Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
تتمة كتاب الصلاة/ باب القنوت
قال ابن حجر: وقول الباقلاني يمتنع على المجتهد عند تعارض الأدلة الترجيح
بظني ككثرة الرواة أو الأدلة أو كثرة أوصافهم، بخلاف القطعي كتقديم النص على
القياس اختيار له. قلت: بل هو المختار عند الخيار كما صرح به ابن الهمام، وسماه
المذهب المنصور.
(فَرُبَّمَا قَالَ) أي: النبي (إِذَا قَالَ) وأبعد ابن حجر حيث قال: أي قال أبو هريرة
في روايته: إذا قال النبي: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، اللهُمَّ أَنْجِ) أمر من
الإنجاء؛ أي: خلص (الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ) هو أخو خالد أسر يوم بدر كافرًا، فلما
فدى أسلم، فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي؟ فقال: كرهت أن يظن بي أني إنما
أسلمت جزءًا، فحبس بمكة ثم أفلت من أسرهم بدعائه وَله ولحق بالنبي (وَسَلَمَةَ بْنَ
هِشَامٍ) بفتح اللام وهو أخو أبي جهل أسلم قديمًا، وعذب في الله ومنع من الهجرة
إلى المدينة (وَعَيَّاشَ) بفتح العين المهملة وتشديد التحتية (ابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) وهو أخو
أبي جهل لأمه أسلم قديمًا، فأوثقه أبو جهل بمكة، وهؤلاء الثلاثة جدهم المغيرة،
وهم أسباط كل واحد ابن عم الآخر دعا لهم ◌َ* بالنجاة من أسر كفار مكة
وقهرهم](١).
(اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ) بفتح فسكون ففتح أصلها الدوس بالقدم المستلزم
للاستقصاء في هلاك المطول واستهانته، ومن ثم كنى بها عن أخذهم أخذًا شديدًا
وهلاكهم هلاكً مستأصلاً بتسليطه وَّيه ونصره عليهم (عَلَى مُضَرَ) الشامل لقريش
وغيرهم.
(وَاجْعَلْهَا) الأوطئة أو الأيام التي هي مستمرون فيها على كفرهم وعنادهم،
وهي وإن لم يجرِ لها ذكر لكن دل عليها قوله: (سِنِينَ) جمع سنة وهي العام المقحط
غلب عليها ذلك كالنجم للثريا (كَسِنِي يُوسُفَ) وهي السبع الشداد لشدة ما أصابهم
من القحط المهلك؛ أي: اجعلها مثلها في القحط وامتداد زمان المحنة والبلاء غاية
(١) تم استدراك شرح هذا الحديث من كتاب ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)).

١٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الشدة، وجمعها بالواو أو الياء والنون شاذ قياسًا لفقد بعض شروط جمع السلامة فيه.
(يَجْهَرُ بِذَلِكَ) بهذا أخذ أئمتنا فقالوا: يندب للإمام الجهر في قنوت النازلة وإن
كانت المكتوبة سرية كالعصرين (وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ: اللهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا
لِأَحْيَاءٍ مِن الْعَرَبِ) أي: أبعدهم واطردهم عن رحمتك، وهذا يستلزم الدعاء بالإماتة
على الكفر، ومن ثم لم تجزلنا الدية على من علم موته أو أنه سيموت كافرًا.
فإن قلت: فلانًا يقضي أنه ذكره بأعلامهم وقوله: (لأحياء من العرب)) يقضي أنه
ذكرهم بذكر قبائلهم، ويؤيد هذا الثاني في قوله في الرواية الآتية: ((على أحياء من بني
سليم على رجل ... إلخ)(١).
قلت: لا مانع أنه ذكر أعلامًا خاصة ثم قبائلهم العامة، أو أنه أراد بـ«فلانًا
وفلانًا)) القبائل أنفسها بدليل قوله: ((لأحياء)) المتعلق بمحذوف، أو قال ذلك الأحياء؛
أي: عنهم ثم استمر ذلك منه.
(حَقَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِن الْأَمْرِ﴾) أي: هداية الخلق وإهلاك الأعداء
وإماتتهم على الكفر ((شَيْءٌ﴾) وإنما ذلك إلى الله وحده، فإمَّا أن يتوب عليهم
بتوفيقهم للإسلام، وإمَّا أن يهلكهم بإماتتهم على الكفر وتسليطك عليهم، وأمَّا أنت
فعبد الله أرسلك الإنذارهم ومجاهدتهم (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) واستفيد منه أنه يجوز في الصلاة
الدعاء على قوم بأعيانهم وعلى الظلمة والمفسدين.
١٢٨٩ [وَعَنْ عَاصِم الأحْوَلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْقُنُوتِ كَانَ قَبْلَ
الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ، إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللهِ وَ شَهْرًّا أَنَّهُ كَانَ بَعَثَ أُنَاسًا يُقَالُ
لَهُمْ: الْقُرَّاءُ، سَبْعُونَ رَجُلاً فَأَصِيبُوا، فَقَنَتَ رَسُولُ اللهِ وَلِ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو
عَلَيْهِمْ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَفَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْقُنُوتِ) الصبح والنازلة
(١) أخرجه البخاري (٣١٧٠)، وأبو داود (١٤٤٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٠٢)، ومسلم (١٥٨١)، وأحمد (١٣٠٤٢)، والبيهقي في «سننه)) (٣٢٥١).

