Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة العيدين (وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ تُخْرِجَ الْخُيَّضَ) جمع: حائض (يَوْمَ الْعِيدَيْنِ) فيه جواز توحيد المضاف للمثنى وإن كان في المعنى مثنى ونحوه فمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما أن يخرج. (وَذَوَاتِ) بكسر التاء؛ أي: صواحب (العَوائِق) أو الستور أو البيوت، كناية عن مزيد تحجبهن وقلة خروجهن من بيوتهن، وفي رواية: ((العواتق)»(١) جمع: عاتق؛ أي: البالغات؛ لأنهن عتقن عن الخدمة أو قهر الأبوين، وإذا ندب خروج هذين فغيرهما أولى ليصلي من لا عذر له، وتعود بركة المسلمين على من له عذر كالحائض مع إرشادها إلى أنه ينبغي لها ألا تهجر ذكر الله ومواطن الخير، ثم ما اقتضاه ظاهر الحديث من ندب إخراج وخروج الشابة وغيرها، أخذ به بعضهم وعليه جمع متقدمي أصحابنا للأمر في خبر مسلم بإخراج العوائق. وقيل: يكره خروجه مطلقًا لقول عائشة: ((لو علم رسول الله وَل* ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد)) والمعتمد عندنا ما أشار إليه الشافعي وتبعه أكثر أصحابه أنه إنما يندب الحضور لعجوز غير مشتهاة في ثياب بذلة بإذن خليل مع الأمن من المفسدة بألّا تختلط بالرجال ولا يخشى عليها فتنة من أحدهم بوجه، ومع الخلو عن الزينة والحلي والتطيب، فإن اختل شرط من ذلك كره الحضور، وما في خبر مسلم وغيره إنما كان عند صلاح أهل ذلك الزمن والأمن القطعي من وقوع مفسدة بوجه، وقد اقتضى ذلك فنظرنا إلى مظنة الفساد، فحيث انتفت بأن وجدت تلك الشروط سن الحضور، وحيث احتملت بأن اختل بعض تلك الشروط كره الحضور، واستنباط معنى من النص بحقيقة جائز كما هو مقرر في الأصول. (فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ) لتعود عليهن بركة ذلك كما مر (وَيَعْتَزِلُ) في رواية: ((يعتزلن))(٤) بإثبات النون على لغة شاذة (الْخُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ) (١) انظر الرواية السابقة، ولم أقف على لفظ ((العوائق)). (٢) أخرجه البخاري (٩٧٤)، وأحمد (٢١٣٣٤)، والطبراني في «الكبير)) (٢٠٦٤٧). ٣٠٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس بتقدير طهارتهن بأن يجلسن ببابه وجوبًا في المسجد لحرمة مكثهن فيه وندبًا في المصلی غیر المسجد؛ لئلا یؤذین غیرهن بدمهن أو ريحهن. (قَالَتِ امْرَأَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ) تستتر به عند الخروج وهو الملحفة أو الخمار أو المقنعة التي تغطى بها الرأس (قَالَ: لِتُلْبِسْهَا) ندبًا (صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا) أي: لغير القادرة العاجزة جلبابًا من جلابيبها تستتر به وتخرج للعيد أو تشاركها في جلبابها، ويشهد له رواية: ((تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها)(١) أو هي من باب المبالغة؛ أي: يخرجن ولو اثنتان في جلباب، ويسن للعاجزة سؤال القادرة في ذلك؛ لأنه وسيلة لخروجها المندوب وللوسائل حكم المقاصد. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه تأكيد خروجهن للعيد؛ لأنه إذا أمر به من لا جلباب لها فمن لها جلباب أولى. قال أبو حنيفة ﴾: ملازمات البيوت لا يخرجن، ووجه الطحاوي بأنه يحتمل أن ذلك كان أول الإسلام والمسلمون قليل فأريد التكثير بهن ترهيبًا للعدو، وهو توجيه ضعيف؛ لأنه مجرد احتمال ذلك لا يجدي؛ إذ لا بد في النسخ الذي زعمه من يحقق معرفة الناسخ ومعرفة تأخره عن المنسوخ، وأيضًا فالترهيب لا يحصل بهن، ولذلك لم یلزمهن جهاد. ١٤٣٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قالت: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامٍ مِنِى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ - وَفِي رِوَايَةٍ: تُغَنِّيَانِ - بِمَا تَقَاوَلَت الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ، وَالنَّبِيُّ ◌َ مُتَغَشِّ بِثَوبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ◌َّلـ عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمِ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا؟). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (١) أخرجه أبو داود (١١٣٨)، والطبراني (٢٠٦٢٢). (٢) أخرجه البخاري (٩٥٢)، ومسلم (٢٠٩٨)، وابن ماجه (١٩٧٣)، وابن حبان (١٨٨)، والبيهقي في (سننه» (٢١٥٤١). ٣٠٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة العيدين (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قالت: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ) أي: دون البلوغ كالغلام في الذكور، وصح أن إحديهما كان اسمها حمامة (في أَيَّامِ مِنى) أي: أيام التشريق (تُدَفِّفَانٍ) أي: يضربان بالدف بضم الدال واسمه الجنب، ومنه دفتا المصحف لشبههما بالجنبين، سمي بذلك لاتخاذه من جلد الجنب (وَتَضْرِبَانٍ) بدل مما قبله لزيادة الإيضاح، أو معناه يرقصان من ضرب الأرض إذا وطئها. (وفي رواية: تُغَنِّيَانٍ) أي: يرفعان أصواتهما بإنشاد الشعر قريبًا من الحداء. وفي رواية للبخاري: ((وليست كعادة المغنيات)) (١) من التشويق إلى الهوى والتعريض بالفاحشة والتشبيه بالجمال الداعي للمفتنة، ومن ثم قيل: الغناء فيه الزنا (بِمَا) وفي رواية: (ما). (تَقَاوَلَت الْأَنْصَارُ) أي: تناشدته وتفاخرت به أشعار الحرب والشجاعة (يَوْمَ) حرب (بُعَاثٍ) بموحدة مضمومة فمهملة مخففة. وقيل: معجمة، ورد بأنه تصحيف وفيه نظر، فإن القائل بذلك أبو عبيدة