Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
(وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: مَا أُمِرْتُ
بِتَشْبِيدِ الْمَسَاجِدِ) أي: بإعلاء بنائها وتزويقها وزخرفتها، ومن هذا مع خبر الترمذي:
((ابْنُوا الْمَسَاجِدَ وَاتَّخِذُوهَا جُمّا))(١) وهو بضم الجيم وتشديد الميم الذي له شرف، بضم
ففتح جمع شرفة كغرفة وغرف.
وخبر ابن عمر: ((نَهَانَا أَوْ نُهِينَا أَنْ نُصَلِّ فِي مَسْجِدٍ مُشْرِفٍ))(٢).
وخبر أبي نعيم: ((إِذَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ))(٣).
وخبر أنس: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ)»(٤).
وخبر البخاري: ((إِنَّ عُمَر ﴿ أَمَرَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ،
وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ))(٥).
أخذ أئمتنا بكره نقش المسجد وتزويقه وزخرفته واتخاذ شرفات له، وسبب
ذلك أن هذه تشغل المسلمين، ومن ثم مرَّ ابن مسعود #ه بمسجد مزخرف فقال:
لعن الله من فعل هذا ويحرم صرف شيء من غلة وقفه في شيء من ذلك، فإن فعل
کما اعتاده فسقة النظار ضمنه في ماله.
وفي ((شرح السنة)) للبغوي: لا يجوز نقش المسجد بما لا إحكام فيه.
وفي («فتاويه)): فإن كان فيه إحكام فلا بأس به؛ لأن عثمان # بنى المسجد
بالفضة والحجارة المنقوشة، ثم كراهة ما مرَّ كراهة تنزيه على الأصح.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣١٥٣)، والبيهقي (٤٠٩٨). ◌ُمَّا: لا شُرَفَ لها، والشُّرفة من البناء ما يوضع
في أعلاه محلّى به.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣١٥٤)، والطبراني (١٣٣١٧)، والبيهقي في «سننه» (٤٤٧٥).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٧٤١)، والديلمي (٦٣١٩)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١٥٢/٤).
(٤) أخرجه أحمد (١٢٤٠٢)، وأبو داود (٤٤٩)، وابن ماجه (٧٣٩)، والدارمي (١٤٠٨)، وابن خزيمة
(١٣٢٢)، وأبو يعلى (٢٧٩٨)، وابن حبان (١٦١٤)، والطبراني (٧٥٢)، والبيهقي (٤٠٩٧)، والضياء
(٢٢٣٥).
(٥) أخرجه البخاري (٦٢).

٢٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وقيل: يحرم ذلك؛ لأنه بدعة منهي عنه وفيه تشبه بالكفار، ومن ثم لم يصح
الوقف عليه.
وقيل: يباح لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله .. ﴾ [التوبة: ١٨] ولما ذكر من
فعل عثمان بمسجد رسول الله وَله ولم ينكر ذلك عليه، قال مالك : ويكره أن
يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئًا منه، وقياس مذهبنا ذلك؛ لأنه يشغل
المصلي كالزخرفة.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا) بفتح اللام جوابًا لقسم محذوف؛ أي: والله
لتزخرفتها ويجوز كسرها تعليلاً لما أمرت ونونه لمجرد التأكيد؛ أي: ما أمرت بالتشديد
ليجعل وسيلة إلى التزخرف وفيه نوع توبيخ وتقريع (كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَّهُودُ وَالنَّصَارَى)
كنائسهم وبيعهم لما بدلوا وحرفوا أمور دينهم؛ أي: ليخرجن عما كان عليه وَّله من بناء
المساجد باللبن وسقفه جريد النخل وعمده خشب النخل، وزاد فيه عمر ته فأعاده
على مثل بنائه المذكور باللبن والجريد والخشب.
ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره وعمده بالحجارة المنقوشة
وبالحص والنورة وسقفه بالساج، وأصل الزخرف الذهب، والمراد هنا: مطلق النقش
والتزويق بنحو حمرة وصفرة فإن كان بذهب وفضة حرم وفيه جراءة عظيمة على
عثمان كما فعله، وعلى قول رسول اللّه ◌َل اعلم سيما أن الأصحاب لم ينكروا ذلك
فوقع على جراءة الإجماع لما فيه من إضاعة المال والخروج إلى التباهي بحلية النساء
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن وعلق البخاري أوله.
٧١٩ - [وَعَنْ أَنَسِ عَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَبَاهَى
النَّاسُ فِي الْمَسَجِدِ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وابْن مَاجَهُ].
(وعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لهِ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) أي: علاماتها
(١) تقدم تخريجه.

٢٢٣
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
خبر مقدم للاهتمام به وزيادة الإنكار على فاعليه لما مرَّ أنه من فعل اليهود
والنصارى، وأن فيه مفاسد كإشغال المصلين وتضييع مال الوقف عليه وغير ذلك لا
للحصر لكثرة أشراطها (أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَجِدِ) أي: يتفاخروا في تحسين بنائه
وتزويقه ونقشه وتطويله رياءً وسمعة واجتلابًا لمدح الناس وثنائهم (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِيّ والدَّارِمِّ وابْن مَاجَه) وسنده حسن.
٧٢٠ - [وَعَنهُ [قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله](١) وَِّ: عُرِضَتْ عَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ
يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِن الْمَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِن
الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلُ ثُمَّ نَسِيَهَا. رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد(٩)].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َُّ: عُرِضَتْ عَّ أُجُورُ) أعمال (أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ)
أي: أجر إخراجها فجملة (يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِن الْمَسْجِدِ) جملة مستأنفة للبيان أو
عاطفة على أجور فالقذاة مبتدأ ويخرجها خبره (وَعُرِضَتْ عَلَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا)
أي: يترتب على نسيان (أَعْظَمَ مِنْ) ذنب نسيان (سُورَةٍ مِن الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلُ)
أي: حفظها عن ظهر قلب (ثُمَّ فَسِيَهَا) وعبر عنه بأوتيها لإفادة أنها كانت نعمة عظيمة
أولاها الله تعالى إياه ليقوم بها ويشكر موليها فلما نسيها كأنه كفر تلك النعمة،
ومن ثم كان نسيانها أعظم إثمًا من نسيان ما سواها وبما قدرته هنا.
وفي الحديث يجاب عن إشكال أن الذنوب فيها كبائر أعظم من هذا بكثير،
وقول الشارح: إن هذا ليس بكبيرة عجيب مع تصريح أئمتنا بأن نسيان شيء منه
ولو حرفًا بلا عذر كمرض وغيبة عقل كبيرة؛ أي: بناء على المختار في حدها أنها كل
جريمة تؤذن بقلة اكتراث؛ أي: اعتناء مُرْتَكِبهَا بِالدِّينِ وَرِقَّة الدِّيَانَة.
قيل: شطر الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا
وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٦] انتهى.
(١) سقط من الأصل.
(٢) تقدم تخريجه.

