((اللَّهُمَّ إنا نستسقي بخيرنا وأفضلنا، اللَّهُمَّ إنا نستسقي
بيزيد بن الأسود، يا يزيد، ارفع يدك إلى الله تعالى)) فرفع يديه ورفع الناس أيديهم
فثارت سحابة من المغرب كأنها ترس وهبَّت ريح فسقوا حتى كان الناس لا يبلغون
منازلهم.
قالوا: ويُسن لكل من المستسقين أن يحضر بقلبه لا بلسانه؛ لئلا يقع في الرياء ما
يعمله من طاعته، ويقع خالصًا لله تعالى ويستشفع به إلى الله؛ لأن ذلك مقتضٍ
للإجابة والفرج سريعًا كما في قصة أصحاب الغار الذين سدت عليهم صخرة، فتوجه
كل لصالح عمله حتى ارتفعت عنهم.
١٥١٠. [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: خَرَجَ نَبِيُّ مِنَ
الأَنْبِيَاءِ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ارْجِعُوا
فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ النَّمْلَةِ(٢). رَوَاهُ الدَّارَقْنِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: خَرَجَ نَبِيُّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ
بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي) علم منه أن الاستسقاء والخروج لأجله إلى الصحراء من الشرائع
(١) أخرجه البخاري (٩٦٤)، وابن حبان (٢٨٦١)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٦٥٧).
(٢) أخرجه الحاكم (١٢١٥) وقال: صحيح الإسناد، وأبو الشيخ في ((العظمة)) (١٧٥٣/٥)، والخطيب
(٦٥/١٢)، وابن عساكر (٢٨٨/٢٢)، والدارقطني (٦٦/٢).

٣٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
القديمة ومن عادات الأنبياء؛ لما فيه من إظهار غاية الافتقار والذلة والاحتياج
والانكسار (فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ) إذ أعلمه الله أن
ذلك الرفع منها توسل وابتهال إلى الله تعالى أن يسقيهم (ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ
مِنْ أَجْلِ) دعاء (هَذِهِ التَّمْلَةِ. رَوَاهُ الدَّارَقَطْنِيُّ) بسند صحيح.
قال غير واحد من أئمتنا المتقدمين: وهذا النبي هو سليمان بن داود - صلى الله
على نبينا وعليهما وسلم - وأنها وقعت على ظهرها ورفعت يديها وقالت: اللَّهُمَّ أنت
خلقتنا، فإن رزقتنا وإلا فأهلكنا.
روي أنها قالت: اللَّهُمَّ إنا خلق من خلقك لا غنى بنا عن رزقك، فلا تهلكنا
بذنوب بني آدم، وبهذا الحديث وحديث: ((مهلاً عن الله مهلاً، لولا شباب خشع
وبهائم رتع وشيوخ ركع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صبًّا))(١) رواه البيهقي،
وقال في بعض رجاله: ((إنه غير قوي)) لكنه ذكر له شاهدًا يقويه وفي أحد النصين
للشافعي أنه يُسن إخراج البهائم كالمشايخ والأطفال والأرقاء والعجائز لحديث
البخاري: ((وهل تنصرون وترزقون بضعفائكم))(٤).
وفي نص له آخر: لا يُسن إخراج البهائم، والمعتمد الأول وإن كان الأكثرون على
الثاني، وإذا خرجت عزلت عن الناس؛ لئلا تشوش خشوعهم.
قال جمع من أصحابنا: ويفرق بينهما وبين أولادها؛ لتكثر الصياح والضجة
والرقة حينئذٍ فيكون ذلك أقرب إلى الإجابة.
(١) أخرجه البيهقي (٦١٨٣)، والخطيب (٦٤/٦)، وأبو يعلى (٦٤٠٢)، وابن عدي (٢٤٣/١).
(٢) أخرجه البخاري (٢٨٩٦)، وأحمد (١٥١٠).

