Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
تتمة كتاب الصلاة/ باب الخطبة والصلاة
وهو دليل لقول أئمتنا: لا يكره للخطيب وغيره الكلام إلى غرض مهم ناجز
كتعليم خير، ومنه أمر الداخل بالتحية للاتباع ونهي عن منكر وإنذار غافل من مؤذ
بل يلزمه ذلك كفاية بل عينًا إن كان التعليم لواجب مضيق، والنهي عن محرم كما
في هذا الحديث والإنذار متعينًا في دفع المؤذي، ويسن أن يقتصر على إشارة
کفت.
١٤١٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلََّ: مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ
رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنَ فَاتَتَهُ الرَّكْعَتَانِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا، أَو قَالَ: الظُّهْرِ (١). رَوَاهُ
الدَّارَقطْنِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً
فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أَخْرَى) كما مرَّ، وشمل هذا ما لو سلم الإمام فقام مسبوق أدرك ركعة
ليأتي بالركعة التي عليه، فاقتدى به من لم يدرك ركعة، فيأتي بعد سلام إمامه هذا
بركعة فقط، وكذا من اقتدى بهذا لما قام ليأتي بالركعة الثانية من الجمعة، فإذا أدركها
أدرك الجمعة، وهلم إلى أن يخرج الوقت لشمول الحديث للكل؛ لأنه يصدق على كل من
أدرك ركعة من صلاة كأنه أدرك ركعة من الجمعة.
ولا ينافي ذلك بفرض اعتماده قول أصحابنا: يشترط بقاء العدد وهو الأربعون
من أول الصلاة إلى السلام دون الجماعة، فإنها إنما يشترط في الركعة الأولى دون
الثانية؛ لأن ذاك في أصل صلاة الجمعة لا فيما وقع تبعًا لها كما هنا، فإن المسبوق
الأول إنما أدركها مع وقوع ركعته الثانية بعد سلام الجميع تبعًا لهم، فكذا المقتدي به؛
لأن تابع التابع تابع وهكذا.
(وَمَنَ فَاتَتَهُ الرَّكْعَتَانِ) بأن يدرك الإمام بعد ركوع الركعة الثانية وإنما أدركت
الجماعة في غير الجمعة بإدراك سلام الإمام بأن ينطق بـ((راء)) التكبير قبل نطق الإمام
بـ(ميم)) عليكم من السلام عليكم؛ لأن الجمعة صلاة الكاملين، والجماعة شرط في
(١) أخرجه الدارقطني (١٦٢٠)، والطبراني (٩٤٣٠).

٢٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
صحتها فاحتيط لها ما لم يحتط لغيرها، فلم تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة كما صرح به
هذا الحديث السابق.
(فَلْيُصَلِّ) أي: بضم ففتح فتشديد (أَرْبَعًا، أَو قَالَ: الظُّهر) والمعنى واحد، لكن
في الأول إنما ما عليه أصحابنا أنه إذا رأى الإمام في تشهد الجمعة مثلاً لزمه أن ينوي
الجمعة؛ لأنه لم يشعر فوات الجمعة لاحتمال نسيان الإمام ركنًا يتذكره فتلغوا إحدى
ركعتيه، فيأتي بركعة ويدركها معه هذا المسبوق فيدرك الجمعة، وبفرض عدم هذا
الاحتمال لا يضر نية الجمعة وإن لزمته الظهر، كما لو نواها فخرج وقتها وهم فيها
يكملون عليها الظهر؛ لأنهما صلاتا وقت واحد، فجاز بناء أطولهما على أقصرهما
من غير تجديد نية كصلاة الحضر مع السفر (رَوَاهُ الدَّارَقَظْنِيُّ) ورواة.
وخبر: ((من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة))(١) الحاكم وقال في
كل منهما: إسناده على شرط الشيخين، واعترضه النووي بأنه لا يخلو عن ضعف.
ويغني عنه خبر الصحيحين: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة))(٢)
قال الشافعي: لم تفته ومن لم تفته الجمعة صلاها ركعتين.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.

(باب صلاة الخوف)
أي: كيفيتها من حيث إنه يحتمل في الصلاة فيه ما لا يحتمل في الأمن، ومن ثم
جاءت في الأخبار على ستة عشر نوعًا.
وقيل: أقل.
وقيل: أكثر بحسب ما رواه ◌َ ﴾ من الأحوط في الحراسة والتوقي من العدو.
قيل: وقد أخذ بكل رواية منها جمع من العلماء. انتهى.
والذي اختاره الشافعي # أربعة أنواع: صلاة ذات الرقاع، وعسفان، وبطن
نخل، وصلاة شدة الخوف [ ..... ] القرآن والسنة الأخيرين بل وبالثانية كما يأتي؛ ولأن
الأولين أقل تغييرًا من البقية وضع لاثني عشر الباقية مع ما صح عنه صل* فيها لأجل
ذلك مشكل جدًّا إلا أن يكون ثم قادح آخر غاية كثرة التغيير أن يقتضي المفضولية لا
المنع، وما أحسن قول أحمد #: لا حرج على من صلى بواحدة مما صح عنه مثلا.
وليست الآية: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ ... ﴾ [النساء: ١٠٢] منسوخة لتركه وَلو لها يوم
الخندق خلافًا لما زعمه المزني وأبو يوسف؛ لأن الخندق في شوال سنة أربع، وقيل:
خمس، والآية إنما نزلت بعسفان سنة ست كما قاله الواحدي قال: وقبل نزولها كانوا
في الخوف يؤخرون الصلاة كما فعلوه يوم الخندق، وينكر على ما قاله آخر، أو على
تأخيرها يوم الخندق قول موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي.
وقال آخرون: إن ذات الرقاع كانت قبل الخندق، وصححه الحافظ الشرف
الدمياطي، ثم أشار أخذًا من كلام الشافعي للجواب عن التأخير يوم الخندق بأن آية
البقرة الدالة على صلاة شدة الخوف لم تكن أنزلت، ولم يمكنه كيفية أخرى غيرها؛
فلذا أخروا ولا ينافيه تصريح بعض الصحابة بأن تأخيرهم إنما كان ينزل آية الخوف
لإمكان حملها على آية البقرة، وإن عينها السبكي في آية النسائي على كل لا دليل للمزني
وأبي يوسف في التأخير يوم الخندق؛ لأنها واقعة حال محتملة، وقد فعلها وَل ﴿ بعد يوم
- ٢٨٣ -