وهو من أئمة اللغة والفقه ثم مثلثة، ويجوز صرفه وعدمه وهو الأشهر وهو حصن للأوس وقعت الحرب عنده بين الأوس والخزرج، وكان فيها مقتلة عظيمة، وكانت النصرة للأوس واستمرت بينهما مائة وعشرين سنة حتى قدم له المدينة فألف الله بينهم بيمن قدومه وأنزل عليه: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. (وَالنَّبِيُّ ◌َِّ مُتَغَشِّ) أي: متغط (بِثَوبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ) أي: زجرهما عن الدفيف والغناء بحضرته ** لما تقرر عنده من تحريم اللهو والغناء مطلقًا، ولم يعلم أنه * * قررهن على هذا النزر اليسير فلذلك قال له النبي وتلة: ((دعهما)) كذا قاله شارح، وفي جزمه بأن أبا بكر إنما زجرهما لما تقرر عنده من تحريم ذلك نظر ظاهر، وما (١) لم أقف على هذا اللفظ. ٣٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس المانع من أنه إنما زجرهما لكراهة اللهو والغناء وفعل المكروه بحضرته وية مما يزجر عنه كما هو واضح، والحاصل أن إنكاره لا يستلزم اعتقاده حرمة ذلك. (فَكَشَفَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا) أي: الأيام التي نحن فيها (أَيَّامُ عِيدٍ) أي: سرور وفرح شرعي وهذا من جملته. (وَفِي رِوَايَةٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا) اعتذار منه ◌َّ بأن إظهار السرور في يوم العيدين من الأمور المباحة والمندوبة، ثم رأيت بعضهم صرح بهذا الأخير فقال: معناه أن إظهار السرور فيه من شعار الدين وإعلاء أمره. قيل: وفيه أن العيد للراحة وبسط النفس إلى ما يحل من الشهوات. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وإنما أقرهما وَّ على التدفيف؛ لأنه مباح عندنا مطلقًا إلا العارض بل قال جماعة منا: إن السرور سنة، وعلى الغناء لما علم مما تقرر أنه كان ذلك في ذكر الحرب والشجاعة، وفي ذلك تحريض للمؤمنين على جهاد عدوهم والثبات عند اللقاء وتحري المكامن والمكائد وغير ذلك مما فيه معونة في أمر الدين وإدحاض للمخالفين، وهو بهذا القصد سنة أيضًا، أمَّا غناء فيه ذكر فاحشة أو هجر من الكلام فهو محظور مسقط للمروءة، فلا يقع بحضرته 5* ولا يقر عليه. ومن ثم قال النووي: أجازت الصحابة غناء العرب الذي فيه إنشاد وترنم والحداء وفعلوه بحضرته وَيه وبعده ومثله ليس بحرام؛ أي: حتى عند القائلين الغناء، وهم أصل العراق ولا يخرج الشاهد وقال في الحديث: إن مواضع الصالحين تنزه عن اللهو وإن لم يكن فيه إثم وأن التابع للكبير إذا رأى بحضرته ما لا يليق به ينكره إجلالاً للكبير أن يتولى ذلك بنفسه. ١٤٣٣ - [وَعَنْ أَنَسِ بَ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِص ◌َ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (١) أخرجه (٥٩٣)، وأحمد (١٣٧٧٤)، والبيهقي في «سننه» (٦٣٧٤)، والدار قطني (١٧٣٦). ٣٠٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة العيدين (وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ وَ لَا يَغْدُو) للمصلى (يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ومنه أحاديث أخر يأتي ذكرها، أسانيد بعضها صحيح، أخذ أئمتنا أنه يسن للإمام وغيره أن يأكل يوم الفطر قبل خروجه للصلاة شيئًا، ليعم نسخ تحريم الفطر قبل الصلاة الذي كان أول الإسلام وأن التمر أولى من غيره وأنه يسن كونه وترًا، قالوا: وكان ◌َّه يوتر في جميع أموره استشعارًا للوحدانية، وقاس عليه بعض أصحابنا الربيب وبه يعلم أن الحلو أولى من غيره. قيل: حكمة التمر مشابهة شجرته للمسلم؛ أي: لأنها خلقت من فضل طينة آدم التَّ ومن ثم قال ◌َير: ((أكرموا عمتكم النخلة)(١) ويصح أن يقال: إنما أوتر؛ لأنه أفضل الفواكه حَب العنب على خلاف فيه، ويحصل بالشرب أصل السنة، فإن لم يفعل ذلك قبل خروجه يسن له في طريقه أو المصلى أو المسجد أو غيره كما نص عليه الشافعي ﴾ نص أيضًا على كراهة ترك ذلك وهذا أولى للاتباع، رواه أحمد. ١٤٣٤ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ اللّهِ وَهَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ اللّهِ وَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ- رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ومنه أخذ أئمتنا أنه يسن لكل أحد رجل أو عالم أو صالح أو متصدق أو غيرهم أن يذهب إلى صلاة العيدين، وألحق بهما كل طاعة في طريق ويرجع في أخرى، ويسن أن يجعل الطويلة للذهاب حيث لم يخش فوات نحو جماعة والقصير للرجوع؛ لأنه ليس قاصد قربة وإن قلنا: إنه يثاب بالرجوع أيضًا على خلاف فيه. واختلفوا في سبب المخالفة بين الطريقين، هل هو جعل الطويلة للذهاب ليكثر الثواب والقصيرة للرجوع؛ لأنه لا ثواب فيه عند جمع أثوابه أقل أو شهادة الطريق؛ (١) أخرجه أبو يعلى (٤٥٥)، وابن عدي (٤٣١/٦)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٢٣/٦)، وابن عساكر (٧) ٣٨٢). (٢) أخرجه البخاري (٩٨٦). ٣٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس أي: لفظًا يوم القيامة؟ قيل: ومنه قول يعقوب لبنيه، صلى الله عليه وعليهم وسلم: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧] ونظم الآية يريدها أو يترك أهلها به أو ليعمها بالبركة والخير أو إشاعة ذكر الله فيهما أو استفتائه فيهما أو تصدقه على فقرائهما، أو نفاذ ما يتصدق به عند الذهاب أو زيادة فتور أقاربه فيهما أو غيظ المنافقين أو الحذر منهم أو التفاؤل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا أو خشية الرحمة. ورجح بعض أمتنا الحديث فيه وإنما ندب ذلك حتى لمن لم يشاركه في شيء مما ذكر كما تقرر تأسيًا به ◌َّلو كالرمل والاضطباع. ١٤٣٥ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ نَّه يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّ ثُمَّ نَرْجِعَ فَتَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ شَاءُ لَخْمٍ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ(١). