Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
وخبر ابن السني: ((إِنَّ أَحدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخرِجَ مِنَ المسْجِدِ تَدَاعتْ جُنُودُ
إِبْلِيس أَجلَبَتْ وَاجْتَمَعتْ كَمَا تَجْتَمِعُ النَّحِلُ عَلَى يَعسُونِهَا، فَإِذَا قَامَ أَحْدُكُم عَلَى
بَابِ المسْجِد فَلَيقُل: اللَّهِمَّ إِنِي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إِبْلِيس وَجُنُودِهِ، فَإِنَّهِ إِذَا قَالَهَا لَا يَضُرُّه
قُوهُم))(١).
يسن لقاصد المسجد أن يقول عند إرادة دخوله: أعوذ بالله العظيم بوجهه
الكريم؛ أي: ذاته وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله والحمد لله، اللّهُمَّ
صل على محمد وآل محمد وسلم، اللَّهُمَّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يقول:
بسم الله ويدخل.
(وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ) قال أئمتنا:
ويسن ذكر الدخول المذكور كله عند الخروج أيضًا، ولكن يبدل أبواب رحمتك بأبواب
فضلك.
قال النووي: فإن طال عليك ذلك اقتصر على ما في هذا الحديث في الدخول
والخروج.
وكان حكمة سؤال الرحمة في الدخول والفضل في الخروج أن المساجد محل
تنزلات فيضه الأقدس على المتعبدين وجودة الأنفس على العارفين، وهذان أعظم
مظاهر الرحمة، فناسب سؤالها عند دخولها، وأمَّا خارجها فهو محل الأسباب والأكساب
والأشغال والتجارات الدنيوية وربحها، وذلك كله من مظاهر التفضلات العامة على
الناس كلهم، فناسب سؤال الفضل عند الخروج، وقد أشارت إلى ذلك آية: ﴿فَإِذَا
قُضِيَتِ الصَّلَاة فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة:١٠] ثم رأيت
الشارح ذكر نحو ذلك فقال: لعل السر في ذلك أن من دخل اشتغل بما يزلفه إلى الله
وإلى ثوابه وجنته، فناسب أن يذكر الرحمة، فإذا خرج انتشر في الأرض ابتغاء فضل الله
(١) أخرجه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (١٥٤).
٢٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
من الرزق الحلال، فناسب الفضل كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاة ... ﴾ [الجمعة:١٠]
ولما لم يزل الإنسان في التقصير لزم في الحالين طلب الغفران.
٧٠٤ - [وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: [إنَّ رَسُولَ اللهِوَ قَالَ: ](١) إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ
الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴾ قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ
فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومنه في الحديث الصحيح: ((إِذَا دَخَلَ
أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ))(٣).
وفي رواية: (أَعْطُوا الْمَسَاجِدَ حَقَّهَا)) قالوا: وما حقها يا رسول الله؟ قال: ((أَنْ
تُصَلُّوا رَكْعَتِين قَبْلِ أَنْ تَجلِسُوا))(٤).
أخذ أئمتنا قولهم يسن خلافًا لقول الظاهرية: يجب تحية المسجد؛ أي: ربه
تعظيمًا له لكل داخل له على طهر ما عدا الخطيب لاشتغاله بما هو أهم، فيدعها ويرقى
المنبر، وإن كان الداخل حال الخطبة كما يأتي في مبحث الجمعة وهي ركعتان كما أفاده
الحديثان، وتجوز الزيادة عليهما بنية التحية بتسليمة واحدة بوجود الركعتين في
ضمنهما، بخلاف النقص عنهما كركعة وسجدة تلاوة أو شكر وصلاة جنازة، وأفاد
أيضًا تكرر طلب التحية بتكرر دخوله ولو على قرب.
(١) سقط من الأصل المخطوط.
(٢) أخرجه مالك (٣٩١)، والبخاري (٤٤٤)، ومسلم (١٦٨٧)، والترمذي (٣١٧)، والنسائي (٧٣٨)،
وأحمد (٢٣١٨٦)، والدارمي (١٤٤٤).
(٣) أخرجه مالك (٣٨٦)، والبخاري (٤٣٣)، ومسلم (٧١٤)، وأبو داود (٤٦٧)، والترمذي (٣١٦)
وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٢٧٠٥)، والنسائي (٧٣٠)، وابن ماجه (١٠١٢)، وعبد الرزاق
(١٦٧٣)، وابن أبي شيبة (٣٤١٩)، والدارمي (١٣٩٣)، وابن خزيمة (١٨٢٧)، وابن حبان (٢٤٩٥)،
والطبراني في «الكبير)) (٣٢٨٠) وفي الأوسط (٨٩٥٨)، وفي الصغير (٣٨٣)، وأبو عوانة (١٢٣٨)،
والبيهقي (٤٧٠٢).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٢٢)، وابن خزيمة (١٨٢٤)، والديلمي (٣٥٣).
٢٠٣
كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
وأفاد الثاني أنه يكره تركها بأن يجلس من غير صلاة بلا عذر وإن كان
دخوله في وقت الكراهة.
وأفاد أيضًا اختصاص ندبها بمزيد الجلوس، وبه أخذ بعض أصحابنا لكن
المعتمد أنه لا فرق تعظيمًا للمسجد، وإن التقييد بالجلوس جرى على الغالب ولو دخله
محدث، ودخوله له غير مكروه خلافًا للغزالي وغيره أو اشتغل عنها قال أربع مرات:
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، زاد ابن الرفعة وغيره: ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم.