٢٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
عسفان وأطبق الصحابة على فعلها بعده في مواطن، وهم أدرى بالنسخ من غيرهم،
ومخاطبته وَليق بها في الآية لا يقتضي تخصيصها بكونه إمامًا؛ لأنه شرع لمن بعده،
والتغيير الذي لا يضر مع صحة السنة به، والإجماع عليه والجمهور على أن الخوف لا
یغیر عدد الركعات.
ومعنى الخبر السابق: ((وفي الخوف ركعة)»(١) الذي أخذ بظاهره ابن عباس؛ ليلتثم
مع بقية الأحاديث المصرحة بأنه ◌َّيه لم يصلِّ هو وأصحابه في الخوف دون ركعتين أن
المأموم ينفرد فيه عن الإمام بركعة كما يأتي، ولا عبرة بمشقة الخوف فإن المرض أشق
منه ولا تغییر فیه للعدد.
(الفصل الأول)
١٤٢٠ [عَنْ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبيه قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِّ ◌َ قِبَلَ
نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ الله ◌َه فَصَلَّى لَنَا فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ
وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةُ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا
مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاؤُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ وَهُ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ،
ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، وَرَوَى نَافِعٌ تَحْوِهِ وَزَادَ:
فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالاً، قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلي
الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعُ: لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ الله
وَ﴾ (٢). رَوَاهُ الْتُخَارِيُّ].
(عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ عَنْ أبيه قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ قِبَلَ) بكسر
القاف أو ناحية (تَجْدٍ) هو اسم لكل ما ارتفع من بلاد العرب من تهامة إلى العراق (فَوَازَيْنَا
الْعَدُوَّ) أي: واجهناهم (فَصَافَفْنَاهُمْ) أي: جعلنا نفوسنا صفين في مقابلتهم.
(فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَ فَصََّى لَنَا فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه مالك (٤٤٦)، والبخاري (٤٥٣٥).

٢٨٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخوف
وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ
تُصَلٌّ، فَجَاؤُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ وَه بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ
وَاحِدٍ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ) وهذه الكيفية أخذ جماعة منهم أبو حنيفة
والبخاري وأصحابنا لكن بزيادة: «فقالوا للطائفة الأولى بعد الركعة الأولى أن ينووا
مفارقة الإمام ويذهبوا تجاه العدو ويقفوا سكوتًا، وتأتي الثانية فيصلوا معه ركعة
الثانية، فإذا سلم ذهبوا تجاه العدو سكوتًا وأتت إلى مكانهم وأتمت صلاتها وذهبت
تجاه العدو، وأتت الثانية إلى مكانها وأتمت صلاتها)).
قالوا: وجازت هذه الكيفية مع كثرة الأفعال فيها بلا ضرورة لصحة الخبر بها مع
عدم المعارض؛ لأنها كانت في يوم والكيفية الآتية في ذات الرقاع كانت في يوم آخر،
ودعوى الشيخ باطلة لاحتياجها لمعرفة التاريخ وتعذر الجمع، وليس هنا واحد منهما.
لكن اعترض ذلك جماعة من متأخري أئمتنا أخذًا من كلام النووي بأنه لم يرد
في شيء من طرق الحديث التي في ((الصحيحين)) وغيرهما: إن فرقة من الفرقتين
جاءت إلى مكانها ثم أتمت صلاتها، وإنما فيها أن كلاًّ صلى بعد سلامه وَّر ما بقي في
محله من غیر مجيء.
(وَرَوَى نَافِعُ تَحْوِهِ) عن ابن عمر أيضًا (وَزَادَ) ابن عمر (فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ
مِنْ ذَلِكَ) أي: الخوف الذي هو مجرد المصافة بأن يلتحم القتال كما يأتي (صَلَّوْا رِجَالاً،
قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ) بين به أن رجال الإجماع راجل لا رجل (أَوْ رُكْبَانًا) على دوابهم
(مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعُ: لَا أُرَى) أي: أظن (ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ
ذَلِكَ) أي: فإن كان خوف ... إلخ، و(مستقبلي القبلة)) وما بعده، وهذا هو ظاهر كلام
أئمتنا، لكن جزم بعض المحققين بالأول (إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴾) وهو كما ظن نافع
فقد جزم الشافعي بأن ابن عمر رواه عن النبي
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وبه أخذ أصحابنا فقالوا: إذا التحم القتال وتعذر تركه بأن لم
يتمكنوا من تركه لقلتهم وكثرة العدو أو لم يلتحم، لكن أشد الخوف بأن لم يأمنوا أن

