Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة العيدين الصلاة))(١). انتهى. ويمكن الجمع بين الروايتين وبين هذه الرواية لمسلم التي فيها انصرافه، فقال له: ((غيرتم ... إلخ)) (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من البدع، وإن لم يكن يخرجه، وإن كان المنكر عليه واليًا له، فإزالة تلك البدعة باليد لمن قدر عليها، ولا ينافي هذه الرواية رواية مسلم أيضًا: إنه لما بدأ بالخطبة قال له رجل: ((يا مروان، خالفت السنة، أخرجت المنبر يوم عيد ولم يكن يخرج به، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة ولم يكن يبدأ بها(٢). قال أبو سعيد: أمَّا هذا فقد قضى ما عليه، وساق حديث: ((من رأى منكرًا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده)»(٣) وذلك لأنهما قضيتان: أحدهما: لأبي سعید. والأخرى: بحضرته، وكأنه إنما سكت حتى أنكر ذلك الرجل؛ لأنه همّ بالإنكار فبدأه ذلك الرجل فقصده بسوق الحديث المذكور. قيل: في إنكارهما بحضرة هذا الجمع العظيم دليل على أنه لم يعمل به خليفة قبل مروان، وإن حُكي عن عمر وعثمان ومعاوية لا يصح. (١) أخرجه البخاري (٩٥٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٣٥٣). (٢) أخرجه أبو داود (١١٤٢)، وأحمد (١١٣٧١)، وابن ماجه (١٣٣٤)، ولم أقف على لفظه عند مسلم. (٣) أخرجه مسلم (٤٩)، وأبو داود (١١٤٠)، والترمذي (٢١٧٢) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١١٤٧٨)، والنسائي (٥٠٠٨)، وابن ماجه (٤٠١٣)، وابن حبان (٣٠٧)، والطيالسي (٢١٩٦)، وأبو يعلى (١٠٠٩)، وعبد بن حميد (٩٠٦)، والبيهقي (١٩٩٦٦)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٨/١٠). (باب الأضحية) بضم الهمزة وكسرها مع تخفيف الياء وتشديدها، وجمعها: أضاحي - بتشديد الياء وتخفيفها - ويقال: ضحية، بفتح أوله وكسره، وجمعها: ضحايا وأضحاة، بفتح أوله وكسره، وجمعها: أضحى، وبها سمي يوم الأضحى، وهي: ما يذبح من النعم تقربًا إلى الله تعالى بطلوع شمس يوم العيد، ومضي قدر صلاته وخطبته إلى آخر أيام التشريق كما يأتي، وأصل ضحى بكذا: ذبحه وقت الأضحى من يوم الأضحى، ثم توسع فيه فأطلق على ما يذبح في تلك الأيام الأربعة وليالي التشريق الثلاثة. والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿فَصَلٌّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] صلِّ صلاة العيد وانحر النسك كما قاله جمع مفسرون، وصح كما يأتي أنه وملي﴾ أقام بالمدينة عشر سنين يضحي كل سنة، ومنه يؤخذ أن عيد الأضحى شُرِّع قبل عيد الفطر؛ لما مرَّ أنه ◌َّ لم يصلِّ عيد الفطر إلا تسع سنين. فإن قلت: لا يلزم من مشروعية الأضحى مشروعية العيد. قلت: ممنوع، بل يلزم من ذلك؛ لما مر من الأحاديث الدالة التي توقف ضحية ذبح الأضحية على العيد وخطبته دائمًا، واختلفوا في وجوبها، ومذهبنا أنه سنة ولو المسافر وحاج بمنى، وإن أهدى للإتباع فيهما. وقول العبدري، من أصحابنا: ((لا تسن لمن بمنى)) غلط مؤكدة؛ لقوة الخلاف في الوجوب الذي ذهب إليه الحنفية، ودليلنا ما جاء بسند حسن: ((إن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان مخافة أن يرى الناس ذلك واجبًا))(١). وخبر مسلم الآتي: ((إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس ... (١) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (١٩٥٠٧). - ٣٢٢ - ٣٢٣ تتمة كتاب الصّلاة/ باب الأضحية إلخ)) (١) فجعلها بإرادة المكلفة دليل على عدم وجوبها كما قالوه. واعترضه جمع متأخرون منا وأطالوا، ويجاب بأن الأصل فيما يعلقه الشارع بإرادة المكلف: إنه غير واجب، ولا يرد خبر: ((من أراد الجمعة فليغتسل))(٢) لأن الوجوب هنا علم من خارج. والأمر في خبر: ((فليذبح أخرى مكانها)) (٣) السابق للندب جمعًا بين الأدلة. وخبر: ((إن على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة)) (٤) ضعيف مع الاتفاق على أن العتيرة غير واجبة. وخبر: «من وجد سعة لأن يضحي فلم يضحِّ فلا يحضر مصلانا))(٥) ضعيف أيضًا وموقوف على أبي هريرة. وحديث: ((نسخ الأضحى كل ذبح)) (٦) ضعيف أيضًا. (الفصل الأول) ١٤٥٣ - [عَنْ أَنَسِ عِ﴾ قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللهِ وَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَجَهُمَا بِيَدِهِ وَيَسَمِّي وَكَبَّرَ، قَالَ: وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، وَيَقول: بِسْمِ الله وَاللهُ أَكْبَرُ(٧) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (١) أخرجه مسلم (١٩٧٧)، والنسائي (٤٣٦٤)، وابن ماجه (٣١٤٩)، والشافعي (١٧٥/١)، والحميدي (٢٩٣)، والدارمي (١٩٤٨)، وأبو عوانة (٧٧٨٧)، والبيهقي (١٨٨٢٠). (٢) تقدم تخريجه. (٣) تقدم تخريجه. (٤) أخرجه أحمد (٢٠٧٥٠)، وأبو داود (٢٧٨٨)، والترمذي (١٥١٨) وقال: حسن غريب، والنسائي (٤٢٢٤)، وابن ماجه (٣١٢٥)، والبيهقي (١٩١٢٨)، والطبراني (٧٣٩)، وابن أبي شيبة (٢٤٣٠٣)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢٣١٨). (٥) أخرجه أحمد (٨٢٥٦)، والحاكم (٣٤٦٨)، والبيهقي (١٨٧٩١). (٦) أخرجه الدارقطني (٣٩)، وابن عدي (٣٨٦/٦)، والبيهقي (١٨٧٩٩). (٧) أخرجه البخاري (٥٥٥٨)، ومسلم (٥٢٠٠)، وأحمد (١٣٢٣٢)، وابن ماجه (٣٢٣٩)، وابن حبان (٢٢١)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٤٨١). ٣٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس (عَنْ أَفَسِ عَظُهُ قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِكَبْشَيْنٍ) لا ينافي أن الأفضل الإبل فالبقر؛ لأن ذلك في القادر، والظاهر أنه وس# ذبح كبشين، وكان وجه تعددهما ما يأتي: إنه ذبح واحد عن نفسه وآله، وواحد عن أمته، ويؤخذ من إيثاره الذكر أنه أفضل من الأنثى؛ لأن لحمه أطيب، ومن ثمَّ لو كَثُرَ نَزَوَانُهُ فضلته الأنثى التي لم تلد؛ لأن لحمها أطيب. (أَمْلَحَيْنِ) أي: بياضهما أكثر من سوادهما، ومنه أخذ أئمتنا أنه أفضل ألوان الأضحية وأنواعها البياض؛ لأن الأملح إذا استحب لكثرة بياضه فلا يستحب ذو البياض الخالص، بالأولى أن ابن الأعرابي فسره: بذي البياض الشديد، ويوافق الأول الذي عليه جمع لغويون قول عائشة، رضي الله عنها: «هو الذي ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد، ويبرك في سواد))(١) يعني: إن هذه المواضع من بدنه سوداء وباقیه بيض. فإن قلت: ما الدليل على أن استحبابه لكثرة بياضه دون سواده؟ قلت: لأن جنس البياض صح مدحه وقال له كما مرَّ في الجمعة، ولا لذلك الأسود فغلب البياض، والأفضل بعده الأصفر، فالأعفر، فالأشقر، فالأحمر القاني، فالأبلق، فالأسود، ومن ثم قال بعض المتأخرين: وإذا تأملت كلام الأئمة علمت أن كلما كان أقرب إلى البياض كان أولى مما رواه. وروى أحمد والحاكم خبر أبي هريرة: ((لدم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين))(٢) ومنازعة البخاري في رفعه لا تضر؛ لأن أبا هريرة لا يقوله من قبل الرأي، فله حكم المرفوع، ولو تعارض اللون وطيب اللحم فرعاية طيبه أفضل. (١) أخرجه أبو داود (٢٧٩٨)، والترمذي (١٥٧٥)، وابن ماجه (٣٢٤٨)، والبيهقي في «سننه» (١٩٥٥٩). (٢) أخرجه أحمد (٩٣٩٣)، والحاكم (٧٥٤٣)، والبيهقي (١٨٨٧٠). عفراء: بيضاء. ٣٢٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب الأضحية (أَقْرَنَيْنِ) أخذوا منه: إن الأقرن أولى، وصحَّ: ((خير الأضحية الكبش الأقرن)»(١) وبه يُعلم عدم وجوب الأقرن؛ لأن خير بمعنى: أفضل، ولأنه أحسن منظرًا، بل يكره غيره عند أصحابنا، وعُلم من كون الأقرن أولى، وأجزأ مكسور قرن لم يُعِب لحمه وإن دمي بالكسر؛ إذ لا يتعلق بالقرن كبير غرض والقرناء أفضل إجماعًا. ومن ثم أجزأت العقصاء: وهي التي كسر قرناها من أصلها سال دمهما أولا. والجلحاء: وهي التي كسر منها أحدهما. والطحاوي: هي التي لم يخلق لها قرن. والعضباء: وهي التي ذهب بعض قرنها. والعصماء: وهي التي انكسر غلافه. والقصماء: وهي التي انكسر قرنها الباطن، ويكره التضحية بكل ذلك؛ النهي عن التضحية بمكسور القرن، صححه الترمذي واعترض بأن في إسنادها ضعيفًا. (ذَبَهُما بِيَدِهِ) فيه أن السنة للذكر القادر البصير أن يتولى ذبح أضحيته بنفسه وكذا تفريقها؛ لأن ذلك قربة فكان الأولى مباشرته بالنفس، فإن أراد أن يوكل على خلاف الأفضل أو لعذر، فالأولى أن يوكل مسلمًا مكلفًا فقيهًا بأحكام الضحايا وما يتعلق بها، ويسن للموكل حضور ذبح وكيله ومباشرته هو للنية، ويسن للمضحي أن يكون ذبحه لأضحيته في بيته بمشهد أهله وأن يتظاهر بذلك بأن يفتح باب منزله ليحضر الفقراء فينالوا منها نعم الأفضل للإمام الأعظم أن يذبح بالمصلى كما یأتي. ويسن لنحر امرأة التوكيل والحضور للخبر الحسن، بل صححه الحاكم: إنه قليلة. قال لفاطمة، رضي الله عنها: ((قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه بأول قطرة من دمها (١) أخرجه الترمذي (١٥١٧) وقال: غريب، وابن ماجه (٣١٣٠)، والطبراني (٧٦٨١)، والبيهقي (١٨٨٦٩)، وابن عدي (٣٨٠/٥)، والحاكم (٧٥٥١)، والبزار (٢٧١١)، والضياء (٤٢٥). ٣٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس يغفر لك ما سلف من ذنوبك))(١). وفي رواية صحيحة: ((كل ذنب عملته))(٢). وفيها الأمر لقول: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَتَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أَمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] وأن هذا عام لجميع الأمة، ويكره توكيل ذمي وصبي؛ لكن الصبي أولى من الذمي، وأعمى؛ لنقصهم من حيث الذبح، لا امرأة ولو حائضًا لعدم نقصها من تلك الحيثية. (وَيسَمِّي) فيه أنه ينبغي للذابح مطلقًا أن يسمي، ولم يجب ذلك عندنا؛ لأنه وَّه كما في البخاري: أباح المذبوح مع ذكرهم أنهم شاكون في أن ذابجه سمَّى أولا، ومع ذكرهم القرينة على عدم تسميته وهو حدثان عهده بالجاهلية، فلو وجبت التسمية لما حل ذلك. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فليس معطوفًا - كما تقتضيه قوانين البلاغة - على ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ [الأنعام: ١٢١] للتباين التام بينهما؛ إذ هذه فعلية إنشائية وتلك اسمية خبرية، ولا جوابًا لمكان الواو، فتعين أن يكون للحالية المفيدة للنهي بمدخولها، وهو كون الذبح فسقًّا، والفسق في الذبيحة مفسرًا في القرآن بـ ﴿ومَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ [المائدة: ٣]. ومما يبطل جعل ((الواو)) للاستئناف أو للعطف بناء على صحة عطف الإخبار على الإنشاء كما قال به جمع، وتعين الحالين، وأن المراد بالفسق ما ذكرناه. إجماع الأمة على أن آكل متروك التسمية غير فاسق، وبهذا يتضح حمل الأمر بالتسمية في الأحاديث على الندب جمعًا بين الأدلة، ويكره تركها للخلاف القوي في وجوبها. (١) أخرجه الحاكم (٧٥٢٥) وقال: صحيح الإسناد، والعقيلي (٣٧/٢)، وابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٥٩٦). (٢) أخرجه البيهقي في ((سننه الكبرى)) (١٠٠٠٥). ٣٢٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب الأضحية تنبيه: قال بعض المتأخرين: الأولى هنا كالحدود والتعازير ((بسم الله)) فقط؛ لأن الرحمة لا تناسب المقام؛ لكنه ناقض نفسه في موضع آخر فقال: ليس المراد بالتسمية خصوص هذا اللفظ، بل لو قال: ((الرحمن الرحيم)) كان حسنًا، والذي خرج به غيره، وكلام ((شرح مسلم)) ظاهر فيه الأول، وهو الذي صح عنه قَالَ: ((والله أكبر)) كما يأتي. (وَكَبَّرَ) منه أخذ الشافعي ﴾ قوله: ويختار في الأضحية خاصة أن يكبِّر قبل التسمية وبعدها ثلاثًا؛ لأنها في أيام التکبیر ثم يختم بالتحميد، واعترض التثليث بخبر مسلم المذكور، فإنه ليس فيه إلا مرة واحدة، ويرد بالقياس على تسبيح الركوع وغيره ويسن للذابح أن يصلي على النبي وَ لل بل وأن يكثر من ذلك كما نص عليه الشافعي؛ لأنه محل سن فيه ذكر رسول الله وَل﴿ كما صرح به تفسيرهم: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]: ((إلا وتذكر معي))(١) وبه يرد ما نقل عن سائر العلماء غير الشافعي من كراهتها هنا، ومما يرد ذلك النقل: إنه اضطرب فيها النقل عن مالك وأبي حنيفة وغيرهما. وما أحسن قول الحليمي: وحاشا له وَلّ أن يكره الصلاة عليه عند طاعة وقربة. انتهى. نعم يحرم أن يقول: بسم الله، واسم محمد، وبسم الله ومحمد، أو بسم الله ومحمدًا رسول الله، يحرم قول محمدًا فيهما؛ لما فيهما من إيهام الشريك، ومن ثم لو أراد ذبح باسم الله والتبرك باسم محمد كُره ولم يُحرم، ولم ينل للاهتمام حينئذٍ؛ لأن القصد عارضه وهو قوي بخلاف مجرد الوصف بالرسالة. (قَالَ) أنس رأيت (وَاضِعًا قَدَمَهُ) الظاهر أنها اليمنى (عَلَى صِفَاحِهِمًا) إلى جانب عنق كل منهما يؤخذ منه أن ذلك سنة وإن لم يذكروه (وَيَقول: بِسْمِ الله) فيه تصريح (١) أخرجه الشافعي في ((مسنده)) (١٠٧٤)، والبيهقي في (سننه)) (٥٩٨١) وفي ((الدلائل)) (٢٩٩٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٩٢/٧). ٣٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس كما مر بندب الاقتصار في التشهد على هذا اللفظ (وَاللهُ أَكْبَرُ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٤٥٤ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأَتَى بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، قَالَ: يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَّةَ، ثُمَّ قَالَ: اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَجَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ الله، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أَمَّةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ضَخَّى بِهِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ أَمَرَ بِكَبْشٍ) أي: بالإتيان به إليه (أَقْرَنَ) أي: كامل القرنين (يَطَأَّ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ) مجاز عن سواد القوائم والبطن والعين كما مرَّ بما فيه، أو تجريد أن يطأ ويبرك في الأرض بسواد قوائمه وبطنه جعل السواد طرفًا ومحلاً لوطئه وتركه، وهو صفة القوائم والبطن، وكذلك جعل المنظور فيه سواد العين وهو الناظر نفسه، ونظيره: ((في البيضة عشرون رطلاً من حديد)) إذ هي هذا القدر لا طرف له. (فَأَنَى بِهِ لِيُضَّيَ بِهِ) علة الأمر (قَالَ: يَا عَائِشَةُ، هَلُّي الْمُدْيَةَ) أي: تعالي بها، ولفظه واحد مبني على الفتح في الواحد والمذكر وفرعهما عند الحجازيين، ومختلف عند أبي تميم والخبر يؤيدهم، والمدية مثلثة الأول: السكين، سميت بذلك؛ لأنها تقطع مدة الحياة وسكينًا أو سكينة؛ لأنها تسكن حرارة الحياة. (ثُمَّ قَالَ: اشْحَذِيهَا) أي: حديها (بِحَجَرٍ فَفَعَلْتُ) فيه ندب تحديد الآلة، وفي خبر مسلم: ((وليحد أحدكم شفرته))(٤) وهي بفتح أوله المعجم: السكين العظيم، (١) أخرجه مسلم (٥٢٠٣)، وأبو داود (٢٧٩٤)، وأحمد (٢٥٢٢٦)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٦٥٥). (٢) أخرجه مسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي (١٤٠٩) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٧١٥٤)، والدارمي (١٩٧٠)، وابن أبي شيبة (٢٧٩٢٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١١٠٧١)، والنسائي (٤٤٠٥)، وابن ماجه (٣١٧٠)، والطيالسي (١١١٩)، والطبراني (٧١١٤)، والبزار (٣٤٦٨)، والديلمي (٦٤٨). ٣٢٩ تتمة كتاب الصّلاة/ باب الأضحية ويكره حدها قبالة الذبيحة؛ لأن عمر ضرب بالدرة من رآه يفعل ذلك، وذبح أخرى قبالتها لخبر فيه، والذبح بكالة، نعم، إن كان