٢٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وهذا على قول في الآية وأكثر المفسرين على أنها في الشرك (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)
وتكلم فيه (وَأَبُو دَاوُد).
وأخرجا أيضًا: ((مَنْ قَرَأَ القُرآنَ ثُمَّ فَسِيَهُ لَقِي الله يَومَ القِيَامَةِ أَجْذَمَ)(١) وحكمة
شطريه أن المسجد بيته تعالى والقرآن كلامه، فكما اقتضى القيام بحرمة بيته مدح
فاعله وعظيم أجره اقتضى ضده، وهو عدم القيام بحق تلاوته والتغافل عنه حتى
ضيعه ونسيه ذم فاعله والمبالغة في ذمه بأنه لا أعظم من ذنبه، ثم رأيت الشارح وجه
ذلك بنحو ما ذكرته محتجًّا به لما عد إخراج القذرة التي لا توبة لها من الأجور تعظيمًا
لبيت الله تعالى.
عد أيضًا النسيان من أعظم الجرم تعظيمًا لكلام الله ما فكان فاعل ذلك عد
الحقير عظيمًا بالنسبة إلى العظيم فأزاله عنه، وصاحب هذا عد العظيم حقيرًا فأزاله
عن قلبه انظر إلى هذه الأسرار العجيبة التي احتوتها الكلمات اليسيرة ﴿الحَمْدُ لله
الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ... ﴾ [الأعراف: ٤٣] انتهى.
٧٢١ - [وعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: بِشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى
الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ الثَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: بِشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى
الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) التقييد بالتام وما بعده تلميح لقصة المسلمين يوم
القيامة وقولهم فيه ما حكاه الله عنهم بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ
آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا .. ﴾
[التحريم: ٨].
قال ابن عباس يقولون: إذا طفئ نور المنافقين على الصراط إشفاقًا لما وقع
(١) أخرجه أحمد (٢٢٥١٦)، وأبو داود (١٤٧٦)، وعبد بن حميد (٣٠٦)، والدارمي (٣٣٤٠)، والطبراني
(٥٣٩١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٩٦٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٦١)، والترمذي (٢٢٣)، وابن ماجه (٨٣٠)، والبيهقي في ((سننه)) (٥١٧٦).

٢٢٥
كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
لأولئك ولقصة المنافقين وقولهم للمؤمنين: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]
وفي ذلك إيماء إلى أن من انتهز فرصة المشي إلى المساجد في الظلم يكون مع النبي
﴿﴿ والذين آمنوا معه ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾
[النساء: ٦٩] وإلى من يقصر عن ذلك الانتهاز لا يأمن أن يتهكم بهم، ويقال لهم:
ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا كما يومئ إليه ما في خبر مسلم ولو أنكم صليتم في
بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم
لظللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو
داود) وسنده حسن.
٧٢٢ - [وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنْ سَهْلٍ بن سَعْدٍ وَأَنَسِ].
(وَرَوَاهُ ابْنِ مَاجَه عَنْ سَهْلٍ بِن سَعْدٍ وَأَنَسٍ).
٧٢٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخِدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ
يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله
مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ .... ﴾ [التوبة: ١٨](١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ
الْمَسْجِدَ) هو بمعنى: يتعهده قيل: وهذا أفصح من تعاهدت؛ لأنه لا يكون إلا بين
اثنین. انتهى.
وفيه نظر؛ لأن إبراز ما للواحد في صورة ما للاثنين يدل على غاية المبالغة
والتأكيد كما قيل بنظيره في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ﴾ [النساء: ١٤٢] ثم رأيت
الشارح ذكر ذلك أيضًا فإنه رد ما ذكر أولاً بقول الكشاف في ﴿ يُخَادِعُونَ﴾: عني به
فعلت إلا أنه قد أخرج في زنة فاعلت والزنة في أصلها للمغالبة، والفعل مني غولب
(١) أخرجه أحمد (١١٧٤٣)، وعبد بن حميد (٩٢٣)، والدارمي (١٢٢٣)، والترمذي (٣٠٩٣) وقال:
حسن غريب، وابن ماجه (٨٠٢)، وابن خزيمة (١٥٠٢)، وابن حبان (١٧٢١)، والحاكم (٣٢٨٠)،
وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٧/٨)، والبيهقي (٤٧٦٨).