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ الْبَرَاءِ عَ﴾ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ◌َّهَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ) في خطبته (إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ) الأجود أن يكون هي ومدخولها اسم أن (نُصَلِّ) صلاة العيد المستتبعة للخطبتين، وبهذا يندفع قول الكرماني في الحديث دلالة على أن الخطبة قبل الصلاة؛ أي: لأن قوله في الخطبة: ((أول ما نبدأ به ... إلخ)) يشعر بتقديم الخطبة وعند التأمل؛ لأن لا دلالة فيه لذلك؛ لأن الواقع أنه صلى ثم خطب فقال ذلك في خطبته، فهو للإعلام بأن ما فعله من تقديم الصلاة ثم الخطبة وأن تقديم كل من هذين على الذبح هو المشروع الذي لا ينبغي مخالفته فتأمله. (ثُمَّ نَرْجِعَ) بالرفع وروي بالنصب (فَتَنْحَرَ) الأضحية وأراد بالنحر هنا الذي هو في لبة الإبل ما يشمل الذبح وهو ما في الحلق مطلقًا (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي: الصلاة مع الخطبتين؛ أي: مضى عليه قدر فعل ذلك بأحد ممكن (فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا) أي: (١) أخرجه البخاري (٥٢٢٥)، ومسلم (١٩٦١)، وأبو داود (٢٨٠٠)، والترمذي (١٥٠٨) والنسائي (٤٣٩٥)، وأحمد (١٨٥٠٤)، والطيالسي (٧٤٣)، والدارمي (١٩٦٢)، وابن خزيمة (١٤٢٧)، وأبو عوانة (٧٨١٦)، والطحاوي (١٧٢/٤)، وابن حبان (٥٩٠٧)، والروياني (٣٦٤). ٣٠٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة العيدين طريقتنا (وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّ فَإِنَّمَا هُوَ) أي: المذبوح المفهوم من ذبح (شَاةُ) عبر بها للغالب؛ إذ البقر والإبل كذلك (لَحْمِ) الإضافة للبيان؛ أي: شاة هي لحم مأكول كله (لأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ) بضمتين جمع نسيكة؛ أي: ذبيحة ويطلق في الأصل على كل طاعة وحق الله تعالى، والمراد هنا ليس من شعائر الله التي فيها الثواب (في شَيْءٍ) بخلاف المذبوح بعد الصلاة فإنه من شعائر الله التي أمر بها وحث عليها، وليس من اللحم المأكول لأهله كله لوجوب التصدق ببعضه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٤٣٦ - [وَعَنْ جُنْدُبٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْتَجَلِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أَخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذَبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ الله تَعَالَى(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ جُنْدُبٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: مَنْ ذَبَحَ) أضحيته (قَبْلَ أَنْ يُصَلَّّ) مضى قدر فعلي الصلاة والخطبتين (فَلْيَذْبَعْ مَكَانَهَا) أضحية (أُخْرَى) لوقوع الأولى قبل وقتها فكان لغوًا (وَمَنْ لَمْ يَذَبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا) وخطبنا؛ أي: مضى قدر فعل ذلك (فَلْيَذْبَحْ) أضحية ذبحًا صحيحًا حال كونه كائنًا (بِاسْمِ الله تَعَالَى) أي: مذكورًا عليه اسم الله ندبًا عندنا وجوبًا عند غيرنا كما يأتي (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٤٣٧ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ(٩). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ) لا للعبادة؛ لعدم وقوعها أضحية حينئذٍ (وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ فُسُكُهُ) أي: صح ذبحه (وَأَصَابَ) بذلك (سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ) أي: طريقتهم (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). (١) أخرجه البخاري (٩٨٥)، ومسلم (٥١٧٩)، وأحمد (١٩٣١١). (٢) أخرجه البخاري (٥٢٢٦)، ومسلم (١٩٦١)، والبيهقي (١٨٨٩٤). ٣٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس ومن هذه الأحاديث أخذ أصحابنا: إن وقت الأضحية إذا مضى عقب طلوع الشمس بناء على دخول وقت العيد به - وهو المعتمد عندنا - أو بعد ارتفاعها لرمح بناء على أنه لا يدخل إلا به، وهو ما عليه الأكثرون، بل قال الإمام: اتفق الأئمة عليه وأجمعوا على أنه لا يصلي قبل الشروق مقدار أقل ما يجزئ من الصلاة والخطبتين، فلو ذبح قبل مضي ذلك لم تصح صلاته، وإنما قدرنا ذلك بزمن الصلاة دون فعلها الذي هو ظاهر الحديث؛ لأنه أضبط للناس في الأمصار وغيرهما، وأشبه مواقيت الصلاة وغیرها. (قَبْلَ الصَّلاةِ) قبل مضي قدر فعل الصلاة والخطبتين في غاية من البعد في حق المصري؛ لأنه * خطب بمتوسطة، ومنه يوجد ضابط الطول، فينبغي ندب مراعاة ذلك. ولا يعتد بالذبح قبل فجر النحر. قيل فيه التحريم إجماعًا: ويمتد وقت الأضحية إلى غروب شمس آخر أيام التشريق كما يأتي في الأضحية. ١٤٣٨ [وَعَن ابْنَ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى (١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنِ ابْنَ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ومنه أخذ أئمتنا: إن الأفضل للإمام الأعظم إذا أراد فعل السنة وهي التضحية عن