٢٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
يغشوهم لو ولوا عنهم وانقسموا أو لم يروهم، وأخبرهم ثقة بأنهم قريب منهم، وبأنهم
طالبون لهم لزمهم فعل الصلاة في وقتها، ولم يجز لهم تأخيرها عنه.
وقيل: تمتنع هذه الكيفية ويجب تأخيرها حتى يزول الخوف عما فعل كل يوم
الخندق، وغلط قائل ذلك بأنه مخالف للقرآن والسنة، وقضية الخندق منسوخة كما مر.
وعن أبي حنيفة: يجوز التأخير ولا يجب، ويلزمهم في هذه الصلاة، فعلى الممكن
ترك القبلة ولو للماشي في جميع الصلاة إذا تعذر الاستقبال للقتال لا لجماع الدابة إن
طال وكالإيماء بالركوع والسجود أخفض إذا تعذر الإتيان بأصلها، ويسن لهم الجماعة
في هذه الحالة كما صرحت به الآية، وقول أبي حنيفة بامتناعها ممنوع، ومن الشواذ
القول بأنه يجزئ مكان كل ركعة تكبيرة، وبأنه يجرئ ركعة يومئ بها، فإن لم يقدر
فسجدة فإن لم يقدر فتكبيرة.
١٤٢١ - [وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ صَلَى مَعَ النَّبِيِّ نَّه يَوْمَ
ذَاتِ الرِّقَاعِ أَنَّ طَائِفَةً مَعَهُ وَطَائِفَةً وُجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا
وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَقُّوا وُجَاءَ الْعَدُوٌّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ
الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ(١). مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرٍ عَنِ القَاسِمِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ خَوَّاتٍ عَنِ النَّبِّ وَ].
(وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ) أنه روى (عَمَّنْ صَلَّى مَعَ الَّبِيِّ ◌َُّ
يَوْمَ) متعلق ((بصلى)) (ذَاتِ الرِّفَاعِ أَنَّ) معمول لذوي الذي قدرته (طَائِفَةً مَعَهُ) أي:
اقتدوا به (وَطَائِفَةً) أخرى (وُجَاهَ) بكسر الواو وضمها (الْعَدُوِّ) أي: صفت مقابلة له،
وروي: (تجاه)(٢) فالتاء بدل من الواو كتراث وتقاة (فَصَلَّ بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ) لما قام
(ثَبَتَ قَائِمًا) وفارقه بالنية هؤلاء المقتدون به.
(وَأَتَعُّوا لأَّنْفُسِهِمْ ثُمَّ) بعد سلامهم (انْصَرَقُوا) إلى وجه العدو (فَصَقُّوا وُجَاهَ
(١) أخرجه البخاري (٤١٢٩)، ومسلم (١٩٨٥)، ومالك (٤٤٤)، وأبو داود (١٢٤٠)، والنسائي (١٥٤٨).
(٢) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٦٢٧٢)، والدار قطني (١٨٠١).

٢٨٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخوف
الْعَدُوٌّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى) وهو قائم ينتظرهم فاقتدوا به (فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ
الَّتِي بَقِيَتْ) عليه (مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ) لما جلس للتشهد الأخير (ثَبَتَ جَالِسًا) وقاموا من
غيرنية مفارقة.
(وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ) ما بقي عليهم إلى أن جلسوا معه للتشهد الأخير (ثُمَّ) بعد
تشهدهم (سَلَّمَ بِهِمْ) ليحصل لهم فضيلة السلام معه كما حصل للأولين فضيلة
التحرم معه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرٍ) نحوه (عَنِ القَّاسِمِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ خَوَّاتٍ عَن
النَّبِيِّ ◌َلِ) فكانت صلاته وَّه بهذه الكيفية في ذات الرقاع بكسر الراء، وهي مكان
من نجد بأرض غطفان سمي بها؛ لأن الصحابة لفوا بأرجلهم الخرق لما تقرحت
وتقطعت جلودها، أو لأن أرضه ملونة؛ أو لأن به شجرة أو جبلاً به بياض وحمرة
وسواد، يقال له: الرقاع أو لترقيع صلاتهم بها أو ألويتهم، أقوال، أصحها الأول؛ لأنه
الثابت في («الصحیحین)) عن أبي موسى.
ورجح جمع الثالث للرواية الآتية: ((حتى إذا كنا بذات الرقاع)»(١) وجوابه أن
البقعة سميت بذلك لما وقع فيها جمعًا بين الروايتين، نعم إن ثبت أنها سميت بذلك
قبل هذه الغزوة بعين الثالث.
وبهذه الكيفية أخذ أصحابنا فقالوا لهم: فعلها كما فعل والقر بذات الرقاع،
ففيما إذا كانت الصلاة ركعتين لصبح أو مقصورة يجعل الإمام فرقة تجاه العدو
ويبعد بالأخرى، بحيث لا يصيبهم نحو سهام العدو، فيصلي بهم ركعة ويخففها
الاشتغال قلوبهم بما هم فيه، فإذا فرغوا من سجودهم نووا مفارقته وتأخيرها إلى
تمام قيامهم أولى، ثم يتمون لأنفسهم، ثم يذهبون إلى مقابلة العدو، ويأتي
الذين كانوا في مقابلته فيقتدون بالإمام، ويسن للإمام تطويل السورة حتى يأتوا
إليه.
(١) أخرجه مسلم (١٩٨٦)، وأحمد (١٥٣١٣)، وابن حبان (١٣٩).