فقد روي عن بعض السلف أن ذلك تعدل ركعتين في الفضل، ويؤيده ما صحَّ
عن جابر بن زيد الإمام الكبير التابعي أنه قال: إذا دخلت المسجد فصلِّ فيه، فإن لم
تصل فاذكر الله فكأنك قد صليت، ولو صلى الداخل فرضًا أو نفلاً آخر، فإن نوى
التحية أيضًا حصل له ثوابها أيضًا، وإلا سقطت عنه كراهة الدخول بالصّلاة ولم
يكتب له شيء من ثواب التحية على خلاف في ذلك، بسطت الكلام فيه في ((شرح
العباب)) ويكره الاشتغال بالتحية كنافلة أخرى عند الشروع في الإقامة وقربها
بحيث يفوته فضيلة تكبيرة الإحرام، ولمن دخل المسجد الحرام مريدًا للطواف وقد
تمكن منه لا القصد بدخوله تعظيم البيت وتحية الطواف فبدأ به لذلك؛ ولأنها
تندرج في رکعتیه.
وأفاد أيضًا أنها تفوت بالجلوس وإن قصر الفصل ومحله إن علم وتعمد فإن
قصر من ناسٍ أو جاهل لم يفت لخبر (صحيح)) ابن حبان عن أبي ذر قال: ((دَخَلْتُ
الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وَهِ جَالِسًا وَحْدَه فَجَلَستُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ لِلْمَسْجِدِ
تَحِيَّةً، وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانٍ، فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا، قَالَ: فَقُمْتُ فَرَكَعْتُهُمَا)(١).
وأفاد أيضًا كرواية: (فَلْيُصَلِّ سَجْدَتَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْلِسَ))(١) امتناع الجلوس
(١) أخرجه ابن حبان (٣٦٢)، والحاكم (٤١٣١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٦/١).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٧)، وأحمد (٢٣١٩٢).
٢٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
في التحية، ولكن بحث القمولي أنه يجوز فعلها جالسًا بعد الإحرام بهما قائمًا، وحمل
الحديث على أن المراد الجلوس بلا صلاة فتخرج هذه الصورة، أو المراد بـ ((حتى يصلي
ركعتين حتى يحرم بهما» واعترضه الزركشي بما أجيب عنه، ثم بل صرح ابن العماد
أنه لو جلس بنية صلاة التحية ثم أحرم بها من جلوس حصلت له، لكن فيه نظر
ظاهر؛ لأن قعوده يفوتها وإن كان قاصدًا لها، ولو دخل زحفًا أو محمولاً فالقياس ندبها
له.
٧٠٥ - [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا
نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ(١). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ].
(وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي
الضُّحَى) وكان حكمة ذلك أنه في أوائل النهار وهو وقت نشاط وانتشار للحوائج فلا
مشقة على أصحابه في المجيء إليه بوجه، بخلافه قرب نصف النهار؛ لأنه وقت نوم
وراحة في البيوت، أو آخره؛ لأنه وقت اشتغال بأسباب العشاء ونحوه، وبخلافه ليلاً فإنه
يشق الحركة فيه على أنه وال﴿ نهى المسافر أن يطرق أهله ليلاً، بل ندبه إلى أن يرسل من
يُعلم أهله بقدومه؛ لئلا يبغتهم وهم على حالة لا يحبها من عدم استعداد أو نظافة،
فيكون سببًا للنفرة ووقوع الفرقة.
(فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ) لأنه أفضل محل بالبلد فيواجهه من تحف الحق
المفاضة على أهله ما يديم له التمتع بذلك الفضل العظيم.
(فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) وهذه الصّلاة مقصودة للقدوم من السفر، وتحصل تحية
المسجد في ضمنها كما مرَّ فيما لو صلى نفلاً أو فرضًا آخر (ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ) للسلام
عليه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٢)، وأبو داود (٢٧٨٣)، وأحمد (١٦١٨٩)، والدارمي (١٥٧٢)، والبيهقي في
(سننه)) (١٠٦٧٩)، والطبراني (١٥٤٥٥).
٢٠٥
كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
وروى عبد الحق وضعفه خبر: ((وَإِذَا دَخَلَ بَيتَهُ فَليُصَلِّ فِیهِ رَكْعَتین)» ومنه إذ
الضعيف يعمل به في الفضائل إجماعًا مع ما مرَّ أخذ أئمتنا قولهم: يسن لمن قدم من
سفر أن يبدأ بالمسجد ويصلي فيه ركعتين ثم يذهب لبيته ويصلي ركعتين.
٧٠٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ
ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْك، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا(١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ) من
((نشد)) إذا طلب، لا من ((أنشد)) لأنه بمعنى عرف من النشيد رفع الصوت.
(ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكِ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا)
أي: ونحوه من كل ما ليس بعبادة كما دلت عليه الرواية الأخرى. (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
وفي رواية: إنه {َّ﴾ سمع من ينشد في المسجد جملاً أحمر، فقال: «لَا وَجَدْتَ
إِنَّمَا بُنِيَتْ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ»(٩).
وحسَّن الترمذي خبر: «إِذَا رَأَيتُمْ مَنْ يَبِيعُ أو يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لا
أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ))(٣).
وحسَّن أيضًا: (إِنَّه ◌َ نَهَى عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَعَنْ نَشْدٍ
الضَّالَّةِ))(٤) أي: طلبها فيه، ولهذه الأحاديث قالت أئمتنا: يكره نحو البيع وسائر العقود
فيه ولو لغير معتكف وإن لم يكثر من ذلك ما لم يحتج إلى نحو البيع لتحصل قوته،
ويستثنى من ذلك عقد النكاح فيه، فإنه سنة للأمر به، رواه الترمذي ويكره أيضًا
(١) أخرجه مسلم (٥٦٨)، وأبو داود (٤٧٣)، وأحمد (٨٥٧٢)، وابن ماجه (٧٦٧)، وابن خزيمة
(١٣٠٢)، وأبو عوانة (١٢١٢)، وابن حبان (١٦٥١)، والبيهقي (٤١٤٠).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه الترمذي (١٣٢١) وقال: حسن غريب، وابن السني (١٥٣)، والحاكم (٢٣٣٩) وقال:
صحيح على شرط مسلم، والبيهقي (٤١٤٢).