المسلمين من بيت المال أن يذبح أو ينحر بيده بالمصلى إظهارًا لما هو أعلى شرائع الإسلام. قالوا: ويسن أن يكون الذي متجه بذبحه عن المسلمين بالمصلى بدنة، فإن لم يتيسر فشاة للاتباع، ولا ينافيه ما في هذا الحديث من ذكر الذبح الأفضل في غير الإبل، والنحر الأفضل في الإبل؛ لأن مكان حمله على أن المراد بذبح إن لم يتيسر الإبل (١) أخرجه البخاري (٥٥٥٢). ٣٠٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة العيدين وينحر إن تيسرت، وشرط حل الأضحية من بيت المال أن يكون فيها اتساع، وإلا لزمه تقديم ما هو أهم من الأضحية. انتهى. (الفصل الثاني) ١٤٣٩ - [عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َهِ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: قَدْ أَبْدَلَكُم اللهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ]. (عَنْ أَفَسِ ﴿ قَالَ: قَدِمَ النَِّيُّ ◌َ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ) أي: أهلها (يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) هي ما قبل مبعثه وَّ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: قَدْ أَبْدَلَكُم اللهُ بِهِمَا) الباء هنا داخلة على المتروك وهو الأفصح (خَيْرًا) ليست أفعل تفضيل؛ إذ لا خيرية في يومهما (مِنْهُمَا) أي: جعل لكم بدلاً عنهما خيرًا منهما (يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .. فيه النهي عن اللعب والسرور الغير المشروع على غاية من اللطف والأمر بالعبادة، وأن السرور الحقيقي إنما هو فيها كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] وفيه دليل: على أن تعظيم أعياد الكفار كالنيروز والمهرجان مما ينهى عنه، وقد وقع في هذه الورطة أهل مصر ونحوهم، فإن لمن بها من اليهود والنصارى تعظيمًا خارجًا عن الحد في أعيادهم، وكثير من أهلها يوافقونهم على صور تلك التعظيمات كالتوسع في المأكل والزينة على طبق ما يفعله الكفار. ومن ثم أعلن التكبير عليهم في ذلك ابن الحاج المكي في مدخله، وبين تلك الصور وكيفية موافقة المسلمين لهم فيها، بل قال: إن بعض علمائها قد تحكم عليه زوجته في أن يفعل لها نظير ما يفعله الكفار في أعيادهم، فيطيعها ويفعل ذلك، وأطال - رحمه الله - النفس في ذلك ما يحمد أكثره؛ فلينظر ذلك في ((مدخله)) من أراد الوقوف (١) أخرجه أحمد (١٢٠٢٥)، وأبو داود (١١٣٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٧٥٥)، وأبو يعلى (٣٨٢٠)، والحاكم (١٠٩١) وقال: صحيح على شرط مسلم، والضياء (١٩١١). ٣١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس على تفصيل تلك الأمور وأحكامها، وقد أفتى بعض أئمة الحقيقة كأبي حفص الكبير بأن من أهدى بيضة لمشرك تعظيمًا لليوم فقد كفر بالله تعالى وحبط عمله. وقال غيره منهم: ينبغي ألّا يفعل أحد في يوم النيروز ما لا يفعله في غيره من الأيام، فمن اشترى فيه شيئًا لم يكن يشتريه في غيره، أو أهدى فيه هدية إلى غيره فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما يعظمه الكفرة فكفر، وإن أراد مجرد التنعم أو التحاب بالهدية لم يكفر، لكن تحرز عنه كراهة التشبه بالكفرة. انتهى. وما قالاه من الكفر بتعظيم اليوم ليس بعيدًا من مذهبنا، لكن إن عظمه كما يعظمونه كما قاله الثاني ومراده؛ لأنه عظمه لأجل كونه يوم عيدهم كما هو ظاهر، فإذا عظمه لأجل كونه عيدهم كفر أيضًا عندنا. ١٤٤٠ - [وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ الشَّبِيُّ ◌َ لَا تَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّ(١) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ]. (وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِظْرِ حَتَّى يَظْعَمَ) لا بناء فيه ما مرَّ من خبر: ((إنه كان يأكل التمر))(٤) لإمكان الجمع بأنه كان أوجد التمر أكله وإلا أكل غيره، ويستفاد منه ما صرح به: إن التمر أفضل وأن غيره يحصل به أصل السنة، بل حصولها بالتمر كما مر. (وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّ) استفيد منه أن السنة في هذا اليوم الإمساك عن المأكول والمشروب إلى الرجوع من صلاة العيد، وإلا فضل له حينئذٍ أَلَّا يفطر إلا على شيء من أضحيته إن كان بنية التضحية والأكل منها، وكبدها أولى لما (١) أخرجه الترمذي (٥٤٥)، وأحمد (٢٣٦٨٥)، والدارقطني (١٧٣٤)، ولم أقف على لفظه عند الدارمي. (٢) أخرجه البخاري (٩٥٣)، والترمذي (٥٤٦)، وأحمد (١٢٦٠١)، وابن ماجه (١٨٢٦)، والدار قطني (١٧٣٧) ولفظ الحديث: «كَانَ يُفْطِرُ عَلَى تَمَرَاتٍ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمُصَلَّ»، وروي أيضًا بلفظ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ يَأْكُلُهُنَّ إِفْرَادًا)). ٣١١ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة العيدين مرَّ، وفارق الأصغر بأن القصد مخالفة كل منهما؛ إذ ما قبل هذا يحل فيه الفطر وما قبل ذاك يحرم فيه الفطر، وهذا التفضيل إنما هو في حق الإمام كما تقرر. أمَّا غيره فالسنة له التبكير إلى محل صلاة العيد عقب صلاة الصبح؛ ليأخذوا مجالسهم قبل الزحمة وليحصل لهم فضيلتا القرب من الإمام والانتظار، ولو تعارض التبكير وتفريق زكاة الفطر راعى تفريقها؛ لأنه أهم (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ). ١٤٤١ - [وَعَنْ كَثِيرٍ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَبَّرَ فِي الْعِيدِ الأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ]. (وَعَنْ كَثِيرٍ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَّرَ فِي الْعِيدِ الأُولَى سَبْعًا) عن تكبيرة التحرم كما في رواية (قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الآخِرَةِ خَمْسًا) غير تكبيرة القيام (قَبْلَ الْقِرَاءَةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه. قال: وسألت البخاري عنه فقال: ليس في هذا الباب أصح منه، ورواه من وجه آخر وقال: سألته عنه فقال: حديث صحيح، وذكر ابن عبد البر: إن أبا هريرة كبر كما ذكرتم من قال، وهذا لا يكون إلا توقيفًا، وقد جاء عنه وَ ل* من طرق كلها حسان. انتهى. (وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ) وبهذا أخذ أئمتنا فقالوا: الأكمل أن يكبر بعد دعاء الافتتاح، والأفضل فيه الإسرار مطلقًا سبع تكبيرات غير تكبيرة التحرم جهرًا اتفاقًا، بل قيل: إجماعًا، وبعد انتصاب الثانية خمسًا جهرًا غير تكبيرة القيام، ونص الشافعي # على كراهة النقص عنها والزيادة عليها، وتدارك السبع في الثانية لو تركها من الأولى ولا سجود لتركها كالسورة. (١) أخرجه الترمذي (٥٣٩)، وابن ماجه (١٣٣٦)، والدارمي (١٦٥٩). ٣١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس ويسن أن يرفع يديه حذو منكبيه، ثم يضعهما تحت صدره في كل تكبيرة لحديث مرسل فيه، وأن يقول الإمام وغيره سرًّا بين كل تكبيرتين لا قبل الأولى ولا بعد الأخيرة: ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) لأثر فيه عن ابن مسعود قولاً وفعلاً بسند جيد. وكره الشافعي ترك هذا الذكر والرفع ولو في بعض التكبيرات، ويوافق المأموم إمامه الحنفي في الثلاث قبل القراءة أو بعدها، والمالكي في الست وغيرهما، ولو في ترك الكل، ويفوت بشروعه أو شروع إمامه في القراءة لا التعوذ، وتكبير مدرك الثانية خمسًّا، وفي الثانية خمسًا فقط. ١٤٤٢. [وَعَنْ جَعْفَر وَعَنْ مُحَمْدٍ مُرْسَلاً أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّهِ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَر كَبَّرُوا فِي العِيدَينِ وَالإِسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا، وَصَلَّا قَبْل الْخُطْبَة وجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ(١). رَوَاهُ الشافعي]. (وَعَنْ جَعْفَر) الصادق (وَعَنْ مُحَمْدٍ) الباقر رضي الله عنهما (مُرْسَلاً أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَر كَبَّرُوا فِي العِيدَينِ وَالإِسْتِسْقَاءِ سَبْعًا) في الأولى (وَخَمْسًا) في الثانية، وبه أخذ الشافعي # فقال: في الاستسقاء التكبير كالعيد. (وَصَلَّوا قَبْل الْخُطْبَة) مر أنه إجماعًا وإنه لا عبرة بمن خالف فيه من بني أمية؛ لأن ذلك إنما كان بمجرد حظوظ نفوسهم؛ لأنهم لما رأوا الناس بانقضاء الصلاة ينفضون عنهم ولا يسمعون خطبتهم؛ لجورهم وتجبرهم قصدوا أن يقدموها قبل الصلاة؛ ليسمعها الناس (وجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ) رواه عنه ◌َلّل أيضًا وهو اتفاق، بل حكي فيه الإجماع (رَوَاهُ الشَّافِعِيُ). ١٤٤٣. [وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَأَلَتْ أَبَا مُوسَى وَحُذَيْفَةَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُكَبِّرُ فِي الأَضْحَى وَالْفِظْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ (١) أخرجه الشافعي في ((مسنده)) (٣١٣). ٣١٣ تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة العيدين عَلَى الْجَنَائِزِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ سَعِيد بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَأَلَثُ أَبَا مُوسَى وَحُذَيْفَةَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله ◌َ﴿ يُكَبِّرُ فِي) عيدي (الأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ) أي: مثل تكبيره (عَلَى الْجَنَائِزِ) يؤخذ منه أن الأربعة منها تكبيرة الإحرام والزائد إنما هو ثلاثة (فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ) أبو موسى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وبه - كأثر عن ابن مسعود - أخذ أبو حنيفة #ه فقال: يكبر في الأولى ثلاثًا قبل القراءة، وفي الثانية ثلاثًا بعدها، وأخذنا بالحديث؛ لأنه أصح من هذا، ومن ثم كان هو الذي عليه العمل في الأعصار والأمصار سلفًا وخلفًا. ١٤٤٤ [وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ نُوَّلَ يومَ العيدِ قَوسًا يَخطبُ عليهِ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنِ الْبَرَاءِ ◌َه: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ نُوَّلَ يومَ العيدِ قَوسًا يَخْطبُ عليهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) بسند حسن. ١٤٤٥ - [وَعَنْ عَطاء مُرسَلاً أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ إِذَا خَطَبَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَنَزَتِهِ (٢). رَوَاهُ الشَّافِعِيّ]. (وَعَنْ عَطاء مُرْسَلاً أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّكَانَ إِذَا خَطَبَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَنَرَتِهِ) هي أقصر من الرمح في طرفها زج (رَوَاهُ الشَّافِعِيّ) وبه؛ لأنه حجة في مثل هذا كالأول، أخذ هو وأصحابه أنه يسن للخطيب في العيد والجمعة وغيرهما أن يعتمد على نحو قوس أو غيره أو سيف؛ لخبر فيه، وأن يكون ذلك بيده اليسرى، وحكمته: الإشارة إلى أن هذا الذي قام بالسلاح، ولهذا قبضه