Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلاة وما يباح منه له بأبصارهم لا ينافيه ما يأتي في الالتفات؛ لأنه إن كان التفاتًا حقيقة، فهو لحاجة لا يكره وإن كان مجرد لمح بالعين فهذا لا بأس به. (فَقُلْتُ: وَانُكْلَ) بضم فسكون أو بفتحتين (أَمِّيَاهْ) بكسر الميم؛ أي: وأفقدها لي فإني هلکت. (مَا شَأَنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ) زيادة في الإنكار علي. (فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي) أي: يأمرونني بالصمت غضبت لجهلي بقبح ما ارتكبت ومبالغتهم في الإنكار علي. (لَكِنِّي سَكَتُ) امتثالاً لهم؛ لأنهم أعلم مني ولم أعلم بمقتضى غضبي. (فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّه) جوابه قال الآتي واعترض بينهما بما فيه غاية الالتئام والمناسبة لهما وهو قوله: (فَبِأَبِي هُوَ) أي: فرسول الله ژ مفدی أو أفدیه بأبي (وَأُمّي) وقرنه بالفاء ترتيبًا أو تفريعًا على أحسنية تعليمه. (مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ) فيه تعريض بأنهم بالغوا في الإنكار عليه في الكلام مع عذره بجهله لتحريمه لقرب إسلامه، ثم بين أحسنية تعليمه ولي الناشئة عن عظيم لطفه وعطفه ورفقه وإلانة القول له لعلمه بجهله بقوله: (فَوَالله ما گهَرَني) أي: نهرني ولا عبس في وجهي. (وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي) صرح بهما مع العلم بانتفائهما من انتفاء الأول؛ لأن مقام المدح مقام خطابة وإطناب (قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ) أي: جنسها الشامل لفرضها ونفلها بل ولا لما ألحق بها كسجدة التلاوة أو الشكر فالإشارة لما فيه الذهن لا لما في الخارج لإيهام اختصاص النهي بها. (لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ) الذي يتعارفونه في محادثاتهم وعاداتهم، ومن ثم أجمعوا على بطلانها بالكلام العمد لغير مصلحة الصّلاة، واعترض الإجماع بأن ابن الزبير قال: من قال وقد مطروا في الصّلاة: يا هذا خفف فقد مطرنا لا تبطل ٢٠٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع صلاته، ويرد بأن التخفيف حينئذٍ من مصلحة الصّلاة خلافًا لمن زعم أنه ليس من مصلحته. وأئمتنا تبطل بالنطق بشرط أن يسمع نفسه إن اعتدل سمعه، ولا عارض من لفظ أو نحوه بحرفين من كلام الآدميين وإن لم يقصد خطابهم ولو بالعجمية، وإن لم يفهمهما كان مد فتولدت ((ألف)) أو ((واو)) أو ((فاء» وبحرف واحد إن أفهم وإن كان ذلك لمصلحة الصّلاة كقوله لإمامه: قم أولاً أكثر عليه لخبر مسلم عن زيد بن أرقم الأنصاري: ((كنا نتكلم في الصَّلاة، يكلم أحدنا صاحبه لحاجته حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام)(١) وبه يعلم أن نسخ الكلام إنما كان بالمدينة في أواخر الأمر؛ لأن سورة البقرة إنما نزلت كذلك؛ ولأن زيدًا هذا كان في أوائل الهجرة صبيًّا وبهذا يتضح رد قوله: من قال: إن تحريم الكلام كان بمكة. وسيأتي لذلك مزيد تحرير أول الفصل الثاني، وإنما أبطل الحرفان؛ لأنهما من جنس الكلام وهو عند الفقهاء والأصوليين واللغويين يقع على المفهم وغيره مما هو حرفان فأكثر، وتخصيصه بالمفهم اصطلاح طارئ للنحاة، والحرف المفهم متضمن المقصود الكلام وإن أخطأ بحذف هاء السكت بخلاف غير المفهم، فاعتبر فيه أقل ما بني عليه الكلام في اللغة وهو حرفان، وإنما أثر الإكراه هنا لا في غصب ثوب المصلي؛ لأن الغصب يكثر وفيه غرض بخلاف الإكراه على الكلام في الصّلاة، فإنه نادر جدًّا ولا غرض فيه للغاصب أصلاً. ويستثنى من كلام الناس إجابة المصلي للنبي وقيم بقول أو فعل وإن كثر فإنها واجبة لإنكاره على أبي وغيره حيث دعاهما في صلاته فلم يجيباه حتى فرغا ولا تبطل لشرفه وَل؛ ولهذا أمر المصلي بأن يقول: ((السلام عليك أيها النبي)) وزعم أن هذا (١) أخرجه البُخَارِي (١٢٠٠)، ومسلم (١١٤٠)، وأحمد (١٩٤٩١)، وعبد بن محُميد (٢٦٠)، وأبو داود (٩٤٩)، والتِّرْمِذِيّ (٤٠٥)، والنَّسائي (١١٤٣). ٢٠٣ تتمة كتاب الصلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلاة وما يباح منه خطاب لغائب يرده اتفاقهم على أن الخطاب مبطل ولو لغائب كأن خطر بباله فقال: (غفر الله لك)) بخلاف إجابة الأبوين فإنها مبطلة وإن أوجبناها، فإن تأذيا بعدمها تأذيًا ليس بالهين سواء في الفرض والنفل. ويستثنى أيضًا ما لو غلبه نحو ضحك أو عطاس حتى لم يبق له اختيار في الكلام بوجه أو توقف نطقه بالواجب كالفاتحة أو التشهد على نحو التنحنح، فلا يبطل به إن قل عرفًا كالكلمتين والثلاث ولو رأى المصلي مهلكًا لغيره لزمه إعلامه بالقول أو الفعل، وتبطل صلاته به إن كثر وخرج بقوله من كلام الناس؛ أي: ما يتخاطبون به في مجاوراتهم وعاداتهم الدعاء والذكر فلا يبطل بهما الصّلاة لانحصار الكلام المأمور به في الصّلاة فيهما كما أشار إليه بقوله (إِنَّمَا هُوَ) أي: الذي يصلح فيها (التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ). وألحق بذلك أئمتنا كل قربة لفظية لا تحصل بدون اللفظ لوقف أو نذر أو عتق أو وصية لا تعليق فيها؛ لأنها لو توقفت على اللفظ أشبهت الذكر المتعبد به؛ إذ ليس المراد من (سبحان الله والحمد لله)) مثلاً إلا التقرب إلى الله