(٤) أخرجه بنحوه الترمذي (٣٢٣)، والنسائي (٧١٣).
٢٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
نشد الضالة فيه.
واستثنى النووي المساجد الثلاثة، وكنشدها فيما يظهر إنشادها؛ أي: تعريفها،
ويندب أن يقال لمن أنشد شعرًا مذمومًا وهو ما ليس فيه أمر بخير أو مدح له:
فض الله فاك ثلاثًا للأمر بذلك، رواه ابن السني.
ولا بأس بإعطاء السائل فيه شيئًا للحديث الصحيح: ((هَلْ أَحَد مِنْكُمْ أَطْعَمَ
الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَ﴾: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبٍْ
فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ»(١).
وروى البيهقي أنه وَ له أمر سُليكً الغطفاني بالصّلاة يوم الجمعة في حال الخطبة
ليراه الناس فيتصدقون عليه، وأنه ◌َّ أمرهم بالصدقة وهو على المنبر.
وقال بعض السلف: لا يحل إعطاؤه لما في الآثار: ينادي يوم القيامة منادٍ ليقم
بغيض الله، فيقوم سؤَّال المساجد، وفصل بعضهم بين من يؤذي الناس بالمرور أو نحوه
فيكره إعطاؤه؛ لأنه إعانة له على ممنوع، ومن لا يؤذي أحدًا فيسن إعطاؤه؛ لأن السؤّال
كانوا يسألون على عهد رسول الله وَله في المسجد حتى يروى أن عليًّا - كرم الله
وجهه - تصدق بخاتمه وهو في الركوع فمدحه الله بقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ
رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] هذا كله في إعطاء السائل.
وأمَّا نفس سؤاله فقال ابن العماد: إنه مكروه إلا إذا شوش على مصل فيحرم
أو مشى أمام صف أو تخطى رقابهم. انتهى.
وما ذكره آخرًا ضعيف، بل الحرمة مقيدة بمن مشى أمام مصل إلى سترة
معتبرة، وما ذكره أولاً كلام النووي في ((شرح المهذب)) وغيره: إنه يكره رفع الصوت
بحضرة المصلي صريح في كراهته لا حرمته، وإطلاقه كراهة السؤال في المسجد قد
ينافيها ما في الأم من تقييد كراهة السؤال يوم العيد بحالة الخطبة، فإن فعلوا فقد
(١) أخرجه أبو داود (١٦٧٢)، والبيهقي في ((سننه)) (٨١٤١).
٢٠٧
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
تركوا الفضل من السماع لكنه حمل على من بمصلى العيد؛ لأنه غير مسجد.
٧٠٧ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَسِ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ
الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ(١). مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ].
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ﴾: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) سميت
بذلك تغليبًا؛ إذ حقيقتها ما له ساق وأغصان، وخلافها نجم، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ
وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانٍ﴾ [الرحمن: ٦].
(الْمُنْتِنَةِ) وهي البصل والثوم والكراث والفجل وغيرها من كل ما له ريح
كريهة وبقي ريحه كمطبوخ لم يذهب الطبخ ريحه ويلحق بالمأكول غيره في ذلك كما
قاله العلماء، ومن ذلك من به بخر مستحكم وجرح منتن.
(فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) وفي رواية: ((مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ
مَسْجِدَنَا))(٩).
وفي رواية له أيضًا: ((مَسَاجِدنَا))(٣).
وفي أخرى: ((فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ))(٤) وفيها رد على من زعم اختصاص النهي
بمسجده واله وألحق العلماء كما نقله عياض بالمساجد في ذلك مواضع العبادات
كالولائم بخلاف الأسواق.
(فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ومن ذلك أخذ
أئمتنا أنه يكره دخول المسجد بلا ضرورة لم تغير فمه بأكل منتن وبقي ريحه، فإن
(١) أخرجه البخاري (٨١٦)، ومسلم (٥٦٤)، وابن حبان (٢٠٨٦).
(٢) أخرجه مسلم (١٢٨٢)، وأبو عوانة في (مستخرجه)) (٩٥٨).
(٣) أخرجه مسلم (١٢٧٧)، والطبراني في ((الأوسط)) (٨٧٨٨)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٤٨٣٣).
(٤) أخرجه مسلم (١٢٧٦)، وأحمد (٤٨١٨)، والدارمي (٢١٠٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٥٢٥١)، وابن
خزيمة (١٥٦٩).
٢٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
دخله أخرج منه، ويكره أيضًا إدخال الكريه الريح بلا حاجة كخوف سرقة.
وأشار ابن حبان من أصحابنا إلى أن ظاهر الأحاديث حرمة دخول ذلك
المسجد لغير ضرورة، وجزم به ابن المنذر، وقد يقتضيه قول النووي في ((شرح مسلم)
عقب حديث: (لَقَد رَأْيتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ
بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ))(١) هذا فيه إخراج من وجد منه ريح نحو البصل من المسجد
إزالة للمنكر باليد لمن أمكنه. انتهى.
ويؤخذ من قوله: ((فإن الملائكة ... إلخ)) أنه لا فرق بين المسجد الخالي وغيره
وهو كذلك كما في ((شرح مسلم)) وغيره احترامًا للملائكة.
٧٠٨. [وَعَنْ أَنَسِ نَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَيِ: الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ،
وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: الْبُزَاقُ) وقد يقال بالسين والصاد (في
الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ) وفي رواية لأحمد: (سيئة)) ومن اتفق أصحابنا على حرمته ومن نقل
عنهم الكراهة فقد وهم، وإنما لبعضهم التعبير بها مريدًا بها كراهة التحريم
(وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وكالبزاق المخاط، بل أولى فيحرم أحدهما في المسجد
إن اتصل بشيء من أجزائه كترابه لا قمامة فيه سواء كانت داخلة أم خارجة بخلافٍ
نحو المدرسة ولو في قبلتها، وكفارته حيث لم يحكم بنجاسة لاختلاطه بدم ولو معفوًّا
عنه، أو خروجه من المعدة دفنه بترابه أو رمله إن كان وإلا مسحه بنحو خرقة أو
أخذه بیده وأخرجه.