٢٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب لزيادة قوة الداعي إليه
والتعهد التحفظ بالشيء وتجديد العهدية.
وفي رواية للترمذي يعتاد قيل: وهي أبلغ؛ لأن الاعتياد يفيد أن من شأنه
معاودته إلى المسجد لإقام الصّلاة كرة بعد أخرى. انتهى.
وليس كذلك بل التعهد أولى؛ لأنه مع شموله لذلك يشمل تعهدها بالحفظ
والعمارة والكنس والتطيب وغير ذلك كما يدل على ذلك كله استشهاده وصل﴾ بالآية
الآتية: (فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ) أي: اقطعوا له به؛ إذ الشهادة قول صدر عن مواطأة
القلب اللسان على سبيل القطع (فَإِنَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله﴾) أي: بإنشائها
أو ترميمها أو تنظيفها أو تطييبها أو تنويرها بالمصابيح أو إحيائها بالعبادة ودروس
العلم وتنزيهها عما لم تبنَ له من أحاديث الدنيا فضلاً عن فضول الحديث (﴿مَنْ آمَنَ
بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حسن غريب (وابْن مَاجَه والدَّارِمُّ) وسنده
حسن.
وقد يستشكل قوله ((فاشهدوا له .... )) بحديث عائشة الذي فيه إنكاره * قولها
في طفل أنصاري مات: ((طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ»(١) ويمكن أن يجمع
بحمل ما هنا على الأمر بالشهادة له بالإيمان ظنًّا وما في ذاك على القطع بأنه في الجنة،
ويؤيده ما في حديث ابن مظعون أنه وَلا أنكر على من قطع له بالجنة.
وقد يجاب أيضًا بأن ما في حديث عائشة كان قبل علمه ◌َله بمستقر الأطفال
فنهاها عن الخوض فيه حينئذٍ، فلا ينافي ما هنا وقد أخذ بعضهم منه التشكيك في
كون أطفال المسلمين في الجنة، وبأن سبب الإنكار إنما قطعها بذلك من غير دليل أو
نحوه.
٧٢٤ - [وَعَنْ عُثْمَانِ بْنِ مَظْعُونٍ ﴾ قَالَ: يَا رَسُولِ اللهِ، اثْذَنْ لِي فِي الاخْتِصَاءِ،
(١) أخرجه مسلم (٩٦٣٨)، والنسائي (١٩٥٩)، وابن ماجه (٨٦)، وأحمد (٢٦٤٩٠)، والطبراني في
(«الأوسط)) (٤٦٧٣)، والطيالسي (١٦٦٨)، والحميدي (٢٨٢).

٢٢٧
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى وَلا اخْتَصَى، إِنَّ خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ: إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ:
ائْذَنْ لِي فِي التَّرَهُّبِ، فَقَالَ: إِنَّ تَرَاهُبَ أَمَّتِي الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ انْتِظَارَ الصَّلاةِ(١). رَوَاهُ
في ((شَرْحِ السُّنَّةِ))].
(وَعَنْ عُثْمَانِ بْنِ مَظْعُونٍ ﴿ه قَالَ: يَا رَسُول الله، اْذَنْ لِي فِي الاخْتِصَاءِ) أي:
سل الخصيتين لتزول عني شهوة النساء؛ إذ من شأنها أنها تقطع عن كل خير وتجلب
كل محنة وضير (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ِ: لَيْسَ مِنَّا) أي: من أهل سنتنا والمتمسك بهدينا
(مَنْ خَصَى) غيره (وَلَا) من واحتيج لتقديرها؛ لئلا يتوهم أن المنهي عنه الجمع بينهما
كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن لا المؤكدة للنفي تنفي ذلك التوهم (اخْتَصَى) أي: سل خصيته
بنفسه وكل من هذين حرام شديد التحريم، وفي معناه إطعام دواءٍ وأكله إن كان يقطع
الشهوة والنسل دائمًا وكذا نادرًا إن أطعم غيره بغير إذنه (إِنَّ خِصَاءَ أَمَّتِي الصِّيَامُ) أي:
الكسرة الشهوة وضررها.
كما أفاده قوله ◌َّهِ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ،
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَّهُ وِجَاءً))(٢) أي: قاطع للشهوة؛ أي: لصورتها
وشدتها مع ما فيه من سلامة النفس من التعذيب ومن جزيل الثواب الذي ميزه الله
وآثره على كل ثواب، بقوله عزَّ قائل: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي
بِهِ))(٣).
(فَقَالَ: اتْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ) أي: في السفر في الآفاق من غير قصد محل معلوم
ولا تعويل على سبب معين حتى أسلم من معاشرة الناس المؤدية إلى قبائح الزلات
(١) أخرجه البغوي في (شرح السنة)) (٢٠٨/٢).
(٢) أخرجه البخاري (٧٧٨)، ومسلم (١٤٠٠)، وأبو داود (٢٠٤٦)، والترمذي (١٠٨١)، وأحمد (٣٥٩٢)،
والنسائي (٢٢٤٢)، وابن ماجه (١٨٤٥)، وابن حبان (٤٠٢٦).
(٣) أخرجه البخاري (١٧٩٥)، ومسلم (١١٥١)، والنسائي (٢٢١٧)، وابن حبان (٢٠٥/٨)، والطبراني
(١٠٠٧٨)، وابن عساكر (٣١٤/٢٧).

٢٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
وورطات الانقطاع عن معالي الخيرات (فقَالَ: إِنَّ سِيَاحَةَ أَمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله)
أي: ظاهرًا وباطنًا بقهر العدو والنفس ودوام العبادة والمراقبة، فإن المنتج للوصول
والمتكفل ببلوغ المأمول قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَتَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[العنكبوت: ٦٩] لا تلك السياحة السابقة؛ لأنها سياحة عباد بني إسرائيل وأكثر
الناس فيها يستزله الهوى عمَّا كان فيه إلى البطالة والكسل والجهالة والفشل.
ولا يؤخذ من هذا كراهة السياحة بالمعنى الأول؛ لأنها إنما تكره ممن اتخذها
مصيدة لأغراضه ومجلبة لبطالته وإعراضه لخلوها عن ذلك الجهاد وآدابها إلى أقبح
أنواع الفساد، وأما من آثرها لتحليه بشروطها الظاهرة والباطنة كما هي سياحات
القوم المنزهين عن الاعتراض واللوم، فهي أفضل الطرق وأقربها إلى رضا الحق والتحلي
بمعارفه وإلى نسيان الخلق والتخلي عن الهوى وعوارضه.
(فَقَالَ: ائْذَنْ لِي فِي التَّرَهُّبِ) من الرهبة؛ أي: الخوف كانوا يترهبون بالتخلي من
أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها والعزلة عن أهلها (فَقَالَ: إِنَّ تَرَاهُبَ أُمَّتِي
الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ انْتِظَارَ الصَّلاةِ) وهذا فيه حاصل ذلك الترهب وزيادة حيازة
الفضائل العظيمة السابقة والآتية للجلوس في المسجد وانتظار الصّلاة، وبما قررته في
هذه الأجوبة علم أن ماعدا الأول منها ليس القصد به منع المسؤول عنه من أصله،
بل الإرشاد إلى ما هو أفضل وأوفق منه لسلامته عن طرفي الإفراط الموجود في الترهيب
والتفريط الموجود في السياحة.
وأما الأول ففيه غاية البعد والمناقضة للحكمة الباهرة وهي ما خلق الإنسان
لأجله من تكاثر النسل لعبادة الله في الدنيا ومباهاة الأمم يوم القيامة كما أفاده قوله
وَلِ﴾: ( تَنَاكَحُوا تَنَاسِلُوا، فَإِنِّي مُكَائِرَ بِكُم الْأُمَمَ يَومِ القِيَامَة)»(١) فلذلك شدد ◌َّ فِي
(١) ذكره السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٩٢/١) وقال: جاء معناه عن جماعة من الصحابة، فأخرج
أبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم من حديث معقل ابن يسار مرفوعًا: «تزوجوا الولود الودود
فإني مكاثر بكم الأمم)) ولأحمد وسعيد بن منصور والطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي وآخرين
-