تعالى بما دل على كماله وامتثال أمره، فكذا هذا ليس المراد به إلا التقرب إلى الله بما أمر به، وخرج بقولي لا تحصل بدون اللفظ نحو: (نويت الاعتكاف أو الصوم)) لأن التقرب بنحو الصوم لا يتوقف على التلفظ بالنية فلم يحتج إليه، وما نحن فيه لا يمكن التقرب به إلا باللفظ؛ فألحق ببقية الأذكار، نعم، محله كما علم من إنكارهم: ((يرحمك الله)) ما لم يكن في الذكر أو الدعاء، أو ما ألحق بهما خطاب مخلوق غير النبي عليه وإلا أبطل كقوله: (سبحان ربي وربك)) وكـ(السلام عليك)) أو ((عليكم)) ابتداء أو ردًّا. وكقوله: للهلال أو للأرض: ((ربي وربك الله)) كما يأتي وكـالله علي أن أعتقك)» وكـ((أعتقتك)) أو ((نذرت لك بكذا)) لأنه لما اقترن به الخطاب خرج عن الذكر إلى كلام الناس بخلافه مع ضمير الغيبة كـ((عليه السلام)) أو ((يرحمه الله)) فلا تبطل اتفاقًا؛ لأنه دعاء محض ويؤخذ من ((ضربهم أيديهم على أفخاذهم)) فإن المتيقن منه أن كلاً ٢٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع ضرب مرة والزائد مشكوك فيه أن الفعل القليل لا يبطل الصّلاة، وضابطه ما دون الثلاث إلحاقًا للثنتين بما دون الثلاث؛ لأنهما من خبر القليل عرفًا بخلاف الثلاث بشرط تواليها بخلاف غير المتوالية بحيث يعد عرفًا كل منهما منقطعًا عما قبله، وسيأتي أنه ودي ه رد السلام فيها بالإشارة. وصح: «إنه خلع نعلیه فیها». و(«إنه أخذ بأذن ابن عباس فيها فأداره من يساره إلى يمينه))(١) وإنما استوى قليل القول وكثيره في الإبطال لغير عذر بخلاف الفعل؛ لتعذر أو تعسر الاحتراز عنه؛ إذ لا يقوم غيره مقامه فعفى عما لا يحل منه بالصّلاة بخلاف القول. ويؤخذ أيضًا من كونه ◌َّه لم يأمر معاوية بالإعادة وإلا لنقل مع تكلمه بما ذكر لقرب إسلامه، كما سيصرح به إن من تكلم في الصَّلاة جاهلاً تحريم الكلام فيها وعذر بجهله لقرب عهده بالإسلام وإن خالط المسلمين خلافًا لجمع، أو لبعده عن العلماء لا تبطل صلاته لعذره ومثله من نسي كونه في الصّلاة أو سبق لسانه أو غلبه نحو ضحك أو بكاء ولو للآخرة أو سعال أو عطاس. ومحل عدم البطلان في هذه كلها حيث قل الكلام، فإن الذي وقع من معاوية إنما كان قليلاً؛ لأنه نحو خمس كلمات؛ إذ هو ((وا ثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي)» فقسنا عليه سائر صور العذر، وقيدنا الكل بالقليل عرفًا وأبطلنا في الكل بالكثير عرفًا وهو ما زاد على ذلك. وسيأتي في خبر ذي اليدين إنه وال﴿ قال: ((أحق ما يقول ذو اليدين؟)»(٢) وقال جمع من المتأخرين: لا بطلان في غلبة نحو الضحك وإن كثر الكلام؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، وما تقرر في النسيان هو ما عليه جمهور العلماء. وذهب أبو حنيفة والنخعي وحماد وقتادة إلى أن الكلام نسيانًا يبطل الصّلاة (١) لم أقف عليه. (٢) أخرجه أحمد (٩٤٥٨)، والنسائي (٥٦٢)، والبيهقي (٣١٧٠)، والطبراني (٥٤). ٢٠٥ تتمة كتاب الصلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه مطلقًا، وهذا القياس الذي ذكرناه وما يأتي في قضية ذي اليدين واضحًا في الرد عليهم، وزعم أن خبر معاوية هكذا كان قبل تحريم الكلام عجيب، كيف وقد بالغوا في الإنكار عليه مع جهله بالضرب على أفخاذهم؛ ليصمتوه عن الخطاب حتى في الدعاء ولو کان الكلام حلالاً لم يفعلوا ذلك. وأيضًا فقوله وَّ له: «إن هذه الصَّلَاة ... إلى آخره)) ظاهر في تقدم هذا الحكم، واحتمال أن قصة سبب التحريم يرده إنكار الصحابة، وخبر زيد بن أرقم أن سببه نزول آية البقرة، على أن معاوية هذا متأخر الإسلام كما قاله الأوزاعي، ويؤيده أنه لم يذكر في شيء من المشاهد مع كونه كان حاضرًا بالمدينة، وزعم أن خبر ذي اليدين كان قبل تحريم الكلام باطل أيضًا لما يأتي أول الفصل الثاني. وفي قصة ذي اليدين وقصة معاوية بن خديج على أنه مبني على أغلاط وقع الزهري في ذي اليدين وحديثه، وسيأتي بسطها مع ردها وبذلك صحت الدلالة في خبر ذي اليدين وفي خبر معاوية هذا؛ لوضوح قياس الناس على الجاهل، ومنشأ الخلاف الخبر الصحيح: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)(١). فقدر أبو حنيفة الإثم وقدر الشافعي الإثم والحكم، وأصل ذكر المسألة الأصولية وهي أن المقتضي وهو اللفظ الذي لا بد فيه من أحد مضمرات مقدرة؛ ليستقيم الكلام هل يعمها؟ فقيل: نعم؛ لأن تخصيص أحدها يحكم ولما يلزم عليه من الإجمال؛ إذ لا دليل على تعيينه. وقيل: لا؛ لأن الأصل عدم تكثير المحذوف ومقتضى كلام الإمام الشافعي الأول والإملاء له الثاني، وأن غير المقدر يقاس عليه. ومما يرجح الأول خبر مسلم: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها))(٢) فجعلوا حرمة البيع من حرمة الشحوم المستلزمة لتقدير محذوف (١) أخرجه الطبراني (١٤٣٠)، وفي الشاميين (١٠٩٠). (٢) أخرجه أحمد (١٣٢٩٩)، وأبو يعلى (٣٠٤٢)، والضياء (٦٥/٧) وقال: إسناده صحيح. ٢٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع الصادق بحرمة الأكل، فكما أن المقتضي هذا عام فكذلك في الحديث المذكور ونحوه، وبفرض عدم العموم فكل خاص قدر فيه يقاس به البقية، فاتضح أن الكلام نسيانًا لا يبطل الصّلاة، وكذا سلام التحلل وفيه قطع الصّلاة بناء على ظن التمام، وسيأتي في سجود