(باب في الرياح)
وما ذكر فيه معها وقع بطريق التبع، فلذا لم يتعرض له في الترجمة.
(الفصل الأول)
١٥١١ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلِ: نُصِرْتُ
بِالصَّبَا، وَأَهْلِكَتْ عَادُّ بِالدَّبُورِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: نُصِرْتُ) في وقعة
الخندق، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
(بِالصَّبًا) وهي التي هبّت من تجاه الكعبة، وهي حارة يابسة، فاشتدت عليهم
حتى قلعت خيامهم وكفأت قدورهم وضربت وجوههم بالحصباء والتراب، وألقى الله
في قلوبهم من الرعب ما كاد يهلكهم، وأنزل الله جبريل ومعه جماعة من الملائكة
فزلزلوا أقدامهم، وأحاطوا بهم حتى أيقنوا بالهلاك عن آخرهم، فابتدأهم أبو سفيان عظته
بالرحيل راجعًا إلى مكة، ولحقوه في أثر فلم يتفجر الفجر ولهم ثم حس ولا أثر بعدما
حصل للمؤمنين في أول الليل من الخوف وسوء الظنون ما أنبأ عنه قوله تعالى: ﴿إِذْ
جَاءُ وكُم مِّن فَوْقِكُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ١٠].
(وَأَهْلِكَتْ عَادُ بِالدَّبُورِ) وهي التي تهب من وراء الكعبة وهي باردة رطبة،
والجنوب: هي التي تهب عن يمينها وهي حارة رطبة، والشمال: هي التي تهب من
شمالها وهي باردة يابسة، وهي ريح الجنة التي تهب عليهم، رَوَاهُ مُسْلِمُ (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٥١٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهَِ ضَاحِكًا
(١) أخرجه البخاري (٩٨٨)، ومسلم (٩٠٠)، والطيالسي (٢٦٤١)، وابن أبي شيبة (٣١٦٤٦)،
وعبد بن حميد (٦٣٧)، وأحمد (٢٠١٣)، والنسائي (١١٥٥٦)، وأبو يعلى (٢٦٨٠)، والطبراني في
(الأوسط)) (٣٩٤١)، وابن حبان (٦٤٢١)، والبيهقي (٦٢٧٦).
- ٣٩٥ -

٣٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتَهُ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، فَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ(١).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌ِ﴾ِ ضَاحِكًا حَتَّى
أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتَهُ) جمع لهاة، وهي لحمة في سقف أقصى الفم؛ أي: ما رأيته ضاحكًا إلى
هذا الحد؛ لأنه شأن أهل اللهو واللعب (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ) إظهارًا لبشاشة وطلاقة
الوجه؛ ليأنس الناس به ويتم إقبالهم عليه، وهذا باعتبار علمها حالة التكلم، فلا ينافي
ما مرَّ أنه في حديثها أنها حكت ((إنه ◌َ ﴿ ضحك حتى بدت نواجذه)(٩).
ومحل دوام بشره الذي تقرر حيث لم يرَ ما يخاف منه على أمته، كما أفاده
التفريع على ما سبق بقوله: (فَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِه) أثر الخوف
خوفًا على أمته لعظيم ما عنده من الشفقة والرأفة عليهم الناشئ ذلك كله من خلقه
العظيم وكرمه الجسيم (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٥١٣ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ، قَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ
خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا
أُرْسِلَتْ بِهِ، وَإِذَا [تَخَيَّلَتِ)(٣) السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ خَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا أَمَطَرَتْ
سُرِّيَ، فَعَرَفَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ فَسَأَلَتْهُ، فَقَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ
عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌّ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] وَفِي رِوَايَةٍ: وَيَقُولُ
إِذَا رَأَى الْمَطَرَ رَحْمَةٌ (٤). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ) أي: يشتد هبوبها (قَالَ: اللهُمَّ
(١) أخرجه البخاري (٤٨٢٩)، ومسلم (٢١٢٣)، وأبو داود (٥١٠٠)، وأحمد (٢٥١٠١)، والبيهقي في
((سننه)) (٦٦٩٣)، والحاكم (٣٦٥٩).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في الأصل: ((انجلت)).
(٤) أخرجه البخاري (٣٢٠٦)، ومسلم (٢١٢٢)، والترمذي (٣٥٦٦)، وأحمد (٢٦٠٨٤)، وابن ماجه
(٤٠٢٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٦٩٤)، والحاكم (٣٦٥٩).