(١) أخرجه مسلم (١٢٨٦)، وأحمد (١٩١)، والنسائي (٧٠٧)، والبيهقي في ((سننه)) (٥٢٦٦)، والطيالسي
(٥٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٥)، ومسلم (٥٥٢)، وأبو داود (٤٧٥)، والترمذي (٥٧٢) وقال: حسن
صحيح، والنسائي (٧٢٣)، والدارمي (١٣٩٥)، وابن خزيمة (١٣٠٩)، وابن حبان (١٦٣)، والطبراني
(٨٠٩٤).
٢٠٩
كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
قال ابن المنذر: ويستحب الأعماق في الحضر ليدفن فيه لخبر فيه، ومعنى كون
ذلك كفارته أن ذلك قاطع للتحريم الواقع لا أنه يرفعه من أصله خلافًا لمن زعمه من
المالكية، ومن ثم قال في ((شرح مسلم): إن ذلك باطل لمنافاته لصريح خبر
(الصحيحين)) المذكور، وخبر: ((رأيت رسول الله وَل﴾ يفعله في المسجد)) ضعيف على أنه
لا حجة فيه لما هو ظاهر أن فعله لا يستلزم اتصاله به، وحكمة دفنه يبينها خبر: ((إِذَا
تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيُغَيِّبْ تُخَامَتَهُ أَنْ تُصِيبَ جِلْدَ مُؤْمِنٍ أَوْ تَوْبَهُ فَتُؤْذِيَهُ))(١) ومسحه
بنحو يده أولى من دفنه؛ لأنه يذهبه والدفن يبقيه، ولو اضطر إليه لمصلحة الصّلاة ولم
يكن عليه ثوب مملوك، فالظاهر جوازه حينئذ للضرورة.
قال ابن العماد: ولا خلاف أن من بصق بالمسجد استهانة به كفر، ولو هدم
المسجد حرم البصاق على نقضه المحكوم بأنه منه استصحابًا لحرمته، ويسن لمن رأى
فيه بصاقًا إزالته بنحو دفنه أو إخراجه ثم تطيب محله، وإنما لم يجب كمن رأى نجاسة
في المسجد فإنه يلزمه عينًا إزالتها فورًا؛ لأنها أفحش، ومن رأى من يبصق فيه لزمه
الإنكار عليه ومنعه إن قدر، ودلكه بأسفل المداس الذي يمشي فيه حرام؛ لأنه
ينجس المسجد أو يقذره، ومن بدره فيه بصاق بصق في جانب ثوبه الأيسر أو بدره
خارجه بصق عن يساره تحت قدمه أو بجنبه كما يأتي، وإذا بصق في ثوبه دلكه وهو
الأولى أو تركه، ويكره البصاق حيث لم يظهر به حزقان في الصّلاة وخارجها عن
عينه أو أمامه.
٧٠٩ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ :﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: عُرِضَتْ عَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي
حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنٍ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي
مَسَاوِيٍ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(١) أخرجه أحمد (١٥٤٣)، وأبو يعلى (٨٠٨)، وابن خزيمة (١٣١١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(١١١٧٩)، والضياء (٩٩١).
(٢) أخرجه مسلم (١٢٦١)، وأحمد (٢٢١٧٠)، والبيهقي في («سننه» (٣٧٣٣)، وأبو عوانة في
٢١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: عُرِضَتْ عَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا
وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي ◌َحَاسِنٍ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ) أي: ينحى (عَنِ الطّرِيقِ) أي: إماطة
أي فرد من أفرادها.
(وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئْ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ) هي البزقة التي تخرج من أصل الفم
مما يلي أصل النخاع، وهو الخيط الأبيض الذي في فقار الظهر.
(تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ. رَوَاهُ مُسْلِمْ) وفيه غاية الزجر عن البزاق في
المسجد، والظاهر أن المراد بعرض أعمال الأمة عليه و 8* عرضها على سبيل الإجمال
من غير بيان عامليها أو عرض أعمال الجوارح لا القلوب، وإنما قلت ذلك؛ لئلا ينافي
هذا ما في الحديث الصحيح: ((إِنَّه يُذَادُ عَنْ حَوضِهِ جَمَاعَةُ، فَيَقُولِ: يَا رَبُّ إِنَّهم مِنْ
أُمَّتِي، فَيَقُولُ اللّهُ لَهُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)(١) فنفي درايته لما أحدثوه من
الشرك والنفاق الباطني لا ينافي عرض أعمال الأمة كلهم عليه بالنظر لما قررته فتأمله.
٧١٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى
الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِ اللهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ
يَمِينِهِ مَلَكَّ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنَهَا].
(وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ)
وفي رواية للبخاري: ((إذا كان أحدكم في صلاته)) (فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ) أي: تلقاء وجهه
صيانة للقبلة عما ليس فيه تعظيمًا، ثم أشار اليه إلى تعليل ذلك بما يؤكد الزجر عنه
فقال: (فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) هذا من باب الاستعارة التمثيلية؛ إذ كل من
طرفيها منتزع من عدة أمور، شبه العبد وتوجهه إلى الله في صلاته وما فيها من قرة
(مستخرجه)) (٩٤٥).
(١) أخرجه البخاري (٤٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠)، والترمذي (٣١٦٧) وقال: حسن صحيح، وأبو داود
(٧٨٤)، وأحمد (١٢٠١٥)، والنسائي (٩٠٤)، وأبو يعلى (٣٩٥١)، وأبو عوانة (١٦٥٥)، والبيهقي
(٢٢٠٨).
٢١١
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
العين بتجلي أسراره وتنزل فيضه بمن يناجي مولاه ومالكه، فمن أحسن أدبه معه أن
يقف بحضرته مطرقًا رأسه قاصرًا بصره عن أن يمده إليه مراعيًا جهة أمامه كافًّا عن
كل قبيح بحضرته، سيما في تلك الجهة، ولا يضر في ذلك التشبيه تنزهه تعالى عن
الجهات وكل ما يتعلق بالمحدثات؛ لأن القصد حث المكلف على حسن أدبه مع ربه،
ومن آمن بتعظيمه بضرب الأمثلة الظاهرة الحاملة له على ذلك؛ إذ الآداب الظاهرة
والباطنة مرتبط بعضها ببعض.
ونظير ذلك قوله {وَل﴾: ((الحَجَرِ الأَسْود يَمِينُ الله فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ)(١)
وقوله تعالى: ((الرحمن الرحيم)) في البسملة، كما بينته في الأول في ((حاشية الإيضاح)) وفي
الثاني في ((شرح العباب)) وغيره (وَلَا) يبصق (عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَگًا) فخيم
القدر لاختصاصه بكتابة الحسنات التي هي أعظم مظاهر الرحمة الغالبة لمظاهر
الغضب.
(وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) وفي رواية: ((وتحت قدمه)) بالواو، وفي
أُخرى بلا واو (فَيَدْفِنَهَا).
٧١١ - [وَفِي رِوَايَة أَبِي سَعِيد: تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي سَعِيدٍ: تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى) وهي مبينة لما قبلها، وأذن فيه مع
كونه مناجيًّا أيضًا لانصرافه به فيهما عن جهة المقابلة التي هي أحق بالرعاية عن
غيرها، ثم رأيت بعضهم تردد في المراد بملك اليمين، فقال: يحتمل أن يراد به الملك
الذي يحضره عند الصّلاة للتأييد والإلهام بقلبه، والتأمين على دعائه، ويكون سبيله
سبيل الزائر، ومن حق المزور أن يكرم زائره فوق من يخصه من الكرام الكاتبين،
ويحتمل أن يخص صاحب اليمين بالكرامة تنبيهًا على ما بين الملكين من المزية، كما
هي بين اليمين والشمال تمييزًا بين ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ ولهذا نكَّره
(١) أخرجه الخطيب (٣٢٨/٦)، وابن عساكر (٢١٧/٥٢)، والديلمي (٨٠٨).
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٦)، وأحمد (٩٣٥٥)، وابن حبان (٢٢٦٩)، وعبد الرزاق (١٦٨٦).
٢١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
كأنه أراد ملكًا مكرمًا مفضلاً أو ملكًا غير الذي يعلمونه من الحفظة.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) واستفيد منه كراهة البصاق في الصّلاة عن يمينه أو أمامه،
وأخذ أئمتنا برواية: ((أو تحت قدمه)) بـ ((أو)) فقال: يبصق عن يساره في ثوبه أو تحت
قدمه أو بجنبه، ويتجه الأخذ برواية الواو ويجعل لبيان الأفضل، وهذا إذا كان المصلي
في غير المسجد أو فيه ولم يصل البزاق إلى شيء من أجزائه، ويلحق بالصّلاة في ذلك
خارجها ولو غير المسجد خلافًا للأذرعي كالسبكي، ثم قيل: المراد من هو خارجها
مطلقًا.
وقيل: إن كان مستقبل القبلة بالنسبة لكراهته أمامه، وذلك لما رواه
عبد الرزاق وغيره عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة.
وعن معاذ: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت.
قال في ((فتح الباري): وكان الذي خصه بحالة الصّلاة أخذه من تعليل النهي
بأن عن يمينه ملكًا وهو ظاهر إن قلنا: المراد بالملك غير الكاتب، وإلا فقد استشكل
اختصاصه بالمنع مع أن على اليسار ملگا آخر.
وأجاب جماعة من القدماء باحتمال اختصاصه بملك اليمين تشريفًا له
وتكريمًا ولا يخفى ما فيه.
وأجاب بعض المتأخرين بأن الصّلاة أم الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب
السيئات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في هذا الحديث قال: ((فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ
كَاتِبَ الْحَسَنَاتِ))(١).
وفي الطبراني: ((فَإِنَّه يَقُومُ بَينَ يَدي الله وَمَلَكُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ
يَسَارِهِ»(٤) فالبصاق حينئذٍ إنما يقع على القرين وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار
حينئذٍ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك. انتهى.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٩/٢).
(٢) أخرجه الطبراني (٧٨٠٨).
٢١٣
كتاب الضّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
قال بعض المتأخرين: ويستثنى من كراهته عن اليمين من بالمسجد النبوي
مستقبلاً القبلة، فإن بصاقه عن يمينه أولى؛ لأنه وسلم عن يساره. انتهى.
وهو وجيه كما لو كان على يساره جماعة ولم يتمكن من تحت قدمه، فإن
الظاهر أنه حينئذ عن اليمين أولى.
٧١٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ فِي
مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: لَعَنَ اللهُ الْتَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ(١).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ فِي مَرَضِهِ
الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: لَعَنَ اللهُ الْتَّهُودَ وَالتَّصَارَى الَّخَذُوا) جملة مستأنفة على جهة البيان
السبب اللعن، كأنه قيل: لم تلعنهم؟ فقال: اتخذوا (قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ)
وإنما قال ◌َّ ذلك في مرضه؛ لأن الله أعلمه بقرب أجله فأشار إليه في حجة الوداع
بقوله: ((لَعَلَّكُمْ لَا تَلْقُوِي بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا))(٤) ثم بغدير خم وهو متوجه إلى المدينة
حيث حض الناس على التمسك بالقرآن وأهل بيته.