كَالًا، لا يقطع إلا بشدة اعتماد الذابح وقوته لم يحل المذبوح بها. (ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَهُ، ثُمَّ) هي هنا بمعنى: الواو بقرينة ما علم من بقية الأحاديث أنه * كان يبسمل ثم يذبح، أو لتراخي الرتبة إشارة؛ أي: إلى أن الذبح مقصود بالذات، والبسملة بالتبع (قَالَ: بِسْمِ الله) في الاقتصار على هذا تأييد لما مر أنه السنة من غير زيادة عليه (اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ضَحَّى بِهِ) أي: غدَّى قومه به، من ((ضحى قومه)) أي: غداهم، ويصح أن یکون قوله: «ذبح) بمعنی: أراد، فحينئذٍ يكون (ثم)» على بابها، وضحى على ما يتبادر منها من أنها بمعنى: ذبح ضحيته (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ويصح أن يكون في قوله: ((وآل محمد)) تأييد لقول أصحابنا: لو ذبحها عنه وعن أهل بيته حصل الشعار والسنة للكل؛ لأنها سنة كفاية، ومعنى حصول السنة للكل: سقوط الطلب عنهم لا حصول الثواب المستلزم لكونه فداء عن النفس، كما في فرض كفاية أو سنتها قام بأحديهما واحد كابتداء السلام ورده، وما اقتضاه كلام الغزالي من حصول الثواب مُنظَر فيه؛ إذ لا ملك ولا شرف، ولا يؤيده قوله: ((ومن أمة)) لأن ذلك إشراك في الثواب كما نقله النووي عن جمع. وإشراك الغير في ثواب الأضحية جائز فيحصل للغير، وإلا انتفت فائدة الإشراك فيه، وعليه فتكون الأضحية اختصت بذلك لحكمة علمها الشارع، والظاهر أن طلبها لا يسقط عنه وإن حصل له ثوابها، وإلا لزم أن الإنسان لو أشرك أهل عصره في أضحيته سقط طلب التضحية عنهم، ولا أظن أحدًا يسمح بذلك، فزعم بعض المتأخرین ن فائدته سقوط الطلب ليس في محله. ولا يضحي أحد عن أحد حي أو ميت بغير إذنه أو وصية؛ لأن القصد بالتضحية إحياء شعار مخصوص فأشبهت الحج بخلاف الصدقة، ومن ثم لم يقل أحد ٣٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس بوجوبها. وقال جمع بوجوب الأضحية عينًا أو كفاية كالحج أمَّا عن الميت بوصية فيجوز؛ لما صح أن عليًّا - كرم الله وجهه - كان يضحي عند النبي و له بكبشين كل سنة لأمره ڼ له بذلك كما يأتي. ١٤٥٥ - [وَعَنْ جَابِرِ ضَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌َيِ: لَا تَذْبَحُوا إِلَّ مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَجُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأَنِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ: لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً) وهي من الإبل ما استكمل خمس سنين، ومن البقر والغنم ما استكمل سنتين (إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ) تحصيل مسنة (فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ) وهي ما تمَّ له سنة. وقيل: ستة أشهر، نعم إن أجذع قبل السنة أجزا لا من البقر، وهو ما دخل في الخامسة، ولا من المعز، وهو ما دخل في الثانية، ومع إجزاء جذعهما اتفقوا عليه، وألحق به الزهري جذع الضأن، وخالفه الأكثرون. هذا الخبر وما فيه من التقييد للعسرة لبيان الأكمل؛ أي: يسن لكم أن تؤثروا المسنة فإن عجزتم فجذعة ضأن بدليل الخبر الآخر: ((نعمت الأضحية الجذع من الضأن)»(٢). وروى أحمد وغيره: ((ضحوا بالجذع من الضأن فإنه جائز)(٣). ثم رأيت النووي نقل الإجماع على صرفه عن ظاهره؛ لأن من يمنع جذعة الضأن يمنعها وإن لم يكن عنده ثنية معز، ومن يجيزها لا يفرق أيضًا، فكان تأوله (١) أخرجه مسلم (٥١٩٤)، وأبو داود (٢٧٩٩)، وأحمد (١٤٨٧٦)، والنسائي (٤٣٩٥)، وابن ماجه (٣٢٦١)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٦٠٢). (٢) أخرجه الترمذي (١٤٩٩) وقال: حسن غريب، والبيهقي (١٨٨٥٤)، وإسحاق بن راهويه (٣٠٧)، وأحمد (٩٧٣٧). (٣) أخرجه أحمد (٢٧١١٧)، والطبراني (٣٩٧)، والبيهقي (١٨٨٥١)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني» (٣٣٩٥). ٣٣١ تتمة كتاب الصّلاة/ باب الأضحية مجمعًا عليه وظاهر ((فإن عجزتم فجذعة ضأن)) الذي ذكره النووي في موضع: ((إن أنثى غير الضأن أفضل من جذعه)). ويناقضه قوله أيضًا: اتفقوا على أن جذعة الضأن أفضل من ثنية المعز، ويجاب بأنه: إنما نص على أفضليتها على ثنية المعز لا على مطلق الثنية الشامل لشنية الإبل والبقر (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ١٤٥٦ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ◌َ أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ أَعْطَاهُ غَنَمَّا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا فَبَقِيَ عَتُودُ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللهِ وَ﴿ فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ أَنْتَ، فَقَالَ - وَفِي رِوَاية: قُلْتُ - يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَنِي جَذَعُ، فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ْ أَعْطَاهُ غَنَمَّا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا) فقسمها (فَبَقِيَ عَتُودُ) أي: ابن مسنة من المعز (فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللهِ وَلْ فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ أَنْتَ، فَقَالَ - وَفِي رِوَاية: قُلْتُ -: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَنِي جَذَّعُ، فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وإجزاؤها عنه خصوصية له بدليل قوله ◌َّ لأبي بردة في جذعة المعز: ((اذبحها عن أحد بعدك)(٢). ١٤٥٧ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: كَان النَّبِيُّ ◌َِّ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّ(٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى. رَوَاهُ الُْخَارِيُّ) وبه أخذ أئمتنا فقالوا: السنة للإمام الأعظم إذا أراد فعل السنة له، وهي التضحية من بيت المال عن المسلمين، إذا كان فيه اتساع أن يذبح بالمصلى، بخلاف ما (١) أخرجه البخاري (٢٥٠٠)، ومسلم (٥١٩٦)، والترمذي (١٥٨١)، وأحمد (١٧٨٠٩)، والنسائي (٤٣٩٦)، وابن ماجه (٣٢٥٨)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٥٣٦). (٢) أخرجه البخاري (٩١٢)، ومسلم (١٩٦١)، وأبو داود (٢٨٠٠)، والدارمي (١٩٦٢)، وأبو عوانة (٧٨٠٩)، وابن حبان (٥٩٠٧). (٣) تقدم تخريجه. ٣٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس إذا ذبح من ماله فإنه یذبح حيث شاء. ١٤٥٨ [وَعَنْ جَابِرٍ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ قَالَ: الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ وَأَبُو دَاوُدِ وَاللَّفْظُ لَهُ]. (وَعَنْ جَابِرٍ ﴾﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ) من البيوت (وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ) وبه أخذ أئمتنا فقالوا: تجزئ الضحية وغيرها البدنة عن سبعة بيوت، والبقرة كذلك اتخذت قربتهم في الوجوب ماعدا أجزاء الصيد؛ لأن المعتبر فيه المماثلة أو الندب أو لإبل، لو أراد بعضهم القربة وبعضهم اللحم، أو كان بعضهم ذميًّا جاز. وفي خبر مسلم في التحلل بالإحصار: ((نحرنا مع رسول الله صلير البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة))(٢). وفي خبر الترمذي الآتي عن ابن عباس : «كنا مع النبي ◌َالار في سفر فاشترکنا في البقرة سبعة وفي البدنة عشرة)»(٣) معارض بالرواية الصحيحة: ((وفي البدنة سبعة أو عشرة)» (٤) فهو شاك وغير جازم بالسبعة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وزعم رواية البخاري له غلط (وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ) هذا هو الداعي له إلى ذكر أبي داود مع أن ما في الفصل الأول لا يسنده لغير ((الصحيحين)) لكن البغوي لما أخذ لفظ أبي داود الثابت معناه في مسلم وجعله في الفصل الأول، وهِمَ أن اللفظ لأحد ((الصحيحين)) فبيَّن المصنف أن الذي في مسلم المعنى، وفي أبي داود اللفظ، وللمشتركين قسمة اللحم؛ لأنها اصطياد لا رياء فيه، ولا يتبع ولا يجزئ اشتراك اثنين بينهما على الإشاعة اقتصارًا على ما ورد به الخبر؛ ولأن إراقة الدم هنا عن (١) أخرجه أحمد (٤٣٠٤)، وأبو داود (٢٨٠٨)، والبيهقي (١٩٠١٩)، والطبراني في ((الأوسط)) (٩٠٦٤)، والدارقطني (٢٤٣/٢). (٢) أخرجه مالك (١٠٣٩)، ومسلم (٣٢٤٦)، وأبو داود (٢٨١١)، والترمذي (١٥٨٤)، وأحمد (١٤٤٩١)، وابن ماجه (٣٢٥٢)، والبيهقي في «سننه» (١٩٧٠٩). (٣) أخرجه الترمذي (١٥٨٣)، وابن حبان (٣١٨). (٤) أخرجه ابن حبان (٤٠٨٢). ٣٣٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب الأضحية واحد هي المقصودة، فلم تجز الشركة فيها. ١٤٥٩ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَخِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةِ: فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفُرًّا(١). وَفِي رِوَاية: مَنْ رأى هِلالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُضَّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِه(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌ِ: إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا) كقطع بعض جلده كما صرح به الأئمة ولم يطلع عليه شارح فقال: المراد بالبشرة هنا: الظفر (وَفِي رِوَاية: فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا) ولو من نحو إبط (وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفُرًا). (وَفِي رِوَاية: مَنْ رَأَى هِلالَ ذِي الْحِجَّةِ) أي: من علم بثبوت الحجة وإن لم يرَ، فذكرت الرؤية له، كما أفادته الرواية الأولى (وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وبه أخذ أئمتنا فقالوا: يُسن بعد هلال الحجة لمن أراد ضحية أو هدیًا. قال بعض المتأخرين: أو لم يرد، ولكن عليه أضحية منذورة. ويؤيده ما مرَّ في تقريره عدم وجوب الأضحية أن الواجب لا يعلق بالإرادة ولا يؤثر في استتباعه لإثارة العزم على تركه، ألَّا يزيل شيئًا بأي وجه كان من آخر بدنه كشعره أو ظفر حتى يضحي ولو واحد من عدد أراد التضحية بهن؛ لتشمل المغفرة السابقة اتفاقًا في حديث فاطمة جميع أجزائه، وإن زال شيئًا كُره، ومنه نحو القصد كما قاله جمع، لكن غلطهم البلقيني بأن المراد: قطع جلدة أو نحوها مما لا يضر قطعه ولا حاجة له في قطعه. انتهى. وهل من الحاجة حضور الجمعة أو إرادة الإحرام؟ فيُسن لمريد أحدهما (١) أخرجه مسلم (٥٢٣٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان)) (٧٠٧٩). (٢) أخرجه مسلم (١٩٧٧)، وأبو داود (٢٧٩١)، وأبو يعلى (٦٩١٧)، وابن حبان (٥٩١٧). ٣٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس التنظيف بإزالة الشعر والظفر أو لا، محل نظر، وظاهر كلامهم الثاني، لكن بحث بعض الأئمة أن التنظيف من ذلك لأجل الحاجة المانعة لكراهة الإزالة. وشرح بعضهم قولهم: ((ليشمل المغفرة)) أن التضحية فداء النفس من العذاب، وهو القتل الذي أوجبه تقصيره، فكان كل جزء منها فداء لكل جزء منه، فنهى عن أخذ ذلك؛ لئلا يفقد من أجزائه قسط ما عند تنزل الرحمة وفيضان النور الإلهي؛ ليتم له الفضائل ويتنزه عن النقائص، وصرف ذلك عن الوجوب وفيضان النور، قول عائشة: ((إنه ﴿ ﴿ كان يبعث الهدية فلا يحرم عليه شيء أحله الله حتى ينحر)(١). وجعل بعض أئمتنا من الحاجة المانعة للكراهة أن يفحش طول شعره أو ظفره ويتراكم فيه وسخ أو يؤذيه بقاؤه لنحو قروح به أو انكسار ظفر، قال: وإذا أبيح هذا للمحرم عند الحاجة الحقة، بلا كراهة فما ظنك بالمضحي. انتهى. وذكر بعضهم أنه ينبغي ذلك لمن عزم على إعتاق بجامع شمول المغفرة للكل فيه أيضًا؛ إذ هو فداء عن البدن، بمعنى: إنه سبب لعتقه من النار، وقد يفرق بأن لها وقتًا عيَّنه الشارع، ففي إمساك الناس عن ذلك إليه إظهار لشعارها ولا كذلك العتق، ومن زعم أن المعنى هنا التشبيه بالحاج غلطوا بأنه يلزم عليه طلب الإمساك عن نحو الطيب ولا قائل به. ١٤٦٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَالَ: مَا مِنْ أَيَّامِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللّه مِنْ هَذِهِ الأَّيَّامِ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّ رَجُلْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ(٢) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (١) أخرجه مالك (٧٥٧)، والبخاري (١٧٠٠)، ومسلم (٣٢٦٨)، والبيهقي في ((سننه)) (١٠٤٨٨). (٢) أخرجه البخاري (٩٢٦)، وأحمد (٣٢٢٨)، والترمذي (٧٥٧) وقال: حسن صحيح غريب، وأبو داود (٢٤٣٨)، وابن ماجه (١٧٢٧)، وابن حبان (٣٢٤)، وعبد الرزاق (٨١٢١)، وابن أبي شيبة (١٩٥٤٠)، وابن خزيمة (٢٨٦٥). ٣٣٥ تتمة كتاب الصّلاة/ باب الأضحية (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ: مَا مِنْ) زائدة (أَيَّامِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ) ظرف للعمل (أَحَبُّ) خبر العمل، والجملة خبر ما واسمها أيام (إِلَى الله مِنْ) متعلق بـ(أحب)) وفيه حذف من العمل (هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ) الأُوَّل من ذي الحجة (قَالُوا: يَا رَسُولَ الله) ذكرت أنه ليس العمل في أيام سوى العشر أحب إلى الله من العمل فيها (وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله) في أيام أُخر أحب إلى الله تعالى من العمل في هذه الأيام. (قَالَ: وَلَّا الْجِهَادُ) المذكور (في سَبِيلِ الله) أفضل من ذلك (إِلَّا رَجُلْ) أي: إلا جهاد رجل (خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) بأن يقتل وينهب ماله، فهذا العمل أفضل في هذه الأيام وغيرها، وسيأتي في حديث: ((ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر))(١) ما له تعلق ببيان معنى الأفضلية هنا، فراجعه وحملي (لم يرجع من ذلك بشيء) على ما ذكرته هو المتبادر، وإن كانت هذه الثالثة كما تصدق علي بذلك تصدق بعدم رجوعه بما يرجع حياء من عزِّ مال، وصدق الثالثة بنفي الموضوع على الأول صحیح مطرد. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وبه يعلم عظم فضل عشر الحجة الأول، ومن ثم أخذ بعضهم من ذلك بفضله على عشر رمضان الأخير، وبعضهم فضَّل فقال: ليالي ذاك أفضل؛ لأن فيها ليلة القدر، وأيام هذا أفضل لذلك، وفيها نظر والذي اقتضاه كلام أئمتنا وغيره: إن ذاك أفضل مطلقًا؛ لأنه اختص بخصوصيات ليس منها شيء هنا، بل الظاهر أن كل أيام رمضان أفضل من هذه العشر؛ لأنه تطوع لحديث: ((سيد الشهور رمضان))(٢) ولأن العمل في أيام فرض هو أفضل من العمل في أيام العشر؛ لأنه تطوع. (١) أخرجه الترمذي (١٤٩٣) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٣١٢٦)، والحاكم (٧٥٢٣) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي (١٨٧٩٤). (٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٧٥٥)، والطبراني (٨٩٠٧)، وابن عساكر (٣٩٢/٢٦)، والديلمي (٣٤٧٨). ٣٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس وورد: «إن النفل في رمضان كالفرض في غيره، والفرض فيه كسبعين فرضًا في غیرہ)). ومن أراد الإحاطة بفضائل رمضان وخصوصياته فعليه بكتابي («إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام)) فإنه جمع ذلك فأوعى، وحديث أبي هريرة الآتي آخر الفصل الثاني المصرح بأفضلية هذه العشر على عشر رمضان مطلقًا ضعيف فلا حجة فيه للقائلين بذلك، ويصح أن يراد بالعمل الصالح هنا: ما هو شعار تلك الأيام، وهو التكبير عند نظر شيء من بهيمة الأنعام، فإنه يسن لمن رأى شيئًا منها، فالتكبير فيها أفضل من الأذكار المطلقة