٢٢٩
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
الزجر منه بقوله: ((لَيْسَ مِنَّا)(١) ومن ثم كان حرامًا شديد التحريم بخلاف ما بعده
(رَوَاهُ) البغوي (في ((شَرْح السُّنَّةِ))) وسنده حسن.
٧٢٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشِ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَ﴿: رَأَيْتُ رَبِّي ◌َتَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَ؟ قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ،
قَالَ: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ تَدْبِيَّ فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ،
وَثَلًا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾
[الأنعام: ٧٥](٢). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَللتَّْمِذِيِّ نَحْوِهِ عَنهُ].
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ:
رَأَيْتُ رَبِّي وََّ) حال كوني (فِى أَحْسَنِ صُورَةٍ) وحينئذٍ لا يحتاج لتأويل لصحة معالي
الصورة كلها هنا ظاهرها وهيئاتها وصفتها أو حال كونه، وحينئذٍ إن كانت رؤيا يقظة
فلا بد من التأويل لاستحالة حقيقة الصورة عليه تعالى، وهي هيكل مخصوص للشيء
يميزه عن غيره، وكما يطلق في كلام العرب هذا يطلق على ذات الشيء فصورته تعالى
ذاته المخصوص المنزه عن مماثلة سواه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:
١١] البالغ إلى أقصى مراتب الكمال وعلى صفته كصورة الأمر كذا؛ أي: صفته والمراد
هنا: الصفة والمعنى إن ربي تعالى كان أحسن إكرامًا ولطفًا ورحمة علي من وقت آخر
وذلك لاستحالة الأول وبعد الثاني من السياق، وجاء في رواية بيان سبب تلك الرؤيا
ومحلها وحقيقتها.
-
من حديث حفص بن عمر ابن أخي أنس عن عمه أنس قال: كان رسول الله ولا يأمر بالباءة،
وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويقول: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم
القيامة)) وصححه ابن حبان والحاكم ولابن ماجه من حديث عطاء بن أبي رباح، عن أبي
هريرة رفعه: ((انكحوا فإني مكاثر بكم)).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الدارمي (٢٢٠٤)، والترمذي بنحوه (٣٢٣٥).

٢٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
أخرج أحمد في (مسنده) عن معاذ قال: صلى رسول الله و سل و ذات يوم صلاة
الغداة ثم أقبل علينا فقال: ((إِّ سَأُحَدِّثُكُمْ أَنِي قُمْتُ اللَّيْلَةِ، فَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي
فَنَعَسْتُ فِي صَلَاِي حَتَّى [اسْتَيْقَظْتُ](١) فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي رَكَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ))(٤) وساق
الحديث وسيذكره المصنف مع مغايرة وزيادة في بعض ألفاظه، وبه يعلم أن هذه الرؤيا
رؤيا منام، وحينئذٍ فلا إشكال في وقوع لفظ الصورة والكف؛ لأن الرائي في النوم قد
يرى من غير المتشكل متشكلاً وعكسه، وليس في هذا خلل في الرؤيا ولا في ذلك
الرائي بل له أسباب مذكورة في علم التعبير، ولولا تلك الأسباب لما افتقرت رؤيا
الأنبياء - عليهم الصّلاة والسلام - إلى تعبير.
وقال بعضهم: إنها رؤيا يقظة واستدل بأن في رواية أحمد («حتى استيقظت فإذا
أنا بربي)) والظاهر أن هذا تصحيف فإن المحفوظ من رواية أحمد والترمذي كما
سيذكره المصنف (حتى استثقلت)).
(قَالَ: فَبِمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ) هم أشراف القوم؛ لأنهم يملؤون المجالس والصدور
عظمة وإجلالاً وجمعه أملاء كنبأ وأنباء (الأَعْلَى؟) هم الملائكة لعلو مكانهم أو
مكانتهم واختصامهم إمَّا مبادرتهم إلى ثبت أعمال المؤمنين والصعود بها إلى السماء، أو
تفاؤلهم في شرفها وإنافتها على غيرها، أو إغباطهم الناس بتلك الفضائل لاختصاصهم
بها وتميزهم على الملائكة بسببها مع تهافتهم في الشهوات وتماديهم في الجنايات، شبه
تفاؤلهم في ذلك وما يجري بينهم في السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين، وفي
سؤاله تعالى لنبيه عن ذلك أولاً ما ينبئ عن غاية تقريبه وتعظيمه وإجلاله وتكريمه
ولطف به وتفخیمه.
(قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ) فيم يختصمون وعلى أي حالة يتقاولون (قَالَ: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ
(١) في الأصل: ((اشتغلت)).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٢٣٥) وقال: حسن صحيح، والطبراني (٢١٦)، والحاكم (١٩١٣)، وأحمد
(٢٢١٦٢).