٢٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ومن ثم كانت الثانية هنا يسن تطويلها على الأولى، وإذا ألحقوه صلى بهم ثانيته،
ويسن له ألّا يركع حتى يتموا الفاتحة، فإذا جلس للتشهد انتظرهم متشهدًا ندبًا
ليحصل لهم فضل السلام معه وقاموا، ويسن كون قيامهم عقب السجدة الثانية
ليتموا ثانيتهم وخففوها وهم مقتدون فيها حكمًا، فإذا فرغوا من تشهدهم سلم
بهم.
١٤٢٢ [وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ لَه حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرّقَاعِ
إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللهِ وَّةِ، وَقَالُوا: فَجَاءَ رَجُلُّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وَسَيْفُ رَسُولِ اللهِ وَ مُعَلَّقُ بِشَجَرَةٍ فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللّهِمََّ فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ
لِرَسُولِ اللهِوَِّ: أَخَافُنِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ، قَالَ:
فَتَهَذَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَغَمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ فَصَلَّى
بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنٍ، قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ وَ﴿ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ(١). مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ].
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِوَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ إِذَا أَتَيْنَا
عَلَى شَجْرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ الله وَله) فيه بيان عظيم ما كان عليه ◌َّه من التقلل
من الدنيا ومقاساة متاعبها وشدة حرها بترك اتخاذ نحو خيمة تقيه منه.
(وَقَالُوا: فَجَاءَ رَجُلُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللهِ وَهَ مُعَلَّقُ بِشَجَرَةٍ فَأَخَذَ
سَيْفَ نَبِيِّ الله ﴿1) كأن المغايرة بذكر رسول أولاً نبي ثانيًا للتفنن والفرار من الثقل
بتوالي لفظين متحدين (فَاخْتَرَطَهُ) أي: سله عن غمده من خرط العود قشره.
(فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ: أَخَافُنِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ) الآن (مِنِّي؟) وقد
قدرت على ما أريده بك (قَالَ: اللهُ) هو الذي (يَمْنَعُنِي مِنْكَ) إذ لا حركة لك ولا قدرة
إلا إن أقدرك، وذكر (يمنعني منك)) مع صحة الاقتصار على ما قبله تلذذًا وتبسيطًا في
الإخبار بما يفضل الله عليه من حفظه وكلائته بقوله عز قائلاً: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ
(١) أخرجه البخاري (٤١٣٦)، ومسلم (١٩٨٦)، وأحمد (١٥٣١٣)، وابن حبان (١٣٩).

٢٨٩
تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة الخوف
النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
وفي رواية للبخاري: ((قال: من يمنعك مني؟ ثلاث مرات))(١) وهو استفهام
إنكار؛ أي: لا يمنعك أحد مني، وكان الأعرابي قائمًا على رأسه والسيف في يده والنبي
* جالس لا سيف معه، وفي تكرير الأعرابي لذلك ما يدل على عظيم خبثه وقبحه،
وأي محوج له إلى المراجعة مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله؟ ولذلك تهكم به
﴾﴾ ولم یبال به، فلم يزده على الجواب بما ذكر.
وذكر الواقدي أنه إذا هم بذلك أصابه إذا بسطه فبدل السيف من يده وسقط
إلى الأرض، وأنه أسلم واهتدى به خلق کثیر، واسمه دعثور بن الحارث.
وروى أبو عوانة: إنه لم يسلم وإنما عاهد ألا يقاتل النبي (وَل﴾ ولا يكون معه
مع من يقاتله تآلفًا له ولغيره.
(قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَِّ فَغَمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ) كما كان ألقاه الله
في قلبه من الرعب الذي صيره لا حركة له ولا قوة له على فعل شيء يريده.
(قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) أي: أذن وأقيم لها (فَصَلَّ) ◌َِّ (بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) في هذا
رد لقول ابن سعد: لم يجد في محالهم إلا نسوة فأخذهن؛ إذ لو كان الأمر كذلك لم يصلّ
صلاة شدة الخوف، وتأييدًا لقول ابن إسحاق: لقي جمعًا منهم فتقارب الناس ولم يكن
بينهم حرب، وقد أخاف الناس بعضهم بعضًا حتى صلى ◌َّ بالناس صلاة
الخوف.
(قَالَ: فَكَانَتْ) تلك الفريضة المقصودة (لِرَسُولِ اللَّهِ وَيْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) لأنه
صلاها مرتين بكل فرقة مرة، فالأولى له فرض والثانية تطوع، ولمن خلفه فيها فرض،
ففيه اقتدى المفترض بالمتنفل، وقول أصحابنا: يسن للمفترض ألّا يقتدي بالمتنفل
ليخرج من خلاف من منعه محله في الأمن أو في غير الصلاة المعادة لصحة الحديث
فيهما، فعلى فرض جريان الخلاف فيهما أو في أحدهما لا يراعى لمخالفته سنة
(١) أخرجه البخاري (٢٩١٠).

٢٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
صحيحة، نعم قال بعض أئمتنا: الأولى أن يصلي بالثانية من لم يصلِّ؛ أي: للخروج من
صورة اقتداء المفترض بالمتنفل، وإنما صلى والج بالفرقتين؛ لأن الصحابة - رضوان الله
علیهم - لا يسمحون بالصلاة خلف غيره.
(وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانٍ) لأن كلاً من الفرقتين لم يصلِّ إلا مرة واحدة (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ)
وبهذا أخذ أئمتنا وغيرهم لكنهم جعلوها صلاته وال ببطن نخل موضع من نجد بأرض
غطفان، ويعكر عليهم قول جابر: حتى إذا كنا بذات الرقاع وتمكن الجمع بأن نخل
قريبة من ذات الرقاع، فلما وصلوا ذات الرقاع تقدموا فلم يصلوا هذه الصلاة إلا
ببطن نخل، ثم رأيت بعضهم أشار للجواب عن ذلك بأن كلاً من هذه الكيفية
والكيفية التي قبلها وقع بذات الرقاع في زمنین مختلفين.
ونقل في ((فتح الباري)) عن البيهقي حيث قال: جنح البخاري إلى أنها كانت بعد
خيبر وذكرها قبلها، فلا أدري هل تعمد ذلك تسليمًا لأصحاب المغازي؟ فإنهم ذهبوا
إلى أنها قبلها، وإشارة إلى احتمال أن يكون ذات الرقاع اسمًا لغزوتين مختلفتين كما
أشار إليه البيهقي. انتهى.
وعليه فهذه كما وقعت بذات الرقاع وقعت أيضًا ببطن نخل، فأضافتها الفقهاء
لها لتتميز عن الكيفية السابقة المختصة بذات الرقاع، ومع جزم أصحاب المغازي
بأنها قبل خيبر اختلفوا في زمانها، فقيل: كانت سنة أربع.
وقيل: سنة خمس.
وقيل: يحتمل أنها كانت قبل بدر أو بعدها، وقبل أحد أو بعدها.
وفي (فتح الباري)): الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة؛ لأن صلاة
الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات
الرقاع، فدل على تأخرها عن الخندق. انتهى.
وهو أول الباب ما في قوله: ((لم تكن شرعت)) المبني عليه ما اختاره، واختار
أيضًا ما صححه البخاري أنها بعد خيبر؛ لأن أبا موسى شهدها وهو إنما جاء بعد