ثم قال: ((مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيُّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»(٣) ثم
ترقيه المنبر أوائل مرضه وإعلامه الناس بفضل أبي بكر وسابقته وأنه أمَّن الناس
عليه ولو كان يتخذ خليلاً غير ربه لا تخذ أبا بكر خليلاً ثم بإرادته الوصية بالخلافة
وغيرها فوقع بين الصحابة ما وقع ورأى وهي المصلحة في تركها فسكت عنها مختارًا لا
مغلوبًا على أمره، خلافًا لمن زعمه وإلا لفعلها بعد ذلك المجلس، فإنه عاش بعده أيامًا،
(١) أخرجه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٥٣١)، وأحمد (١٨٨٤)، والنسائي (٧٠٣)، والطبراني (٣٩٣)،
والضياء (١٣٥٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٢٠)، والطبراني (٧٥٧٥).
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٦٠٩)، والحاكم (٥٥٩٤)، والطبراني (٤٩٨٣)، والنسائي (٨٣٩٩)، وابن ماجه
(١٢١)، وأبو يعلى (٥٦٧)، والضياء (٦٥٤).
٢١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
ثم بتفويضه الصّلاة بالناس لأبي بكر إعلامًا لهم بخلافته، ثم بإخراج اليهود من
جزيرة العرب.
فهذه كلها صرائح ظاهرة أنه علم بموته من ذلك المرض، وحينئذٍ فخشي
وَـ
أن بعض أمته يفعل بقبره الشريف ما فعلته اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من
تعظيمها بما لم يؤمروا به من الصّلاة إليها إعظامًا لمن فيها بلعن اليهود والنصارى
مبالغة في الزجر عن أفعالهم، ولذا جاء في رواية: ((يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا)(١) أي: من سجودهم
لقبور أنبيائهم تعظيمًا لشأنهم وجعلهم لها أوثانًا أو قبلة بتوجههم إليها في صلاتهم،
فعلم أنه يحرم الصّلاة إلى قبر نبي أو صالح تبركًا وإعظامًا.
وبذلك صرح النووي عن الزعفراني فقال: ولا يُصلى لقبر ولا عند قبر تبرگًا
وإعظامًا للأحاديث الصحيحة، ويجب الجزم بتحريم هذا على هذا الوجه ولا أحسب
فيه خلافًا؛ أعني: الصّلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركًا وإعظامًا.
وقال في موضع آخر: قال الأصحاب: تكره الصّلاة إلى القبر ولو قيل: يحرم
للأحاديث في ذلك لم یبعد.
قال صاحب (التتمة)): وأمَّا الصّلاة عند رأس قبر رسول الله وَله متوجهًا إليه
فحرام، وبه جزم في ((التحقيق)) فقال: ويحرم متوجهًا إلى رأس قبره وَّه ويكره إلى
غيره، وخرج بذلك اتخاذ مسجد بجوار نبي أو صالح وصلاة عند قبره والتوجه نحوه لا
لتعظيمه بل لحصول مدد له منه حتى تكمل عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح
الطاهرة، فلا حرج في ذلك لما ورد: إن قبر إسماعيل القيا في الحجر تحت الميزاب وأن
في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيًّا ولم ينه أحد عن الصّلاة، ثم لأن
أحدًا لا يقصد بها ما مرَّ بل هذان المحلان أفضل محال المسجد التي يتحرى الصّلاة
فيها، ثم وكذلك أجمع الناس في المسجد النبوي على الصّلاة خلف القبر الشريف
(١) أخرجه البخاري (٤٣٥)، وأحمد (١٨٨٤).
٢١٥
كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
وجعله بينهم وبين القبلة ولم ينههم أحد أيضًا، لما تقرر أن المدار في الحرمة إنما هو
على الصّلاة إليها أو عندها لتعظيمها لا لغرض آخر.
وأشار الشارح إلى استشكال الصّلاة عند قبر إسماعيل بأنها تكره في المقبرة
وأجاب بأن محلها في مقبرة منبوشة لنجاستها وكله غفلة عن قولهم: يستثنى مقابر
الأنبياء فلا تكره الصّلاة فيه مطلقًا؛ لأنهم أحياء في قبورهم وعلى التنزل فجوابه غير
صحيح لتصريحهم بكراهة الصّلاة في مقبرة غير الأنبياء؛ لأنه محاذ للنجاسة
ومحاذاتها في الصّلاة مكروهة سواء كانت فوقه أو أمامه أو خلفه أو تحت ما هو واقف
عليه.
٧١٣ - [وَعَنْ جُنْدَبٍ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: أَلَّا وَإِنَّ مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ
مَسَاجِدَ إِنِي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ جُنْدَبٍ ﴿ه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَقُولُ: أَلَا) تنبهوا (وَ) اعلموا (إِنَّ)
بالفتح على ما روى وروي بالكسر والتقدير: ألا أنبهكم وأقول إن (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ
كَانُوا) فائدة تكرير ((كان)) في الشرط والجزاء التنبيه على أن تلك الفعلة القبيحة
الشنيعة كانت مستمرة فيهم (يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالحِيهِمْ مَسَاجِدَ) بالمعنى
السابق (أَلَا) حكمة زيادة حرف التنبيه بين السبب والمسبب، ومن ثم جيء بالفاء
التعريفية في (فَلَا) لمزيد التأكيد في التحذير من المنهي عنه في قوله: (تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ
مَسَاجِدَ) والمعنى: أنبهكم على تلك الفعلة الشنيعة تنبيهًا غب(٢) تنبيه؛ لئلا تصنعوا
صنيعهم.
وكما كرر التنبيه لذلك المزيد في التحذير كرر النهي أيضًا لذلك بقوله: (إِنِّي
أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) أي: فلا تظنوا أني تحرزت بالنهي الأول بل هو على حقيقته.
(١) أخرجه مسلم (٥٣٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١١٢٣)، وأبو عوانة (١١٩٢)، وابن حبان (٦٤٢٥).
(٢) غب: بعد.