٣٩٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب في الرياح
إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا
وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ) و((أرسلت)) مبنية للمفعول فيهما كما هو المحفوظ أو للفاعل، وأمَّا
تجويز فتح الياء خطابًا في الخير وسكونها مع البناء للمفعول في الشر حتى يكون من
قبيل ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
وقوله وله في دعاء الافتتاح أول الصلاة: ((والخير كله في يدك، والشر ليس
إليك))(١) وهو تكلف بعيد لا حاجة إليه، وأمَّا الآية والحديث فإنهما لما خولف فيهما
بين الصيغتين احتيج إلى بيان وجه المخالفة من الإثبات والنفي بالخطاب في جانب
النعمة وسرعة الفرار، فمن جانب الغضب، وتبيان الأدب أنه لا يثبت إلى الله
تعالى إلا الشرف دون ضده، ومن لا يقال: يا خالق الخنزير، وإن كان خلقه
تأدبًا.
وكان الفرق بين خيرها وما بعده: أن خيرها لاعتبار سلامة ذاتها من مؤذٍ، وخیر
ما أرسلت به بأن يشتمل على سَوق السحاب، وخير ما أرسلت به بأن يزيل الضار ويأتي
بالنافع، وشرها أن تكون كلها مؤذية، وشر ما فيها أن يشتمل على صواعق ونحوها،
وشر ما أرسلت به أن يهلك الزرع وينشف الضرع.
(وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ) أي: ظهر في السحاب أثر المطر، والمخيلة السحاب
المنتظر، سميت بذلك؛ لأنها موضع الخيل وهو الظن كالمظنة (تَغَيَّرَ لَوْنُهُ) من شدة ما
حل به من الخوف اضطرب بدنه اضطرابًا شديدًا فلذلك (خَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ،
فَإِذَا أُمَطَرَتْ سُرِّيَ) والتخفيف والتشديد للمبالغة؛ إذ ذهب (عَنْهُ) ذلك الخوف لزوال
سببه من تجويز كونها عذابًا.
(فَعَرَفَتْ ذَلِكَ) منه (عَائِشَةُ فَسَأَلَتْهُ) عن سببه (فَقَالَ) لها إنما حصل لي ذلك
التغيير والاضطراب؛ لأني أجوز كونه عذابًا وأقول: (لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ)
الإضافة للبيان، ثم بيَّن قولهم في ضمن حكاية الآية، وهي: (﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾﴾ أي:
(١) تقدم تخريجه.

٣٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
سحابًا عرض ليمطر ((مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾﴾ أي: محال مزارعهم (﴿قَالُوا هَذَا عَارِضُ
مُمْطِرُنَا﴾) قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحُ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[الأحقاف: ٢٤] فإذا خشي الهر وقوع ذلك بأمته حصل له ذلك التغيير والاضطراب
حتى المطر فيأمن حينئذٍ.
فإن قلت: قد أمنه الله ألا يستأصل أمته بعذاب.
قلت: لعل هذا الخوف قبل ذلك، وأنه يحصل ذلك وإن جوزه على بعض الأمة؛
لشدة شفقته على جميعهم، ورحمته بحقيرهم وجليلهم.
تنبيه:
يؤخذ من قولهم: ((ممطرنا)» بطلان ما قيل: أمطرنا في القرآن إلا في العذاب،
فيكره أن يقال ذلك، ووجه بطلانه: أنهم إنما أرادوا بـ((مطرنا)) الذي كأمطرنا الغيث
حتى رد عليهم بما بعد ((بل)) ومن ثم صوب النووي خلاف هذه المقالة، واحتج
بذلك وبأنه جاء في ((مسلم)) وثلاثة أبواب من ((البخاري)) استعمال ((أمطرنا)) في
الغیث.
(وَفِي رِوَايَةٍ: وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَّ) هذه (رَحْمَةُ) فلا تخافوا (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٥١٤ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َيِ: مَفَاتِیحُ
الْغَيْبِ خَمْسَ، ثُمَّ قَرَّأَ: ﴿إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ... ﴾ [لقمان: ٣٤](١).
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ)
جمع مفتاح بفتح الميم وهو المخزن؛ أي: خزائن الغيب التي يتساءل الناس عنها
ويتشوقون إلى الاطلاع عليها أكثر من غيرها (خَمْسُ) لا يعلم كلياتها غير الله، وقد
يطلع بعض أصفيائه على جزئیات منهن.
(ثُمَّ قَرَأَ) بيانًا لتلك الخمس (﴿إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ... ﴾.
(١) أخرجه البخاري (٤٧٧٨)، وأحمد (٤٨٧٠).