٢٩١
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخوف
خيبر كما في الصحيح، وبه يرد ما أجمع عليه أهل المغازي أنها قبلها، وقول الغزالي:
إنها آخر الغزوات مردود بأنه صح: إن أبا بكرة صلاها مع النبي ◌َّ وهو إنما أسلم
بعد الفتح اتفاقًا.
١٤٢٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: صَلَى بِنَا رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، صَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ
وَالْعَدُوَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَكَبَّرَ الشَّبِيُّ ◌ِهِ، وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ
رَأْسَهُ مِن الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جميعًا، ثُمَّ الْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ
الْمُؤَخَّرُ فِي تَخْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ وَّهِ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الْحَدَرَ
الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، ثُمَّ قَامُوا ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ
النَّبِيُّ ◌َّهَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ
وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نُحُورٍ
الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ رَِّ السُّجُودَ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ
بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنْهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، صَفَقْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ وَالْعَدُوَّ
بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ◌َّ) للإحرام والدخول في الصلاة.
(وَ) بعده (كَبَّرْنَا جَمِيعًا ثُمَّ) بعد أن قرؤوا قرآنًا (رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ
رَأْسَهُ مِن الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جميعًا ثُمَّ الْحَدَرَ) أي: سقط عن القيام (بِالسُّجُودِ) متلبسًا به
وبسبب أن يفعله (وَالصَّفُّ) بالرفع عطفًا على الفاعل المستتر لوجود الفاضل،
وبالنصب مفعولاً معه، والأول أولى لإيهام الثاني أنهم قارنوه في الانحدار وليس
كذلك؛ لأن مقارنة الإمام في جزء من الصلاة مكروهة لا تفعلها الصحابة (الَّذِي
يَلِيهِ) وهو الصف الأول.
(وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) أي: استمر في قيام الاعتدال وقفًا (فِي تَخْرِ الْعَدُوِّ) أي: في
(١) أخرجه مسلم (١٩٨٢)، وأحمد (١٤٨١٠)، وأبو عوانة في ((مستخرجه)) (١٩٤٢).

٢٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
مقابلته، والنحر موضع القلادة من الصدر، ونحرته أصبت نحره، وانتحروا على كذا
تقاتلوا عليه.
(فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌ََّ السُّجُودَ) أي: فرغ من السجدتين (وَقَامَ) معه (الصَّفُّ
الَّذِي يَلِيهِ الْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) الذين تأخروا للحراسة لمن أمامهم في سجودهم
(بِالسُّجُودِ ثُمَّ) لما فرغوا من سجدتهم (قَامُوا ثُمَّ) بعد أن استووا مع الأولين في القيام
خلفه ◌َ﴾ في الركعة الثانية (تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) بأن يقعد كل واحد من المؤخر بين
اثنين من المقدم.
(وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ) ويشترط حينئذٍ كما علم من أدلة أخرى ألّا يزد فعل كل من
المتقدمين والمتأخرين على خطوتين وإلا بطلت صلاته إن توالت أفعاله.
(ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ◌َ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ
الْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ) برفعه ونصبه كما مر (الَّذِي يَلِيهِ) وهو (الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي
الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) هو الذي كان مقدمًا في الركعة الأولى (فِي تُحُورٍ
الْعَدُوِّ).
(فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌َِّ السُّجُودَ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، الْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ
بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا ثُمَّ) بعد تشهده ◌َِّ جميعًا (سَلَّمَ التَّبِيُّ وَّهِ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. رَوَاهُ
مُسْلِمْ) وهذه صلاة رسول الله وَله بعسفان المحل المعروف على مرحلتين من مكة،
سمي بذلك؛ لأن السيول تعسفه، وبها أخذ الشافعي وأصحابه لكنهم أخذوا من
الحديث الآتي في الفصل الثالث ما ذكر في هذا الحديث إنما هو لبيان الأفضل لا غير؛
لجمعه بين تقدم الأفضل وهو الأول بسجوده مع الإمام.
وخبر الثاني بتحوله مكان الأول فيجوز خلاف ذلك كسجود الثاني في
الأولى، والأول في الثانية وإن كان كل مكان بل لو لم يحرس في الركعتين جميعًا إلا رجل
واحد من الأول أو الثاني جاز لحضور الأول، أو الغرض من التحرز من هجوم
العدو.

٢٩٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الخوف
تنبيه:
لكل كيفية من الكيفيات السابقة شروط لندبها أو جوازها مقررة في الفقه.
(الفصل الثاني)
١٤٢٤ - [وَعَنْ جَابِرٍ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ كَانَ يُصَلِّ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي الْخَوْفِ
بِبَطْنِ تَخْلِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَ طَائِفَةٌ أُخْرَى فَصَلَّى بِهِم رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ
سَلَّمَ(١). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السنة)].
(وَعَنْ جَابِرٍ فَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يُصَلِّ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي الْخَوْفِ بِبَطْنِ تَخْل)
مر أنه يتخذ من أرض غطفان (فَصَلَّ بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَ طَائِفَةٌ أُخْرَى
فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ) البغوي (في (شَرْحِ السنة))) ومرَّ الكلام على ذلك آنفًا.
والفرق بين الخوف والأمن فيما ذكر مع جوازه في الأمن أيضًا أن اقتداء
المفترض بالمتنفل في الأمن خلاف الأولى وفي الخوف مندوب، لكن إن كان في العدو
في غير القبلة أو فيها وهو مستور وإن تنفلوا، ويكثر المسلمون، بحيث يقاومهم كل
فرقة ويخاف هجومهم في الصلاة.
(الفصل الثالث)
١٤٢٥ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ:
لِهَؤُلَاءِ صَلَاةُ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَهِيَ الْعَصْرُ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فَمِيلُوا
عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً إِنَّ جِبْرِيلَ أَنَى النَّبِيَّ ◌َِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ فَيُصَلِّ
بِهِمْ، وَتَقُومَ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ، وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، فَتَكُونُ لَهُمْ رَكْعَةٌ
وَلِرَسُولِ اللهِنَّهِ رَكْعَتَانِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ) بمعجمة فجيم فنون
(١) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٦٢٤٧)، والشافعي في ((مسنده» (٢٢٦)، ولم أقف على لفظه في ((شرح
السنة».
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٠٩)، والنسائي (١٥٥٥).

