Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ تتمة كتاب الصّلاة/ باب التحريض على قيام الليل (شَكُورًا) مبالغًا في الشكر لما أن ذلك الغفران يقتضي زيادة الشكر؛ إذ النعم كلها ترادفت اقتضت تلك الزيادة حتى يدوم ترادفها ويزداد تواليها قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَ زِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٢٢١ - [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَ رَجُلُ، فَقِيلَ: مَا زَالَ نائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلُّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ، أَوْ قَالَ: فِي أُذُنَيْهِ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َ رَجُلُّ، فَقِيلَ) عنه تفسير لما ذكرته (مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ) في الليل (فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلُّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ) بولاً حقيقيًّا؛ إذ كل ما ورد عن الشارع مصروف إلى حقيقته الممكنة، ومن ثم قال الحسن: لو أدخل يده في أذنه لوجدها رطبة. ونام بعض الصالحين ليلة فرأى عبدًا أسودًا بال في أذنه، وسبب هذا البول الدال على غاية التحقير والسخرية شدة تمكنه منه بتلك العقد التي عقدها عليه حتى صيره طعمة وفريسة له يتصرف فيها كيف يشاء (أَوْ قَالَ: فِي أُذُنَيهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وقيل: هو من المجاز. أمّا شبهة تثاقل نومه وتباطئه عن الصلاة وعدم انتباهه بصوت المؤذن مع إحساسه به عن يبل في إذنه مثقل سمعه وفسد حسه، أو كنى بذلك عن مزيد استهانة الشيطان له واستحقاقه إياه؛ إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه أو عن فساد جميع حواسه؛ إذ البول مفسد ومنجس لكل ما أصابه أو عن ظهوره عليه حتى أثقله عن الطاعة. وخُصت الأذن بالذكر مع أن العين أحق به نظرًا إلى أنها هي محل النوم إيماءً إلى أن الأسماع هي مورد الانتباه بالأصوات، لكن بثقل هذا النوم لم يسمع ولم ينتبه (١) أخرجه البخاري (٣٠٩٧)، ومسلم (٧٧٤)، وأحمد (٤٠٥٩)، والنسائي (١٦٠٨)، وابن ماجه (١٣٣٠)، والبزار (٢٠٤٩). ٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس فأشبهت أسماع أهل الكهف في عدم تأثير الصوت فيها والبول، مع أن الغائط أقبح منه مع خبائته أسهل مدخلاً في تجاويف العروق ونفوذه فيها يورث الكسل والفساد لجميع الأعضاء. فإن قلت: يؤيد هذا أن البول لو كانت حقيقة وجب، وغسل الأذن. قلت: القائلين بأنه لا حقيقة لا يقطعون به بل يظنون مع تجويز خلافه، والنجاسة المظنونة على خلاف الأصل لا يجب غسلها. فإن قلت: هو وإن لم يجب يسن قطعًا لمادة الشك كما اقتضاه قول أصحابنا حيث كان تجويز النجاسة قريبًا من الاحتياط بالغسل، ولم نعلم أحدًا قال هنا بسنية ذلك. قلنا: إنما يرد ذلك إن ثبت أن الشيطان بولاً نجسًا كبولنا، ومن أين لنا ذلك؟ وليس الأصل استواءنا مع الجن في تفاصيل التكاليف، بل اختصوا بتفاصيل لا نعلمها كما بينه السبكي وغيره. على أن لنا قولاً مشتهرًا: إن إبليس وذريته ليسوا من الجن، وبفرضه قلنا قول شهير بل هو المتبادر أن الجن ليسوا مركبين من العناصر الأربعة بل من محض النار، وما هو كذلك لا بول له كبولنا، ونفرض أن له بولاً كبولنا فنحن شاكون، هل بوله في باطن الأذن الذي لا يجب غسله أو في ظاهرها؟ وما شك في محله لا يجب؛ لأن الاحتمال الثاني لأقرب له حتى یندب غسله. ١٢٢٢ - [وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - قَالَت: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِعَ لَيْلَةً فَزِعًا يَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، مَاذَا أَنْزَلَ الله مِنَ الْخَزَائِنِ، وَمَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ؟! مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَّاتِ - يُرِيدُ: أَزْوَاجَهُ - لِكَي يُصَلِّينَ، رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ﴾(١). (١) أخرجه البخاري (٧٠٦٩)، والترمذي (٢٣٥٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٩٤٨). ٦٣ تتمة كتاب الصّلاة/ باب التحريض على قيام الليل (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَت: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ الله ◌ِ لَيْلَةً فَزِعًا) مما شاهده (يَقُولُ: سُبْحَانَ الله) تعجب من ذلك الذي شاهد وتعظم له، ثم قرره وينبه بما الاستفهامية المتضمنة معنى التعجب والتعظيم (مَاذَا أَنْزَلَ الله مِنَ الْخَزَائِنِ) كنى بها إشارة لكثرتها وعزتها، قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةٍ رَبِيّ﴾ [الإسراء:١٠٠] عن الرحمة لمقابلتها بالفتن في قوله: (وَمَا أَنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ) المراد بها العذاب؛ لأنها أسبابه ومنها ما وقع بين الصحابة، ولعل ذكر صواحب المحن إشارة لما وقع لعائشة مع علي في مباديها، وجمعًا لكثرتهما. فإن قلت: قوله: ((فزعًا)) يرشد إلى أن ((وما أنزل من الفتن)) تفسير لما قبله. قلت: يمكن ذلك لكنه خلاف ظاهر السياق ولا بعد أن