٣٩٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب في الرياح
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وفي رواية: ((مفاتح الغيب)(١) وهو جمع: مفتاح؛ أي: العلوم التي هي من
المغیبات خمس.
وقيل: المفاتيح والمفاتح جمع: مفتاح ومفتح، وهما في الأصل اسم لما يتوصل
لاستخراج معلق يتعذر الوصول إليه.
١٥١٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَلَّا تُمْطَرُوا،
وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: لَيْسَتِ السَّنَةُ) هي علم بالغلبة
على الزمن المحدث المقحط مفسرة (بِأَلَّا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا)
أي: مرة بعد مرة (وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا) لأن حصول الشدة بعد توقع الرخاء وظهور
مخائله وأسبابه أقطع مما إذا كان اليأس حاصلاً من أول الأمر، وكان ذلك إشارة إلى أن
الذنوب الموجبة لانقطاع الغيث تتفاوت، فبعضها ينعدم به المطر وبعضها ينعدم به
النبات مع وجود المطر، وهذا أشد عقوبة من الأول؛ لأن فيه غاية الاستهزاء أو
السخرية بالممطرين، فإنهم يشتد فروجهم بالمطر ظنًّا أنه أزال ما بهم من الحدث
والضنك، ثم يسقط في أيديهم بانعدام النبات بعد المطر، ويعلم المضنون منهم أن ذلك
الأمر فظيع صدر منهم فزعًا، وكان ذلك سببًا لرجوعهم وإيمانهم (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
(الفصل الثاني)
١٥١٦ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِ لهِ يَقُولُ: الرِّيحُ مِنْ
رَوْجِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَبِالْعَذَابِ، وَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ مِنْ خَيْرِهَا وَتَعَوَّذُوا مِنْ
شَرِّهَا(٣). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَهُ وَالْبَيْهَِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ الگَبِيْرِ)].
(١) أخرجه البخاري (٤٦٢٧).
(٢) أخرجه الشافعي (٨٢/١)، ومسلم (٢٩٠٤)، وأحمد (٨٦٨٨).
(٣) أخرجه الشافعي (٨١/١)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٢٠)، وأبو داود (٥٠٩٩)، وابن حبان
(١٠٠٧)، والحاكم (٧٧٦٩) وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، والبيهقي (٦٢٥٦)، وأحمد
=

٤٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: الرِّيحُ مِنْ رَوْجِ الله)
بفتح الراء: رحمته وراحته، ومنه: ﴿فَرَوْعُ وَرَيْحَانَّ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩].
ومنه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْجِ الله﴾ [يوسف: ٨٧].
وأصل الروح: التنفس (تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ) لمستحقها (وَبِالْعَذَابِ) لمستحقيه، ولا
ينافي ذلك كونه من الرحمة؛ لأن تعذيب الظالمين رحمة للمؤمنين.
قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الأنعام:
٤٥] ولأن الروح هنا مصدر بمعنى: اسم الفاعل؛ أي: من روائح الله [التي تجيء](١) من
حضرته بأمره، فتارة يأتي بالرحمة وتارة بالعذاب.
(وَلَا تَسُبُّوهَا) أي: جاءتكم وأنتم مكرهون؛ لأنها مأمورة مقهورة، ومن ثم كره
الشافعي سبها، قال: لأنها خلق الله تعالى تطيع، وجند من أجناده يجعلها رحمة ونعمة
إذا شاء (وَسَلُوا اللهَ مِنْ خَيْرِهَا وَتَعَوَّذُوا مِنْ شَرِّهَا. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُودَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه
وَالبَيْهَعِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الكَبِيْرِ))).
١٥١٧ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ رَجُلاً لَعَنَ الرِّيحَ عِنْدَ النَّبِيِّ
وَ فَقَالَ: لَا تَلْعَنُوا الرِّيحَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةً، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ بِأَهْلِ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ
عَلَيْهِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيْبٌ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ رَجُلاً لَعَنَ الرِّيحَ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َله
فَقَالَ: لَا تَلْعَنُوا الرّيحَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةُ) بما تأتي به من الرحمة والعذاب فلا مساغ للعنها،
وإنما المفر عند التضرر بها التوبة إلى الله تعالى، فإنها تأديب من الله تعالى لعصاة
عباده، وتأديبه تعالى لهم غاية الرحمة في حق مؤمنيهم، فهي لا تأتي للمؤمنين إلا بخير،
-
(٩٢٨٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٧٦٧)، وأبو يعلى (٦١٤٢).
(١) في الأصل: الجائية.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٠٨)، والترمذي (١٩٧٨) وقال: حسن غريب، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٥٢٣٥)، والضياء (١٨).