٢٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
موضع أو جبل قريب من عسفان (قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لِهَؤُلَاءِ) المسلمين (صَلَاةٌ هِيَ أَحَبُّ
إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَهِيَ الْعَصْرُ) لأنها الوسطى المفضلة على سائر الخمس.
(فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) أي: رأيكم بأن تتفق أفكاركم على شيء واحد، تظفرون
عليهم بسبب وأصل الجمع ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض (فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً
وَاحِدَةً) وهي للحال من ((قال المشركون)) (إِنَّ جِبْرِيلَ أَنَى النَّبِيَّ رَِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ
أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ فَيُصَلِّ) أي: يحرم (بِهِمْ) جميعًا (وَتَقُومَ طَائِفَةُ أُخْرَى) منهم
(وَرَاءَهُمْ) أي: تستمر طائفة منهم قائمة في الاعتدال تحرسهم عند سجودهم مع
رسول الله وَله بمراقبتهم العدو؛ لئلا يبغتهم وهم في السجود.
(وَلْيَأْخُذُوا) أي: الحارسون (حِذْرَهُمْ) أي: ما فيه الحذر وهو التحرز والتيقظ
وجعل آلة للغازي، وجمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ دلالة على تمام التيقظ وكمال
الحذر، ولذا قدم على الأسلحة.
(وَأَسْلِحَتَهُمْ فَتَكُونُ لَهُمْ) أي: لكل من الحارسين إذا تناوبوا الحراسة بأن حرست
طائفة في الأولى وأخرى في الثانية (رَكْعَةٌ) يسجدون فيها مع النبي ◌َّ وأخرى
يتخلفون عنه فيها للحراسة ثم يلحقونه بعد انقضاء سجودها.
(وَلِرَسُولِ الله ﴿ رَكْعَتَانٍ) تامتان لا يخلف فيهما لشيء؛ لأنه محروس فيهما
وذكر الركعة والركعتين لبيان الواقع؛ إذ العصر التي وقع فيها ذلك كانت مقصودة فلا
يختص الحكم بهما، بل يأتي في الثلاثة والرباعية أيضًا.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) وإنما حملته على ما ذكرته في حله مع أن ظاهره قد
ينبو عنه؛ لأنه في صلاته ◌َّله بعسفان كما صرح به قول أبي هريرة: ((بين ضجنان
وعسفان)) والمحفوظ في صلاة عسفان هو ما تقرر كما في رواية مسلم.

(باب صلاة العيدين)
عيد الفطر وعيد الأضحى أو النحر، والعيد مشتق من العود لتكرره كل عام أو
لعود السرور بعوده أو لكثرة عوائد الله على عباده فيه، وجمعه أعياد وإن كان أصله
الواولا الياء للزومها في الواحد أو الفرق بينه وبين أعواد الخشب، وقد كان للجاهلية
يوما لعب فأبدلنا بهما كما يأتي يومي العيدين، وأمرنا بإظهار أنواع الذكر فيهما إغاظة
للمشركين وشكرًا على ما أوليناه قبلهما من نعمة رمضان وما اشتمل عليه، وعشر
الحجة وما اشتمل عليه.
وذكر ابن حبان وغيره: إن أول عيد صلاة النبي ◌َلّ عيد الفطر في السنة الثانية
من الهجرة وهي التي فرض رمضان في شعبانها، ثم داوم عليها وَليه إلى أن توفاه الله
تعالى، ومن هذا أخذ بعض أئمتنا أنها فرض كفاية، وأجاب الأكثرون بخبر: هل على
غيرها؟ قال: ((لا إلا إن تطوع)» (١).
(الفصل الأول)
١٤٢٦ - [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ
وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ
وَالنَّاسُ جُلُوسَّ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ
بَعْنًا قَطَعَهُ أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَُّ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِظْرِ وَ) يوم
(الْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّ) فيه أنه يندب لمن قلده الإمام أمانة العيد وخطبته أن يخرج
بالناس إلى الصحراء أو يستخلف من يصلي ويخطب في المسجد بالمختلفين، هذا إن
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٩٥٦)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٣٥٣).
- ٢٩٥ -