باليسرى كعادة من يريد الجهاد، واعترض هذا بأنه إنما قام بالقرآن، ويريد بأن الكلام في مقامين: مقام قيامه باعتبار إهلاك أعدائه وقهرهم إنما (١) أخرجه أبو داود (١١٥٥)، وأحمد (٢٠٢٦٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٤٠٤). (٢) أخرجه أبو داود (١١٤٧). (٣) أخرجه الشافعي في «مسنده)) (٣١٨). العَنَزَة: عصا شِبْه العُكَّازة. ٣١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس كان بالسلاح، ومقام قيامه باعتبار الحجة والبرهان، وهو إنما كان بالقرآن ونحوه. ١٤٤٦ - [وَعَنْ جَابِرِ﴾ قَالَ: شَهِدْتُ الصَّلاَةَ مَعَ النبيّ ◌َّهُ فِي يَوْمٍ عِيدٍ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرٍ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ قَامَ مُتَوَكَّنًا عَلَى بِلَالٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ، وَمَضَى إِلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالْ فَأَمَرَهُنَّ بِتَقْوَى اللّه وَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ(١). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]. (وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: شَهِدْتُ الصَّلاَةَ مَعَ النّبِيِّ ◌َّهِ فِي يَوْمٍ عِيدٍ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرٍ أَذَانٍ وَلَّا إِقَامَةٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ مُتَوَّكَّئًا عَلَى بِلَالٍ) يحتمل أنه توكأ عليهم إلى أن شرع في الخطبة، وأنه استمر متوكئًا حتى فرغ، وعليه فيستفاد منه: إنه يسن للخطيب إذا لم يجد ما يتوكأ عليه مما مرَّ أن يتوكأ على إنسان، ولم أرَ لأصحابنا تعرضًا لذلك، وكأنهم تركوه؛ لأن هذه واقعة حال فعلية، فاحتمال أنه كان قبل الخطبة أو فيها لنحو مرض يسقطها، ثم رأيت الشارح جزم بأن الاتكاء على الإنسان في مرتبة الاتكاء على نحو القوس، وقد علمت أن الحديث ليس صريحًا في ذلك. (فَحَيِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ) العواقب بدل مما قبله (وَحَثَّهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ) لكونها طاعة لله ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ﴿ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]. (وَمَضَى إِلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالُ) لا يلزم منه رؤيتهن التي قال جمع منا بحلها (فَأَمَرَهُنَّ بِتَقْوَى اللهِ وَوَعَظَهُنَّ) أي: خوفهن، أخذ من قول الراغب: الوعظ زجر مقترن بتخويف. وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. (وَذَكَّرَهُنَّ) بالعواقب المشتملة على السيادة تارة والندارة أخرى، فهو عطف (١) أخرجه مسلم (٢٠٨٥)، وأحمد (١٤٧٩٤)، والنسائي (١٥٨٦). ٣١٥ تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة العيدين أعم، ثم رأيت شارحًا قال: ((ذكرهن)) إمَّا تفسير لـ((وعظهن)) أو تأكيد له؛ إذ الوعظ: الإنذار بالعقاب، والتذكر: الإخبار بالثواب، أو التذكير لأمر علم سابق. انتهى. وفاته ما ذكرته من عطف الأعم الأولى مما ذكره كما هو ظاهرًا للمتأمل (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ). ١٤٤٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَبِيُّ ◌َهَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهٍ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النبيُّ ◌َّهِ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ) ذاهبًا (فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي) طريق (غَيْرِهِ. رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَالدَّارِمُّ) فمن بيان حكمة ذلك. ١٤٤٨ - [وَعَنْهُ أَنَّه أَصَابَهُمْ مَطَرَّ فِي يَوْمٍ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِم النَّبِيُّ ◌َّهِ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه]. (وَعَنْهِ أَنَّه) أي: الشأن (أَصَابَهُمْ مَطَرُ فِي يَوْمٍ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِم النَّبِيُّ ◌َّهِ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه) وسنده صحيح، ومنه أخذ أئمتنا أن محل كونها في الصحراء أفضل لمواظبته وليس على فعلها فيها ما إذا لم يكن عذر من نحو مطر أو خوف أو برد وإلا فالمسجد أفضل، ويسن له ولاية إمامة العيد وخطابته أن يأذن للخليفة في الخطبة، وصح أن عليًّا استخلف أبا مسعود البدري - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - في ذلك. ١٤٤٩ - [وَعَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمِ وَهُوَ بِنَجْرَانَ: أَنْ عَجِّلِ الأَضْحَى وَأَخِّرِ الْفِطْرَ وَذَكِّرِ النَّاسَ (٣). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ ﴿ أَنَّ رَسُولَ الله وَهَ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَهُوَ) قال (بِنَجْرَانَ) مدينة باليمن (أَنْ عَجِّلِ الأَصْحَى وَأَخِّرِ الْفِطْرَ وَذَكِّرِ النَّاسَ) بعواقبهم (١) أخرجه الترمذي (٥٤٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٤٧٣)، والدارمي (١٦١٣). (٢) أخرجه أبو داود (١١٦٢)، وابن ماجه (١٣٧٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٤٧٩). (٣) أخرجه الشافعي في ((مسنده)) (٢٩٩). ٣١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس ليحملهم ذلك على الرجوع إلى الله والإنابة إليه (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) وهو وإن كان ضعيفًا إلا أنه يعمل به في مقابل ذلك اتفاقًا، ومن ثم اتفق أصحابنا على الأخذ به، وحكمته: اتساع الوقت قبل صلاة الفطر لتفريق الفطرة، وبعد صلاة الأضحى للتضحية. وذكر بعض أصحابنا: إن السنة التأخير في الفطر لربع النهار والأضحى لسدسه، ورجحه غيره، لكن الأوجه أنه مقاله ضعيف واعتمده الشيخين وغيرهما، ويؤخر الخروج في الفطر قليلاً ويعجله في الأضحى. قال غيرهما: بحيث يصليهما في أول الوقت، وروى الروياني حديثًا فيه: ((إنَّ التأخير في الفطر بقدر رمحين من الطلوع)»(١). وفي الأصح: ((بقدر رمح)(9) وحاصله: إنهما يستويان في التأخير لقدر الرمح، ويزيد الفطر بالتأخير لقدر رمح آخر. ١٤٥٠ - [وَعَنْ أَبِي عُمَيْرٍ بْنِ أَنَسِ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّ أَنَّ رَكْبًا جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالأَمْسِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ والنَّسَائِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسِ عَنْ عُمُومَةٍ) هو هنا جمع: عم لا غير، وقد يستعمل بمعنى المصدر، كأبوة وخؤولة (لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ أَنَّ رَكْبًا جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ ◌ِّـ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوَا الْهِلَالَ بِالَّمْسِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ) لصلاة العيد كما في رواية أخرى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والنَّسَائِيّ) وسنده صحيح. وبه أخذ أئمتنا، لكن مع زيادة تفصيل فيه يشهد به المعنى فقالوا: لو شهد عدلان يوم ثلاثين رمضان برؤية الهلال الليلة الماضية قُبلا إن شهدا وعدلا قبل الزوال، فيجب الإفطار على كل من علم بذلك، ثم أمكن جمعهم، وإدراك ركعة من (١) أخرجه الحاكم (٥٨٤). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٨٠٢). (٣) أخرجه أبو داود (١١٥٩)، والنسائي (١٥٥٦)، وابن ماجه (١٧٢٢)، والدار قطني (٢٢٢٩). ٣١٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة العيدين العيد قبل الزوال صلوها جماعة. ويراعي الإمام الوقت ولو يؤاخذ معه لاجتماعهم، وإن كان ذلك قبل الزوال بزمن لا يسع ركعة أو بعده، وقبل الغروب أفطروا وقضوا الصلاة، أو بعد الغروب لم يقبل بالسنة كصلاة العيد؛ إذ لا فائدة في سماعها إلا ترك الصلاة، فلم يصغٍ إليها فيها، بل في غيرها من سائر الحقوق، فيصلي من الغد إذًا؛ لأن يوم الفطر ليس هو أول سؤال مطلقًا، بل هو يوم فطر الناس؛ أي: بالنسبة للعبادة الخاصة به دون بقية الأحكام كما مر، وكذا يوم النحر يوم يضحون، ويوم عرفة يوم يقضون؛ للحديث الصحيح بذلك. تنبيه: العيد المقضية ركعتان كالمؤداة، قال الشافعي ومالك: لأن الأصل أن القضاء يحكي الأداء، واستدل له البخاري بما فيه خفاء. وقال أحمد: أربع كالجمعة إذا فاتت. وقال أبو حنيفة: يُخيَّر بين ركعتين وأربع، والقياس على الجمعة بعيد؛ لأنها بدل عن الظهر أو صلاتا وقت واحد، فجاز رجوع إحديهما لعدد الأخرى، وهنا ليس الأمر كذلك. (الفصل الثالث) ١٤٥١ - [عَن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي عَطَاءً عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ الْفِظْرِ وَلَا يَوْمَ الأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ - يَعْنِي: عَطَاءُ - بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَنِ، قَالَ: أَخْبَرَبِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله أَن لَا أَذَانَ بِالصَّلاَةِ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الإِمَامُ، وَلَا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ وَلَا إِقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ وَلَا شَيْءَ، لَا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ وَلَا إِقَامَةً(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أُخْبَرَبِي عَطَاءُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ قَالَا: لَمْ (١) أخرجه مسلم (٢٠٨٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٣٨٥). ٣١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس يَكُنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ - يَعْنِي: عَطَاءُ - بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَنِي) بما هو أبسط من الأول، واللفظ الأول بيان لما اتفقا عليه، والثاني بيان لما انفرد به جابر من ذلك الإطناب. (قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهُ أَن لَا أَذَانَ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الإِمَامُ، وَلَا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ وَلَا إِقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ وَلَا شَيْءَ، لَا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ وَلَا إِقَامَةَ) إطناب بعد إطناب مبالغة في الرد على من خالف في ذلك، ويصح أن يكون من قول عطاء تفريعًا لابن جريج؛ أي: حديثك أنه لم يكن يؤذن ثم يسأل بعد حين عن ذلك (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ١٤٥٢ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ فَيَبْدَأُ بِالصَّلاَةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ قَامَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ جُلُوسُ فِي مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرٍ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ: تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا، وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَقَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّ، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ قُلْتُ لَهُ: أَيْنَ الانْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ، قُلْتُ: لَا مِمَّا أَعْلَمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ يَخْرُجُ) لصلاة العيد (يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ) قبل الخطبة (فَإِذَا صَلَّ صَلَاتَهُ) أي: فرغ منها (قَامَ) للخطبة (فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الكريم (وَهُمْ جُلُوسُ فِي مُصَلَّاهُمْ) مستقبلين القبلة (فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ) أي: بجيش يبعثه إلى بعض النواحي (ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ) ليتهيئوا للخروج، ومر أنه كان مذكر ذلك في خطبة العيد؛ لاجتماع الناس به على (١) أخرجه مسلم (٢٠٩٠)، وابن خزيمة (١٣٧٠). ٣١٩ تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة العيدين کثرة لا توجد في غيره. (أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ) من مصالح المسلمين العامة أو الخاصة (أَمَرَهُمْ بِهَا وَكَانَ يَقُولُ) في أثناء خطبته (تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا) اعتناء بأمر الصدقة؛ لعموم نفعها، وشح النفوس بها (وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ) لأنه ◌َليّ كان يبالغ في حثهن أكثر معللاً ذلك بأنه رآهن أكثر أهل النار؛ لنقصان عقلهن ودينهن، وكفرهن الإحسان ونعمة الزوج. (ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَلَمْ يَزَلْ) الأمر الذي هو تقديم الصلاة ثم الخطبة (كَذَلِكَ) في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم (حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ) أي: حتى وجدت إمارته على المدينة من قبل معاوية، وفي هذا من أبي سعد لما حكي: إن عمار قدم الخطبة شطر خلافته الأخير وأن عمر ومعاوية قدماها أيضًا، ومما يرد ذلك أيضًا ما صح عن ابن عباس: شهدت صلاة الفطر مع نبي الله وَله وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ فكلهم يصليها قبل الخطبة. ومن ثم قال القاضي: هذا مما لا خلاف فيه بين علماء الأمصار وأئمة الفتوى، وهو فعل النبي ◌َلّر والخلفاء الراشدين بعده إلا ما روي: إن عثمان في شطر خلافته الأخير قدم الخطبة؛ لأنه رأى بعض الناس يفوته الصلاة، وروي مثله عن عمر، وليس یصح عنه. وقيل: أول من قدمها معاوية. وقيل: مروان بالمدينة. وقيل: زياد بالبصرة في خلافة معاوية. وقيل: فعله ابن الزبير آخر أيامه، وقد عد بعضهم أن الإجماع انعقد على تقديم الصلاة بعد الخلاف، أو لم يلتفت إلى خلاف بني أمية بعد إجماع العلماء والصدر الأول. (فَخَرَجْتُ) لصلاة العيد (مُخَاصِرًا مَرْوَانَ) أي: مما تشاركه يدي في يده، فيده ٣٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس عند خاصرتي ويدي عند خاصرته، كناية عن شدة التصاق جنبيهما عند المشي (حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدْ بَنَى) فيها (مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَيِنٍ) لتكون الخطبة عليه كما هو السنة، ولا ينافي هذا ما صح: إن من جملة ما أذكر على مروان إخراجه منبر رسول الله وَليه إلى المصلى ليخطب عليه؛ لإمكان الجمع بأن ما هنا قبل ذلك. (فَإِذَا) هي كالتي قبلها للمفاجأة؛ أي: فاجأ مكان المنبر مكان الإتيان والمنازعة (مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ كَأَنَّهُ يَجُرُّفِي تَحْوَ الْمِنْبَرِ) ليخطب قبل الصلاة (وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ) لتقدمها على الخطبة كما هو الاتباع المجموع عليه (فَلَمَّ رَأَيْتُ ذَلِكَ) أي: أردت تقديم الخطبة (مِنْهُ قُلْتُ لَهُ: أَيْنَ الإِنْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟) الذي هو المعروف من فعله ونَ﴿ وخلفائه (فَقَالَ: لَا) تعتقد أن تقديم الصلاة اليوم هو السنة (يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ) من تقديم الصلاة، وصارت السنة والخير الآن تقديم الخطبة؛ لأجل المصلحة التي طرأت، وهي انفضاض الناس قبل سماع الخطبة لو أخرت. (قُلْتُ: لَا) يكون من البدع (مِمَّا أَعْلَمُ) أي: من السنة التي هي عملها من فعل النبي ◌َ ليه بل إحداثكم لذلك ونحوه شر؛ أي: شرور عملكم أنكم لو أخرتم الخطبة لم يسمعها الناس، إنما هو لجوركم وسوء صنيعكم، وظلمكم للرعية حتى صاروا في غاية الكراهة لكم، والنفرة من سماع كلامكم، فارجعوا إلى الله واعدلوا تسمع الناس خطبڪم، وإن أخرتموها كما كانوا في زمن من قبلكم (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) كرره له لينزجر عن إحداثه وابتداعه (ثُمَّ انْصَرَفَ) أبو سعيد، ولم يحضر الجماعة تقبيحًا لفعل مروان وتنفيرًا عنه. تنبيه: انصرف بما ذكر هو ما جرى عليه الشارح، وقضية ما في البخاري: إنه حضر ذلك، ولفظه: ((فإذا مروان يريد أن يرتقيه، فجبذت ثوبه فجذبني، فارتفع وخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال أبا سعيد: قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم. فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلناها قبل