السهو (إنه 48* بنى على صلاته غير مرة بعدما سلم، وتكلم بكلمات متعددة، وفيه أصح دلالة على أن المقدر في رفع تلك الثلاثة رفع حكمها وإثمها. ويؤيده أيضًا الخبر الصحيح: ((من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه»(١). وفي رواية صحيحة أيضًا: ((ولا قضاء عليه)(٢) فإذا لم يبطل الأكل نسيانًا الصوم بهذا النص الذي لا يقبل التأويل، فعدم بطلان الصّلاة بالكلام نسيانًا بـ((إلا)) و((لا)) فإن قلت: يرد عليكم قولكم ببطلان الصّلاة بالكلام الكثير نسيانًا دون الصوم بالأكل الكثير قلت: للشافعي قول: إن الصّلاة لا تبطل بالكلام الكثير نسيانًا فتساويا. وعلى الأصح فالفرق أن الصّلاة لها هيئة تذكره فتعاطي كثير الأكل أو الكلام فيها مع النسيان فيه عامة التصغير، ومحل رفع الحكم عن أولئك الثلاثة عندنا ما لم يقصروا، وأمَّا الصائم فلا شيء له يذكره فلم يقصر؛ فلذا لم يبطل صومه مطلقًا. ويؤيده أيضًا: إن تقدير الإثم واضح مجمع عليه معلوم لكل من علم معنى التكليف وفائدته من تمييز المطيع على العاصي، ولا شك أن الطاعة والمعصية يستدعيان قصدًا وإرادة لإيقاعهما بها يترتب الثواب والعقاب وأولئك الثلاثة لا قصد لهم. أمَّا الأولان: فواضح، وأمَّا المكره: فهو كالآلة لمكرهه فتقدير الإثم يستغني عنه بذلك فلم يحتج للتنبيه عليه، فتعين تقدير الحكم وضمانهم عليه فلا يرد؛ لأنه من (١) أخرجه البخاري (٦٢٩٢)، ومسلم (١١٥٥)، وأحمد (٩١٢٥)، وابن ماجه (١٦٧٣)، والدارمي (١٧٢٦)، وأبو يعلى (٦٠٧١). (٢) أخرجه الدارقطني (١٧٨/٢) وقال: إسناد صحيح. وأبو يعلى (٦٠٣٨). ٢٠٧ تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه باب خطاب الوضع، وهم فيه كغيرهم وإنما يفترقان في خطاب التكليف ووجوب التدارك فيما يقبل القضاء إذا تركوه رأسًا أو تركوا شرطًا من شروطه مجمع عليه أيضًا، لكن بأمر جديد على الأصح عندنا، وينتج من هذا كله أن الحكم المقدر ليس المراد به العموم بل الخصوص بدليل الإجماع المذكور وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] دليل لتقدير الحكم كالإثم؛ إذ نفي الجناح يعمهما، والخطأ هنا المراد به غير العمد فيدخل فيه النسيان، وقد يعطف عليه كما في آخر البقرة باعتبار تغاير بينهما. (أَوْ) شك (كَمَا قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهُ) أي: مثلما قال من التسبيح والتهليل والدعاء (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ) فلا يحد علي في كلامي في الصّلاة فإني لم أعلم تحريمه ... إلى آخره، والجاهلية عام ومن قبل ورود الشرع سموا بذلك لکثرة جهالتهم وإن متعلقه مجهد. (وَقَدْ جَاءَنَا) معشر الأئمة (الله پالإِسْلامِ) أي: بدينه على يديك، فلا تجد علي أيضًا في أسئلة تحتاج إلى معرفة حكم الله فيها (وَإِنَّ مِنَّا رِجَالاً يَأْتُونَ الْكُهَّانَ) جمع كاهن وهو من يدعي معرفة الضمائر ويخبر عن المستقبل، إمَّا لجني يخبره أو لزعمه أنه يدرك الغيب بفهم أو أمارات بخلاف العراف، فإن نظره قاصر على معرفة الضال ومكان المسروق ونحوهما. (قَالَ: ((فَلَا تَأْتِهِمْ))) سيأتي في الحديث أن من أتى أحدًا من أولئك لم يقبل صلاته أربعين صباحا، ومن ثم كان إتيانهم كبيرة. (قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌّ يَتَطَيَّرُونَ) من الطيرة بكسر ففتح أو سكون، وهي التشاؤم بالشيء ولم يأتِ مصدر يفعل كذلك غير هذا والحيرة، وأصل ذلك أنهم كانوا يأتون الطير أو الظبي فينفرونه فإن أخذ ذات اليمين مضوا وإلا رجعوا فنهاهم ◌ّر عن ذلك بقوله: (ذَلكَ) أي: التطير (شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي أَنفُسهم) من التوهم والتشاؤم المقتضي بحسب توهمهم الفاسد للكف عما كانوا يريدون فعله. ٢٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع (فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ) ذلك عن وجهتهم؛ لأنه لا يؤثر نفعًا ولا ضرًّا وإنما هو شيء يسوله الشيطان في نفوسهم ويزينه لها حتى يعملوا بقضيته؛ لجرهم بذلك إلى اعتقاد مؤثر غير الله تعالى، وهو كفر صراح بإجماع العلماء، وتوجه النهي للصد أبلغ من توجهه إليهم، فهو وارد حقيقة للتوهم ومجاز المزاولة ما توقع من الوهم في الصد. (قَالَ) معاوية (وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُونَ) قال ابن عباس: الخط هو ما يخطه الحازي؛ أي: بجاء مهملة وزاي وهو من تحيز الأشياء وتقدرها بظنه، ويطلق ذلك على الكاهن وكذا المنجم؛ لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وحرزه، وهو علم قد تركه الناس يأتي له صاحب الحاجة بحلوان فيأمره بالقعود ليخط له، وبين يديه غلام معه ميل يأتي الأرض رخوة فيها خطوطًا بسرعة؛ لئلا يلحقها العدد ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: إني عيان أسرعا البيان، فإن بقي خطان فالنجح أو واحد فالخيبة. قال ابن الأثير: المشار إليه علم معروف فيه تصانيف وأوضاع وأعمال كثيرة يعمل به إلى الآن، ويستخرجون به الضمير وغيره وكثيرًا ما يصيبون فيه. (قَالَ: كَانَ نَبِيُّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُظُ) فيعرف الأمور بفراسته بواسطة تلك قيل: وهو إدريس صلى الله على نبينا