فيها وفي غيرها. (الفصل الثاني) ١٤٦١ - [عَنْ جَابِرِ مَّه قال: ذَبَحَ النَّبِيُّ ◌َّه يَومَ الذَّبح كَبْشَيْنِ أَقْرِنَيْنِ أَمْلَحَينِ مَوْجُوءَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّههَما قَالَ: إِنَّ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ عَلى مِلَّةٍ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا ومَا أَنا مِنَ المشركين، إِنَّ صَلَاتي ونسُكِي وَتَحْيَايَ وَمَمَاتي لله رَبِّ العالمينَ لا شَرِيكَ له، وَبِذَلِكَ أَمِرْتُ وأَنَا مِنَ المُسْلِمِين، اللهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ مُحَمّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْمِ الله وَاللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ ذَبَعَ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: ذَبحَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُمَّ هَذَا عَنِّ وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي](٤). (عَنْ جَابِرِ عَّه قال: ذَبَحَ النَّبِيُّ وَّهِ) أي: أراد أن يذبح؛ بدليل قوله: ((فلما ... إلخ)) (يَومَ الذَّبح) يسمى: يوم النحر أيضًا، وهو الأضحى (كَبْشَينٍ أَقْرِنَيْنِ أَمْلَحَينِ مَوْجُوءَيْنِ) أي: مرضوضي البيضتين، أو عرقهما من وجئ وجئًا إذا رض ذلك منه (١) أخرجه أحمد (١٥٠٦٤)، وأبو داود (٢٧٩٥)، وابن ماجه (٣١٢١)، والحاكم (١٧١٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، وابن خزيمة (٢٨٩٩)، والبيهقي (١٨٩٦٦)، والدارمي (١٩٩٨). (٢) أخرجه أحمد (١٥٢١٨)، والترمذي (١٦٠٤)، وأبو داود (٢٨١٢)، والبيهقي في «سننه» (١٩٦٥٦)، والدارقطني (٤٨٢٣). ٣٣٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب الأضحية رضًّا شديدًا؛ ليذهب منه شهوة الجماع، وإنما لم يؤثر ذلك؛ لأنه يزيد اللحم طيبًا، وكره ما فات من البيضة مع ألّا يؤكلان عادة، فلا كراهة خلافًا لمن زعمها. وقاس أصحابنا على المرضوض الخصي، واعترض بأنه كيف يُقاس فاقدهما بواحدة؟ ويرد بأنهما بالرض صارتا كالمعدودتين، ولا أثر لوجود صورة خالية عن المعنى المقصود منها، وفحل لا يضرب أولى من الخصي بخلاف ما يضرب؛ لأن الضرب يهزله ويفسد لحمه، وألحقوا به أيضًا فقيد إليه وضرع وذنب خلفه، وإنما ضر فقد الآذان خلفه؛ لأنها عضو لازم في الذكر والأنثى من الضأن والمعز غالبًا مع كونها مأكولة غالبًا بخلاف تلك الثلاثة. ألا ترى أن ذكر المعزلا إلية له، ولا يضر ذهاب بعض الأسنان إلا إن أثر في نقص اللحم؛ لتأثيره في الاعتلاف، ويضرّ مبان بعض ضرع أو إلية أو ذنب أو لسان وإن قل ذلك الْمُبَانِ ويشكل عليه حديث أحمد: إن أبا سعيد الخدري اشترى كبشًا ليضحي به فعدا الذئب فأخذ إليته، فسأل النبي ◌َّ﴿ فقال: ((ضحّ به))(١) وأشار بعض المتأخرين إلى عدم صحة سنده. (فَلَمَّا وَجَّههَما) أي: جعل وجههما إلى القبلة (قَالَ) متوجهًا بوجه قلبه إلى الحضرة الإلهية ومعرضًا عما سواها: (إِنَّ وَجَّهْتُ وَجْهيَ) أي: ذاتي (للذي فَطَرَ السَّمَاوات والأرضَ) أي: أوجدهما على غير مثال سبق حال كوني مستمرًا (عَلى) أصول وبعض فروع (مِلَّةِ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا) أي: مائلاً عن الأديان إلى الدين القيم (ومَا أَنا مِنَ المشركين) تأكيدًا لـ((حنيفًا)). (إنَّ صَلَاتي ونسكي) أي: جميع عبادتي ومنها الذبح؛ أي: ذبحي، وجمع بينهما كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلٌّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]. (وَتَحْيَايَ وَمَمَاتي) أي: حياتي وما أتيته فيها من الإيمان والأعمال الصالحة، (١) أخرجه أحمد (١١٥٧٨)، والطيالسي (٢٣٣٩). ٣٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس وموتي وما يفارقه من ذلك (الله) قصدًا ووقوعًا وخلقًا وإيجادًا (رَبِّ العالمينَ) أي: مربّهم بجلائل النعم ودقائقها، فوجب أن تقع الأعمال خالصة لوجهه، وأن يعتقد أنه لا غيره المتفضل بالإيجاد والإمداد والإحياء والإماتة (لا شَرِيكَ له، وَبِذَلِكَ) الاعتقاد والإخلاص (أُمِرْتُ) من الله ورسوله (وأنَا مِنَ المُسْلِمين) ومر في دعاء الافتتاح أنه * كان تارة يقول هذه وتارة يقول: ((وأنا أول المسلمين))(١) لأنه أول مسلمي هذه الأمة. (اللهُمَّ) هذا الذي أريد ذبحه عطية وأصله إلي (مِنْكَ) تفضلاً وإنعامًا علي (وَلَكَ) ذبحه تعبدًا وقصدًا وإخلاصًا، وقد جعلته (عَنْ مُحَمّدٍ وأَمَّتِهِ) ليزدادوا ثواب المضحي، ويحصل ثواب التضحية لمن لم يضحّ، وفيه التفات حسَّنه ما فيه من التواضع وطلب الإمداد للأمة بإيثار ذلك الحمد الذي خصَّ به نبيهم ◌ّ. (بِسْمِ الله وَاللهُ أَكْبَرُ) فيه دليل لما مر أن الأولى حذف ((الرحمن الرحيم)) لأن المقام ينبو عنه (ثُمَّ ذَبَحَ) هما (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ) وصححه الحاكم. (وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدْ وَالتِّرْمِذِيِّ: ذَبِحَ بِيَدهِ) فيه ندب ذبح الرجل الأضحية بيده إن أطاقه، وكذا المرأة (وَقَالَ: بِسْمِ الله وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُمَّ) اجعل ذبح (هَذَا عَنِّي) أضحية وثوابًا (وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أَمَّتِي) ثوابًا؛ لأن الأضحية التي هي فداء عن النفس لا تفع للإنسان بفعل غيره عنه إلا إن كان حيًّا وأذن له، أو ميتًا وأوصاه بها عنه، وأمَّا ثوابها فيجوز إشراك الغیر فیه کما مر ذلك كله. ١٤٦٢ - [وَعَنْ حَنَشِ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا ﴾ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَوْصَانِي أَنْ أُضَحِّي عَنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ، وَرَوَى التَّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ] (٢). (وَعَنْ حَنَشِ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا ﴾ يُضَحِّي پِكَبْشَيْنِ) زائد على ما يضحي به عن (١) أخرجه أحمد (١٥٠٦٤)، وأبو داود (٢٧٩٥)، وابن ماجه (٣١٢١)، والحاكم (١٧١٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، وابن خزيمة (٢٨٩٩)، والبيهقي (١٨٩٦٦). (٢) أخرجه أحمد (١٢٩٩)، والترمذي (١٥٧٤)، وأبو داود (٢٧٩٢)، والبيهقي في ((سننه)) (١٩٦٦١). ٣٣٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب الأضحية نفسه كما يعلم من الخبر الآتي، وهذا هو سبب استغراب السائل حتى سأله بقوله: (فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟) أي: ما الذي بعثك على هذه الزيادة؟ (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله وَ أَوْصَانِي أَنْ أُضَحِّي عَنْهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ، وَرَوَى التَّرْمِذِيُّ تَحْوَهُ). في رواية صححها الحاكم: إنه كان يضحي بكبشين عن النبي ومدير وبكبشين عن نفسه، وقال: ((إن رسول الله وَليل أمرني أن أضحي عنه أبدًا فأنا أضحي عنه أبدًا))(١). ومنه أخذ أئمتنا أنه لا يضحي أحد عن غيره إلا بإذن الحي أو وصية الميت، وفارقت صدقة التطوع فإنها تقع للميت مطلقًا بأن القصد إحياء شعار مخصوص، فأشبهت تطوع النسك في توقف الإنابة فيه على الإذن، ومنع بعض العلماء التضحية عن الميت مطلقًا. وقال ابن المبارك: أحب أن يصدق عنه ولا يضحي، فإن ضحى فلا يأكل منها شيئًا ويتصدق بها كلها، وليس لولي محجور ذبحها عنه من مال المحجور، وقول أبي حنيفة: يُضحَّى عن اليتيم، تعجب فيه ابن المنذر بأنه كيف ذلك مع منعه إخراج زكاة ماله مع وجوبها إجماعًا؟ ولك أن ترد تعجبه بأن الزكاة محض مواساة وليست فداء عن النفس، فلا مصلحة لليتيم فيها، بخلاف الأضحية، فإن له فيها مصلحة من حيث الفداء المستلزم غالبًا لنمو النفس وصلاحها. فإن قلت: الزكاة فيها مصلحة للمال من حيث نزاهته وطهارته. قلت: رعاية ما يتعلق بالنفس أولى وأحق. ١٤٦٣ - [وَعَنْ عَلىّ ◌ُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ، وَلَّا نُضَّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلا مُدَابَرَةٍ وَلا شَرْقَاء وَلا خَرْقَاءِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وانْتَهتْ رِوِيَتُه إِلى قَوْلِهِ: وَالأُذُن]. (١) أخرجه أحمد (٨٤٣)، والبيهقي (١٨٩٧٠). (٢) أخرجه الترمذي (١٥٧٨)، وأبو داود (٢٨٠٦)، وأحمد (٨٦٣)، والنسائي (٤٣٩٠)، وابن ماجه (٣٢٦٣)، والدارمي (٢٠٠٤)، وابن حبان (٢٤٢). ٣٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس (وَعَنْ عَلِيٍّ عَله: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهُ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ) أي: نتأملهما؛ لئلا يكون بهما مانع كالعور وقطع بعض الأذن. ومنه يؤخذ أنه يُسن تأمل سائر الأعضاء لذلك، وقيل المراد: أمرنا أن تختار ذات العين والأذن الكاملين (وَ) أمرنا (أَلَّا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ) بفتح الباء، وهو ما قطع عن مقدم أذنها فلقة بدلت في مقابلة الأُذن ولم تنفصل (وَلا مُدَابَرَة) بفتح الباء، وهي ما يُفعل بها ذلك من دبر أذنها. وقال أبو عبيدة: الأولى الموسومة بالنار في باطن أذنها، والثانية الموسومة به في ظاهرها. وقال النووي: والمشهور الأول. (وَلا شَرْقَاء) بالمد؛ أي: مشقوقة الأذن طولاً (وَلا خَرْقَاء) بالمد أي: مثقوبة ثقبًا مستديرًا، كذا ذكره النووي وكغيره، واعترض أنه ينافي ترجيحه تأثير قطع يسير الأذن؛ لأن الاستدارة يذهب بها شيء بالشق غالبًا، ورد بأنه لا يلازم كما أفاده قول المعترض نفسه غالبًا. وقيل: تلك ما قطع أذنها طولاً، وهذه ما قطع عرضًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدْ وَالنَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وانْتَهتْ رِوِايَتُه إِلى قَوْلِه: وَالأَذُن) ولا ينافي النهي عن هذه الأربعة قول أصحابنا: يجز مَشق أذن ومثقوبها من غير أن يزال منها بالشق أو الثقب؛ لأن النهي للتنريه أو محمول على ما أبين منه شيء بالشق ونحوه، على أن الحديث موقوف على عليّ ﴾ كما قاله الدارقطني وغيره، ولم يبالوا بتصحيح الترمذي له، وعند أبي حنيفة: يجزئ ما قطع دون نصف أذنه، وهو تحديد يحتاج لدليل، ولا يضر فَقْد قِطْعَةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ عُضْوٍ كَبِيرٍ كَفَخِذٍ عرفًا؛ لأنه لعدم ظهوره لا يعد نقصًا.