٢٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ضاق المسجد ولم يكن ثم مطر ونحوه كخوف، وإلا فالمسجد أفضل لما يأتي، والكلام
كله في غير مسجدي مكة وبيت المقدس، أمَّا هما فهي فيهما أفضل مطلقًا تبعًا
السلف والخلف ولشرفهما مع اتساعهما.
قال بعض أئمتنا: ومثلهما مسجد المدينة نظرًا لاتساع بعده ◌َّ (فَأَوَّلُ شَيْءٍ
يَبْدَأَ بِهِ) صفة لشيء، مع ذلك الأولى جعل («أول)) خبرًا مقدمًا؛ لأن الصلاة أعرف منه،
وليفد التقديم الاختصاص والرد على من خالف ذلك كمروان وغيره من بني أمية
(الصَّلَاةُ) فيه أن الخطبة لا تسن إلا بعد الصلاة، وسيأتي التصريح به في أحاديث أخر،
فلو خطب قبل الصلاة لم تعد به وفاية سنة الخطبة.
وما فعله مروان بن الحكم لما كان واليًا على المدينة من جهة معاوية أنكره
عليه الصحابة أشد الإنكار، ومن ثم قال ابن المنذر: أجمع الفقهاء على أن الخطبة
بعد الصلاة وأنه لا يجزئ التقدم فيها؛ أي: لا تحصل سنة الخطبة، وأمَّا الصلاة
فصحيحة اتفاقًا، واعتذر عن مروان بأنه لم يغير السنة عبثًا بل قياسًا على الجمعة على
أن عثمان سبقه إلى ذلك كما قاله مالك وكذا معاوية كما قاله الزهري، وأخرج ذلك
عن عمه عبد الرزاق في ((مصنفه)) وما ذكر عن عثمان إن صحَّ فهو في بعض السنن.
قيل: وفي ذلك أشار إلى أن العمل بالاجتهاد في ترك ما كان أولى إذا كان
المصلحة، ويؤيد ذلك الاعتذار وضوح الفرق بين هذا والجمعة، فإن خطبتها واجبة،
فلو أخرت لربما انتشروا وفوتوا سماعها، فيعود [ذلك] على صلاتهم بالبطلان بخلاف
هنا، وأيضًا الجمعة لا تؤدى إلا في جماعة، فقدمت الخطبة ليتلاحق الناس كما أفهمته:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] الدال على أنه لا جلوس بعدها
لخطبة ولا لغيرها، ولا حجة له في فعل عثمان إن صح؛ لأنه كان لمجرد بيان الجواز لا
لدوامه ذلك بخلاف فعل مروان فإنه قصد به الإدامة وأنه السنة.
(ثُمَّ يَنْصَرِفُ) من الصلاة إلى المنبر (فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ) أي: يجعل وجهه
لوجوههم لما مر في خطبة الجمعة (وَالنَّاسُ جُلُوسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ) أي: على حالتهم التي

٢٩٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة العيدين
كانوا في الصلاة عليها (فَيَعِظُهُمْ) أي: يذكرهم بالعواقب بشارة تارة ونذارة أخرى؛ لئلا
يستلذهم فرط السرور في هذا اليوم فيضلوا عن الطاعة ويقعوا في هوة المعصية المؤدية
إلى عقاب الله وسخطه.
(وَيُوصِيهِمْ) بإدامة الطاعة والتحرز عن المخالفات وبرعاية حقوق الله وحقوق
عباده، ومنها النصح التام لكل مسلم (وَيَأْمُرُهُمْ وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ) أي: يفرد أو
يعين (بَعْئًا) أي: جيشًا يبعثهم إلى الجهاد في سبيل الله تعالى (قَطَعَهُ أَوْ يَأْمُرَ) بالنصب
(بِشَيْءٍ) مما يتعلق حدوثه من العدو أو بالجهاد أو نحو ذلك (أَمَرَ بِهِ) ولم تمنعه الخطبة
من ذلك.
(ثُمَّ يَنْصَرِفُ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومنه يؤخذ أن الموالاة في خطبة نحو العيد لا تجب،
وكان هذا هو سند قول أصحابنا: إن خطبة نحو العيد تشير في حصول أصلها اشتمالها
على أركان خطبة الجمعة وإن اختلت شروطها، وحكمة تخصيص ذلك القطع والأمر
بالعيد اجتماع الناس فيه اجتماعًا لا يوجد نظيره في غيره غالبًا، فلا يحتاج إلى أن
يجمعهم مرة أخرى.
١٤٢٧ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: صَلَّيْتِ مَعَ رَسُولِ اللهِ و ◌َ﴾ِ الْعِيدَيْنِ غَيْرَ
مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرٍ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عُ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا
مَرَّتَيْنٍ) حال؛ أي: كثير (بِغَيْرٍ أُذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وعليه عامة أهل العلم من
الصحابة ومن بعدهم، ومثلها سائر النوافل كما مرَّ، وقالها ابن المسيب: أول من
أحدث الأذان في العيد معاوية وقيل: زياد.
١٤٢٨ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ
وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(١) أخرجه مسلم (٢٠٨٨)، وأبو داود (١١٥٠)، والترمذي (٥٣٥)، وأحمد (٢١٤١٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٣)، ومسلم (٢٠٨٩)، والترمذي (٥٣٤)، والنسائي (١٥٧٥)، والبيهقي في
=

٢٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّه ◌َ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)
ذكرهما معه ◌َله لبيان أن ذلك الأمر ثابت معمول به في زمن الشيخين وأكابر
أصحاب النبي وَ ل﴾ لم يطرقه نسخ ولا تغيير لا لمشاركتهما له في التشريع حاشا مثل ابن
عمر أن يظن به ذلك، وأفهم سكوتها عن عثمان أنه قدم الخطبة ومر ما في ذلك
(يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) فيه المبالغة في تسفيه من خالف ذلك من بني أمية
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٤٢٩ - [وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسِ، رضي الله عنهما: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ و ◌َلِ الْعِيدَ؟
قَالَ: نَعَمْ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً، ثُمَّ أَنَى
النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ
يَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ وَبِلَالَّ إِلَى بَيْتِهِ (١). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما) فقيل له (أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ الله وَيّ
الْعِيدَ؟) المراد به الجيش (قَالَ: نَعَمْ) شهدت معه فكان مما فعل أن (خَرَجَ رَسُولُ الله
(وَله) إلى المصلى خارج البلد كما هو السنة بقيده السابق (فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ) فيه
التصريح بتأخير الخطبة عن الصلاة.
(وَلَمْ يَذْكُرْ) أي: النبيِ وَّ وابن عباس عنه (أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً) فتركهما للعيد
سنة مستمرة (ثُمَّ) بعد الخطبة (أَفَى النِّسَاءَ) ومعه بلال (فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ) عطف
تفسير لما مر أن الوعظ ليُذَگِّر بالعواقب وسيأتي له تتمة.
(وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) يؤخذ منه أنه يسن للإمام إذا حضر ثَمَّ نساء أن يفعل معهن
ذلك حيث لا ريبة بوجه، وكان حكمة تخصيص النساء بذلك نقص عقولهن المؤدي إلى
(سننه» (٦٤٢٢)، والدار قطني (١٧٤١).
(١) أخرجه البخاري (٥٢٤٩)، ومسلم (٢٠٨٢)، وأبو داود (١١٤٥)، وأحمد (١٩٣٠)، وابن ماجه
(١٣٣٢)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٥٤٨).