١٢٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب القنوت
(كَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ) مرَّ أنه صح قبله وبعده في الصبح وغيرها، وإن
روايته بعده أكثر وأشهر، وعضدهم عمل الخلفاء الراشدين (إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ الله وَّ
شَهْرًا أَنَّهُ) تعليلاً للتحديد بالشهر (كَانَ بَعَثَ) إلى أهل نجد في السنة الرابعة لإقراء
القرآن ولدعاية الإسلام (أَنَاسًا يُقَالُ لَهُم الْقُرَّاءُ سَبْعُونَ رَجُلاً) كانوا من أهل الصفة
الملازمين لرسول الله ﴾ لطلب العلم وقراءة القرآن والتفقه في الدين، ومع ذلك كانوا
ردًّا للمسلمين إذا نزلت بهم نازلة لوصولهم غاية بالغة من الشجاعة، وكانوا يحتطبون
بالنهار ويشترون به الطعام لأهل الصفة ويقرءون ويصلون الليل.
واعلم أن أصحاب الصفة المراد بهم حيث أطلقوا قوم فقراء غرباء زهاد كانوا
يأوون في صفة آخر مسجده ◌َله بظلل يبيتون فيها يكثرون بمن تقدم حتى كانوا
سبعين، ويقلون بمن يموت أو يسافر أو يتزوج (فَأَصِيبُوا) ببئر معونة موضع ببلاد
هذيل بين مكة وعسفان؛ لأنهم لما نزلوا بها فصدهم عامر بن الطفيل العامري اللعين
بمائة مات كافرًا وليس عامر بن الطفيل الأسلمي، فإن ذاك كان صحابيًّا في أحياء من
سليم أو هم رعل وذكوان وعصبة، وقاتلوهم حتى قتلوهم ولم ينج منهم إلا كعب بن
زيد الأنصاري البخاري تخلص وبه رمق ثم استشهد في الخندق *، ومنهم عامر بن
فهيرة ولم يوجد جسده دفنته الملائكة قال: ما رأيت رسول الله وقال﴾ وجد على أحد ما
وجد عليهم.
(فَقَنَتَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ) أي: يدفع تمردهم على
المسلمين ولما كان هذا قد يتضمن الدعاء للقائلين بالهداية، جاء التعبير في رواية
بـ (لهم)) أو ((هي)) بمعنى عليهم على حد ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] ويجبر مصيبة
المسلمين باستخلاف مثل أولئك المقتولين فيهم بجمعهم أفضل الخصال من قراءة
القرآن والشجاعة بالحرب لا بالنظر بالمقتولين؛ لأنه لا يمكن تداركهم (مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).

١٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
وفي رواية لهما: ((ثم تركه))(١) وهو بصريح بما أفهمه ما قبله ولا دليل فيه لعدم
ندب القنوت في الصبح الذي يجري عليه أكثر العلماء لما يأتي، ومذهبنا كأكثر السلف
وآخرين من الخلف.
وصحَّ عن الخلفاء الأربعة وابن عباس والبراء ﴾ ندب بخبر أنس نفسه ـ
((إنه ◌َ﴾ قنت شهرًا يدعو عليهم ثم تركه، وأمَّا في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق
الدنيا)»(٢) رواه جماعة من طرق بأسانيد صحيحة.
وروى مسلم: ((إنه 858* كان يقنت في الصبح والمغرب)» (٣) ولا خلاف في تركه في
المغرب؛ لأن الإجماع دلَّ على نسخه فيها.
وأمَّا رواية: ((تركه)) (٤) فالمراد ترك الدعاء عليهم لا جميع القنوت أو ترك القنوت
في غير الصبح كما بينه خبر أنس السابق فإنه مفصل، فيُقضى به على هذا المُجمل،
ويوافقه رواية الشيخين أيضًا: (ثم ترك الدعاء لهم))(٥) وسيأتي لذلك تتمة.
(الفصل الثاني)
١٢٩٠ [عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللّه ◌َ شَهْرًا
مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ
مِن الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَيُؤْمِّنُ مَنْ
خَلْفَهُ(٦). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِوَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي
(١) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (١٥٧٢)، وأحمد (٧٦٧٣)، والنسائي (١٠٨٢)، والدارمي
(١٦٨٤)، والبيهقي (٣٢٠٩).
(٢) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٣٢٢٩)، والدارقطني (١٧١٢).
(٣) أخرجه مسلم (١٥٨٧)، والنسائي (١٠٨٤)، وأحمد (١٩١٦١)، والدارقطني (١٧٠٤).
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) أخرجه أبو داود (١٤٤٥)، وأحمد (٢٧٩٨)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٢٧٨).

١٢٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب القنوت
الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ربنا
ولك الحمد مرآنفا مع بيان ما يؤخذ منه (مِن الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ
سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ) بدل مما قبله [بإعادة](١) الجار وهو بكسر الراء وسكون المهملة بطن
من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك (وَذَكْوَانَ) بطن من بني سليم أيضًا
ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة (وَعُصَيَّةً) من بني سليم نسبه.
وقع في ((صحيح مسلم)) عن أنس أيضًا: ((دعا ◌َّ على الذين قتلوا أصحاب بئر
معونة ثلاثين صباحًا يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله))(٢) فاعترض
ذكر لحيان هنا، فإنه يوهم أنهم ممن أصاب القراء يومئذٍ، وليس كذلك وإنما الذي
أصابهم لحيان بعث الرجيع، وإنما أتى الخبر إلى رسول الله و سير عنهم كلهم في وقت
واحد فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحد.
وسبب هذا البعث: إن قومًا من عضل والقارة طلبوا من النبي ◌َّ ر أن يرسل
معهم من يفقههم فبعث معهم ستة من أصحابه وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت فخرجوا
حتى أتوا على الرجيع كما لهذيل بالهداة بين عسفان ومكة، فأتاهم بنو لحيان بطن من
هذيل فقتلوا عاصمًا؛ لأنه لم ينزل على دارهم وأسروا خُبيبًا وزيد بن السدانة فباعوهم
بمكة، وترجمة البخاري توهم أيضًا أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس
ذلك كما تقرر وإنما أدمجهما معًا لقربها منها، بل جاء في رواية: ((إن كلا منهما جاء في
شهر واحد هو صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة)).
(وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وهو صريح في ندب قنوت النازلة، وأنه
يكون في جميع الصلوات الخمس، وأنه بعد ركوع الأخيرة منها، وأن الإمام يجهر به،
وأن المأمومین یؤمّنون على دعائه وكل ذلك مذهبنا کما مر، نعم یسن.
وقيل: يجب مراجعة الإمام الأعظم أو نائبه بالتشبه للجوامع ونحوها؛ لأنه في
(١) في الأصل: ((بإدغام)).
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٩٥)، ومسلم (١٥٧٧)، وابن حبان (٥٠٨).

١٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
نحو القحط ربما كان سببًا لزيادته وفي الخوف ربما كان سببًا لمزيد الجزع والفشل،
ومتى أمر به الإمام وجب كصوم الاستسقاء أو نهى عنه حرمت [المجاهرة](١) به لشق
العصا وخوف الفتنة.
١٢٩١ - [وَعَنْ أَسِ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَنَتَ شَهْرًا وَتَرَكَهُ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ
وَالنَّسَائِي].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَنَتَ شَهْرًا وَتَرَكَهُ) مرَّ بيان معناه قريبًا (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدِ وَالنَّسَائِي).
١٢٩٢ - [وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَّبِيِ: يَا أَبَتِ، إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ
رَسُولِ اللّه ◌َ﴿ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيِّ هَا هُنَا بِالْكُوفَةِ تَخْوًّا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ
كَانُوا يَقْنُتُونَ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ ◌ُحْدَثُ (٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابن مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي) واسمه: طارق بن أشيم (يَا أَبَتِ)
وهي تاء الوحدة لقلبها هاء كما في ((شاةٍ)) عن ياء الإضافة بجامع أن كلًّا زيادة في آخر
الاسم وكسرت [ .. ](٤) (إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَّ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ
وَعُثْمَانَ) بالمدينة كثيرًا (وَ) صليت خلف (عَلَيّ هَا هُنَا بِالْكُوفَةِ تَحْوًّا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ)
هي في الحقيقة أربع سنين وأشهر (كَانُوا) بإتيان الهمزة كما في الترمذي وغيره، وحذفت
في نسخ المصابيح (يَقْنُتُونَ) في صبح أو غيره (قَالَ: أَيْ بُنَيَّ ◌ُحْدَثُ) أي: من جهة
التابعين (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابن مَاجَه).
وأجاب عنه أئمتنا بأن الذين أثبتوه معهم زيادة علم، فوجب تقديمهم لا سيما
(١) في الأصل: ((المهاجرة)).
(٢) أخرجه مسلم (١٥٨٦)، وأبو داود (١٤٤٧)، وأحمد (١٣٣٣١)، والنسائي (١٠٨٧).
(٣) أخرجه الترمذي (٤٠٤)، وأحمد (٢٧٩٧١)، وابن ماجه (١٢٩٩)، ولم أقف عليه عند النسائي
بهذا اللفظ.
(٤) غير واضح في الأصل.

١٢٧
تتمة كتاب الصّلاة/ باب القنوت
وهم أكثر، وما روي عن ابن مسعود: ((إِنه ◌َ ﴿ لم يقنت في شيء من صلاته))(١) ضعيف
جدًّا.
وكذا ما روي عن ابن عباس أنه بدعة.
وكذا ما روي عن أم سلمة ((إنه ﴿4﴾ نهى عن القنوت في الصبح)) فهذه كلها
ضعيفة.
ومما يرد ما ذكر عن ابن عباس ما رواه البيهقي عنه من طرق: ((إنه وَ ي كان
يعلمهم اللُّهُمَّ اهدني فيمن هديت ... إلخ)(٢) السابق يدعو به في قنوت الصبح، وقول ابن
عمر ما أحفظه عن أحد من أصحابنا معارض بمن حفظه وهو أسن منه وأكثر عددًا،
فقد مر عليه سيما وهو نافٍ وغيره مثبت، واختص الصبح به؛ لأنها أقصر الفرائض
فكانت بالزيادة أليق وليعود على نومه بالبركة لما فيه من الذلة والخضوع.
(الفصل الثالث)
١٢٩٣ - [عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَكَانَ
يُصَلِّي لَهُمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَلَا يَقْنُتُ بِهِمْ إِلَّا فِي النَّصْفِ الْبَاقِي مِنْ رَمَضَان، فَإِذَا كَانَت
الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ يَتَخَلَّفُ، فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: أَبَقَ أُبَيُّ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أَبِيّ بْنِ كَعْبٍ) أي: الرجال
وأما النساء فجمعهن على سليمان بن أبي ختمة كما يأتي (فَكَانَ يُصَلِّ لَهُمْ عِشْرِينَ
لَيْلَةً وَلَا يَقْنُتُ بِهِمْ) في الوتر (إِلَّا فِي النَّصْفِ الْبَاقِي مِنْ رَمَضَان) يوافقه ما مر بسند
صحيح أو حسن عن عمر : ((السنة إذا انتصف رمضان أن يلعن الكفرة في الوتر))
فمن ثم كان الأصح عندنا أنه لا يشرع القنوت في الوتر إلا في نصف رمضان الثاني
كما مرَّ (فَإِذَا كَانَتِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ يَتَخَلَّفُ) وفي نسخة: ((يخلف).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٢).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه أبو داود (١٤٣١)، والبيهقى في ((سننه)) (٤٨١٤).

١٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: أَبَقَ أَبِيّ) أي: هرب عنا وكان عذره أنه كان يؤثر
التخلي في هذا العشر الذي لا أفضل منه ليعود عليه من الكمال في خلوته فيه ما لا
يعود عليه في المحافظة وعذرهم في التعبير عن فعله هذا بالإباق أن فيه إما مخالفة
لأبي عمران وتفريقًا للناس وتركًا لسنة إحياء جماعة التراويح لما يأتي أن الناس كانوا
متفرقين حتى جمعهم عمر، وكان إذا رآهم مجتمعين يعجبه ذلك ويقول: ((نعمت البدعة
هي)) أي: اجتماعهم.
والحاصل: إن أبي مجتهد رأى فضيلة الاعتزال عنهم في العشر الأخير تأسيًا به
﴿ ﴿ كما يأتي قريبًا، وسيأتي أن تميمًا كان يصلي بدله فلعله حوَّل عليه في العشر الأخير
ليتفرغ لنفسه، وهم مجتهدون رأوا أن الأولى ألا يعتزل عنهم ليسمعهم القرآن ويسري
إليهم سره منه، فإنه ◌َّل ما قرأ شيئًا من القرآن على أحد غير أبي قرأ عليه سورة ((لم
يكن)) بعد أن أعلمه أن الله أمره أن يقرأها عليه، فكل معذور فيما رأى وإن كان
المجتهد لا ينكر على مجتهد؛ لأن قولهم لم يكن إنكار عليه، بل لبيان الأولى في
اعتقادهم وإن بالغوا بالتعبير عنه بالإباق (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
١٢٩٤ - [وَسُئِلَ أَنَسُّ بن مَالِك عَنِ الْقُنُوتِ، فَقَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ وَِّ بَعْدَ
الرُّكُوعِ، وَفِي رِوَايَة: قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ(١). رَوَاهُ أَبُو مَاجَهِ].
(وَسُئِلَ أَفَسُ بِن مَالِك عَنِ الْقُنُوتِ) أهو قبل الركوع أم بعده؟ (فَقَالَ: قَنَتَ
رَسُولُ الله ﴿ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَفِي رِوَايَة: قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ. رَوَاه أَبُو مَاجَه) ومرَّ أن
كلاً صح عنه ګ مع بیان وجه تقدیم ما بعده.
(١) أخرجه ابن ماجه (١٢٤٠).

(باب قيام شهر رمضان)
(الفصل الأول)
١٢٩٥ - [عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي
الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِوَلَ﴿ فِيهَا لَيَالِي حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌّ، ثُمَّ فَقَدُوا
صَوْتَهُ لَيْلَةً فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَا زَالَ بِكُمُ
الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، حَتَى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا
قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّ الصَّلَاةَ
الْمَكْتُوبَةَ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ التَّخَذَ) في رمضان (حُجْرَةً
فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ) أي: حجر محله الذي يجلس فيه بحصير يستره من الناس لما في
الخلوة من الأسرار والكمالات التي لا توجد في [المخالطة](٢) والقول بأن الاختلاط
بالناس أفضل من اعتزالهم الدائم، أمَّا الاعتزال عنهم في أوقات فاضلة أو من شأنها
الاعتزال فيها ولا ضرورة بهم إلى المعتزل في وقت اعتزاله، وإن اضطروا إليه أمكنهم
سؤاله والفوز بمأربهم منه، أو لتعليمهم إيثار الاعتزال في مثل العشرة الأخيرة.
فذلك مما ينبغي ألَّا يطرقه خلاف في أنه أفضل من المخالطة، وهذا ظاهر لا
غبار عليه، ويؤخذ منه جواز اتخاذ الحجرة في المسجد من حصير أو نحوه، لكن
يشترط كما هو ظاهر ألَّا يحجر على أكثر مما يسعه وإلَّا حرم؛ لأن أخذه أكثر من ذلك
فيه تضييق على المصلين، لكن ينبغي أن محله إن كان ثَمَّ من يحتاج لذلك المحل ولو
نادرًا، أمَّا لو علم بالعادة أن الناس وإن كثروا في المسجد لا يحتاجون لما أخذه فلا
(١) أخرجه البخاري (٧٢٩٠)، ومسلم (١٨٦٢)، وأحمد (٢٢٢٠٣)، والنسائي (١٦١٠)، والبيهقي في
((سننه» (٥٤٤٢).
(٢) في الأصل: ((المحافظة).
- ١٢٩ -

١٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
تتجه الحرمة حينئذٍ.
(فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَِّ فِيهَا لَيَالِي حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسُ) فائتموا به كما بينته
رواية عن عائشة في ((الصحيحين)): «إنه ◌َ﴾ صلى التراويح فصلوها معه، ثم تأخر وصلى
في بیته باقي الشهر)».
وقول بعض أئمتنا: ((إنه صلى بالناس عشرين ركعة سوى الوتر)).
أو مما رواه البيهقي: ((إنه صلى بهم عشر ركعات بعشر تسليمات ليلتين ولم يخرج
في الثالثة))(١) ولكن الروايات ضعيفة.
وفي (صحيحي)) ابني خزيمة وحبان: ((إنه صلى بهم ثماني ركعات والوتر))(٢) لكن
أجمع الصحابة # على أن التراويح عشرون ركعة وذلك يؤيد الخبرين، وصح أنهم كانوا
يقومون على عهد عمر في شهر رمضان بعشرین ركعة، کما یأتي.
قال الحليمي: وأسن كونها عشرين أن الرواتب المؤكدة في غير رمضان عشر
ركعات فضُوعفت؛ لأنه وقت جد وشهر نعم.
قال أصحابنا: جوز لأهل المدينة النبوية - شرفها الله تعالى - وأنه عليه الصلاة
والسلام فعله أفضل الصلاة والسلام فعلها ستًّا وثلاثين.
قال الشافعي: لهم أحب إلي.
قال بعض أصحابنا: ولغير أهل المدينة التأسي بهم في الست والثلاثين، ورد بأن
لهم شرفًا اقتضى أن تنافسوا به أهل مكة، فإنهم جعلوا الستة عشر في مقابلة طواف
أهل مکة سبعًا بین کل ترویحتین وقيل غير ذلك.
(ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَة وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ)
فيه دليل لما اعتيد في بعض النواحي من التنحنح إشارة إلى الاستئذان في دخول
(١) لم أقف عليه هكذا، قال النَّوَويُّ في (المجموع): مَذْهَبُنا: أنَّها عِشْرونَ ركعةً بعشْرِ تَسْليماتٍ
غیر الوثرِ.
(٢) أخرجه ابن خزيمة (١٠٠٥).