وعليه وسلم (فَمَنْ وَافَقَ) خطه (خَطَّهُ) بالنصب ويجوز عكسه؛ أي: في الصورة وقوة الفراسة التي هي نور في القلب يلقيه الله فيه حتى تنكشف له بعض المغيبات عيانًا، وإنما ينشأ ذلك عن التخلي بكمال مرتبتي العلم والعمل، كما يشر إليه قوله وَل: (إن في أمتي ملهمون ومنهم عمر)(١). وقوله: ((من أخلص لله أربعين صباحًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على (١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما أخرجه مسلم (٦٣٥٧) بلفظ: (قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدُّ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابٍ مِنْهُمْ)) وقال: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ ((مُحَدَّثُونَ): مُلْهَمُونَ. ٢٠٩ تتمة كتاب الصلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلاة وما يباح منه لسانه»(١). (فَذَاكَ) هو المصيب ولم يصرح بالنهي عن الاشتغال بالخط لنسبته إلى بعض الأنبياء؛ لئلا يتطرق الوهم إلى ما لا يليق بكمالهم، وإن كانت فروع الأحكام مختلفة باختلاف الشرائع، ومن ثم قال المحرمون لعلم الرمل وهم أكثر العلماء: لا يستدل بهذا الحديث على إباحته؛ لأنه علق الإذن فيه على موافقة خط النبي وموافقته غير معلومة؛ إذ لا تعلم إلا من تواتر أو نص منه #، أو من أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل كانت لذلك النبي ولم نوجد فلك فاتضح تحريمه. (رَوَاهُ مُسْلِمْ قَولُهُ: لَكِنِي سَكَتُ، هَكَذَا وَجَدْتُ فِي ((صَحِيحِ مُسلم)) وَ(كِتَاب)) الحُمَيدِي، وَصَحَّحَ فِي ((جَامِعِ الأَصُول)) بِلَفِظِ كَذَا فَوقَ لَكني) ومر شرحها وأنه لا إشكال فيها. ٩٧٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َه وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَيَرُدُّ عَلَينا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلنا: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا، فَقَالَ: ((إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغُلاً)(٢). (وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا فُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ وَهَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَينا) السلام باللفظ (فَلَمَّا رَجَعْنَا) معشر المهاجرين للحبشة من مكة لشدة إيذاء أهلها لنا (مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيّ) بفتح النون والجيم والشين المعجمة لقب لملك الحبشة، والمراد هنا أصحمة الذي آمن بنبينا18 ومات قبل الفتح، وصلى عليه رقي هو وأصحابه بالمدينة ورفع نعشه له حتی صلى عليه عيانًا. (سَلَّمْنَا عَلَيْهِ) وهو في الصّلاة (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا) السلام فيها بل بعد فراغها كما في رواية (فَقُلنا: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا فُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا، فَقَالَ: ((إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغُلاً))) أي: شغل لاستغراق المصلي في قراءتها وأذكارها والأدعية التي فيها (١) أخرجه القضاعي (٤٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (١٨٩/٥). (٢) أخرجه أحمد (٣٦٢٩)، وأبو داود (٩٢)، وأبو يعلى (٥٠٦٥). ٢١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع وإفراغه وسعه في تعديل أركانها وإحضار قلبه في تأمل ذلك، واستحضار مناجاته للحق وتوفيقه له إلى القيام بخدمته والتأهل لمشاهدته وإنعامه عليه من قربه بما تقربه عينه ويعجز عن شكره، ومع ذلك الاستغراق والإفراغ لا يبقى في العبد متسع الأغيار، ولا نظر إلى ما يرد عليه من حضرة الكريم الغفار. واستفيد من هذا الحديث كغيره أن الكلام في أول الإسلام كان جائزًا في الصّلاة ثم حرم، وأن رد السلام فيها باللفظ يبطلها وهو ما عليه لكثير العلماء، بل يشير ندبًا بيده أو إصبعه أو برأسه؛ لأنه و # أشار بيده كما صححه الترمذي فإن لم يرد بالإشارة حالاً بل وإن ردتها كما في ((تحقيق النووي)) وشرحه لمسلم رد عليه ندبًا أيضًا بعد فراغ الصّلاة باللفظ للإتباع أيضًا وسنده حسن. وأمّا خبر: ((من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد صلاته))(١) ففي سنده مجهول والنهي الصحيح عن تسليم المصلي والسلام عليه يحمل في الثاني على كراهة الترفع إن وقع في ((مجموع النووي)» أنه لا يكره، وفي الأول على السلام باللفظ جمعًا بين الأحاديث، وأن سبب تحريم كلام الناس في الصّلاة فطمهم عن أن يشتغلوا بغيرها مما يخل بأدبهم أو خشوعهم؛ لأن من أقبل على ملك أخيه بناحية ثم التفت عن الملك المقبل عليه إلى محادثته غيره بحضرته يكون قد أتى بما ينبئ عن قلة أو عدم أدبه، ربما يجر إلى قطيعته وحرمانه عن نيل إربه. ٩٨٠ - [وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التَُّابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَوَاحِدَةً)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢). (وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ ﴿ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿) أنه (قال فِي) شأن (الرَّجُلِ) الذي سأله عن نفسه أنه (يُسَوِّي التُّرَابَ) بيده على الأرض المرة بعد المرة (حَيْثُ يَسْجُدُ) أي: في مكان سجوده حتى يساوي الأرض فيمكن جبهته عليها ويقول: قال الذي قدرته هو قوله: (١) أخرجه البيهقي (٣٢٣٣)، وأبو داود (٩٤٥)، والدارقطني (١٨٨٧). (٢) أخرجه البخاري (١٢٠٧)، ومسلم (١٢٥٠)، وأحمد (١٥٩١٠). ٢١١ تتمة كتاب الصلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه (إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً) لذلك ولا بدَّ (فَوَاحِدَةً) افعلها لا أزيد منها. (مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ) ومنه يعلم أنه لا كراهة في المرة الواحدة لعذر تسوية محل السجود بخلافها إلا لعذر فإنها مكروهة؛ لأنها عبث كما يأتي في الفصل الثاني، وسيأتي خبر: ((لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلاً فواحدة تسوية للحصا)(١). وفي رواية: ((إذا قام أحدكم إلى الصَّلَاة فلا يسوي الحصى فإن الرحمة تواجهە»(٢). ٩٨١. [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: نُهِيَ رَسُولُ اللهِ وَلَ عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: نُهِيَ رَسُولُ اللهِ وَِّ عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومنه أخذ أئمتنا قولهم: يكره اتفاقًا للمصلي وضع يده على خاصرته لغير حاجة كعلة بجنبه وذلك للنهي عنه في الرجل، رواه الشيخان وقيس به المرأة والخنثى؛ ولأنه يخالف التواضع والخشوع؛ ولأنه فعل اليهود، وكوضع اليد على الخاصرة الاتكاء عليها في الجلوس. وقيل: الاختصار المنهي عنه اختصار السورة فيقرأ بعضها وعبارة ((مجموع النووي)» آخرها. وقيل: الاقتصار على آيات السجدات ليسجدها. وقيل: الاقتصار للسجع التي انتهى في قراءته إليها فلا يسجدها. وقيل: اختصار الصّلاة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها. (١) أخرجه أبو داود (٩٤٦)، والبيهقي (٣٣٦٣)، ومسلم (٥٤٦)، والطبراني (٨٢٦). (٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٣٩٩)، وأحمد (٢١٣٦٨)، وأبو داود (٩٤٥)، والترمذي (٣٧٩) وقال: حسن. والنسائي (١١٩١)، وابن ماجه (١٠٢٧)، والدارمي (١٣٨٨)، وابن خزيمة (٩١٣)، وابن حبان (٢٢٧٤)، والبيهقي (٣٣٦١)، والطبراني في مسند الشاميين (١٨٠٤). (٣) أخرجه البخاري (١٢١٩)، والطيالسي (٢٥٠٠)، والبيهقي (٣٣٨٢). ٢١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع وقيل: أن يتوكأ على العصا التي تسمى المخصرة، وظاهر أن كلاهما ذكر خلاف السنة لا الثاني، فسيأتي - إن شاء الله - في سجود التلاوة أنه تارة يحرم وتبطل الصّلاة وتارة يكره، ومما يرد أكثر هذه الأقوال أن الحديث مسوق في ذكر هيئات القيام في الصّلاة فلا يدخل للقراءة فيه حتى يحمل عليها. واعترض تفسير الأئمة الخصر بوضع اليد على الخاصرة بأن هذا لا يوجد في شيء من كتب اللغة، فلعل الأصل الاختصار، فظن بعض الرواة أن الخصر يأتي بمعنى الاختصار الذي هو وضع اليد على الخاصرة، ويؤيده رواية مسلم وغيره: ((نهي أن يصلي الرجل مختصرًا)»(١). ورواية أبي داود: ((نهي عن الاختصار في الصَّلَاة)»(٢) فبان بذلك أن المنهي عنه هو الاختصار لا الخصر، ورده الشارح بأن الرد على الأئمة بذلك لا وجه له؛ لأن ارتكاب المجاز والكناية لا تتوقف على النقل والسماع بل على العلاقة المعتبرة، وهذا كذلك؛ إذ الخصر وسط الإنسان، وتوجه النهي إليه نفسه متعذر، فتعين حمله على ما يعترضه من الأوصاف والأفعال، ولما تعقب الروايات على أن المراد وضع اليد على الخاصرة وجب حمله عليه، وهو من الكناية التي يبلغ بها الكلام إلى الدرجة العليا، فإنهم إذا أرادوا أن يبالغوا في النفي والنهي ينفون الذات لتنتفي الصفة أو الحال بالطريق البرهاني. ومن ثم قال في ((الكشاف)): حال الشيء تابعة لذاته وإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال وذلك أقوى لنفي الحال وأبلغ. ٩٨٢ [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي الله عَنهَا - قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُ عَن الإِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: ((هُوَ اخْتِلَاسَ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٣). (١) أخرجه البخاري (١٢٢٠)، ومسلم (١٢٤٦)، وأحمد (٩٤١٩)، والترمذي (٣٨٤)، والنسائي (٨٩٨). (٢) أخرجه أبو داود (٩٤٨)، وأحمد (٧٣٧٤)، والبيهقي (٣٧٠٧). (٣) أخرجه البُخَارِي (٧٥١)، وأبو داود (٩١٠)، والتّرمِذي (٥٩٠)، والنَّسائي (٤٤٠). ٢١٣ تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي الله عَنْهَا - قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِوَلْ عَنِ الإِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: ((هُوَ اخْتِلَاسُ) افتعال من الخلس وهو السلب والخلسة ما يؤخذ سلب مكابرة (يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ) لأن به يزول الخشوع المتوقف عليه كمال الصّلاة عند أكثر العلماء، وصحتها عند بعضهم، وعبر عنه بذلك تصوير القبحة وحثًّا علی ترکه. وأيضًا فالمصلي ينبغي أن يكون مستغرقًا في مناجاة ربه ليقبل تعالى عليه بعطفه ولطفه، ومن كان كذلك أزعج الشيطان حاله فنصب له حبائل المكر والخديعة ليخرجه عن ذلك الحرم الآمن حتى يفترسه ويهلكه، فبالتفاته المقتضي لخروجه عنه یغتنم فرصة إکماله فيختلسها منه. ومما هو نص في هذا المعنى قوله ◌َ﴾: ((لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه))(١) وقوله الآتي فإنه هكذا. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومنه أخذ أئمتنا قولهم: يكره للمصلي الالتفات بوجهه بلا حاجة؛ لخبر عائشة المذكور وللخبر الصحيح: ((إياك والالتفات في الصَّلاة فإنه هلكة))(٩) فإن كان ولا بدَّ ففي التطوع لا في الفريضة، وفيه رد لقول المتولي من أئمتنا: يحرم إن تعمده مع علمه بالخبر؛ أي: ((لا يزال الله .. إلى آخره)(٣) واختيار الأذرعي له يرد بأن الخبر المذكور بعد تسليم صحته لا يفيد التحريم، فإن الكراهة قد تفيد ذلك الانصراف المكني به عن عدم مواجهة الرحمة، ومحل الخلاف في الالتفات بمجرد العتق، أمَّا هو بالصدر فحرام مبطل للصلاة أيضًا. وقول الأذرعي: لوى عنقه خلف ظهره بطلت، يتعين حمله على ما إذا حوله (١) أخرجه أحمد (٢١٥٤٧)، وأبو داود (٩٠٩)، والنسائي (١١٩٥)، والدارمي (١٤٢٣)، وابن خزيمة (٤٨٢)، والحاكم (٨٦٢) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (٣٣٤٧)، وابن المبارك (١١٨٦). (٢) أخرجه أبو يعلى (٣٦٢٤)، والطبراني في الصغير (٨٥٦)، وفي الأوسط (٥٩٩١)، والرافعي (٣٩/٢). (٣) تقدم تخريجه. ٢١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع صدره أو بعضه حينئذٍ عن القبلة وإلا فلا بطلان مطلقًا كما هو واضح، ولو كرر الالتفات ثلاثًا متوالية بطلت صلاته وإن كان ناسيًا أو جاهلاً، وإنما قيدناه بغير الحاجة لخبر مسلم: ((إنه وَليل لما اشتكى وصلوا وراءه وهو قاعد التفت إليهم فرآهم قيامًا فأشار إليهم.))(١). وصح أيضًا: ((إنه ◌َّير جعل يلتفت وهو يصلي الصبح إلى الشعب))(9) لإرساله فارسًا إليه من أجل الحرس ولا بأس بلمح العين من غير التفات للخبر الصحيح: ((إنه ﴿ الر كان يلتفت يمينًا وشمالاً ولا يلوي عنقه خلف ظهره)(٣) نعم الأولى ترك ذلك وفعله ◌َآل# له لبيان الجواز كما يأتي. ٩٨٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامُ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٤). (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامُ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمْ) أي: ليكونن منكم الانتهاء عن ذلك الرفع أو ليكونن من الله تعالى خطف أبصارهم، فـ(أو) للتخيير تهديدًا مثلها في قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]. ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] أي: يكون أحد الأمرين لا ثالث لهما إمَّا المقاتلة أو الإسلام، أو إِمَّا إخراجكم وإمَّا عودكم في الكفر، فهو خبر بمعنى الأمر في هذين والحديث، ومنه أخذ أئمتنا أنه يكره للمصلي رفع بصره إلى السماء. (١) أخرجه البخاري (٦٥٦)، ومسلم (٤١٢)، وابن أبي شيبة (٧١٣٥)، وأحمد (٢٤٢٩٥)، وأبو داود (٦٠٥)، وابن ماجه (١٢٣٧)، وابن حبان (٢١٠٤). (٢) أخرجه بنحوه أبو داود (٢٥٠١)، والنسائي في الكبرى (٨٨٧٠)، وأبو عوانة (٧٤٨١). (٣) أخرجه أحمد (٢٥٣٠)، والترمذي (٥٩٠)، والنسائي (١٢٠٩)، والبيهقي (٢٣٤٣)، وابن خزيمة (٨٣٦). (٤) أخرجه مسلم (٩٩٥)، وأحمد (٨٦٣٢)، والنسائي (١٢٨٤)، والبيهقي (٣٦٧٨). ٢١٥ تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه وروى البخاري: ((ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم)) فاشتد قوله في ذلك حتى قال: ((لينتهين عن ذلك أو ليخطفن أبصارهم))(١). وصح أيضًا: ((إنه وَّر كان يرفع بصره إلى السماء فلما نزل: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] طأطأ رأسه))(٢) واستفيد منه أن سبب كراهة رفع البصر إليها كونه يخل بالخشوع، ومن ثم ألحق بها كل ما علا؛ لأن رفع البصر إليه عبث يخل بالخشوع أيضًا. وأفهم الحديث أنه مجرد رؤية السماء الخالية عن رفع البصر لا كراهة فيه، وهو ظاهر خلافًا لمن أطلق كراهة نظر السماء إلا أن يحمل على ما إذا كان فيها تغير يلهي، فإنه يكره للمصلي نظر كل ما فيه شيء يلهي كثوب أو جدار أو سباط أو مخطط، فإن لم يكن له بد عن نظره سن له تغميض عينه، وفي ((الإحياء)): ينبغي لمن يخشى أن لا يرفع بصره إليها بل يرفعه ما استطاع. ٩٨٤ - [وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَؤُمُّ النَّاسَ، وَأَمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَؤُمُ النَّاسَ، وَأَمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ) من بنته زينب، رضي الله عنها (عَلَى عَائِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) فيه أن العمل اليسير لا يضر في الصّلاة، وكذا الأفعال الكثيرة إذا تفاصلت بحيث تعد كل واحدة منفصلة عما قبلها عرفًا. وقول البغوي: ((يشترط في الفاصل بين كل منها أن يكون قدر ركعة)) قال (١) أخرجه الطيالسي (٢٠١٩)، وابن أبي شيبة (٦٣١٧)، وأحمد (١٢٠٨٤)، وعبد بن حميد (١١٩٦)، والبخاري (٧١٧)، وأبو داود (٩١٣)، والنسائي (١١٩٣)، وابن ماجه (١٠٤٤)، والدارمي (١٣٠٢)، وابن حبان (٢٢٨٤)، وابن خزيمة (٤٧٥). (٢) لم أقف عليه. (٣) أخرجه البخاري (٥٩٩٦)، ومسلم (١٢٤١)، والنسائي (٨٢٦)، وأحمد (٢٣١٩٥)، والطبراني (١٨٥٠٦). ٢١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع النووي: غریب ضعيف. وأمَّا زعم بعض الشارحين أن الإعادة والرفع مسندان إليه تجوزًا عن تمكينه إياها من كونها تنزل عنه عند الركوع وتتعلق به عند السجود؛ لأنه لو فعل ذلك لأشغلته عن صلاته وإذا كان علم الخميصة أشغله حتى استبدل بها الأنبجانية(١) فما بالك بهذا فهو في غاية الفساد وعدم الالتئام؛ لأنها كانت صغيرة لا قدرة لها على النزول عن عاتقيه بنفسها عند الركوع؛ ولأن إخراج هذا النص عن حقيقته إلى مجازه الذي ذكره لمجرد ما يخيله من اختلال خشوعه بذكر ليس في محله؛ لأنه إنما فعل هذا لبيان جوازه الذي قال به الشافعي وغيره خلافًا لآخرين، وبيان الجواز واجب عليه فلتقدم مصلحته على مصلحة فوات كمال الخشوع بذلك إن سلم في حقه. وأمَّا الخميصة فلم نعلم أحدًا قال بامتناعها ولا ورد ما يدل على امتناعها حتى يبين خلافه، بل فعل ما هو صريح في الجواز فإنه لم يخلعها إلا بعد فراغ الصّلاة، ولو حرمت لبادر بخلعها فلم يكن له داع إلى إنفائها عنده بل الداعي إلى بيان كراهتها بخلعها، وردها موجود بل متعين؛ إذ لولا ذلك الخلع لم يعلم كراهة ليس ما يلهي في الصّلاة التي وقع فيها الخلاف أيضًا. قال البغوي: وفي الحديث دلالة أيضًا على أن لمس ذوات المحارم لا تنقض الطهارة وعلى إثبات الأطفال وأبدانهم على الطهارة ما لم يعلم النجاسة. انتهى. والثانية: محتملة وإن كان يأتي مما يخدش فيها. فأما الأولى: فعجيبة مع جعلها طفلة الدال عليه قوله: وعلى أن ثياب الأطفال ... إلى آخره، بل لو خرجت عن حد الطفولية ولم تبلغ حدًّا تشتهى فيه لذوات الطباع السليمة لم تنقض، وإن كانت أجنبية فكيف يتأتى ما قاله في هذه التي هي طفلة كما اعترف به. (١) هو كساءُ غليظ. ٢١٧ تتمة كتاب الصلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلاة وما يباح منه ومما يصرح به أنه لا يحمل على الرقاب ويؤتى به إلى المساجد لا سيما بحضرة الناس إلا الطفل ونحوه، ويمكن أن يستدل بهذا الحديث أيضًا على أنه يجوز للولي ونحوه تمكين الصغير من دخول المسجد بشرط أمن تنجيسه له ولو ظنًّا، بأن يعرف من عادة الصغير وقت تبرزه وامتداد عادته بعده بقدر ما يسع دخوله المسجد إلى خروجه منه، وإنما اشترطنا ذلك؛ لأن الظاهر من أحوال أهل بيته ويهيار لا سيما مع تجويز سماعهم لقوله الذي ألحق بغيره: ((البائل في المسجد)) أن هذه المساجد لا تصلح لشيء في ذلك، وأنهم لا يأتون بها إليه إلا وهي في غاية النظافة، وعدم احتمال التبرز بالنظر إلى عادتها فيه، وعلى أن حمل الصغير على العاتقين بحضرة الناس لا إخلال فيه للمروءة، بل فيه البراءة من الكبر ودعائه الناس إلى التواضع والرفق والإحسان، وعلى أن فعل الإمام لما لا يؤلف في العادة من المباحاة الغير المزرية لا تختل به إمامته. ٩٨٥ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «إِذَا تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١). (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ) تفاعل من الثوباء بالمد، وهو فتح الحيوان فمه لما عراه من تمط وتمدد لكسل أو امتلاء، وذلك جالب للنوم الذي هو من أعظم حبائل الشيطان التي تتوصل بها إلى نقص الإنسان وهلاكه (فَلْيَكْظِمْ) فمه؛ أي: يمنعه ويمسكه عن الفتح. (مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ) فمه إذا انفتح دخول لا يتمكن به من الوسوسة له ما لم يتمكنه بدون ذلك لما استولى على التثاؤب من غلظ الحجاب وقساوة القلب المتولدة من أسباب التثاؤب التي هي الكسل، والثقل عن الطاعة والميل إلى الشهوة والبطالة، وهذا هو سبب الحديث الصحيح: ((إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب)(٢) أي: لأن العطاس من غير سبب ينبئ عن ضد ما أنبأ عنه التثاؤب من رقة (١) أخرجه مسلم (٢٩٩٥)، وأبو داود (٥٠٢٧)، وابن أبي شيبة (٧٩٨١)، والبيهقي (٣٣٩٢). (٢) أخرجه أحمد (٩٥٢٦)، والبخاري (٥٨٦٩)، وأبو داود (٥٠٢٨)، والترمذي (٢٧٤٧) وقال: صحيح. ٢١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع الحجاب والقلب المتولدة من خفة البدن ونشاطه وإيثاره للعبادات على البطالات (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٩٨٦ - [وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيّ: ((إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَقُلْ هَا فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ)](١). (وَفِي رِوَايَة للبُخَارِي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهَ قَالَ: قَالَ) رسول الله وَله: (إِذَا تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ) فمه (مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَقُلْ هَا) فإنه ينفتح فيدخل فيه الشيطان ويتمكن من إغوائه أكثر لما مر أن أسباب التثاؤب الحاملة عليه من الشيطان كما قال: (فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ) أي: التثاؤب لفرحه به كمن وجد فرصة غرضه من غیر تعب منه. ٩٨٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي اللّهِ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ ﴿هَبْ لِي مُلْكَّا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٩). (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: إن عِفْرِيتًا) هو المبالغ في العتق والمروءة مع دهاء وخبث، فعليت من العفر - بالكسر فسكون - وهو الخبث. (مِنَ الْجِنِّ) إيضاح وإلا فالعفريت لا يكون إلا منهم وهم أجسام لطيفة روحانية نارية؛ أي: محضة أو الغالبة عليهم منهم في العناصر الأربعة قولان ويجريان في الملائكة، هل هم متمحضون من النور أو هو الغالب عليهم؟ ولمزيد لطافة عـ وابن حبان (٥٩٨)، والبغوي في الجعديات (٢٨٤٠)، والحاكم (٧٦٨٣) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (٣٣٩٠). (١) أخرجه بنحوه البخاري (٥٨٦٩). (٢) أخرجه والبخاري (٣٢٤١)، ومسلم (٥٤١)، أحمد (٧٩٥٦)، والنسائي في الكبرى (١١٤٤٠)، والبيهقي (٣٠٠١). ٢١٩ تتمة كتاب الصّلاة/ باب ما يجوز من العمل في الصَّلَاة وما يباح منه الجسمين أمكنهما الشكل في كل صورة لكن الغالب على الجن تشكلهم في الصورة القبيحة؛ لأن الغالب عليهم قبح التمرد والعتو والخبث. (تَفَلَّتَ) هو كانفلت وأفلت التخلص من الشيء فجأة (عَلَّ) من أسر سليمان الكبير الذي خرق الله له به عادة الأنبياء والملوك حتى مكنه مما أراد بهم (الْبَارِحَةَ) هو اسم الليلة الماضية (لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي) بشيء من تمرده (فَأَمْكَنَنِي الله مِنْهُ) أي: قدرني على أن أعاقبه بما شئت. (فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ) أي: أسطوانة (مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلَّكُمْ) وتعلموا أن الله أعطاني ما أعطى سليمان من الحكم فيهم ولا يؤثر فيه قوته على التشكل المقتضية لكونه لا يقدر على إمساكه؛ لجواز أن الله يسلبه تلك القوة معجزة للنبي 18 بل سلبه إياها لما أمسكه أبو هريرة حين كان حارسًا لتمر الصدقة، فجاء يسرق منه فأمسكه فاحتال في خلاصه منه بتعليمه آية الكرسي وأنها تحفظ قارئها، فظن أبو هريرة أنه مؤمن محتاج فرق عليه، ثم حكى ذلك لرسول الله وله فبين له أنه الشيطان وأنه صدقه في ذلك التعليم، وإن كان كذوبًا فلو قدر على الانفلات من أبي هريرة بشكله في صورة أخرى لفعله ولم يعلمه، وبهذا يتبين تميز نبينا * على سليمان القّها فإن بعض أتباعه حكم في الجن بما لم يحكم به أتباع سليمان. (فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ) التي استجابه الله له وهي قوله طلبًا؛ لأن يميز بخصوصية لا يشاركه فيها كما وقع لغيره من الأنبياء لا ليفضل جميع من جاء بعده أو غيره على ملكه، ونفوذ حكمه في الجن والإنس والطير والهواء أن يناله غير نبي. (رَبِّ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكَا لَّا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾﴾ [ص: ٣٥] ولو ربطته كذلك لم يستجب دعوته على العموم القابل للتخصيص بغير نبينا بدليل إقداره على أخذه والإمكان منه ليفعل فيه مايشاء حتى يصير كأخفر شيء؛ لعجزه حتى عن الصبيان فإطلاقه إما؛ لأنه ◌َله فهم عموم الإجابة له فيما يريده بجميعهم من أنواع التصرف، ٢٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الرابع وحينئذٍ لا ينافيها ذلك الإمكان والأخذ أو رعاية لخاطر سليمان، وأيضًا لما طلب ظاهرًا وتنبيهًا على أن دعوات الأنبياء محترمة محكمة لا تقبل الانحلال، ومنهم تخصيصها بملوك الدنيا؛ أي: هب لي ملكًا لا يشاركني في فخامته ملك من ملوك الدنيا، فلا ينافي كون نبينا سل﴾. يشاركه فيه، وهذا الترديد محتمل وإن لم أر من صرح به كأكثر ما مر في شرح هذا الحديث. (فَرَدَدْتُهُ خَاسِقًا) أي: صاغرًا ذليلاً حيث لم يظفر بشيء من مراده بل حصل له ذل الأخذ وخوف وقوع العذاب به لولا ما صنع منه مما ذكر. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه دليل على وجود الجن وأنهم قد يرون وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] المراد به: لا يرونهم على العموم أو لا يرون صورهم الأصلية التي خلقهم الله عليها لمزيد لطفها الخارج عن قدرة أبصارنا؛ لما غلب عليها من كثافة عنصرنا الغالب علينا وهو التراب، قيل: وعلى أن خطور ما ليس من الصّلاة بالقلب كالربط هنا وما بعده لا يبطلها. انتهى. فإن قلت: الأصح عندكم في تعريف خشوع القلب أنه تأمله للصلاة وما اشتملت عليه لا ما خرج عنها، وإن تعلق بالآخرة وما هنا يدل لمن عرفه بتأمل أمور الآخرة وإن لم يتعلق بالصّلاة، ويستدل بقول عمر: ((إني لأجهز الجيش في الصّلاة» ولو استدل بهذا الحديث لكان أمتن لإمكان الجواب عن قضية عمر عه بأنه مجتهد وغيره كذلك، فلا يعترض بما رآه علی غیره. قلت: لا تسلم أن هذا خارج عن الصّلاة بل وجه بل له تعلق بها؛ أي: تعلق؛ لأن ذلك الخبيث أراد قطعها عليه، فتأمل مزيد عظمتها المقتضية لشدة عقاب المانع لأهلها منها فأراد آنفًا، وذلك الأمر الذي اقتضته عظمتها، ثم ظهر له أن المصلحة في ترکه فتركه، فاتضح أن ما هنا لا ینافي حدنا الخشوع بما مر فافهمه. وحاصل كلام أصحابنا في ذلك أنه ينبغي أن يتفكر في القراءة والذكر والدعاء، فإن لم يتأهل لذلك استحضر أنه واقف بين يدي ربه تعالى يناجيه، وقضية كلام