٢٣١
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصلاة
كُتِفَيَّ) هو كناية عن تخصيصه إياه لمزيد أفضاله وغاية فيضه ونواله، وحسن ذلك أن
من عادة ملوك الدنيا أنهم إذا أرادوا أن يدنوا بعض خدمهم إلى حضرتهم ليفيضوا
عليه من سوابغ نعيمهم ويفوضوا إليه بعض أحوال مملكتهم، يضعون كفوفهم على
ظهره ويلقون سواعدهم على عنقه لطفًا به وتعظيمًا لشأنه ومبالغة في تقريبه وحثًّا له
على الخلوص في طاعاتهم، ودعا الناس إلى موالاتهم وتنشيطًا له في فهم ما يقولونه
وإتقان ما يرومونه، فجعل ذلك حيث لا وضع ولا كف حقيقة كناية عمَّا مرَّ من
تخصيصه بمزيد الفضل والتأييد ونهاية الجود والتمجيد.
(فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْبِيّ) وهو كناية عن وصول ذلك الفيض الأقدس والسر
الباهر الأنفس إلى قلبه الشريف، ومآثره عنه ورسوخه فيه وإتقانه له، فقال: ثلج صدره
وأصابه برد اليقين لمن يتيقن الشيء ويحققه ولما كان وصول هذا الفيض إلى قلبه، كما
ذكر سببًا لاتساع علومه اتساعًا لا يحيط به حد ولا يدركه عقل فرع عليه قوله:
(فَعَلِمْتُ مَا) أي: جميع الكائنات التي (فِى السَّمَاوَاتِ) بل وما فوقها كما يستفاد من
قصة المعراج (وَالأَرْضِ) هي بمعنى: الجنس؛ أي: وجميع ما في الأرضين السبع بل وما
تحتها كما أفاده إخباره ◌َليل عن الثور والحوت اللذين عليهما الأرضون كلها.
(وَتَلَا) استشهادًا على ذلك الآية الكريمة التي في حق إبراهيم - صلى الله
عليهما وسلم - وهي: (﴿وَكَذَلِكَ تُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ)) [الأنعام: ٧٥] فعلوت من
الملك وهو أعظمه (﴿السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾﴾ [الأنعام: ٧٥] المشار إليه فيه هو معنى
الآيات الثلاث الآتية رؤية الكواكب فالقمر فالشمس؛ أي: ومثل ذلك التعريف
والتبصير يعرف إبراهيم ويبصره ملكوت السماوات والأرض؛ أي: تربية الله وألوهيته
لمن فيهما وتوثقه لمعرفة ذلك، أو هو معنى ما سبق من كلامه مع أبيه، وهو المعرفة
والبصارة التي تمكن بها من إنذاره إياه وتضليله قومه وحينئذٍ فقوله: ﴿فَلَمَا جَنَّ.﴾
إلخ كالتعليل والبيان لمعنى المثل في ذلك.
(﴿وَلِيَكُونَ﴾) عطف على محذوف؛ أي: هديناه لطريق الاستدلال والبرهان

٢٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
ليحج به قومه وليكون (﴿ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾) ويصح أن يكون علة لمحذوف؛ أي:
وليكون من الموقنين فعلنا ذلك والجملة معطوفة على الجملة قبلها؛ أي: فكما أرى
تعالى خليله هذا الملكوت وكشفه له كذلك فتح على حبيبه أبواب الغیوب حتى علم ما
في تلك العوالم من الذوات والصفات والظواهر والمغيبات.
وبذلك علم أن في هذا الاستشهاد بهذه الآية نكتة هي: إن من أمعن النظر في
الرؤيتين ودقق الفكر بين العلمين علم أن بينهما بونًا بائنًا، وهو أن الخليل رأى ذلك
الملكوت أولاً ثم حصل له الإتقان المخصوص بوجود منشئها ثانيًا، ومن ثم لما قال
بعض العارفين: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله بعده عارضه عارف آخر بما هو أبلغ منه
فقال: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله، وأيضًا فالحبيب حصل له عين اليقين بالله
والخليل، إنما حصل له علم اليقين وشتان ما بينهما والحبيب علم الأشياء كلها
والخليل إنما رأى ملكوتها.
قيل: يرى لفظه مضارع ومعناه: ماض؛ أي: أريناه ملكوتهما؛ أي: خلفهما
انتهى.
وحمل قوله: ((ومعناه ماض)) على أنه بالنظر لحالة الاستشهاد هنا ليستقيم معنى
تشبيه حال الحبيب بحال الخليل، وأما في الآية فهو مضارع على حكاية الحال الماضية
استغرابًا واستعجابًا.
تنبيه:
ما سلكناه في تأويل الصورة والكف المذكورين في هذا الحديث بناء على أنها
رؤيا يقظة هو ما عليه خلف الأمة وجمع من أكابر سلفها في المشكل من آيات
الصفات وأحاديثها، قال غير واحد منهم: وهذا الطريق أعلم؛ أي: أحوج إلى مزيد
علم، وأما طريق أكثر السلف فهو تفويض علم حقيقة ذلك إلى الله تعالى مع تنزيهه
تعالى عن ظاهره، ففيها تأويل أيضًا لكنه إجمالي.
ورجح بعضهم هذه بأنه تعالى يري رسوله و لهم ما يشاء من وراء أستار الغيب مما

٢٣٣
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
لا سبيل لأحد إلى إدراك حقيقته بالجد والاجتهاد، فالأول ألا يتجاوز هذا الحد فإن
الخطب فيه جليل والإقدام على منزله اضطربت فيها أقدام الراسخين سديد؛
ولأن نرى أنفسنا أحقاء بالجهل والنقص أزكى وأسلم من أن ينظر إليها بعين
الكمال.
ثم إن ذكر الداعي إلى التأويل أنه إذا عجز عنه لغموض المراد أفضى ذلك بقوم
إلى تكذيب السنن؛ أي: ولأن أكثر الحنابلة يوهنون طريق الخلف لما غلب عليهم من
التمسك بالظواهر مخالفين السلف والخلف إلى أن أفضى بهم ذلك إلى القول بالجهة
والتجسيم وغيرهما من مضلات العقائد، وأضلوا بذلك جمعًا جمًّا فاقتضت المصلحة
بل حفت الضرورة إلى تأويل تلك المشكلات قمعًا لأولئك المبتدعة وصونًا للعامة عن
اتباع أولئك فيما يوجب النزول إلى حضيض الابتداع المؤدي إلى سلب الإيمان (رَوَاهُ
الدَّارِمِيُّ) وسنده حسن (وَللِّرْمِذِيِّ) بسند حسن أيضًا (تَحْوِهِ عَنْهُ) أي: عن
عبد الرحمن الراوي.
٧٢٦ - [وَعَن ابْنِ عَبَّاسِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴿ وَزَادَ فِيهِ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدُرُونَ
فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُّ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: نَعَم فِي الْكَفَّارَاتِ، الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ،
وَالْمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ
◌ِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ يَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِذَا صَلَّيْتَ
فَقُلٍ: اللَّهُمَّ إِنِي أَسْأَلُكَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ
فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ، قَالَ: وَالدَّرَجَاتُ إِفْشَاءُ السَّلَامِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ
وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامُ (١). وَلَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا في ((المصَابِيحِ)) لَم أَجِدْهُ عَن
عَبْدِ الرَّحْمَن إِلا فِي «شَرْحِ السُّنَّةِ))].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴿ وَزَادَ فِيهِ) على ما مرَّ (قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ
تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأَّ الْأَعْلَى؟) كرره إعادة للسؤال بعد التعليم حتى يجيب عنه
(١) أخرجه أحمد (٣٤٨٤)، والترمذي (٣٢٣٤) وقال: حسن غريب، وعبد بن حميد (٦٨٢).