١٣١
تتمة كتاب الصلاة/ باب قيام شهر رمضان
أو الإعلام بوجود التنحنح بالباب؛ أي: بطلبه خروج من قصده إليه أو نحو
ذلك.
(فَقَّالَ) لهم: (مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ) بيان للذي (صَنِيعِكُمْ) أي: لم
يزالوا على الوصف الذي رأيتكم عليه، وهو شدة حرصكم على صلاة التراويح في
الجماعة (حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ) أي: يُفرض (عَلَيْكُمْ) فعلها في الجماعة أو لا
يقيد (وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ) ذلك (مَا قُمْتُمْ بِهِ) لعجزكم عنه.
قال بعض أئمتنا: ومعنى خشية الافتراض هنا: خشية توهمه، وما ذكره بعید من
السياق، فإنه قاضٍ بأنه إنما خشي حقيقة الافتراض عليه، فمعناه: إنه خشي أن
يكون افتراضهما معلقًا في اللوح المحفوظ على دوام إظهارها جماعة، ولم يخشَ ذلك
في غيرها لعلمه بعدم التعليق.
لا يقال: ينافي هذه الخشية ما سمعه ﴾ ليلة الإسراء أنه لا يزاد على الخمس؛
لأنا نقول: لا ينافيها؛ لأن المنفي ليلة الإسراء صلاة كالخمس في التأكيد والتكرر كل
يوم وليلة، وهذه ليست كذلك، فخشي أن يكون كالوتر والعيدين عند القائلين
بوجوبها.
(فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ) التراويح وغيرها كما يدل عليه الاستثناء الآتي (في
بُيُوتِكُمْ) فاستمروا کذلك زمنه پ﴿ وزمن خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر
، ثم جمع عمر الرجال على أبي والنساء على سليمان بن أبي خثمة.
وفي رواية: ((إنه أمر أَبيًّا وتميمًا أن يقوما للناس)) (١) فكان القارئ يقرأ بالمائتين
حتى كنا نعتمد على العصا من طول القيام، وكان عمر # يقول في جمعه الناس على
جماعة واحدة: ((نعمت البدعة هي)) وإنما سماها بدعة باعتبار صورتها، فإن هذا
الإجماع محدث بعده ؟
وَسِير
وأمَّا باعتبار الحقيقة فليست بدعة؛ لأنه لو إنما أمرهم بصلاتها في بيوتهم
(١) أخرجه مالك (٢٥١)، وعبد الرزاق (٧٧٣٠)، والطحاوي (٢٩٣/١)، والبيهقي (٤٣٩٢).

١٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
لعلة هي خشية الاختلاط وقد زالت بموته ويل، ولم يأمر بها أبو بكرة﴾؛ لأنه كان
مشغولاً بما هو أهم منها، وكذلك عمر أوائل خلافته، ومن ثم قال النووي: الصحيح
باتفاق أصحابنا أن الجماعة فيها أفضل، بل ادعى بعضهم الإجماع فيه؛ أي: إجماع
الصحابة على ما قاله بعض الأئمة.
وخالفه البيهقي فقال: لم يجمعوا عليها كلهم، بل أكثرهم.
(فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وبه أخذ
أئمتنا فقالوا: يُسن فعل النوافل التي لا يُسن فيها الجماعة في البيت، فهو أفضل منه في
المسجد ولو الكعبة والروضة الشريفة؛ لأن في فضيلة الاتباع ما يربو على فضيلة
المضاعفة، ولتعود بركتها على البيت؛ ولأنه أبعد عن الرياء وإن خلا المسجد.
١٢٩٦ - [وَعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ
غَيْرٍ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ
مِنْ ذَنْبِهِ، فَتُوُلِّيَّ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي
بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُرَغَّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ) وهو
التراويح (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ) أي: بأمر معزوم مختوم؛ إذ العزم عقد
القلب على إمضاء الأمر (فَيَقُولُ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ) أي: أحيا ليله بالتراويح والوتر
(إيمانًا) أي: تصديقًا بما جاء عن الله من ثوابه الجسيم (وَاحْتِسَابًا) أي: اعتدادًا لأجر
قيامه عند الله وابتغاء لوجه الله (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).
زاد أحمد: (وما تأخر))(٢) وسبق مرات أن هذا محمول عند أهل السنة على
الصغائر المتعلقة بالله تعالى لتوقف مظالم العباد على رضاهم بأخذ حسنات الظالم أو
الطرح عليهم من سيئاتهم، أو تعويض الله تعالى إياهم ما يرضيهم من الكبائر على
(١) أخرجه مالك (٢٤٨)، ومسلم (١٨١٦)، وأبو داود (١٣٧٣)، والترمذي (٨١٣).
(٢) أخرجه أحمد (٩٢٣٨).