رؤية الفتن تؤثر فيه الفزع، وإن رأى خزائن الرحمة لشدة خوفه على أمته؛ لأن الرحمة قد تخص، وضدها قد تعم. (مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ - يُرِيدُ: أَزْوَاجَهُ - لِكَي يُصَلِّينَ) لينلن من تلك الرحمة حظًا أي حظ، ومن تلك الفتن أمنًا أي أمن وكان كذلك لما علم مما وقع في وقعة الجمل وغيرها. (رُبَّ) نفس هي هنا للتكثير كما يدل عليه الواقع، وأما أصل وضعها واستعمالها فاختلفوا فيه، والحق أنها تستعمل في كل من التقليل والتكثير، ويتعين ذلك السياق والقرائن (كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا) من أنواع الحلل والثياب والحلي والحلل (عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ) عن الثواب أو عن شكر المنعم. وقيل: هو منهي عن التبرج لأحد ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ثم هذا وإن كان عامًّا للإناث والذكور، وهو كالبيان لسبب إيقاظ أزواجه ولا للصلاة إشارة إلى أنه لا ينبغي لهن أن يعلون على قوتهن عن رسول الله وقله وكسوتهن خلقه بشرف نسبتهن إليه سل* فإن القرابة إنما تنفع مع التقوى والاتباع الكامل بل ليس المدار إلا على هذا، كما أفاده «سلمان منا آل ٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس البيت)(١) وموت عَمَّي رسول الله ◌َلا أبي لهب وأبي طالب(9) كافرين. ١٢٢٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ(٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة ◌ِسْلِمٍ: ثُمَّ يبَسُطُ يَدَيْهِ يقولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ ولا ظَلُومٍ حتى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ](٤). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: يَنْزِلُ رَبُّنَا) أي: ينزل أمره ورحمته أو ملائكته، وهذا تأويل الإمام مالك وغيره، ويدل له الحديث الصحيح أن الله وَك يمهل حتى يمضي ينتظر الليل ثم يأمر مناديًا ينادي، فيقول: ((هل من داعٍ فيستجاب له ... ))(٥) والتأويل الثاني ونسب إلى مالك أيضا أنه على سبيل الاستعارة، ومعناه: الإقبال على الداعي بالإجابة واللطف والرحمة وقبول المعذرة كما هو عادة الكرماء لا سيما الملوك إذا نزلوا بقرب محتاجين ملهوفين مستضعفين، قال النووي في ((شرح المهذب)» ومسلم. وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران: لبعض جمهور السلف، وبعض المتكلمين: الإيمان بحقيقتها على ما يليق به تعالى، وإن ظاهرها المتعارف غير مراد ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه الله سبحانه عن سائر سمات الحدوث. (١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٥٩٨/٣)، والطبراني (٢٦١/٦). (٢) انظر: أسنى المطالب في نجاة أبي طالب لدحلان (بتحقيقنا). (٣) أخرجه مالك (٤٩٨)، والبخاري (١٠٩٤)، ومسلم (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، وأحمد (١٠٣١٨)، والترمذي (٣٤٩٨) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (١٣٦٦). (٤) أخرجه مسلم (١٨١٢). (٥) أخرجه مسلم (٧٥٨)، وأحمد (١١٣١٣)، والطيالسي (٢٢٣٢)، وابن أبي شيبة (٢٩٥٥٦)، وعبد بن حميد (٨٦١)، وأبو يعلى (١١٨٠)، وابن خزيمة (١١٤٦). ٦٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب التحريض على قيام الليل والثاني: مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف: وهو محكي عن مالك والأوزاعي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - إنما يتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها فعليها الخبر مؤول بتأويلين، وذكر ما قدمته وبكلامه كلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيره من أئمتنا وغيرهم، يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر كالمجيء والصورة والشخص، والرجل والقدم، واليد والوجه، والغضب والرحمة، والاستواء على العرش والكون في السماء، وغير ذلك عما يفهمه ظاهرها لما يلزم عليه من مجالات قطعية البطلان تستلزم أشياء مكفرة بالإجماع، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ. وظاهره وإنما اختلفوا، هل نصرفه عن ظاهره معتقدين اتصافه سبحانه بما يليق بجلاله وعظمته من غير أن نؤوله بشيء آخر؟ وهو مذهب أكثر الخلف وهو تأويل تفصيلي ولم يريدوا بذلك مخالفة السلف الصالح - معاذ الله أن نظن بهم ذلك - وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم إلى ذلك لكثرة المجسمة والجهمية وغيرهما من فرق الضلال واستيلائهم على عقول العامة، فقصدوا بذلك ردعهم وبطلان قولهم، ومن ثَمَّ اعتذرت منهم. وقالوا: لو كنا على ما كان عليه السلف الصالح من صفاء العقائد وعدم المبطلين في زمنهم لم يخص في تأويل شيء من ذلك، وقد علمت أن مالكًا والأوزاعي وهما من كبار السلف أولا الحديث تأويلاً تفصيليًا، وكذلك سفيان الثوري أول الاستواء على العرش بقصد أمره ونظيره ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] أي: قصد إليها. ومنهم الإمام جعفر الصادق بل قال جمع منهم ومن الخلف: إن معتقد الجهة كافر كما صرح به العراقي، وقال: إنه قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة والأشعري والباقلاني، وقد اتفقت سائر الفرق على تأويل نحو: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. ٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ... ﴾ [المجادلة:٧]. ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]. ((إن الله قِبَل أحدكم في صلاته فلا يبزقن))(١). (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن)(٢). ((الحجر الأسود يمين الله في أرضه)»(٣). وهذا الاتفاق يبين لك صحة ما اختاره المحققون أن الوقف على "الراسخون في العلم" لا الجلالة، واختار كثيرون من متأخري المحققين عدم تعيين التأويل في شيء معين من الأشياء التي تليق باللفظ، ويكون تعيين المراد منها إلى علمه تعالى وفيه توسط بين المذهبین. واختار ابن دقيق العيد توسطًا آخر فقال: إن كان التأويل من المجاز إليهن الشائع فألحق سلوكه من غير توقف، أو من المجاز البعيد الشاذ فألحق بركة وإن استوى الأمران فالاختلاف في جوازه وعدمه مسألة فقهية اجتهادية، والأمر فيها ليس بالخطر بالنسبة للفریقین. وبما تقرر من أئمة السلف وتحقيق المذهبين علم بطلان ما عليه ابن تيمية ومن تبعه ممن أضلهم الله وأذلهم من اعتقاد تلك الظواهر، والحط على جميع أئمة الخلف في تأويلها حتى شبهوهم باليهود الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت، وزعموا أنهم إنما أخذوا التأويل عن اليهود الذين سحروا النبي وَل﴾، وزعموا أن أحدًا من السلف لم يولٍ شيئًا منهم ورموهم بقبائح ينيف عنها سمع من في قلبه أدنى ذرة من إيمان، وأكثروا من تلك الخرافات حتى أضلوا بها المعتقد الباطل كثيرين وأوقعوهم في هوة (١) أخرجه البخاري (١٢١٣)، وأبو داود (٤٧٩)، والدارمي (١٤٤٨). (٢) أخرجه مسلم (٦٩٢١)، وأحمد (٦٧٢٦)، وابن ماجه (٣٩٦٦)، وابن حبان (٢٢٣). (٣) أخرجه الخطيب (٣٢٨/٦)، وابن عساكر (٢١٧/٥٢)، والديلمي (٨٠٨). ٦٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب التحريض على قيام الليل الكفر والابتداع، نسأل الله العصمة من ذلك بمنه وكرمه. وقد صرح رجال ((رسالة القشيري)) الذين اجتمعت الأمة على إمامتهم ونزاهتهم بنفي الجهة والتجسيم تصريحًا بليغًا بعبارات بليغة، بل قال المغربي منهم: كنت أعتقد شيئًا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا بمكة أني أسلمت جديدًا، وما تفوه به أولئك من نسبة الإمام أحمد إلى ذلك كذب صراح عليه وعلى أصحابه المتقدمين، كما أفاده ابن الجوزي من أكابرهم. وما وقع في كلام جماعة والفقهاء مما يوهم الجهة أو التجسيم أوله العلماء، وقالوا: ((إن ظاهره غير مراد» فاحفظ هذه العبارة، وتأملت ما اشتملت عليه لتسلم من رفع المتمردين وكيد الضالين؛ إذ لا شيء أحوج إلى الاحتياط والتحري من العقائد. (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) في فصله بين الفعل ومتعلقه أوضح إشارة إلى أنه ليس المراد بنزوله ظاهره، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) روي تهبط من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ومعناه: أنه ينتقل من مقتضى صفات الجلال من القهر والانتقام إلى مقتضى صفات الجمال من الكرم الواسع والرحمة العامة (حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ) لا ينافي الرواية الأخرى: ((حتى يمضي ثلث الليل الأول)»(١). وفي أخرى له: ((إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه))(٤) قال ابن حبان: لأنه يحتمل أن يكون النزول في بعض الليالي هكذا وبعضها هكذا، وأقول: ويحتمل أن يتكرر النزول عند الثلث الأول والنصف والثلث الآخر، واختص بزيادة الفصل؛ لأن النية فيه أخلص والخشوع فيه أوفر، ولحثه تعالى على الاستغفار بالأسحار ولاتفاق الصحيحين على روايته. (يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ) بالنصب، وكذا ما بعده (لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي (١) أخرجه مسلم (٧٥٨)، والترمذي (٤٤٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٩٤٢٦). (٢) أخرجه مسلم (١٨١٠)، وابن حبان (١٩٩). ٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). (وَفِي رِوَايَة ◌ِسْلِم: ثُمَّ يبَسُطُ يَدَيْهِ) كناية عن مظهري رحمته ولطفه (يقولُ: مَنْ يُقْرِضُ) ربَّا (غَيْرَ عَدُومٍ) أي: غنيًّا أي غنى؛ لأنه لا يفتقر لغيره وغيره يفتقر إليه، ومن هذا شأنه لا يعجز عن أداء مثل ذلك المقرض وأضعافه المضاعفة التي يتفضل بها لا في مقابل (ولا ظَلُومٍ) بنقص شيء من ذلك المقرض فوق ما يوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وإنما وصف تعالى نفسه بهذين الوصفين؛ لأنهما المانعان غالبًا عن الإقراض، وفي هذا إخراج العمل مخرج القرض على جهة التمثيل لإفادة أن تقدم العمل الذي يطلب ثوابه بمنزلة القرض الذي يطل مثله في كونه واجب الأداء بسبب الوعد، ولا يزال تعالى يقول ذلك طلبًا لإقبال قلوب خلقه إليه وتوجههم إلى طلب ما عنده (حتى يُنْفَجِرَ الفَجْرُ). ١٢٢٤ - [وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقُولُ: إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلُ مُسْلِمْ يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلّ لَيْلَةٍ](١). (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقُولُ: إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلُ مُسْلِمْ يَسْأَلُ اللّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّهُ وَذَلِكَ) المذكور من الإجابة في تلك الساعة لا يتقيد بليلة مخصوصة بل يحصل (كُلَّ لَيْلَةٍ) تفضلاً من الله ونعمة تامة على هذه الأمة، فينبغي تحري تلك الساعة ما أمكن في كل ليلة. واحتج بهذا الحديث من يفضلون الليل على النهار، قالوا: لأن كل ليلة فيها ساعة إجابة وليس ذلك في النهار إلا يوم الجمعة. ١٢٢٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله : أَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللّه صَلاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ عبدالله . وَشيه (١) أخرجه مسلم (١٨٠٦)، وابن حبان (٣٠١)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٣٢٧/٢). ٦٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب التحريض على قيام الليل نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: أَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى الله) من جهة الوقت (صَلاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله) كذلك (صِيَامُ دَاوُدَ) أي: أحب أوقاتها الوقت الذي كان يتحراه داود فأما في الصلاة فإنه (كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ) الأول (وَيَقُومُ ثُلُثَهُ) وهو السدس الرابع والخامس (وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَ) أما في الصوم فإنه كان (كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ومنه أخذ أئمتنا أن أفضل أوقات الليل الصلاة فيه سدسه الرابع وسدسه الخامس؛ لأنه مع كونه يجمع شهود السحر في وقت الغفلة التامة ينفي شيئًا من الليل بعين النائم فيه بعد قيامه على القيام إلى أداء الصبح، وأحيانًا بعده إلى أن يصلي الضحى بنشاط قوي وإقبال تام، وأن أفضل أوقات الصوم أن يصوم يومًا ويفطر يومًا؛ لأن فيه غاية التطهير للنفس من حيث خروجها عن مألوفها صومًا وفطرًا بالكلية؛ لأنها مع ذلك لا تألف صومًا ولا فطرًا فيكون كل أشق عليها بخلاف من يديم الصوم فإنه يألفه ويستريح به أكثر من الفطر ومن يألف الفطر وهو واضح. ١٢٢٦ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ - تَعْنِي: رَسُولَ اللهِوَيّ - يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْبِي آخِرَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حاجةٍ إِلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَنَامُ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الأَوَّلِ جُنُبًا وَثَبَ فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ صَلَى الرَّكْعَتَيْنِ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ - تَعْنِي) عائشة بذلك (رَسُولَ الله (١) أخرجه البخاري (٣٢٣٨) ومسلم (١١٥٩) وأبو داود (٢٤٤٨) وأحمد (٦٤٩١) والنسائي (١٦٣٠) وابن ماجه (١٧١٢) والحميدي (٥٨٩) والدارمي (١٧٥٢) والبزار (٢٣٦٤) وابن خزيمة (١١٤٥) وابن حبان (٢٥٩٠)، والبيهقي (٤٤٣٢)، والديلمي (١٤٧٧). (٢) أخرجه مسلم (١٧٦٢) وأحمد (٢٥٤٤٣) والنسائي (١٦٧٩) وابن حبان (٣٦٥) والبيهقي في «سننه» (١٠١١). ٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس وَّهِ - يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْبِي آخِرَهُ) فيه حجة لقول أصحابنا أنه إذا قسم الليل نصفين كانا نصفه الآخر أفضل من نصفه الأول (ثُمَّ) بعد صلاته وفراغه من وروده (إِنْ كَانَتْ لَهُ حاجة إِلَى أَهْلِهِ) أي: غرض في الوطء (قَضَى حَاجَتَهُ) فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمريد الكمال أن يقدم العبادة بالذات كالصلاة على العبادة بالغرض والقصد كالوطء؛ لأن الأولى أهم وأفضل وإلى أن هذا الوقت للوطء هو أولى أوقات الصلاة وأعدلها، بخلاف أوائل الليل فإنه يكون ممتلئًا بالعشاء والجماع مع الامتلاء يضر على أنه قد لا يتيسر له الغسل فينام على جنابة، وهو مكروه ونومه وَ له بعد الوطء وقبل الغسل، كما في الحديث لبيان الجواز الذي لولاه لفهم من نهى الجنب عن النوم قبل الغسل من غير وضوء حرمته. (ثُمَّ يَنَامُ) نومة يسيرة قبيل الفجر ليستعين بها على النشاط في صلاة الصبح وما بعدها (فَإِذَا كَانَ عِنْدَ التِّدَاءِ الأَوَّلِ) أي: آذان الفجر الثاني، فهو أولى بالنسبة للإقامة، وزعم إنه آذان بلال وإنه كان يؤذن من نصف الليل غلط فاحش (جُنُبًا وَثَبَ) أي: قام للغسل بقوة ونشاط ليرشد أمته إلى أن الأولى لهم ذلك لما يغلب عليهم من الكسل بخلافه؛ لأنه مأمون في حقه ◌ََّ (فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ) من حدث غير النوم أو تجديدًا (ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ) يحتمل أنهما سنة الضوء أو سنة الفجر (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). (الفصل الثاني) ١٢٢٧ - [عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إِلَى رِضَا رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةُ عَنِ السَّيِّئَاتِ مَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأَبُ (١) أخرجه الترمذي (٣٥٤٩) وقال: غريب، والبيهقي (٤٤٢٥) والروياني (٧٤٥). ٧١ تتمة كتاب الصلاة/ باب التحريض على قيام الليل الصَّالِحِينَ) من الأمم (قَبْلَكُمْ) أي: عادتهم وشأنهم وقد تحرك همزته من دأب في العمل جد وتعب، وما اتفقت الأمة على مدحه وأدمن صالحوهم على فعله فيه خير؛ أي: خير وفضل أي فضل؟ ومن ثم زاد ◌َ له في مدحه بقوله: (وَهُوَ) أتى به ليدل على مزيد الاعتناء بما فيه من التقرب والتكفير (قُرْبَةٌ لَكُمْ) أي: يقربكم وعدل عنه إليه ليدل التنكير والإخبار بالمصدر على تعظيم شأنه وشرف جدواه. (إِلَى رِضَا رَبِّكُمْ وَمَكْفَرَةُ) بفتح فسكون (عَنِ السَّيِّئَاتِ) أي: الصغائر المتعلقة بالله كما مر في نظائره (مَنْهَاةُ) بفتح فسكون كمكفرة مفعلة مصدر ميمي أو بمعنى اسم الفاعل أو اسم مكان من الكفر؛ أي: الستر ومن النهى؛ أي: خصلة أو حالة من شأنها أن تكفر، وأن ينهى (عَنٍ) ارتكاب (الإِثْم) أو مكان مختص بذلك إن الصلاة نهي عن الفحشاء والمنكر. انتهى. سيما صلاة الليل لما يحصل للمصلي من روح التجلي وكمال الشهود لتفرغ النفس حينئذٍ من سائر الأشغال وإقبالها على العبادة بكليتها، ونحو ذلك: ((السِّواك مطهرة للفم مرضاة للرب)) (١). (الولد مَبخلة مجبنة))(٢). (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ١٢٢٨ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ﴾: ثَلاثَةٌ يَضْحَكُ اللهُ إِلَيْهِمُ: الرَّجُلُ إِذَا قَامَ بِاللَّيْلِ يُصَلِّي، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا فِي الصَّلاةِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَقُّوا فِي قِتَالِ الْعَدُو (٣). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)]. (١) أخرجه أحمد (٧) والنسائي (٥) وابن حبان (١٠٦٧) وابن ماجه (٢٨٩) وابن خزيمة (١٣٥) والبيهقي (١٣٤) وأبو يعلى (١٠٩) والشافعي (١٤/١) وابن أبي شيبة (١٧٩٢) والحميدي (١٦٢) والدارمي (٦٨٤) والطبراني في «الأوسط)» (٢٧٦) والديلمي (٣٥٤٨) وابن عساكر (٣٢٣/٣٧). (٢) أخرجه أحمد (١٧٥٩٨) وابن ماجه (٣٦٦٦) وابن أبي شيبة (٣٢١٨٠) والطبراني (٢٥٨٧) والحاكم (٤٧٧١) والبيهقي (٢١٣٨٥). (٣) أخرجه أحمد (١١٧٧٨) وعبد بن حميد (٩١١) وأبو يعلى (١٠٠٤) وابن أبي شيبة (٣٥٣٨) والديلمي (٢٥٣٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (١٥٤/٢). ٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلِهِ:) أَصناف (ثَلاثَةُ يَضْحَكُ اللهُ إِلَيْهِمُ) كناية عن الرضا عنهم والإقبال عليهم بروحه ورحمته والقرب منهم بشهوده ومعرفته، أو ضمن يضحك ينظر بدليل تعديته بـ((إلى)) (الرَّجُلُ) ذكر للغالب (إِذَا قَامَ بِاللَّيْلِ يُصَلِّ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَقُّوا فِي الصَّلاةِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَقُّوا فِي قِتَالِ الْعَدُو. رَوَاهُ) البغوي (في ((شَرْحِ السُّنَّةِ))) إذا في الثلاثة لمحض الظرفية بدل اشتمال مما قبلها؛ أي: يضحك من هؤلاء الثلاثة يفيد كونهم في هذه الأوقات الثلاثة، وذكرها ترقيًا من الأدنى للأعلى كما هو الأكثر؛ إذ الجهاد أفضلها ويليه الجماعة للاختلاف في فرضيتها، ويليها قيام الليل وهو الصلاة بعد النوم للإجماع على عدم وجوبه. ١٢٢٩ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْف اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا]. (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ) أي: رضاه وإنعامه (مِنَ العَبْدِ فِي جَوْف) خبر أقرب؛ أي: أقربيته تعالى من عباده كائنة في نصف أو ثلث (اللَّيْلِ الآخِرِ) صفة لجوف؛ لأنه ساعة التجلي المعبر عنه بالنزول فيما مرَّ، وأضيفت الأقربية هنا للرب، وفي خبر: ((أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدًا))(٢) للعبد؛ لأن هذا وقت تجلٍ خاص بوقت لا يتوقف على فعل من العبد لوجودہ لا لسبب، ثم کل من أدرکه أدرك ثمرته ومن لا فلا. وأما القرب الناشئ من السجود فمتوقف على فعل العبد وخاص به فناسب كل محل ما ذكر فيه، ووجه ذلك بغير ما ذكرته وما ذكرته أحسن وأبين كما لا يخفى على متأمل (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ) أي: أن ينتظم في سلك الذاكرين (١) أخرجه الترمذي (٣٥٧٩) والحاكم (١١٦٢) وابن خزيمة (١١٤٧) والبيهقي (٤٤٣٩). (٢) أخرجه مسلم (٤٨٢) وأبو داود (٨٧٥) والنسائي (١١٣٧) وأحمد (٩٤٤٢) وابن حبان (١٩٢٨) والبيهقي (٢٥١٧). ٧٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب التحريض على قيام الليل لتعد منهم ويفاض عليك من مددهم، فهو أبلغ من أن يذكر نظير قولهم: وإنه لمن الصالحين، أبلغ من وإنه لصالح. (فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ) ليحصل لك من ذلك التجلي الذي هو تجلي محض الرحمة والإنعام واللطف والإكرام، أوفى نصيب وأفضل إقبال وتقريب (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ إِسْنَادًا) لا تنافي بين وصف الغرابة والصحة کما هو مقرر في محله. ١٢٣٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِوَ﴾: رَحِمَ اللّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّ، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: رَحِمَ اللهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّ وَأَيْفَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ) أي: رشَّ (فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَّحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) یاسناد صحيح. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. ومن خبر عائشة، رضي الله عنها: ((كان ◌َله يصلي صلاته في الليل وأنا معترضة بين يديه، فإذا بقي الوتر أيقظني فأوترت))(٢) أخذ أئمتنا قولهم: يسن للمجتهد أن يوقظ من يظن رغبته في التهجد. ومن الأول أخذت قولي في (شرح العباب)): ويسن نضح الماء في وجهه إذا أبى فيما يظهر لحديث فيه قالوا: ومحل ذلك الإيقاظ إن لم يخش منه ضررًا وإلا حرم، وإذا (١) أخرجه أحمد (٧٤٠٤) وأبو داود (١٣٠٨) والنسائي (١٦١٠) وابن ماجه (١٣٣٦) والحاكم (١١٦٤) وقال: صحيح على شرط مسلم، وابن حبان (٢٥٦٧) والبيهقي (٤٤١٩) وابن خزيمة (١١٤٨). (٢) أخرجه البخاري (٥١٢)، ومسلم (١١٦٩)، وأبو داود (٧١١)، وأحمد (٢٦٣٤٦)، والنسائي (٧٦٧)، وابن حبان (١١٣)، والبيهقي في («سننه» (٣٦٥٧). ٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس قالوا: هذا في مجرد الإيقاظ، فرش الوجه بالماء أولى؛ لأنه أسرع إلى لحوق الضرر فينبغي لمن يريد فعل ذلك أن يوقظ من يطمع في امتثاله بلطف حتى يذهب عنه استيلاء النوم، فأظلم بنومه إلا آثار خفيفة برش الماء عليه؛ لأنه يحصل له نشاط تام. وفي الخبر إيماء إلى أنه ينبغي لكل من أصاب خيرًا أن يشرك معه فيه من يظن طواعيته ومحبته للخير: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)(١) ومن ثم لما شاهد ويق التهجد من لطائف القرب ورفع الحجب ما أوجب له المقام المحمود والكرامة التي لا تلحق ولا تدرك، أحب أن يرشد أمته ويحثهم عليه بالدعاء لهم بالرحمة إن فعلوه. ١٢٣١ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ عَهَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟) أي: ((أَيَّ)) أول أوقاته التي تكون أرجى أن يسمع؛ أي: يجاب فيها؛ إذ التسامع لشيء حقيقته يقبل ویرضی به على حد ((سمع الله لمن حمده). (قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِر) نصبه أو رفعه؛ لأن حرف الموصوف به جوز فیه كل منهما، ويغني عن التقدير المذكور في المبتدأ تقدير (الدعاء)) خبر أو ((جوف الليل)) ظرفه بناء على نصبه. (وَدُبُرَ) برفعه ونصبه (الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) واختصا بذلك التجلي السابق بالنسبة للأول، ولكون الصلاة لا سيما المكتوبة هي محل قرة العين المزيلة لكل قطيعة وبين. ١٢٣٢ - [وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا (١) أخرجه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، والترمذي (٢٥١٥) وقال: صحيح، والنسائي (٥٠١٦)، وابن ماجه (٦٦)، وأحمد (١٣٩٠١)، وعبد بن حميد (١١٧٤)، والدارمي (٢٧٤٠)، والطيالسي (٢٠٠٤). (٢) أخرجه الترمذي (٣٤٩٩) وقال: حسن، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٩٣٦). ٧٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب التحريض على قيام الليل يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللّهُ لِمَنْ أَلانَ الْكَلامَ، وَأَظْعَمَ الطَّعَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامُ(١). رَوَاهُ البَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ))]. (وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا) أي: عوالي شامخات على غاية من النفاسة وصفاء الجوهر (يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَلانَ الْكَلامَ) أي: أتى به لتحليه بغاية الخلق الحسن في غاية من اللطف والسلامة من الإثم: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. فهؤلاء منهم فيكونون من ﴿وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] أي: لخضوعهم لبارئهم ومعاملتهم لخلقه بالرفق في القول والعمل. ومن ثم كان الجزاء هنا وثم واحدًا بناء على أن المعرفة المذكورة في تلك: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] من جملة هذه الغرف المذكورة في هذا الحديث. (وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ) لمستحقيه من غير إسراف وتقتير فهو من أولئك، أيضًا أولئك الذين من أوصافهم أنهم على غاية من الاعتدال في أمورهم: ﴿إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] بخلاف من تجاوز إلى الإفراط أو التفريط. ﴿وَلَّا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُظْهَا كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. ﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٧]. (وَتَابَعَ الصِّيَامَ) أي: سرده ووالاه وأحكمه لما أوتيه من الصبر، وهو قهر النفس وحبسها على مشاق العبادات، فهو من أولئك أيضًا الذين سعوا بخلو أجوافهم عما (١) أخرجه الترمذي (١٩٨٤)، وأحمد (٢٢٩٥٦)، وابن خزيمة (٢١٣٧)، وابن