٢٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
بقوله: (قُلْتُ: نَعَمْ فِي الْكَفَّارَاتِ) أي: يختصمون ويتقاولون بالمعنى السابق في
مكفرات الذنوب، ومرَّ أن الكفارة فعالة للمبالغة وهي من الصفات الغالبة في باب
الاسمية.
والمراد بها هنا الفعلة أو الخصلة التي من شأنها أنها تكفر الذنوب التي قبلها
وتمحوه وتستره بمنع العقاب عليها (وَالْكَفَّارَاتُ) التي يختصم فيها الملأ الأعلى
(الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ) أي: انتظارًا للصلوات الآتية على ما مرَّ في
الحديث الذي قبل هذا (وَالْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ) ولو في غير المساجد كما
أفاده السياق (وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ) أي: إلى ما يجب ويسن غسله من سائر أعضائه (في
الْمَكَارِهِ) أي: الأحوال التي تكره النفس فيها ذلك لبرد أو نحوه.
(وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ) كما يدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿مَنْ
عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنْ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم
بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] فالحياة الطيبة هي غاية الخير الدنيوي بل
والأخروي بناءً على تفسيرها بأنها حلاوة الطاعة والتوفيق في القلب، وفسرها ابن
عباس بالرزق الحلال.
والحاصل أن المؤمن مع العمل الصالح يعيش عيشًا طيبًا إن كان موسرًا، فواضح
أو معسرًا فمعه من القناعة والرضا بقسمة الله تعالى ما يطيب عيشه ويمنعه من
التلفت لما في يد غيره، وعكس ذلك من لم يعمل صالحًا، فإنه إن أعسر تضيقه وتعسه
وتسخطه وتلفته لما في أيدي الناس المقلق المزعج له أمر واضح، وإن أيسر فالحرص
المستولي عليه لا يدعه أن يتهنأ بعيشه وإجزاء الآخرة بأحسن العمل بأن يجعل الله
تعالى جميع أعماله المفضولة بمنزلة عمل الفاضل، هو غاية الخير الأخروي ومقدمته
الموت بخير بأن يقبض روحه على الإسلام لاندراجه في عداد المقربين الموعودين بالروح
والريحان وجنة النعيم والمقول لأرواحهم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ
رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً " فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].

٢٣٥
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
(وَكَانَ) خارجًا (مِنْ خَطِيئَتِهِ) أي: ذنوبه الصغائر المتعلقة بالله تعالى كما مرَّ
دليله أول باب الصّلاة بسبب تلك المكفرات كخروجه والتعبير به للمقابلة
لاستحالة حقيقته هنا؛ إذ المولود لا ذنوب له حتى يخرج منها ومن ثم عبر الشارح
تميزًا وآثرنا ذلك؛ لأنه ◌َله عبر به في قوله: ((مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ
ذُنُوبِهِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ))(١) أي: بالتأويل المذكور أولاً كما بينته بأدلته في أوائل حاشية
«مناسك النووي)).
(كيَوْم) مبني على الفتح لإضافته إلى مبني، وهو (وَلَدَتْهُ أَمُّهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِذَا
صَلَّيْتَ فَقُلْ) أي: بعد صلاتك كما أفاده النظم (اللهُمَّ إِّ أَسْأَلُكَ الْخَيْرَات) وهو ما
مدحه الشرع من الأفعال الحميدة والأقوال المرضية والأحوال الصالحة، كما يدل عليه
مقابلتها بقوله: (وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ) وهي كل ما ذمه، ولما كان في طلب هذين مع
اختصارهما جمع خيري الدنيا والآخرة لم يبقَ إلا إظهار التواضع لله والاستكانة بين
یدیه.
فقال: (وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ) في الدنيا الذين هم الملوك في الآخرة، ومن محبتهم
إيثارهم على النفس وإجلالهم في القول والفعل وعدم الترفع عليهم بوصف من
الأوصاف، ومن فعل ذلك معهم وصل من رضا الحق تعالى ومعرفته إلى مبلغ يقصر
عنه النهي وتذعن لعظمته العارفون، ولما تم طلبه لجميع المقاصد لم يبق إلا طلب ما
يحصلها أو يكملها وهو البراءة من الفتن والمحن.
فقال مفرعًا له بالفاء على ما قبله لما علمته مما قررته (فَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِتكَ
فِتْنَةً) دينية بأن تضلهم عن الحق فلا يقبلون خيرًا قط (فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ) في حال
كوني (غَيْرَ مَفْتُونٍ) عن موجب رضاك؛ لأنه لا كبير فائدة في حياة خالية
(١) أخرجه البخاري (١٤٤٩)، وأحمد (٧٣٧٥)، والنسائي (٢٦٢٧)، وابن ماجه (٢٨٨٩)، وابن حبان
(٣٦٩٤)، والبيهقي في ((سننه)) (١٠٦٨٧)، وأبو يعلى (٦١٩٨)، والطيالسي (٢٦٣٢)، والحميدي
(١٠٥٢).