١٣٣
تتمة كتاب الصلاة/ باب قيام شهر رمضان
التوبة، وإلا كان صاحبها تحت المشيئة.
(فَتُؤُنِّيَّ رَسُولُ اللهِ وَيِّ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) التفرق وعدم الجماعة الذي كان في
زمنه وَي﴾ (ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ)
رضي الله عنهما، ثم خرج عمر ليلة فرأى الناس يصلون التراويح منفردين فجمع
رجالهم على أبي وتميم أن يكون هذا إمامًا تارة والآخر أخرى، والنساء على سليمان
كما مرذلك (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٢٩٧ [وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ
فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلاتِهِ، فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلاتِهِ خَيْرًا(١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ) المكتوبة،
فـ(أل)) فيها للعهد الذهني (فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا) يعود عليه (مِنْ) بركة (صَلاتِهِ)
فيصلي فيه النافلة التي لا يسن فيها الجماعة (فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلاتِهِ خَيْرًا)
يعود على أهله بتوفيقهم وهدايتهم ونزول البركة في أرزاقهم وأعمارهم.
وعلم أن العلة في تفضيل البيت فيها يعود على ما ذكر في البيت إلا البعد عن
الرياء خلافًا لمن علل به؛ لأن قضيته أن المسجد لو كان خاليًا كان أفضل من البيت
وليس كذلك، بل البيت أفضل مطلقًا كما يصرح به هذا الحديث، وكلاهما ما يسن
فيه الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء والتراويح والوتر في رمضان، فالمسجد
لها أولى لشبهها بالمكتوبة في طلب الجماعة، وألحق بها الضحى لخبر فيها وغيرها مما
ذكره الفقهاء (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
(الفصل الثاني)
١٢٩٨ [عَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ
(١) أخرجه مسلم (٧٧٨)، وأحمد (١٤٤٣١)، وابن ماجه (١٣٧٦)، وابن أبي شيبة (٦٤٥٠)، وابن
خزيمة (١٢٠٦)، وابن حبان (٢٤٩٠).

١٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌّ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَاء
فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ نَقَّلْتَنَا
قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا [صَلَّى)(١) مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ
[قِيَامُ](٢) لَيْلَةٍ، فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا حَتَّى بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِئَةُ
جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟
قَالَ: السَّحُورُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ (٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ لَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ لَمْ
يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ].
(عَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ الله ◌ِ﴾ رمضان (فَلَمْ يَقُمْ) وفي رواية:
((صلِّ)»(٤) (بِنَا شَيْئًا مِنَ) ليالي (الشَّهْرِ حَتَّى يَقِيَ سَبْعُ) من الشهر كما في رواية؛ أي:
سبع ليالي نظر إلى المتبقي وهو أن الشهر تسع وعشرون فيكون القيام لهم المذكور في
قوله: (فَقَامَ بِنَا) ليلة الثالث والعشرين (حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ) الليلة
(السَّادِسَةُ) وهي ليلة الرابع والعشرين (لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ) الليلة (الْخَامِسَةُ) وهي
ليلة الخامس والعشرين (قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ
نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ).
وفي رواية: ((بقية ليلتنا)(٥) أي: لو زدتنا من صلاة النفل إلى أن يفرغ الليل لكان
خيرًا لنا (لو)) للتمني من النفل بفتح الفاء وهو الزيادة وسميت السنن نوافل؛ لأنها زيادة
على الفرائض.
(قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ) الإمام (حُسِبَ) وفي رواية:
(١) في الأصل: ((صام)).
(٢) في الأصل: ((صيام)).
(٣) أخرجه أبو داود (١٣٧٧)، والترمذي (٨١١)، والنسائي (١٦٠٤).
(٤) أخرجه ابن حبان (٤٠٤)، وابن أبي شيبة (٢٨٦/٢).
(٥) تقدم تخريجه.

١٣٥
تتمة كتاب الصلاة/ باب قيام شهر رمضان
((كتب))(١) (لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ) وفي رواية: ((ليلته)) وإن قصرت صلاة الإمام على ما اقتضى
السياق.
(فَلَمَّا كَانَتِ) الليلة (الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا حَتَّى بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلَةِ) أي: فقام بعض
قيامه المعتاد، ومن ثم بقي في رواية قيامه بهم في هذه الليلة؛ لأنه لم يقم زيادة على
المعتاد.
(فَلَمَّا كَانَتِ) الليلة (الثَّالِئَةُ) وهي ليلة السابع والعشرين (جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ
وَالنَّاسَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَقُوتَنَا الْفَلَاحُ، قُلْتُ) للنبي ◌َّ لما دلت عليه رواية
أبي داود (وَمَا الْقَلَاحُ؟ قَالَ: السَّحُورُ) سمي بـ((الفلاح)) الذي هو البقاء والفوز بالجنة؟
لأنه سبب لبقاء الصوم والإعانة عليه والفوز بما قصده ونواه، أو لأنه الموجب للفلاح
في الآخرة (ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ لَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا
بَقِيَّةَ الشَّهْرِ).
وهذا الحديث صححه الترمذي والحاكم ويوافقه حديث ابن حبان في
((صحيحه): إن عبد الله بن أنيس كان بعيد الدار فسأل النبي وقليل أن يأمره بليلة ينزل
فيها إلى المسجد، فقال ﴿ ﴿ له: ((انزل ليلة ثلاث وعشرين))(٢) ولم يقل له: ((صلاتك
ببيتك أفضل)) فدل كل من هذين الحديثين أن في قصد المسجد في هذه الليالي
خصوصية زيادة على البيت، وحينئذٍ يُقضى بهما على حديث: ((صلوا في بيوتكم))(٣)
لأنهما خاصان، فيقضى بهما على ذلك المقام.
وبذلك يرد قول الحليمي المعهود قديمًا وحديثًا: استواء مقدار القيام في جميع
(١) أخرجه الطيالسي (٤٦٦)، وأحمد (٢١٤٥٧)، وأبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي
(١٦٠٥)، وابن ماجه (١٣٢٧)، والبيهقي (٤٣٨٥) وفي (شعب الإيمان)) (٣٢٧٨)، والدارمي
(١٧٧٧)، وابن خزيمة (٢٢٠٦)، وابن حبان (٢٥٤٧).
(٢) أخرجه مالك (٧٠٣)، وأبو داود (١٣٨٢)، والبيهقي في ((سننه)) (٨٨٠١).
(٣) أخرجه مسلم (٧٧٧)، والترمذي (٤٥١)، والنسائي (١٥٩٨)، وأحمد (٦٠٤٥)، وابن أبي شيبة
(٦٤٥٢).

١٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
ليالي الشهر، فينبغي أن يكون العمل عليه في المساجد، وأمَّا زياد الجد في العشر
الأخير فهو تطوع لمن أطاقه وحده وأمَّا الاجتماع علیه فمحدث غیر سنة. انتهى.
ووجه رده أنه يفيد تفاوت القيام بتفاوت الليالي الفاضلة، بدليل أن ليلة السابع
والعشرين أحياها كلها؛ لأنها عند أكثر العلماء ليلة القدر، ومن ثم جمع لها أهله
ونساءه لم يحيه كله بل تفاوت بينها، وإذا ثبت تفاوت القيام مع الاجتماع عليه فيما
ذکر ثبت فيما قاله الحليمي بالأولى، فقوله محدث يرد بما ذكرته.
واستفيد من الحديث أيضًا أن الجماعة في التراويح سعة، ومر أن الصحابة أو
أكثرهم أجمعوا عليه وكذا من بعدهم.
وقيل: الانفراد فيها أفضل.
قال أصحابنا: ومحله فيمن يحفظ القرآن ولا يخاف النوم والكسل ولا تختل
جماعة المسجد بفقده، فإن فقد شرط من ذلك فالجماعة أفضل قطعًا.
١٢٩٩ [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَيْلَةٍ فَإِذَا
هُوَ بِالْبَقِيعِ، فَقَالَ: كُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي
ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ فِسَائِكَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لَيْلَةَ النّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى
السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعرٍ غَنَمِ كَلْبٍ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ،
وَزَادَ رَزِينِ: مِنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحمَّدًا - يَعْنِي: البُخَارِيّ -
يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ الله ◌ِِّ لَيْلَةٍ) أي: في
ليلتي التي كان فيها عندي (فَإِذَا هُوَ بِالْبَقِيعِ) فيه حذف بينته رواية أخرى؛ أي:
فشددت علي ثيابي وخرجت أتبع أثره، فإذا هو ساجد بالبقيع فأطال السجود حتى
ظننت أنه قد قبض، فلما سلم التفت إلي (فَقَالَ: كُنْتِ تَخَافِينَ) أي: أدمت على أنك
(١) أخرجه أحمد (٢٦٠٦٠)، والترمذي (٧٣٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٨٢٤)، وعبد بن حميد
(١٥٠٩)، وابن ماجه (١٣٨٩).

١٣٧
تتمة كتاب الصلاة/ باب قيام شهر رمضان
تظنين (أَنْ يَحِيفَ اللهُ) ذكره تنويهًا بعظيم شأنه عند ربه على حد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾ [الفتح: ١٠].
(عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ) إشارة إلى التلازم بينهما كالإطاعة والمحبة، قيل: عدل عن
أحيف أنا إلى يحيف، إشعارًا بأن الحيف وهو الجور بإعطاء من لا يستحق ما لا
يستحق، ليس من شيم من اتصف بوصف الرسالة لا سيما من بلغ من غايات العرب
والخلافة من الحق ما لم يبلغه مخلوق (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ
نِسَائِكَ) عدلت إلى هذا الإطناب عن ((نعم)) مزيدًا للتصديق [واستدرارًا](١) لعطفه
وَالر عليها، وعفوه عن هذا الظن المقتضي خروجها بغير إذنه الحامل عليه عظيم الغيرة
التي تؤدي إلى الخروج عن خير التكليف، ومن ثم لم يعاتبها وَ لّ على كسرها لقصعة
ضرة لها أرسلت فيها إليه ﴿ طعامًا وإنما قال تمهيدًا لعذرها: ((غارت أمكم))(٢) ثم
أخذ قصعتها وأرسلها لتلك تطييبًا لخاطرها مع أن الكل ملكه وَله.
(فَقَالَ) استئناف لبيان سبب خروجه من عندها وسبب انتفاء ظنها ذلك المفاد
بالاستفهام الإنكاري (إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْزِلُ) من الكلام عليه مستوٍ في باب التحريض
على قيام الليل (لَيْلَةَ النَّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) أي: القربى من الأرض وهي
السماء الأولى، وظاهره أن هذا النزول المكنى به عن التجلي الأعظم ونزول الرحمة
الكبرى والمغفرة العامة للعالمين لا سيما أهل البقيع، نعم هذه الليلة فتمتاز بذلك على
سائر الليالي؛ إذ النزول الوارد فيها خاص بثلث الليل.
(فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعرٍ غَنَمِ كُلْبٍ) خصوا بالذكر؛ لأنهم أكثر العرب غنمًا
ووجه ذكر الحديث في هذا الباب الإعلام بأن ليلة النصف من شعبان، لما ورد في
إحيائها من الفضل والثواب ما لا يحصى كما بينته في كتابي ((الإيضاح والبيان لما جاء
(١) في الأصل: ((وإِعْذَارً!)).
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٢٧)، وابن ماجه (٢٣٣٤)، وأحمد (١٣٧٩٨)، والدارمي (٢٥٩٨)، وأبو داود
(٣٥٦٧)، والنسائي (٣٩٥٥)، وأبو يعلى (٣٧٧٤).

١٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
في ليلة النصف من شعبان)) كانت كالمقدمة لقيام رمضان فاستدعى ذكره ذكرها.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَزَادَ رَزِين: مِنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ) أي: من المؤمنين
كما صرح به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقيَّد ذلك في روايات بينتها ثم بغير المشاحن وقاطع الرحم
ومدمن الخمر ونحوهم (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحمَّدًا - يَعْنِي: البُخَارِيّ - يُضَعِّفُ هَذَا
الْحَدِيثَ).
١٣٠٠ - [وَعَنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: صَلاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ
أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلا الْمَكْتُوبَةَ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ زَيْدٍ بِن ثَابِتٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: صَلاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ
صَلاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلا الْمَكْتُوبَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ) واستفيد منه ما قدمته
أن صلاة النافلة التي لا يسن فيها الجماعة وما ألحق بها في البيت أفضل منها في
المسجد حتى في الكعبة المشرفة والروضة المكرمة ولا نظر إلى ما فيها من المضاعفة
البالغة؛ لأن في فضيلة الاتباع على ذلك ما يربو على تلك المضاعفة، ومن ثَمَّ قال
أصحابنا: يسن يوم النحر صلاة الظهر بمنى وإن كانت في المسجد الحرام تضاعف إلى
مائة ألف ألف كما مرَّ بيانه.
ومن أن ذلك معلل كما أفاد الخبر السابق بعود بركتها على ذلك البيت وأهله،
وقد تعلل أيضًا بكونها فيه أدعى إلى الإخفاء والبعد عن الرياء المناسب لحكمة
شرع النوافل من زيادة القرب إلى الله تعالى وابتغاء وجهه، ومن ثم استثنى المكتوبة؛
لأنها شرعت لإظهار شعائر الإسلام المناسب له إظهارها في المساجد على رؤوس
الأشهاد.
(الفصل الثالث)
١٣٠١ - [عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
(١) أخرجه أبو داود (١٠٤٦)، والترمذي بنحوه (٤٥٢).

١٣٩
تتمة كتاب الصلاة/ باب قيام شهر رمضان
لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعْ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ،
وَيُصَلِّ بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ لَّهُ عُمَرُ: إِنِّي لَوْ جَمَعْتُ النَّاسَ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ،
فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ
قَارِئِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ الَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي
يَقُومُونَ؛ يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ(١). رَوَاهُ الْتُخَارِيُّ].
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ) بالتنوين (الْقَارِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ
الْخَطَّابِ ﴿ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ) بعد صلاتهم العشاء جماعة
واحدة (أَوْزَاعُ) أي: فرق مختلفة، فمن ثم وضحه بما هو كعطف البيان له وهو
(مُتَفَرِّقُونَ) ثم بالغ في إيضاحه بقول (يُصَلِّ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّ) مؤتمًا (بِصَلَائِهِ
الرَّهْطُ) أي: الجماعة دون العشرة.
(فَقَالَ لَهُ عُمَرُ) على جهة الاستشارة المأمور بها لا سيما في الأمور المهمة (إِنَّ لَوْ)
وفي نسخة: ((إني أرى لو))(٤) وأخذ منها ابن الملك أن ((لو)) قد تعلق فعل القلب (جَمَعْتُ
النَّاسَ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ) يأتمون كلهم به ويسمعون قراءته (لَكَانَ أَمْثَلَ) لأن فيه
اجتماع القلوب واتفاق الكلمة وإغاظة الشيطان ونمو الأعمال، وغير ذلك من فوائد
الجماعة التي تنيف على السبعة والعشرين كما مر.
وفي التفريق ضد ذلك (فَجَمَعَهُمْ) على ذلك وصمم عليه (عَلَى أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ) أي:
الرجال منهم على أبيّ بن كعبٍ، اختاره لأنه كان أقرأ الصحابة، ومن ثم أمر وَله
بالقراءة عليه، فقرأ عليه سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ كما مرآنفًا.
وفي رواية: ((إنه جمعهم على الدارمي)) ولا مانع أن هذا كان يوم تارة والآخر
أخرى، وجمع النساء على سليمان بن أبي خثمة.
(١) أخرجه مالك (٢٥٠)، والبخاري (١٩٠٦)، وابن خزيمة (١١٠٠)، والبيهقي (٤٣٧٩)، وعبد الرزاق
(٧٧٢٣).
(٢) تقدم تخريجه.

١٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس
(قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةٍ قَارِئِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ:
نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ) أي: اجتماع الناس على إمام واحد؛ لما فيه من الفوائد الكثيرة كما
مرت الإشارة إليها، وسماها بدعة باعتبار حدوث هذه الهيئة التي أمر بها بعد أن لم
يكن باعتبار أصل الجماعة فيها، لما مرَّ أنها كانت فيها على زمن النبي ◌ّ مرات
متعددة، وإنما تركها لمصلحة ترجع للأمة، وهي حياة افترضها عليهم يعجزون عنها،
فاستمر الحال على ذلك حياته، ثم حياة أبي بكر ه لاشتغاله عن ذلك بما هو أهم منه،
من قتال المرتدين ومانعي الزكاة.
ثم صدر من خلافة عمر ﴾ لاشتغاله بتمهيد أمر الأمة، فلما تم له الأمر رأى
المصلحة في جمع الكلمة، وأن سبب ذلك التفرق ارتفع فأمر باجتماع الناس على قارئ
واحد وأجمع على ذلك أهل عصره ومن بعدهم، وهلم فكان له ثواب ذلك إلى قيام
الساعة، ثم نبه * على أن هذا الذي فعلوه ليس هو الأفضل من حيث الزمن؛ لئلا
يفهم من مدحه له بـ((نعم)) إنه أفضل مطلقًا.
قال: ((صلاة التراويح والوتر آخر الليل)) (الَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ)
أي: من صلاة التراويح والوتر (الَّتِي يَقُومُونَ) ها أول الليل، وإن كنتم إنما اشتغلتم
عن ذلك الأفضل بفضلها أوله مصلحة اجتماع عموم الناس الذي لا يتيسر آخره
(يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ) كما تقرر (وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
اختلف أصحابنا في وقت صلاة التراويح ووقت اختيارها:
أُمَّا الأول: فقال الأكثرون: إنه من فعل العشاء ولو تقديمًا إلى الفجر الثاني
كالوتر، واستدلوا بنقل الخلف عن السالف.
وقال جمع منهم: يدخل وقتها بالغروب وهو شاذ.
وأمَّا الثاني: فقال الحليمي وتبعه جماعة: يدخل وقتها؛ أي: المختار بمضي ربع
الليل الأول؛ لأنهم؛ أي: في زمن عمر كانوا ينادمون ذلك الربع ويقومون ربعين
وينصرفون في الربع السحورهم وحوائجهم.