حبان (٥٠٩)، والطبراني (٣٤٦٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان)) (٣٨٩٢)، وفي ((سننه) (٨٢٦٢). ٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس بسطها عن بياتهم ﴿ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]. حتى ﴿ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]. (وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامُ) بلا رياء يشوب عمله ولا شهود غير يوجب زلله؛ لأنه من أولئك أيضًا: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] المنبئ وصفهم بذلك عن أنهم في غاية من الإخلاص لله، والشهود لتربية الحق لهم وإنعامه عليهم بما لا يصلح عملهم لمقابلة أدنى جزء منه. (رَوَاهُ البَّيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ))). ١٢٣٣ - [وَرَوَى [التِّرْمِذِيُّ](١) عَنْ عَلِيِّ تَحْوِهِ، وَفِي رِوَايَتِهِ: لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ]. (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلَيَّ تَحْوِهِ، وَفِي رِوَايَتِهِ: لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ) وهو بمعنى الآية فیما مرَّ فیه. (الفصل الثالث) ١٢٣٤ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّ﴾: يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وََّ: يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ) فيما أُذكره لك وهو أنه (كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلَ) أي: بعضه للتهجد فيه (فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ) دعة ورفاهية فلم يكن من الموفين بعهدهم إذا عاهدوا ﴿وَمَنْ أُوْنَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:١٠]. (مُتَفَقُ عَلَيْهِ) ومنه أخذ أئمتنا أنه يكره للإنسان إذا اعتاد وردًا أن یترکه أو ينقصه إلا لضرورة. (١) في الأصل: السدي. (٢) أخرجه البخاري (١١٠١) ومسلم (١١٥٩) وأحمد (٦٥٨٤) والنسائي (١٧٦٣) وابن ماجه (١٣٣١). ٧٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب التحريض على قيام الليل ١٢٣٥ - [وَعَنْ عُثْمَانَ بن أَبِي الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ يَقُولُ: كَانَ لِدَاوُدَ الَُّْ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ يُوقِظُ فِيهَا أَهْلَهُ، فَيَقُولُ: يَا آلَ دَاوُدَ قُومُوا فَصَلُّوا، فَإِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ يَسْتَجِيبُ اللهُ وَمَنْ فِيهَا الدُّعَاءَ إِلَّا لِسَاحِرٍ أَوْ عَشَّارٍ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (وَعَنْ عُثْمَانَ بِن أَبِي الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلهِ يَقُولُ: كَانَ لِدَاوُدَ الَُّ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ) يحتمل أنها في وقت قيامه المذكور في الحديث السابق، وهو السدس الرابع والسدس الخامس (يُوقِظُ فِيهَا أَهْلَهُ) لقيام الليل (فَيَقُولُ) لهم: (يَا آلَ دَاوُدَ قُومُوا فَصَلُّوا) من الليل ولو قليلاً (فَإِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ يَسْتَجِيبُ اللهُ رَك فِيهَا الدُّعَاءَ) لأنها وقت التجلي الأكبر المار في خبر: ((ينزل ربنا إلى السماء الدنیا»(٢). وبهذا يعلم أن هذا التجلي كان لغير هذه الأمة؛ أي: باعتبار أصله وأمَّا كماله فهو لهم (إِلَّا لِسَاحِرٍ أَوْ عَشَّارٍ) أي: أخذ العشر وهو المكاس وإن أخذ أقل من العشر؛ لأن ذلك باعتبار غالب أحوال المكاسين، وكان سبب تخصيصهما بهذا الوعيد الشديد من بين الخلق أنهما قطعا وصله سائر الناس؛ فإن من شأنهما ألّا يختص أذاهما بمعين، بخلاف سائر العصاة، فقطع الله وصلتهما منه حتى أوقات الرحمة الصرفة فصارا كالآيسين من رحمة الله تعالى التي عمت الخلائق (رَوَاهُ أَحْمَدُ). ١٢٣٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ صَلَاةٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ(٣). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ) أي: المفروضة على الأعيان (صَلَاةٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ- رَوَاهُ أُحْمَدُ) فيه دليل على (١) أخرجه أحمد (١٦٣٢٤)، والطبراني (٨٣٧٥). (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه مسلم (١١٦٣) وأبو داود (٢٤٢٩) والترمذي (٤٣٨) وأحمد (١٠٩٢٨) والنسائي (١٦١٣) وابن ماجه (١٧٤٢) وابن حبان (٢٥٦٣) وابن خزيمة (١١٣٤) والبيهقي (٨٢٠٦) وأبو يعلى (٦٣٩٥). ٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس أن التهجد أفضل النوافل وليس على إطلاقه؛ إذ ما يسن له الجماعة كالعيدين هو أفضلها، فإمّا أن يحمل على الوتر، ويكون المراد أنه أفضل النوافل التي لا يسن فيها الجماعة كالعيدين أو على النوافل المطلقة؛ فأفضلها ما كان في جوف الليل، وهذا هو الذي جرى عليه أئمتنا. ١٢٣٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: إِنَّ فُلَاناً يُصَلِّ بِاللَّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، فَقَالَ: إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ والْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))]. (وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلُّ إِلَى النَّبِيِّ رَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَاناً يُصَلِّ بِاللَّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، فَقَالَ: إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا) فاعل (يَقُولُ) من صلاة الليل المستدعية لمحافظته على صلاة الفرض من باب أولى؛ لأن الصلاة من حيث هي تنهى عن الفحشاء والمنكر وصلاة الليل بخصوصها تنهاه عن الإثم كما مرَّ أول الفصل الثاني، فمثل هذه الصلاة لا محالة تنهاه فيتوب عن السرقة قريبًا؛ فالسنن على أصلها من التنفيس؛ إذ لا بد من مزاولة الصلاة زمنًا حتى يجد منها حالة في قلبه تمنعه من الإثم أو لتأكيد الإثبات كما أن ((لن)) لتأكيد النفي (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))). ١٢٣٨ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَا: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا، أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ (٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَابْنُ مَاجَه]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَا: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: إِذَا أَيْفَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا، أَوْ صَلَّى) شك وعلى الثانية فمعناه صلى كل منهما فتساوى الأول (رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا) تأكيد لضمير ((صليا)) أو ((صلى)) لما تقرر أن المراد كل منهما، وهذا أولى مما وقع للشارح هنا فتأمله (كُتِبًا) إذن (في) جملة (الذَّاكِرِينَ) الله كثيرًا (وَالذَّاكِرَاتِ) إذ الصلاة تسمى ذكرًا لاشتمالها عليها، وفيه بشرى عظيمة أن هذا (١) أخرجه أحمد (١٠٠٣٠) والبيهقي في ((الشعب)) (٣١١٤). (٢) أخرجه أبو داود (١٣١١)، ولم أقف عليه عند ابن ماجه بهذا اللفظ. ٧٩ تتمة كتاب الصلاة / باب التحريض على قيام الليل الوصف الذي مدح الله تعالى فاعله بقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] يحصل أدناه مع اقتضاء لفظه للدوام والاستمرار بصلاة ركعتين بعد النوم من الليل (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه). ١٢٣٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: أَشْرَافُ أُمَّتِي حَمَلَةُ الْقُرْآنِ وَأَصْحَابُ الَيْلِ(١). رَوَاهُ البَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ))]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: أَشْرَافُ أُمَّتِي حَمَّلَةُ الْقُرْآنِ) وهم الذين حفظوا ألفاظه وفهموا معانيه وعملوا بها، قال الشارح: وإلا فهم ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. (وَأَصْحَابُ اللَّيْلِ) أي: الملازمون للصلاة فيه، ووجه أشرفية الأول ما أشار إليه قوله ◌َله: ((من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه))(٢). والثاني ما مرَّ: ((إن قيام الليل قربة ومكفرة ومنهاة))(٣). (رَوَاهُ البَّيْهَفِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))). ١٢٤٠ - [وَعَن ابْنِ عُمَر - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما - أَنَّ أَبَاهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﴾، كَانَ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ، يَقُولُ لَهُمُ: الصَّلاَةَ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَيِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا تَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢](٤). رَوَاهُ مَالِك]. (وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ أَبَاهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﴿ كَانَ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ، يَقُولُ لَهُمُ: الصَّلَاةَ) بالنصب؛ أي: أقيموا الصلاة أو صلوا، وبالرفع؛ أي: حضرت (ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ (١) أخرجه الطبراني (١٢٦٦٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٧٠٣). (٢) أخرجه الحاكم (٢٠٢٨) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٥٩١). (٣) أخرجه الترمذي (٣٥٤٩) وقال: غريب، والبيهقي (٤٤٢٥)، والروياني (٧٤٥). (٤) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٢٥٦). ٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس الآيَةَ: ﴿وَأُمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾) أي: على مشاقها ومشاق أمر أهلك بها، فأقبل أنت معهم على عبادة الله تعالى واستعينوا بها على عناء فقركم الظاهر والباطن ولا نهتم بأمر الرزق فإنا (﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا تُحْنُ نَرْزُقُكَ﴾) ونكفيك ما أهمك ففرغ قلبك لأمر الآخرة (﴿وَالْعَاقِبَةُ)) الهنية المؤدية (﴿لِلتَّقْوَى﴾) فالزموها لتكونوا من أهل تلك العاقبة. (رَوَاهُ مَالِك) وكان بعض السلف إذا أصابته خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله ورسوله ثم يتلو هذه الآية.