٢٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
عن إرشاد الخلق إلى الله تعالى والإقبال بهم إلى محابه والإعراض بهم عن مساخطه
ومن حقت عليهم الكلمة، وأريد وقوعهم في الفتن ينقص من صلاحهم وقبولهم لخير
أبدًا، ومن هذا ونحوه أخذ أئمتنا قولهم: لا يكره تمني الموت لخشية فتنة دينية بخلافه
لنحو ضر نزل به، فإنه يكره تمنيه لقوله ﴿له:((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحدُ الموتَ فَإِنْ كَانَ لَا
بُدَّ فَاعِلاً فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَت الْخَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَِّي مَا كَانَت الْوَفَاةُ خَيْرًا
لِي))(١).
(قَالَ: وَالدَّرَجَاتُ) مبتدأ؛ أي: ما يرفع به الدرجات العالية ويوصل إليها هو
(إِفْشَاءُ السَّلَامِ) أي: إظهاره والابتداء به على من عرف ومن لم يعرف (وَإِطْعَامُ
الطَّعَامِ) الفاضل عنه إن لم يصبر على الإضافة وعن مؤونته مطلقًا للأضياف وأولي
الأرحام والمحتاجين، وبهذين يقوم فاعلهما بحقوق الخلق (وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ
نِيَامٌ) يقوم فاعل ذلك بحقوق الحق؛ لأن الصّلاة أم الأعمال وميزانها القسط،
فبصلاحها ينصلح وبفسادها يفسد، وأيضًا فهي من حيث هي إذا وقعت مع شروطها
وآدابها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومن قام بحقوق الله وحقوق عباده كان من جملة
الصالحين المدعو لهم على لسان كل مصل في كل صلاة ((السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)).
وهذه فائدة جليلة جدًّا؛ إذ أدعية المصلين لا دعاء ينقطع على توالي السنين إلى
قرب قيام الساعة، ولهذا عظم شأن صالحي المتقدمين سيما الصحابة ( بحيازتهم
جميع الأمة لهم في سائر صلواتهم إلى القيامة (وَلَفْظ هَذَا الْحَدِيثِ كُمَا فِي ((المصَابِيح))
لَمْ أَجِدْهُ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلا فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ»).
٧٢٧ - [ وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى الله.
(١) أخرجه البخاري (٥٩٩٠)، ومسلم (٢٦٨٠)، والطيالسي (٢٠٠٣)، وأحمد (١١٩٩٨)، وعبد بن حميد
(١٣٩٨)، وأبو داود (٣١٠٩)، والترمذي (٩٧٠)، والنسائي (١٨٢٠)، وابن ماجه (٤٢٦٥)، وابن
حبان (٩٦٨).

٢٣٧
كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
رُجُلُ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللّه فَهُوَ ضَامِنُ عَلَى الله حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ
بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلُ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ، وَرَجُلُ دَخَلَ
بَيْتَهُ بِسَلَامٍ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عليهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ثَلَاثَةُ كُلُّهُمْ ضَامِنُ عَلَى الله) أي:
واجب عليه من جهة وعده الذي لا يخلف لا من جهة أنه يجب لأحد عليه شيء
تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا أن يكلأه من فتن الدين والدنيا، ويصح أن يكون
ضامن بمعنى مضمون كماء دافق؛ أي: مدفوق أو بمعنى: ذوا ضمان؛ أي: حفظ ورعاية
كلابن وتامر (رَجُلٌّ خَرَجَ غَازِيًّا فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ ضَامِنُ عَلَى الله) أي: واجب الحفظ
والرعاية عليه تعالى كالشيء المضمون (حَتَّى يَتَوَفَّاهُ) في سبيله (فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) مع
الناجين (أَوْ) حتى (يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ) أي: أصاب (مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ) أو هما فـ((أو)) لمنع
الخلق فقط.
وفي رواية حكاية عن الله تعالى: ((مَنْ خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِي ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي فَأَنَا
عَلِيهِ ضَامِن أَوْ هُو عَنِّي ضَامِن))(٢) شك الراوي؛ أي: فأنا عليه رقيب وحفيظ أو هو
عليَّ واجب الحفظ.
(وَرَجُلُّ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنُ عَلَى الله) أي: واجب الحفظ والرعاية
والوقاية (وَرَجُلٌّ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ) أي: مع تسليمه على أهله إن كانوا، وإلا فعلى نفسه؛
إذ السنة لمن دخل بيتًا خاليًا أن يقول: ((السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ))(٣).
وذكر المضمون به في الأول دون الأخيرين اكتفاءً به عنهما، فكما أن المجاهد طلب
(١) أخرجه أبو داود (٢٤٩٤)، وابن حبان (٤٩٩)، والطبراني (٧٤٩١)، والحاكم (٢٤٠٠)، والبيهقي
(١٨٣١٩)، والطبراني في ((الشاميين)) (١٥٩٦).
(٢) أخرجه أحمد (٥٩٧٧)، والنسائي (٣١٢٦).
(٣) أخرجه البخاري (٦٩٤٦)، ومسلم (٤٠٢)، وأبو داود (٩٦٨)، والنسائي (١٢٧٧)، وأحمد (٤٤٢٢)،
وابن أبي شيبة (٢٩٨٣)، وابن ماجه (٨٩٩)، وابن حبان (١٩٤٩)، وعبد الرزاق (٣٠٦١).