٢٩٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة العيدين
كثرة ذنوبهن وتقصيرهن وسوء خلقهن وعظمة كيدهن، فخصصن بذلك ليحصل لهن
بعض التخفيف والكمال، ثم رأيت بعضهم قال: إتيانه و ﴿ النساء خاص به؛ لأنه أب
لهن، وأجمعوا على أن الخطيب لا يلزمه خطبة أخرى للنساء ولا يقطع الخطبة ليتمها
لهن. انتهى.
ومما ذكر من الخصوصية يحتاج لدليل، وما المانع من إلحاق غيره به في ذلك بقيد
السابق وهو القطع بالأمن من الريبة ومن اللزوم ظاهر لا يحتاج إليه، وأخذ منه سن
الصدقة في المسجد خلافًا لمن حرمها أو كرهها، وفي هذا الأخذ نظر؛ لأن ذلك لم
يكن بالمسجد وإنما كان بالمصلى وبينهما بون بائن قياس الأدنى على الأعلى حجة على
الأصح فيمكن حينئذٍ أن يقال: قياس ندبها هنا ندبها ثم؛ إذ لا يظهر في خصوصها
بين المسجد والمصلى فرق فتأمله.
(فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ) بضم أوله؛ أي: يمددن أو يملن أيديهن أو يومئن بها (إِلَى
آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ) ليأخذن ما فيها و(يَدْفَعْنَ) ذلك (إِلَى بِلَالٍ) بإلقائه في تفسير به كما
في رواية أخرى فيه جواز تصرف المرأة بغير إذن زوجها، وهو قول أكثر العلماء، وعن
مالك امتناعه إلا بإذنه؛ لأنه من حسن المعاشرة، واستدل له بما روي من خبر: ((لا
يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها)(١) قيل: وعلى الأول يحمل هذا على غير الرشيدة.
انتهى.
وهو عجيب أن غير الرشيدة لا ينفذ تصرفها بإذن زوج ولا غيره، فالوجه حمله
بأن صح على الإعطاء من ماله، فهذا هو الذي يتوقف على إذنه، وأمَّا مالها فإن كانت
سيدة جاز لها مطلقًا أو سفيهة امتنع عليها مطلقًا (ثُمَّ ارْتَفَعَ) أي: أسرع بتكلف من
رفع ناقته كلفها أرفع السير (هُوَ وَبِلَالَّ إِلَى بَيْتِهِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٤٣٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ نَّ صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٤٧)، والبيهقي (١١١١٥)، والنسائي (٢٥٤٠).

٣٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا (١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَّى يَوْمَ) عيد (الْفِطْرِ
رَكْعَتَيْنِ) يؤخذ منه أن صلاة العيد ركعتان، وأنه لا بد في صحتها كسائر النوافل من
أركان الصلاة المفروضة وشروطها، وفي كمالها مندوبات غيرها، ويجب في نيَّتها تعيين
عيد الفطر أو عيد الأصغر أو عيد الأضحى أو عيد الأكبر (لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا
بَعْدَهَا).
أخذ منه أصحابنا أنه يسن للإمام إذا حضر وقت الصلاة لا قبله كما هو السنة
أن يشرع في الصلاة ولا يبتدئ بغيرها، فيكره له في المصلى أو المسجد دون بيته
والطريق التنفل قبلها وبعدها وإن خطب غيره لمخالفة ما كان يفعله ور العيد عقب
حضوره وخطبته عقب صلاة العيد، ولا يكره للقوم النفل قبلها ولا بعدها في غير
الوقت المنهي عنه لفضل أنس وغيره ذلك، رواه البيهقي.
ويكره ذلك تنزيهًا لمن يسمع الخطبة لإعراضه به عن الخطيب بالكلية، وعن
مالك وأحمد: ((إنه لا يصلي قبلها ولا بعدها))(٢) وعن أبي حنيفة: ((إنه يصلي بعدها لا
قبلها» (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
١٤٣١ - [وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ تُخْرِجَ الْخَيَّضَ يَوْمَ
الْعِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ العَوائِقِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَبَعْتَزِلُ الْخُيَّضُ عَنْ
مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابُ، قَالَ: لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا
مِنْ جِلْبَابِهَا(٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(١) أخرجه البخاري (٩٦٤)، ومسلم (٢٠٩٤)، والترمذي (٥٤٠)، وأحمد (٢٥٨٢)، والنسائي (١٥٩٨)،
وابن ماجه (١٣٥٠)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٤٤٦)، والدارمي (١٦٥٨)، والدارقطني (١٧٤٤).
(٢) أخرجه النسائي (١٤٥٧)، وابن خزيمة (١٢٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣٥١)، ومسلم (٢٠٠٩)، وأبو داود (١١٣٦)، وأحمد (٢١٠٨٠)، والترمذي (٥٣٩)،
والنسائي (١٧٧٠)، وابن ماجه (١٣٠٨)، وابن خُزيمة (١٤٦٧).