Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ تتمة كتاب الصّلاة/ باب السنن وفضلها صلاة الغفلة، وأن الكل من صلاة الغفلة وهو الذي فهمه ذلك الإمام أيضًا (رُفِعَتْ صَلَاتُهُ فِي عِلَّيِّينَ) كناية عن غاية قبولها والرضا بها وعظيم ثوابها، رواه مكحول (مُرْسَلاً) لأنه تابعي أسقط الصحابي والتابعي إذا أسقط الصحابي يكون حديثه مرسلاً، والإرسال هنا لا يضر؛ لأن المرسل كالضعيف الذي لم يشتد ضعفه يعمل بهما في الفضائل. ١١٨٥ - [وَعَنْ حُذَيْفَة ◌َحْوِهِ وَزَادَ: فَكَانَ يَقُولُ: عَجِّلُوا الرَّكْعَتَينِ بَعْد المغْرِبِ فَإِنَّهِمَا يُرْفَعَانِ مَعَ المَكْتُوبَةِ. رَوَاهُمَا رَزِين، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الزِيَادَةَ عَنْهُ تَحْوِهَا فِي ((شُعَبِ الإِيمانِ»]. (وَعَنْ حُذَيْفَةٍ نَحْوِهِ وَزَادَ: فَكَانَ يَقُولُ: عَجِّلُوا الرَّكْعَتَينِ بَعْد المغْرِبِ) فيه إيماء إلى أنهما سنتها البعدية فيخالف ما مرَّ عن ذلك الإمام (فَإِنَّهمَا يُرْفَعَان مَعَ المَكْتُوبَةِ) ظاهر المعية المقتضية أنهما يرفعان لمحل واحد أنه يثاب عليهما حينئذٍ ثواب الفرض، فهو فضل عظيم لهما (رَوَاهُمَا رَزِين، وَرَوَى الْبَيْهَِيُّ الزِيَادَةَ عَنْهُ تَخْوِهَا) بدل؛ أي: روى نحو هذه الزیادة عن حذيفة (في (شُعَبِ الْإِيمَانِ))) فیقوي بذلك روایة رزین. ١١٨٦ - [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ قَال: إنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّ دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَّ فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فَلَا تُصَلّهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ الله ◌ِ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَلَّا نُوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ قَال: إِنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ) فأنكره عليه (فَقَالَ: نَعَمْ) رأى مني شيئًا وأنكره على هوانه (صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي فَصَلَّيْتُ) (١) أخرجه مسلم (٢٠٧٩)، وأبو داود (١١٣١)، وأحمد (١٧٣٢٩)، والبيهقي (٣١٧١). ٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس سنتها من غير أن أفصل بينهما بشيء. (فَلَمَّا دَخَلَ) معاوية إلى بيته (أَرْسَلَ إِلَّ فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ) هي مثال؛ إذ غيرها كذلك كما مر، ويؤيده ما يأتي من حكمة ذلك (فَلَا تُصَلِّهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ) أي: تتكلم (أَوْ تَخْرُجَ) من المسجد؛ أي: أو تتحول إلى مكان آخر کما یعلم مما يأتي. (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ) أي: (أَلَّا نُوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ) وبه أخذ أئمتنا فقالوا: يسن الفصل بين الفرض وراتبته بكلام أو تحول أو نحوهما حتى لا يتوهم أنهما منه. ومرَّ في الفصل الثالث من باب الذكر بعد الصلاة أن عمر أخذ بمنكب من أراد أن يصلي عقب سلامه فنهره، ثم قال: اجلس فإنه لن يهلك أهل الكتاب، إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فصل؛ أي: فأُشبه عليهم الفرض بغيره فضيعوه، فرفع النبي ◌ِ بصره، فقال: ((أصاب الله بك يا ابن الخطاب))(١). ١١٨٧ - [وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَيُصَلِّي أَرْبَعًا، وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّه يَفْعَلُهُ)(٢). (وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةً تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) يفصل بين الفرض وراتبته بالتحول من محل لمحل آخر (ثُمَّ تَقَدَّمَ فَيُصَلِّ أُرْبَعًا) يفصل بين النوافل بالتحول أيضًا كما هو السنة عندنا أن ينتقل المصلي من محل كل ركعتين إلى غيره بكثير المواضع بالصلاة فإنها تشهد له يوم القيامة. (وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَیْنِ) كان وجه الاستكثار في مكة أن الصلاة فيها الفرض والنفل مضاعفة أضعافًا مضاعفة على (١) أخرجه أبو داود (١٠٠٧)، والطبراني (٧٢٨)، والحاكم (٩٩٦). (٢) أخرجه أبو داود (١١٣٢)، والبيهقي (٦١٥٧). ٢٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب السنن وفضلها الصلاة بالمدينة، وقد صح كما مرَّ عن ابن عمر عن أبيه عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنه قال: ((صلاة بالمسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة بمسجد النبي ◌َّ)(١). (وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ) لم صليت سنًّا في مكة وثنتين في المدينة، ولمَ فصلت في مكة بالتحول إلى محل آخر من المسجد وفي المدينة بالتحول إلى البيت؟ (فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَيهِ يَفْعَلُهُ) وحكمة الست والشنتين تقررت. وأمَّا حكمة الآخر فالظاهر أنه ﴾ لم يكن له بمكة بيت كبيته بالمدينة ففصل في مكة بمجرد التحول وفي المدينة بالانتقال إلى بيته الذي هو الأفضل كما صرَّح به خبر: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))(٢). (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. (باب صلاة الليل) (الفصل الأول) ١١٨٨ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُصَلِّ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرِ مَا يَقْرَأْ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ فَيَخْرُجُ مَعَهُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) فيه أن أقل الوتر ركعة فردة والتسليم من كل ركعتين، وبهما قال الأئمة الثلاثة وأن أكثره إحدى عشرة ركعة، وفيه الحجة على قول أبي حنيفة ه ببطلان ما زاد على الثلاثة بنية الوتر مطلقًا، وببطلان الواحدة أو الثلاث المفصولة، وفيه من أوتر بأکثر من واحدة فالأفضل له الفصل صلى في جماعة أم لا بأن يسلم من كل ركعتين، ويجوز من کل أربع ومن ست مثلاً. وسيأتي في باب الوتر لذلك مزيد بسط، وفيه أن أكثر الوتر إحدى عشرة وهو معتمد مذهبنا، فلا يجوز ولا تنعقد الزيادة عليها بنية الوتر وأن الوتر هو التهجد؛ لأنها بينت أنه وَلّ لم يكن يصلي بالليل غير هذه الإحدى عشرة، وفي ذلك خلاف في مذهبنا، والأصح أن بينهما عمومًا وخصوصًا وَجْهِيًّا، فيجتمعان في صلاة بعد النوم (١) أخرجه البخاري (١١٢٣)، ومسلم (١٧٥٢)، وأبو داود (١٣٣٨)، والنسائي (٦٩٣)، وأحمد (٢٦٨٦٠)، والبيهقي (٤٩٦٩)، والدار قطني (١٥٦٤). ٢٤ - ٢٥ تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة الليل بنية الوتر والتهجد بصلاة بعد النوم لا بنية الوتر، وفيه أن وقت الوتر ما بين الثلاثة من العشاء وطلوع الفجر، فيجوز تقديمه على نية العشاء على فعل العشاء، ولو بان فسادها وقع نفلاً مطلقًا. (فَيَسْجُدُ) الفاء لتفصيل بعض ذلك المجمل الذي هو الإحدى عشرة ركعة (السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ) أي: التي هي بعض ذلك العدد الذي هو إحدى عشرة ركعة (قَدْر مَا يَقْرَأْ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ) وحمل الشارح الفاء على التعقيب؛ ليفيد أنه كان يسجد بعد فراغ الوتر سجدة، وأن التقرب إلى الله بسجدة واحدة من غیر وجود سبب سجدة الشكر جائز. انتهى. وليس هذا الحمل بصحيح؛ لأن معتمد مذهبه أنه يحرم التقرب إلى الله بسجدة لم يوجد فيها شروط سجدة الشكر، ومما يبطل جعله الفاء لما ذكر قوله: ((من ذلك)) وتأويله له بما يوافق ما قاله بعيد متكلف فلا يعول عليه، قيل: التاء في السجدة ليست للوحدة الشخصية بل النوعية، فيفيد أنه كان يطول جميع سجدات تلك الإحدى عشرة كذلك وطول زمن قيامه، وهو ثلث الليل فأكثر قد يدل لذلك. (فَإِذَا سَكْتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي: من أذانها (وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ) أي: ظهر واتضح (قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنٍ) فعلم أن لقولها: ((وتبين له الفجر)) فائدة هي تبينها أنه 1948 كان لا يصلي ركعتي الفجر عقب فراغ المؤذن من الأذان الثاني، بل يمكث هنيهة حتى يتضح الفجر، ولم يصرح أصحابنا في ذلك بشيء فيما علمت لكن قضية قولهم: يندب ألَّا يطول الفصل بين الراتب والفرض أنه يندب هذا التأخير؛ لأنه به يقع قصر الفصل بين الراتبة والفرض، وهذا التأخير منه # يدل لذلك. وحكمته أن الراتبة القبلية إنما شرعت لتهيئ في الدخول إلى الفرض على الوجه الأكمل، وكلما قرب الفصل كانت أدعى إلى حصول ذلك الكمال من الخشوع وفراغ القلب. ٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس وأفاد الحديث ندب التغليس(١) بالأذان وحكمته اتساع الوقت؛ ليتم تهيؤ الناس للدخول في الصلاة، وعلم بهذا الذي قررته رد قول من قال: لا فائدة لقولها ذلك مع ما قبله إذا كان التبيين ليس بالأذان فيكون قبل الفجر وهو مشكل، وقول: من سلم له ذلك ثم أجاب عنه بأن سكت ليس بالفوقية بل بالموحدة مستعار للإفاضة في الكلام فلا يتقدم الأذان على الفجر. (خَفِيفَتَيْنِ) مر أنه يندب تخفيف سنة الفجر (ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ) أي: يستأذنه فيها؛ لأنها منوطة بنظر الإمام (فَيَخْرُجُ مَعَهُ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ). ١١٨٩ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ إِذَا صَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلََّ اصْطَجَعَ (٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيَ الْفَجْرِ، فَإِنْ) هو وما بعده جواب إذا وجوابها محذوف؛ أي: أتاني قبل أن يأتيه المؤذن فإن (كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا) أكن كذلك (اضْطَجَعَ· رَوَاهُ مُسْلِمْ). ١١٩٠ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ (٣). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا صَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومن هذه الأحاديث أخذ الشافعي ﴾ أنه يندب لكل أحد المتهجد وغيره أن يفصل بين سنة الصبح وفريضة بضجعة على شقه الأيمن، ولا يترك الاضطجاع ما أمكنه بل في حديث صحيح على شرطهما أنه وَله مر بذلك، وأن المشي إلى المسجد لا يجزئ عنه. (١) التغليس: ظلمة آخر الليل إذا اخلطت بضوء الصباح. (٢) أخرجه البخاري (١١٦٨)، ومسلم (١٧٦٦)، والبيهقي (٥٠٨٦)، والحميدي (١٨٥). (٣) أخرجه البخاري (١١٦٠)، ومسلم (١٧٥٢)، وأحمد (٢٦٩٢٣)، وابن ماجه (١٢٥٤). ٢٧ تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة الليل وأمَّا قول مالك ﴾: إن ذلك بدعة فلعله لم يبلغه هذه الأحاديث، أو لم تصح عنده كأحمد حيث قال: ليس فيه حديث ثبت إلا باعتبار علمه، وإلا فقد علمت أنه ثبت فعله من رواية الشيخين، والأمر به من رواية غيرهما على شرطهما، ودعوى أحمد تفرد أحد رواته به لا يؤثر؛ إذ لم يوجد هنا شروطًا لشذوذه، وبفرضه فإن كان المنفرد به راوي الأمر نفى الفعل أو الفعل نفى الأمر، وكذا قوله لما ذكر له سنده الموصول الصحيح رواه بعضهم مرسلاً؛ لأنه لا يُوافق قاعدة ((الصحة))؛ إذ الوصل مقدم على الإرسال اتفاقًا. وأمَّا زعم عياض أنه لم يكن مقصودًا؛ لأنه جاء في بعض الروايات: ((إنه كان قبل ركعتي الفجر)) فهو لا يجدي أيضًا؛ لأن هذا لا يبقي عدم قصده لا سيما مع صحة الأمر به. وأمَّا ما جاء عن ابن عمر أنه بدعة فلم يثبت، ولو ثبت حمل على نظر ما مرمنه في سنة المغرب القبلية. وأمَّا قول ابن حزم بوجوبه وفساد صلاة الصبح بتركه فهو مصادم للأحاديث الصحيحة، فإنه يدل﴾ كثيرًا ما تركه بيانًا للجواز. وأمَّا قول عائشة: ((لم يكن ◌َّر يضطجع لسنة، ولكنه كان يدأب ليله فيستريح))(١) فهو باعتبار ما فهمته؛ إذ الظاهر أنه لم يبلغها أمره به وإلا لم يقل ذلك، وبهذا الأمر يرد حث المتأخرين تخصيص ندبه بالتهجد، فحكمته ليست للاستراحة من تعب التهجد؛ لأنه كان خفيفًا جدًّا، وإنما الذي يظهر فيها مع كونه يفصل به الفرض عن سنة يتذكر به ضجعته لذلك في القبر، فيعينه ذلك على الدأب طول نهاره في العمل الصالح استعدادًا لذلك. وأخذوا من خبر مسلم المذكور أنه إن تعذر عليه الاضطجاع سنَّ له أن يفصل (١) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٤٧٢٢). ٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس بحديث غير دنيوي لكراهته الدنيوية أو يتحول من مكانه لآخر. وعين البغوي الاضطجاع، وكأنه للحكمة التي ذكرتها ولك أن تنازع في أخذهم المذكور بأن قولها: (وإلا اضطجع)) صريح في أنه يقدم محادثتها على الاضطجاع، وأنه كان لا يضطجع إلا إذا لم تكن مستيقظة؛ فيستفاد منه تقديم الفصل بالكلام حيث تيسر مع إنسان في حين علمه بالاضطجاع، وهو محتمل وإن كان خلاف مقتضى ما صرحوا به فتأمله! ١١٩١ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ الَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ(١): رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الْوِتْرُ) وهو إحدى عشرة ([وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ](٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ١١٩٢ - [وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَِّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتِسْعُّ وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَة سِوَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ(٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَتْ: سَبْعٌ) تارة (وَتِسْعُ) أخرى (وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَة سِوَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ) أخرى (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ومن هذين الحديثين ونحوهما أخذ أكثر أصحابنا أن أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، فإن زاد عليهن بإحرامٍ واحدٍ بطل الكل، وإلا بطل غير هذا إن علم تعمد، وإلا انعقد به نفلاً مطلقًا. وقال جمع من أصحابنا: أكثره ثلاث عشرة، وفيه أخبار صحيحة ناولها الأكثرون بأن من ذلك ركعتين سنة العشاء. قال النووي: وهو تأويل ضعيف مباعد للأخبار؛ أي: كالخبر الصحيح عن أُمّ (١) أخرجه البخاري (١١٤٠)، والبيهقي (٤٨٦١)، ولم أقف عليه عند مسلم بلفظه. (٢) في الأصل: ((ركعتان)). (٣) أخرجه البخاري (١١٣٩). ٢٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الليل سلمة: ((كان ﴿﴿ يُوتر بثلاث عشرة، فلما كبر وضعف أوتر بسبع))(١) ومن ثَمَّ قال البيهقي: الطريق عند أهل العلم جواز الإيتار والاختصار، وعليه الشافعي وقال السبكي: أنا أقطع محل الإيار بذلك وصحته، لكن أحب الاختصار على إحدى عشرة فأقل؛ لأنه غالب أحواله ول﴿ انتهى(٤). وأمَّا رواية: ((خمس عشرة))(٣) فمحمولة على أنه رَّ كان يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين، ومن ثم كانتا سنة غير الوتر كما دلَّ عليه قوله. ١١٩٣ - [وَعَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلَّ) تهجده (اقْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) يقعان صدقة بين يدي نجواه ووتره؛ ليكون على أتم الأحوال وأكملها، وهذا يصلح أن يكون من حكم تقديم الرواتب على الفرائض، ويؤيده أن بعض الفرائض لا بعدية له وليس منها شيء لا قبلية له. ١١٩٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَيهِ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَفْتَتِحِ الصَّلَاة بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:((إِذَا قَامَ) أي: من النوم (أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ) أي: بعضه (فَلْيَفْتَنِحِ الصَّلَاة بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) إشارة إلى أن التكليف يكون أولاً بالتخفيف (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ١١٩٥ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَة وَالنَّبِيّ ◌َّهِ عِنْدَهَا، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ (١) أخرجه الترمذي (٤٦٠)، وأحمد (٢٧٤٩٥)، والنسائي (١٧٣٨). (٢) انظر: أسنى المطالب (١٩٩/٣)، وتحفة المحتاج (٢٦٨/٧). (٣) أخرجه الطيالسي (٥٩٠). (٤) أخرجه مسلم (١٨٤٢)، وأحمد (٢٤٧٤٥). ٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس اللَّيْلِ الأَخِيرُ - أَوْ بَعْضُهُ - قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالتَّهَارِ لآيَاتٍ لأَوِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ فَأَظْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ صَبَّ مِنْهَا فِي الجَفْنَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنَّا بَيْنَ وُضُوءَيْنٍ، وَلَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ، فَقَامَ فَصَلَّ فَقُمْتُ وَتَوَضَّأْتُ، فَقُمْتُ فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَتَامَّتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَاذَنَهُ بِلَالَّ بِالصَّلَاةِ فَصَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: اللُّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًّا، وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًّا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا، وَزَادَ بَعْضُهُم: وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَذَكَرَ: وَعَصَبِي وَلَخْمِي وَدَبِي وَشَعَرِي وَبَشَرِي(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لهمَا: وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا وَأَعْظِمْ لِي نُورًا، وَفِي أُخْرَى لمُسْلِمِ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) أخت أمه لبابة بنت الحارث الهلاليتين، قيل: وكان ذلك بأمر أبيه العباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - بعد أن علم أن ميمونة حائض، فلا حاجة له وسيم فيها حتى يمتنع عنها لأجل ابن عباس، وبفرض عدم ذلك فالعباس لا يقدم على إرسال ابنه، مع تمييزه للبيات مع رسول الله ◌َله بزوجته إلا بإذنه ولية. وقال شيخ الإسلام البلقيني: لم يجئ ابن عباس إلا لتقاضي، وعد كان وص له وعده للعباس. انتهى. فإن صح ذلك فواضح، وإلا فهو خلاف الظاهر من ابن عباس، فإنه لم ينم في تلك الليلة وإنما كان ◌َ﴾ من أولها إلى آخرها حتى حفظ جميع ما وقع منه حتى قوله لما ظن نومه: ((نام الغليم))(٤) والتصغير فيه للشفقة والدلالة على صغر سنه عن الغلام؛ إذ (١) أخرجه البخاري (٥٩٥٧)، ومسلم (٧٦٣)، والطيالسي (٢٧٠٦)، وأحمد (٣٣٠١)، والنسائي (١١٢١)، وابن أبي شيبة (٢٩٢٣١)، وابن حبان (٢٦٣٦). (٢) أخرجه البخاري (١١٧)، وأحمد (٣٢٢٥)، والدارمي (١٣٠٢)، والبيهقي في (سننه)) (٤٦٨٥). ٣١ تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة الليل هو المقارب للبلوغ، وإنما أمره أبوه بذلك؛ ليخبره عن أحواله وله في خلواته المتعلقة بصلاة الليل وتوابعها؛ ليتأسی به كل منهما في ذلك. (لَيْلَة وَالتَّبِيّ ◌َهِ عِنْدَهَا) في ليلتها المختصة بها من قسمته وَلَه بين أزواجه (فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ وَِّ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً) فيه دليل لقولهم: يكره الكلام بعد صلاة العشاء ما لم يكن في خير، وإن منه الحديث مع الزوجة إيناسًا لها (ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ) هي تامة (قُلُثُ اللَّيْلِ الأَخِيرُ) جميعه (أَوْ بَعْضُهُ) أي: فلما بقي من الليل ذلك (قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ) يتفكر في عجائب الملكوت؛ ليستغرق في عالم الجبروت والرحموت حتى يفاض عليه من خزائنهما، ويفتح لسانه بطلب غايتهما. (فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأَوْلِي الأَلْبَابِ﴾) ووجه ذكرهم هنا بعد ذكر اثنين فقط، وذكر أصحاب العقول بعد ثماني آيات في آية البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] مع أن الفعل أعم واللب أخص والمعارف تزداد بزيادة المشاهدة إن كبرنا الأدلة، إنما يحتاج إليها في الابتداء حتى يقوى اليقين، فناسب ختم آيتها بمطلق العقل، وأمَّا في الانتهاء فالشهود الأعظم حاصل بنظر؛ أي: دليل كان لوجود الجمع الأكبر المنافي لكثرة التعدد، فناسب ختم هذه بـ((أولي الألباب)). وكان هذا هو حكمة إشارته وية بقراءة هذه على تلك مع ما اشتملت عليه من دوام، الذي هو أعظم أسباب الوصول وعجائب الفكر وحقائق الخضوع، والاعتراف بالتقصير وجوامع الدعاء والتشفع بالرسل المقرون بالإجابة، ومدح المطيعين وذم غيرهم والأمر بالصبر وما معه الذي لا يطيقه إلا خواص الكُمَّل من المؤمنين. (حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ. ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ فَأَطْلَقَ) أي: حل (شِنَاقَهَا) أي: وكأها وحده أو مع ما تعلق به (ثُمَّ صَبَّ مِنْهَا فِي الجَفْنَةِ) إناء كبير يعد لغسل الثياب ونحوها (ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ وُضُوءَيْنٍ) أي: إسراف وتقصير كما بينه قوله: (وَلَمْ يُكْثِرْ) صب الماء (وَ) لم يقلله بل (قَدْ أَبْلَغَ) الوضوء مبالغة وأتمه (فَقَامَ فَصَلَّى ٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس فَقُمْتُ) أي: نهضت (وَتَوَضَّأْتُ) نحو وضوءه كما في رواية أخرى (فَقُمْتُ) إلى الصلاة (فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ) مر الكلام عليه قريبًا في باب الموقف، قيل فيه: إن الجماعة في النوافل سنة، وإن العمل القليل مفتقر، وإن للصبي موقفًا كالبالغ. انتهى. والأولى ممنوع، وإنما الذي يدل عليه جوازها لا غير، وأمَّا السنة فهي خاصة ببعضها لا كلها، وفيه ندب العمل القليل لمصلحة التعليم (فَتَتَامَّتْ) أي: تكاملت (صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) فيه دليل لما مر أن أكثر الوتر ثلاث عشرة، ويحتمل أنه حسب ركعتي افتتاح صلاة الليل فلا دليل فيه حينئذٍ (ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخّ) أي: من أنفه، ومن ثم عبر عنه في رواية أخرى: ((الغطيط))(١) وهو صوت الأنف المسمى بـ((النخير)) والخطيط بفتح المعجمة، وهو الممدود من الصوت، وقيل: هما بمعنى وهو صوت يسمع من تردد النفس أو النفخ عند الخفقة؛ أي: تحريك الرأس. (وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ) فيه بيان أن نفخه مَ ل﴾ لم يكن لأمر عارض بل كان جبليًّا ناشئًا عن عيالة البدن كما هو الغالب، نعم تلك العيالة حصلت له وَ لير في آخر عمره لما أتاه الله جميع سؤله وأراحه من عناء أمته، وكان حكمته ما أشار إليه بعض علماء الظاهر من التابعين وعلماء الباطن من المتأخرين بقول الأول وقد قيل له: ما هذا السمن؟ كلما تذكرت أمة محمد عليه وما اختصهم الله تعالى به مما لم يؤته لغيرهم ازددت سمنًا، ويقول الثاني: كلما تذكرت أني عبد الله تعالى وأنه أهلني لما ترون زاد سمني. (فَاذَنَهُ) بالمد؛ أي: أعلمه (بِلَالْ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ) لأن من خصائص النبي والأنبياء أن أعينهم تنام ولا تنام قلوبهم لعصمتها، غير أن يعتريها غفلة عن الله تعالى وليتلقى الوحي لو آتاها حينئذٍ، ومن ثم كانت رؤيا الأنبياء وحيًا ولم ينتقض وضوءهم بالنوم، ولا ينافي ذلك نومه عليه في قصة الوادي عن الصبح حتى (١) أخرجه الطبراني (١٠٥٠٢)، وأبو يعلى (٧١/٣). ٣٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الليل طلعت الشمس؛ لأن رؤيتها كالفجر من وظائف البصر لا القلب، وزعم أنه كان له نومان: نوم تنام فيه عینه ونوم لا، ليس في محله لعدم ثبوت ما يدل له. (وَكَانَ فِي) جملة (دُعَائِهِ) تلك الليلة الذي حمله عليه ما لوحت به تلك الآيات التي قرأها من الأدعية المتعددة فيها، ومعنى الفاء في: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] إنك: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ [آل عمران: ١٩١] بل للدلالة على معرفتك الواجبة؛ لبذل الوسع في طاعتك للفوز برضاك وجنتك ونحن كذلك أو نسألك أن نكون كذلك، فقنا عذاب النار، نار سخطك وبعدك، أو ونحن لسنا كذلك فعاملنا بحلمك وقنا حر نارك التي أعددتها لأعدائك. (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا) بدأ به؛ لأن نوره هو المقصود الذي يتبعه نور ما عداه ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)(١). (وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِنِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَ) اجعل (فَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا) خص ما قبل هذه الأربعة بـ((في وعن)) لأن القلب مقر العلوم والمعارف الإلهية، وكلُّ من السمع والبصر يحمل له من أسبابها كنظر المصنوعات وسماع الآيات حًا وافرًا، ومن اليمين واليسار فيجاوز إليه أنوار القلب والسمع والبصر؛ لهداية من في تلك الجبهتين من الخلق، ثم حذف الجار من فوق والثلاثة بعده إشارة لطلب نور يعم تلك الجهات الأربعة؛ لأن ((فوق)) جهة رفع الأعمال، و((أمام)) جهة مواجهة الحق ((إن المصلي يناجي ربه))، و(خلف)) جهة الشيطان؛ إذ لا يأتي للإنسان إلا من خلفه، و((تحت)) جهة جهنم؛ إذ الأصح أنها تحت الأرض. وقيل بالوقف، وهو المختار؛ إذ لم يصح في ذلك قاطع ولا قريب منه. (وَاجْعَلْ لِي نُورًا) أجمل بعد ذلك التخصيص والتعميم مبالغة وتوكيدًا (وَزَادَ (١) أخرجه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) وأبو داود (٣٣٣٠) والترمذي (١٢٠٥) وأحمد (١٨٣٩٨) والنسائي (٤٤٥٣) وابن ماجه (٣٩٨٤) والدارمي (٢٥٣١) والبيهقي (١٠١٨٠). ٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس بَعْضُهُم) أي: الرواة (وَفِي لِسَانِي) ذكره؛ لأنه أعظم الأعضاء آفة، ومرَّ خبر: «أمسك عليك هذا))(١). (نُورًا، وَذَكَرَ: وَعَصَبِي) لأن به قوام البدن (وَلَخْيِي) لأن به نموه وزيادته (وَدَمي) لأن به حياته (وَشَعَرِي) لأن به جماله (وَبَشَرِي) لأنه الذي امتاز به الإنسان على بدن سائر الحيوانات. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لهمَا: وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا وَأَعْظِمْ لِي نُورًا، وَفِي أُخْرَى المُسْلِم: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا) سأل ◌َير النور المكني به عن الهداية الإلهية والمعارف الوهبية والقوة على الطاعات، والسلامة من المخالفات لغالب الأعضاء بطريق الخصوص، ثم أكملها بطريق العموم وأن يخاطبه من جهات الست تعليمًا للأمة وإرشادًا لهم، إلى أن الكمال المطلوب من كل مكلف إنما يحصل أو يتم بأن يشغل أعضاءه بعبادة ربه حتى لا يبقى منها بقية لغيره. فحينئذٍ يتحلى بأنوار طاعته ثم بأنوار معرفته، ويتخلى عن ظلمة معصيته ثم ظلمة جهالته؛ إذ ما من عضو منه إلا وللشيطان منه حظ وافر، لا سيما القلب والمبدوء به، فكانت كلها مشمولة بمكره وحيلته المعقودة عليه من فوقه إلى قدمه، فحينئذٍ يأتيه من جهاته الست ويسومه هوان كل مخالفة وقبيح الأذى [ونحوها] تلك المانعة لحومه حول حِمَى بدنه، فضلاً عن قلبه، فحينئذٍ يصير هاديًا مهديًا عاونًا بالله وله وليًّا، حقق الله لنا ذلك بجوده ومنه وکرمه آمین. وأخذ أئمتنا أنه يسن للمستيقظ وقع بصره إلى السماء وقراءة تلك الآيات والدعاء بما ذكر، ثم صلاة ما تيسر تأسيًا به واتباعًا له ◌ِّ. ١١٩٦ - [وَعَنْهُ أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَلِ فَاسْتَيْقَظَ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأَوِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ (١) أخرجه البزار (٢٣٠٢) وقال: إسناده حسن، ومتنه غريب. ٣٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الليل وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاث(١) . رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْهُ أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَل﴿) هذا معنى قوله: (رقدت ... إلى آخر)(٢) (فَاسْتَيْقَظَ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، وَهُوَ يَقُولُ) ظاهر هذا يخالف الذي قبله الصريح في أن قراءة ذلك قبل الوضوء لله، أنه يحمل على تعدد القراءة أو الواقعة وهو الظاهر؛ إذ لا يلتئم الجمع بين رواياته إلا بذلك، وإن أمكن حمل ثم في الأولى على أنها بمعنى الواو. (﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.) حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّ رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ) بدل من ثلاث، وقيل: ليست ((ثم)) للعطف وإلا لم يقل: ((ثلاث مرات)) لتراخي الأخبار تقريرًا وتأكيدًا، ويرده ما تقرر أن ست بدل من ثلاث المذكور بعد ذکر الرکعتین الأولتین فالمجموع أربع بثمان. (كُلَّ) معمول سارٍ وما بعده (ذَلِكَ) أي: كل مرة من تلك المرات (يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ) تكريره الوضوء ليس لانتقاضه النوم لما مر أنه لا ينتقض به، بل تجديدًا أو لانتقاضه بغير النوم (وَيَقْرَأَ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ) فيه ندب تكرير السؤال والقراءة كلما قام من النوم وإن قصر (ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاث) فيه إيماء إلى أن الثماني كانت غير وتر، ويحتمل أن مراده أوتر بثلاث موصولة، فلا ينافي كون الثماني من الوتر، وعلى كل تقدير فلا حجة فيه لقول أبي حنيفة: إنه لا يجوز زيادة على ثلاثة، وإنه يتعين وصلها؛ لأنه مخالف الصرائح الأحاديث التي لا تقبل تأويلاً (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ١١٩٧ - [وَعَنْ زَيْدِ بن خَالِدِ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لأَرْمُقَنَّ صَلاةَ رَسُولِ اللهِ وَِّ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا (١) أخرجه مسلم (١٨٣٥)، وأبو داود (١٣٥٥). (٢) الظاهر أن هذا الحديث محمول على حال حكاية المنام وإلا يشكل تعدد الوحي في أمر واحد، فإن منام الأنبياء وحي رواه أبو داود عن عائشة. [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٣١٠/٢)]. ٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَى رَكْعَتَيْنِ دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٍ(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ، قَولُهُ: ((ثُمَّ صَلَى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا)) أَرْبَعِ مَرَات، هَكَذَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِم)) وَإِفْرَاده في ((كِتَابٍ)) الحُمَيْدِيِّ، وَفِي (مُوطَأ)) مَالِك، وَ(سُنَن)) أَبِي دَاوِد وَ((جَامِعِ الأصُولِ))]. (وَعَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لِأَرْمُقَنَّ) أي: لأنظرن وأتأملن، أصل الرمق: النظر للشيء شررًا نظر العداوة، فاستعير هنا لمزيد التأمل بجامع أن كلاًّ فيه قوة أعمال للنفس حتى يبلغ منه مطلوبها، وعبر عن الماضي بالمضارع استحضارًا لتلك الحالة الماضية لتصورها في ذهن السامع أبلغ تصوير، ومن أكبر المؤكدات كذا قيل، وفيه نظر ظاهر والظاهر أنه قال ذلك لأصحابه نهارًا ثم رمقه فصلى ... إلى آخره، وحينئذٍ فالمضارع على حاله. (صَلاةَ رَسُولِ اللهِ وَّةِ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ خَفِيفَتَيْنٍ) مرَّ أنهما مقدمة الوتر؛ لأنه (ثُمَّ صَلَى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ) مبالغة في طول هاتين الركعتين (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ) بواحدة لا بثلاث خلافًا لمن وهم فيه لما يأتي أنه كرر ((دون اللتين قبلهما)) أربع مرات، فهذه بثماني وقبلها طويلتان وخفيفتان. (فَذَلِكَ) جملته (ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَة) منها ركعتان مقدمة الوتر كما مرَّ، والإحدى عشرة أكثره على ما مرَّ (رَوَاهُ مُسْلِمْ، قَولُهُ: «ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا)) أَرْبَعِ مَرَات، هَكَذَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِم)) وَإِفْرَادِهِ فِي ((كِتَابِ)) الْحُمَيْدِيِّ، وَفِي (مُوطَأ) مَالِك، وَ((سُنَّن)) أَبِي دَاودٍ وَ((جَامِعِ الأُصُولِ))). ١١٩٨ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللهِ وَلَ وَثَقُلَ كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا](٢). (١) أخرجه مسلم (١٨٤٠)، وأبو داود (١٣٦٨)، وأحمد (٢٢٣٠٦)، وابن حبان (٣٤٣). (٢) أخرجه مسلم (١٧٤٥)، وأبو عوانة في ((مستخرجه)) (١٥٧٦). ٣٧ تتمة كتاب الصّلاة/ باب صلاة الليل (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا بَدَّنَ) بالتشديد (رَسُولُ اللهِ وَيَ) أي: صار بادنًا؛ أي: مسنًّا، ويروى بالتخفيف؛ أي: حمل اللحم، وداله مفتوحة أو مضمومة (وَثَقُلَ) أي: ضعف لكبر سنه وكثرة لحمه كما في روايات أُخر، فذكر كل من هذين في رواية لا اعتراض عليه خلافًا لمن وهم فيه؛ لأن الشيء إذا كان له سببان يجوز ذكرهما وذكر أحدهما، وذلك قبل موته بنحو سنة (كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ) النفل (جَالِسًا) ومن خصائصه أن ثواب تطوعه جالسًا كهو قائمًا؛ لأن الكسل المقتضي لكون أجر القاعد على النصف من أجر القائم كما في ((الصحيح)) مأمون في حقه وله}. ١١٩٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ وَ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ - عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - سُورَتَيْنِ سُورَتَيْنِ فِي كُلُّ رَكْعَةٍ، آخِرُهن: ﴿حم﴾ [الدخان:١] وَ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١](١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ) جمع: نظورة أو نظيرة، وهو الخيار أو المثل والشبه في الشكل وصفاته، وهي هنا السور المتقاربة طولاً أو قصرًا (الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَقْرُنُ) أي: يجمع (بَيْنَهُنَّ) في صلاته (فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ - عَلَى تَألِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - سُورَتَيْنِ سُورَتَيْنِ فِي كُلُّ رَكْعَةٍ، آخِرُهن: ﴿حم﴾ وَ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وبينتها رواية أبي داود أنه أتاه رجل فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: هَذَّا كَهَذِّ الشِّعْرِ ونثرًا كثر الدّقل)) (١) لكن النبي ◌َّ كان يقرأ النظائر السورتين في كل ركعة: ((الرحمن)) و(النجم)) في ركعة و((اقتربت)) و((الحاقة)) في ركعة و ((الطور)) و(الذاريات)) في ركعة و(إذا وقعت)) و((النور)) في ركعة و(سأل سائل)) و(النازعات)) في ركعة و(«ويل للمطففين)) و((عبس)) في ركعة و((المدثر)) و((المزمل)) في ركعة (١) أخرجه البخاري (٧٧٥)، ومسلم (١٩٥٠)، والنسائي (١٠١٣)، وأحمد (٤٢٣٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢١٠٩)، والطبراني (٩٧٣٨). (٢) أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٧١)، والشاشي في ((مسنده)) (٣٠٠). ٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس و((هل أتى)) و((لا أقسم بيوم القيامة)) في ركعة و(عم يتساءلون)) و((المرسلات)) في ركعة و((الدخان)) و((إذا الشمس كورت)) في ركعة. قال أبو داود: وهذا تأليف ابن مسعود، وكذا في (تصحيح)) ابن خزيمة تشبيهًا لكن بنقص ومخالفة في الترتيب. قال عياض: وهذا موافق لرواية عائشة: ((إن قيامه ◌َي* كان إحدى عشرة بالوتر)) وإن هذا قدر قراءته غالبًا، وتطويله بسبب التدبر، وتطويل الأركان وقراءة ((البقرة)) و(النساء)) نادر، وإنكار ابن مسعود على الرجل ليحضه على التأمل، إلا أنه لا تجوز قراءة المفصل في ركعة والهذّ بفتح فتشديد للمعجمة الإسراع، وأول المفصل (الحجرات)) على الأصح من عشرة أقوال فيه، وتأليف ابن مسعود المذكور أجمع الصحابة في زمن الصديق على خلافه وهو بالمصاحف اليوم، وهو في الآيات قطعي وفي السور ظني، فمن ثم حرم عندنا بعكس الآي وكره بعكس السور. (الفصل الثاني) ١٢٠٠ - [عَنْ حُذَيْفَةَ ﴾ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َهِ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ، فَكَانَ يَقُولُ: اللّهُ أَكْبَرُ - ثَلَاثًا - ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ فَقَرَّاً الْبَقَرَةَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَخْوًّا مِنْ قِيَامِهِ، وَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَكَانَ قِيَامُهُ نَّحْوًّا مِنْ رُكُوعِهِ، يَقُولُ: لِرَبِّ الْخَمْدُ، ثُمَّ سَجَدَ فَكَانَ سُجُودُهُ نَخْوًّا مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيّ الأَعْلَى، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ تَحْوًّا مِنْ سُجُودِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأَ فِيهِنَّ ((الْبَقَرَةَ) وَ(«آلَ عِمْرَانَ)) وَ(النِّسَاءَ)) وَ(الْمَائِدَةَ) أَوِ ((الأَنْعَامَ)) شَكَّ شُعْبَةُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (عَنْ حُذَيْفَةَ ﴾ِهِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َِّ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ، فَكَانَ يَقُولُ) في صلاته؛ (١) أخرجه أبو داود (٨٧٤). ٣٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب صلاة الليل أي: في محل دعاء الافتتاح كما أفاده السياق (اللهُ أَكْبَرُ - ثَلَاثًا - ذُو الْمَلَكُوتِ) فعلوت مبالغة في الملك (وَالْجَبَرُوتِ) فعلوت أيضًا مبالغة في الجبر وهو القهر؛ لأنه تعالى يقهر عباده على ما أراد من أمر ونهي وقضاء وقدر (وَالْكِبْرِيَاءِ) وهو غاية العظمة والجلال (وَالْعَظَمَةِ) ومن ثم شبهت الأولى بالرداء والثانية بالإزار ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قصمته)»(١). (ثُمَّ اسْتَفْتَحَ فَقَرَأَ) الفاتحة كما علم من أحاديث أخر فحذفت للعلم بها، ثم قرأ (الْبَقَرَةَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعُهُ تَخْوًّا) أي: قريبًا (مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يَقُولُ) حكاية لصورة الحال الماضية؛ ليستحضرها السامع في ذهنه وكذا نظائره الآتية (فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَكَانَ قِيَامُهُ تَحْوَا مِنْ رُكُوعِهِ). وفي نسخ: ((من قيامه)(١) وفيه تطويل الاعتدال صح أنه قصير عندنا، ومن ثم اختار النووي أنه طويل بل جزم به جزم المذهب في كتبه (يَقُولُ: لِرَبَِّ الْحَمْدُ، ثُمَّ سَجَدَ فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْوًّا مِنْ قِيَامِهِ) أي: اعتداله. (فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِيِّ الأَعْلَى، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ تَحْوًّا مِنْ سُجُودِهِ) فيما مر في الاعتدال (وَكَانَ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأْ فِيهِنَّ ((الْبَقَرَةَ)) وَ(آلَ عِمْرَانَ)) وَ(النِّسَاءَ)) وَ(الْمَائِدَةَ) أَوِ ((الأَنْعَامَ)) شَكَّ شُعْبَةُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) فيه بيان ما كان عليه وَّر من تمام الاجتهاد في الطاعة وبذل الوسع فيها، ومن ثم قيل له في نظير ذلك: أتفعل هذا يا رسول الله؟ وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؛ أي: أعطاك ما لم يعطه أحدًا من خلقه قال: (١) أخرجه أحمد (٩٣٤٨)، وأبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٤١٧٤)، وابن حبان (٥٦٧١)، وهناد في ((الزهد)) (٨٢٥). (٢) أخرجه مسلم (١٨٥٠)، وأبو داود (٨٧٤)، والنسائي (١١٤١)، وأحمد (١٤٧٩١)، والبيهقي في ((سننه)) (٣٨٣٧). ٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الخامس ((أفلا أكون عبدًا شكورًا))(١). ١٢٠١ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطَرِينَ)(٢). (وَعَنْ عبد الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَلُ: مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ) يقرؤها في ركعتين أو أكثر وظاهر السياق أن المراد غير الفاتحة (لَمْ يُكْتَبْ) عند الملائكة (مِنَ الْغَافِلِينَ) لأنه وجد منه إحياء الليل وإن قل فيه انتفت عنه وصمة الغفلة، وتفسيري قام يصلي في هذا المقام هو الموافق للاستعمال الشرعي، وفسره شارح: من تفوه وعزم، كمن قام بالأمر وقامت الحرب على ساقها، فيكون كناية عن حفظها ودوام درسها وتأملها وامتثال ما فيها. انتهى(٣). وفاته أن الحديث مسوق في باب صلاة الليل وهذا التفسير يخرجه عن ذلك إلى أن مقصود الحديث يحصل بمجرد قراءتها ولو في غير الصلاة، وكذا فعل في المائة والألف وليس ذلك مرادًا وأن المراد: قراءة ذلك في خصوص الصلاة (وَمَنْ قَامَ) أي: صلى من الليل (بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ) أي: المطيلين القيام في صلواتهم على حد ﴿وَقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فهم قائمون لأمر الله ملازمون لطاعته (وَمَنْ قَامَ) أي: صلى من الليل (بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطَرِينَ) أي: أصحاب القناطر لبلوغه في حيازة الثواب مبلغ المقنطرين في حيازة الأموال، وهم الذين يجمعونه حتى (١) أخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٧٣٠٣)، والترمذي (٤١٤)، وأحمد (١٨٦٩٠)، والنسائي (١٦٥٥)، وابن ماجه (١٤٨٤)، وابن حبان (٣٨٧)، والبيهقي في ((سننه)) (١٣٦٥٤)، والحميدي (٧٩٥)، والطيالسي (٧٢١). (٢) أخرجه أبو داود (١٣٩٨)، وابن حبان (٢٥٧٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢١٩٤)، وابن خزيمة (١١٤٤). (٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣١١/٤).