٢١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
قال البغوي: كره جماعة من أهل العلم الصّلاة في المقبرة وإن كانت أرضها
طاهرة، واحتجوا بهذا الحديث ومنهم من ذهب إلى جواز ما فيها، وتأول الحديث بأن
الغالب اختلاط تربتها بصديد الموتى فالنهي لنجاسة المحل فإذا كان ظاهرًا فلا بأس.
انتهى.
وفيه نظر؛ إذ هذا الحديث في شيء خاص وهو الصّلاة إلى قبر نبي أو صالح
يقصد تعظيمه واتخاذه وثنًا بعيد وهذا حرام بل كفر إجماعًا، وأما الصّلاة في مطلق
المقبرة غير مقبرة الأنبياء لا بهذا القصد فلا يعرض في هذا الحديث له وإنما صح أنه
وَلّ نهى عن الصّلاة بالمقبرة، واختلفوا في هذا النهي هل هو للتنزيه أو للتحريم؟
ومذهبنا الأول ولو في مقبرة لم تنبش كما مرَّ، ومذهب أحمد التحريم بل وعدم أنه قاد
الصّلاة؛ لأن النهي عنده في الأمكنة يفيد التحريم والبطلان كالأزمنة، وفرَّق أصحابنا
بأن تعلق الصّلاة بالوقت أشد منه بالمكان، ولهذا جعل للصلاة أوقات مخصوصة لا
يجوز في غيرها مع عدم المانع فيها بخلاف الأمكنة (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٧١٤ [وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: اجْعَلُوا
فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: اجْعَلُوا فِي
بُيُوتِكُمْ) جزءًا (مِنْ صَلَائِكُمْ) وهو النوافل التي لا تسن فيها الجماعة لتعود بركة
الصّلاة عليها، وقدم مع أنه المفعول الثاني اهتمامًا بشأن البيوت وأن من حقها أن
يجعل لها نصيب من الطاعات فتصير مزينة منورة بها؛ لأنها مأواڪم فكمالها من
جملة كمالكم (وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) أي: كمساكن الموتى الذين سقط عنهم
التكليف والخطاب بالصّلاة وغيرهما، بل صلوا فيه مادمتم في قيد التكليف والحياة
اغتنامًا لفرض ثوابها وطرق تجلياتها التي بها قرة العين بشهود المعارف، والنجاة من
(١) أخرجه البخاري (٤٢٢)، ومسلم (٧٧٧)، وأحمد (٤٦٥٣)، وأبو داود (١٠٤٣)، وابن خزيمة
(١٢٠٥)، والبيهقي (٢٨٦٠).
٢١٧
كتاب الصّلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
سائر المخاوف أو لا تجعلوها كالمقابر التي نهيتم عن الصّلاة فيها حتى يتركوا الصّلاة في
البيوت، بل صلوا فيها فإن في الصّلاة فيها عود غاية البركة والبر على أهلها أو أن
ذاكر الله كالحي وغيره كالميت، فمن لم يصلِّ في البيت جعل نفسه كالميت وبيته كالقبر
أولا تجعلوها أوطانًا للنوم الذي هو أخو الموت.
وقيل المراد: لا تدفنوا موتاكم في بيوتكم وهو في غاية البعد من السياق
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وما أفاده من أن الأفضل في النوافل فعلها من البيت إلا ما استثني هو
الأصح عندنا لذلك، ولخبر مسلم: ((أَفْضَل صَلاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلا الْمَكْتُوبَةَ)(١)
ولسلامتها من الرياء ولعود بركتها على البيت وأهله.
وقيل: فعلها في المسجد أفضل.
وقيل: في النهار المسجد أفضل، وفي الليل البيت أفضل.
وقيل: إن كسل عن فعلها في البيت فالمسجد أفضل وهو ظاهر ووقع له ◌َّخه
أنه صلى بعض النوافل في المسجد لبيان التشریع ((کرکعتین بعد الجمعة) صححه ابن
حبان ((وركعتين بعد المغرب)) أخرجه الترمذي تعليقًا.
واعترض بأن المنقول عن الصحابة كلهم خلافه ولو فعله والفر لفعلوه، ويرد
بأن ما فعله ** لبيان الجواز لا يستلزم أنهم يفعلونه، وزعم بعض الحنابلة حرمتها في
المسجد، وحكي عن أبي ثور لخبر: ((افْعَلُوهَا فِي بُيُوتِكُم))(٢).
(الفصل الثاني)
٧١٥ [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
قِبْلَةُ (٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٦/٣).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٤) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (١٠١١)، والبيهقي (٢٠٦٢)، والحاكم
-
٢١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وصححه وأخذ جماعة من أصحابنا منه ترجيح القول بأن الواجب في
الاستقبال الجهة لا العين واختاره الأذرعي بل بالغ ابن العربي المالكي، فزعم أن خلافه
باطل قطعًا واستدل بالخبر المذكور وبأنه صحَّ عن عمره وهو لا يقول إلا عن توقيف
وأجاب أصحابنا بحمل الخبر على أهل المدينة ومن داناهم؛ أي: لأن ما بين المشرق
والمغرب ليس قبلة على الإطلاق قطعًا فتعين حمله على ما ذكر.
وقال بعضهم: من جعل من أهل الشرق أول المغارب وهو مغرب الصيف الذي
هو مغيب القرص عند موضع غروب السماك الرامح عن يمينه، وآخر المشارق وهو
مشرق الشتاء الذي هو مطلع الشمس في أقصر يوم في السنة وهو قريب من مطلع
قلب العقرب من يساره كان مستقبلاً القبلة.
قال: والمراد بأهل المشرق أهل الكوفة وبغداد وخورستان وفارس والعراق
وخراسان وما يتعلق بهذه البلاد.