٢٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
إحدى الحسنيين: الشهادة أو الغنيمة، فكذلك الذي يروح إلى المسجد فإنه يبتغي
فضل الله ورضوانه ومغفرته فهو ذوا ضمان على الله ألَّا يضل سعيه ولا يضيع أجره،
وكذلك الداخل بيته بسلام والمضمون به له أن يبارك عليه وعلى أهل بيته، لما ورد أنه
وَ﴿ قال لأنس: ((يَا بُنَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُونُ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ
بَيْتِكَ)(١).
وقيل: معنى دخل بيته بسلام: إنه لزمه طلبًا للسلامة من الفتن على حد قوله
تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] أي: من الآفات والعوارض والعذاب
والأول أوجه خلافًا للشارح، وليس نظير الآية؛ لأن آمنين فيها هو المفيد لذلك، وأمَّا
بسلام فمعناه: إن الملائكة تسلم عليهم أو يسلم بعضهم على بعض، فهو نظير المعنى
الأول فيما مر فيه، وأمَّا استفادة لزوم البيت والعزلة من مجرد ادخلوها فبعيد جدًّا
كما لا يخفى.
وعلى الثاني فالمضمون به هو رعاية الله تعالى إياه وأمنه من الفتنة، وحكمة جمع
الثلاثة أن الأول؛ أعني: الجهاد فيه القيام بمصالح الدنيا من التآلف والتواضع، ولذا
وقع ترتيبهم كذلك فقدم ما فيه المصلحتان؛ لأنه الأهم الأفضل ثم ما فيه مصالح
الآخرة؛ لأنه كذلك بالنسبة لما بعده ثم ما فيه مصالح الدنيا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده
حسن.
٧٢٨ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: مَنْ خَرَجَ [مِنْ بَيْتِهِ﴾(٢) مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةِ
مَكْتُوبَةٍ، فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِهِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيج الضُّحَى لَا يُنْصِبُهُ إِلَّ إِيَّاهُ
فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى أَثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابُ فِي عِلَّيِّينَ(٣). رَوَاهُ أَبُو
(١) أخرجه الترمذي (٢٩١٥)، والطبراني في الأوسط (٦١٦٣).
(٢) سقط من الأصل.
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٣٥٨)، والطبراني (٧٧٣٤)، وأبو داود (٥٥٨)، والروياني (١٢٠٤)، والبيهقي
(٤٦٨٩).

٢٣٩
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
دَاوُد].
(وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِوَّهِ: مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ)
حال؛ أي: قاصدًا المسجد مثلاً إلى أداء صلاة من الخمس (فَأَجْرُهُ) على خروجه متطهرًا
وقصده أن الغرض المشابه خروج الحاج من بيته قاصدًا الكعبة لأداء النسك (كَأَجْرٍ
الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ) فيكتب له أجره من لدن خروجه من بيته إلى رجوعه كالحاج لما علم
من المشابهة بينهما، ولا ينافي هذا ما ورد للحاج من عظيم الفضل الذي لم يرد نظره
القاصد الصّلاة؛ لأن المشبه لا يلحق المشبه به في كل أوصافه وخصوصياته، ومع ذلك
ففي نحو هذا التشبيه من الإغراء والحث على فعل المشبه وهو السعي لأداء المكتوبات،
ومن المبالغة تعظيم ثواب ذلك السعي ما ليس فيه لو ترك ذلك التشبيه؛ إذ لا فائدة
لإلحاق الدون بالأعلى إلا ذلك وإلا كان عبئًا.
(وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى) أي: صلاة سنته ومن هذا أخذ أئمتنا قولهم:
السنة في صلاة الضحى فعلها في المسجد ويكون من جملة المستثنيات من خبر:
(أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّ الْمَكْتُوبَةَ))(١) وسميت الضحى سبحة لما فيها من
التسبيح وكون الفرض فيه ذلك لا يقتضي تسميته بذلك؛ لأن سبب التسمية لا يجب
إطراده على أنه قيل: إنما سميت النافلة تسبيحة تشبيهًا لها بالأذكار في الندبية، وعلى
هذا فلا يرد الفرض لفقد ذلك فیه.
(لَا يُنْصِبُهُ) أي: لا يتعبه ويخرجه (إِلّا إِيَّاهُ) الأصل إلا هو لكنهما قد يتعارضان
فكما وقع المنصوب المنفصل مقام المرفوع المنفصل وقع عكسه في خبر الوسيلة، وأرجو
أن أكون أنا هو وقيل: هذا من باب الميل إلى المعنى دون اللفظ، وهو باب جليل من
علم العربية وجعل منه في ((الكشاف)) ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٢٤٩] في قراءة
الرفع؛ إذ معنى ذلك فلم يطيقوه إلا قليل، وكذا هنا؛ إذ معنى لا ينصبه إلا إياه لا يقصد
(١) تقدم تخريجه.

٢٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
ويطلب إلا إياه (فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ) كنظيره المشابهة السابقة، وحكمة تشبيه الأول
بالحاج وهذا بالمعتمر أن الحج فرض إجماعًا والعمرة سنة عند أكثر العلماء، فناسب
تشبيه الفرض بالفرض والسنة بالسنة، وعلى أنها فرض كالحج هي دونه فشبه بها النفل؛
لأنها دون الفرض والحاصل أن نسبة ثواب الخروج لنافلة الصّلاة إلى الخروج لفرضها
كنسبة ثواب الخروج للعمرة كالخروج للحج.
(وَصَلَاةٌ عَلَى أَثْرِ صَلَاةٍ لَّا لَغْوَ بَيْنَهُمَا) خرج الفصل بالتسبيح، فإنه سنة (كِتَابُ
فِي عِلِِّّينَ) أي: عمل مكتوب في ديوان الحفظة الذي يرفع إليه أعمال الأبرار الصالحين
الأخيار ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلَّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلَّيُّونَ * كِتَابُ مَّرْقُومُ *
يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١] أو في أعلى المراتب وأشرفها؛ أي: إن مداومة
الصّلاة والمحافظة عليها من غير تحلل ما ينافيها لا شيء من الأعمال أعلى منها فكنى
عن ذلك بعلیین (رَوَاهُ آبُو دَاوُد) وسنده حسن.
٧٢٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ
فَارْتَعُوا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: الْمَسَاجِدُ، قِيلَ: وَمَا الرَّتْعُ يَا
رَسُولَ الله؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِله وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّة
إِلا بِالله(١). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿: إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ)
أي: بالمساجد سميت بذلك؛ لأن العمل فيها سبب للحلول في رياض الجنة
(فَارْتَعُوا) من الرتع وأصله الاتساع في أكل الفواكه والمستلذات عند الخروج إلى
المتنزهات كما هو عادة الخارجين إلى الرياض والبساتين، ثم استعمل اتساعًا
رعاية لمناسبته للفظ الرياض لفظًا ومعنى في الذكر؛ لأنه وسيلة لنيل أجزل الثواب
وأكمله.
قيل: ولو لمح في الرتع تناول ثمرة الشجرة التي غرسها الذاكر في رياض المسجد
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٠٩) وقال: حسن غريب.