٧١٦ - [وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللهِلَه فَبَايَعْنَاهُ
وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا، فَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلٍ طَهُورِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ
فَتَوَضَّأَ وَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ وَأَمَرَنَا، فَقَالَ: اخْرُجُوا فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ
فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ، وَانْضَحُوا مَكَانَهَا بِهَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا، فَقُلْنَا: إِنَّ الْبَلَّدَ
بَعِيدُ وَالْخَرَّ شَدِيدٌ وَالْمَاءَ يَنْشُفُ، فَقَالَ: مُدُّوهُ مِن الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا(١). رَوَاهُ
النَّسَائِيُّ].
(وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيَّ عَلِ قَالَ: خَرَجْنَا) في حال كوننا (وَفْدًا) هم الجماعة
القاصدون عظيمًا لأمر مهم (إِلَى رَسُولِ الله وَ ل﴿ فَبَا يَعْنَاهُ) أي: على الإسلام واتباع
=
(٧٤١)، والدار قطني (٢٧١/١).
(١) أخرجه النسائي (٧٠٠)، وأحمد (٢٨٤٤٥).
٢١٩
كتاب الصلاة/ باب المساجد ومواضع الصّلاة
شريعته (وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا) هي متعبد النصارى
(فَاسْتَوْهَبْنَاهُ) عطف على جميع ما قبله بسببه عنه (من) هي تبعيضية وهي وما بعدها
في محل النصب بدل اشتمال من المفعول به (فَضْلٍ طَهُورِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ
وَتَمَضْمَضَ) منه (ثُمَّ صَبَّهُ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ) هي ظرف صغير من جلد (وَأَمَرَنَا) أي:
بالخروج (فَقَالَ: اخْرُجُوا فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ، وَانْضَحُوا مَكَانَهَا بِهَذَا
الْمَاءِ وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا، فَقُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدُ وَالْحَرَّ شَدِيدٌ وَالْمَاءَ يَنْشُفُ) بالبناء
للمفعول من نشف الثوب العرق بالكسر ونشف الحوض الماء ينشفه شربه بسبب
المجاورة.
(فَقَالَ: مُدُّوهُ مِن الْمَاءِ) أي: صبوا عليه ماءً آخر (فَإِنَّهُ) أي: الماء الوارد (لَا
يَزِيدُهُ) أي: المورود (إِلَّا طِيبًا) ويجوز عكسه وهو الأولى إشارة إلى أن ما أصاب بدنه
وَل لا يطرقه تغير بل هو باقٍ على غاية كماله الذي حصل له بواسطة ملامسته لتلك
الأعضاء الشريفة فكل ما مسَّه أكسبه طيبًا (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وصححه ابن حبان وفيه
التبرك بفضلة النبي وَله ونقله إلى البلاد نظير ماء زمزم فإنه ◌َل﴾ كان يستهديه من
أمير مكة ليتبرك به أهل المدينة ويؤخذ من ذلك أن فضله وارثيه من العلماء
والصالحین كذلك.
٧١٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهُ بِنَاءِ الْمَسَجِدِ
فِي الدُّورِ، وَأَنْ يُطَيَّبَ ويُنَظَّفَ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ والتّْمِذِيُّ وابْن مَاجَه].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللّه بِبِنَاءِ الْمَسَجِدِ فِي
الدُّورِ) جمع دار وهي لغة العامر المسكون والعامر المتروك من الاستدارة؛ لأنهم كانوا
يخطون بطرف رمحهم قدر ما يريدون سكناه ويدورون حوله، والمراد به هنا المحلات
والقبائل وحكمة أمره لأهل كل محلة ببناء مسجد فيها أنه قد يتعذر أو يشق على أهل
(١) أخرجه الترمذي (٥٩٧)، وأبو داود (٤٥٥).
٢٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث
محلة الذهاب للأخرى، فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجمعة فيه فأمروا بذلك
ليتيسر لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مشقة تلحقهم، ويستثنى من
إطلاق الأمر ببنائها من قصد به الضرار فإنه يمنع.
قال البغوي: قال عطاء: لما فتح الله على عمر # الأمصار أمر المسلمين ببناء
المساجد وأمرهم ألا يبنوا مسجدين يضار أحدهما الآخر.
قال ابن العماد: ومن المضارة تفريق الجماعة إذا كان هناك مسجد يسعهم فإن
ضاق سنت توسعته أو اتخاذ مسجد يسعهم (وَ) أمر ◌َّ أيضًا بشيء آخر يتعلق
بالمسجد ويتعين المحافظة عليه وهو (أَنْ يُطَيَّبَ ويُنَظّفَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيُّ
وابْن مَاجَه) وسند حسن، وبه يعلم أنه يستحب استحبابًا متأكدًا تجمير المسجد
بالبخور خلافًا لمالك حيث كرهه، فقد كان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر
- رضي الله عنهما - على المنبر واستحب بعض السلف تخليف المسجد بالزعفران
والطيب.
وروي عنه ◌ُّ فعله، وقال الشعبي: هو سنة، وأخرج ابن أبي شيبة أن ابن
الزبير - رضي الله عنهما - لما بنى الكعبة طلا حيطانها بالمسك وأنه يستحب استحبابًا
متأكدًا أيضًا كنس المسجد وتنظيفه، وسيأتي حديث: ((عُرِضَتْ عَلَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَقَّى
الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِن الْمَسْجِدِ))(١).
وروى ابن أبي شيبة أنه يسير كان يتبع غبار المسجد بجريدة.
٧١٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلْ مَا
أُمِرْتُ بِتَشْبِيدِ الْمَسَاجِدِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لَتُرَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْتُهُودُ وَالنَّصَارَى(٢)
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(١) أخرجه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦) وقال: غريب، وابن خزيمة (١٢٩٧)، والبيهقي
(٤١١٠)، والطبراني في ((الأوسط)) (٦٤٨٩) وفي «الصغير)) (٥٤٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٤٨)، والبيهقي (٤٠٩٦).