Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كتاب الصّلاة/ باب المواقيت من خصوصياتنا، وأما بالنسبة إليهم، فكان ما عدا العشاء متفرقًا فيهم. أخرج أبو داود في (سننه)) وابن أبي شيبة في ((مصنفه)، والبيهقي في ((سننه)) عن معاذ بن جبل ﴾ قال: أخر رسول الله صلاة العتمة ليلة حتى ظن الظان أنه قد صلى، ثم خرج فقال: ((أَعْتِمُوا بِهَذِهِ الصَّلَاة فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ وَلَمْ تُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ))(١). وأخرج الطحاوي عن عبيد الله بن محمد عن عائشة: ((إن آدم لم يتب عليه عند الفجر صلى ركعتين فصارت الصبح، وفدى إسحاق عند الظهر فصلى أربع ركعات فصارت الظهر، وبعث عزيز فقيل: كم لبثت قال: يومًا فرأى الشمس فقال: أو بعض يوم فصلى أربع ركعات فصارت العصر، وغفر لداود عند المغرب فقام فصلى أربع ركعات فجهد في الثالثة؛ أي: تعب فيها عن الإتيان بالرابعة لشدة ما حصل له من البكاء على ما اقترفه مما هو خلاف الأولى به، ووقع في قصته في كلام جهلة المفسرين ما يتعين الضرب عنه صفحًا لأدائه إلى ما لا ينبغي فصارت المغرب ثلاثًا، وأول من صلى العشاء الآخرة نبينا وَل﴾)). وبهذا وما قررته في هذا وقت الأنبياء من قبلك يندفع قول البيضاوي توفيقًا بين هذا، وخبر أبي داود وغيره المذكور في العشاء، أن العشاء كانت الرسل تصليها نافلة لهم ولم تكتب على أممهم كالتهجد، فإنه وجب على نبينا ولم تجب علينا أو يجعل هذا إشارة إلى وقت الأسفار، فإنه قد اشترك فيه جميع الأنبياء الماضية والأمم الدارجة. انتهى. ووجه اندفاع الأول: إن الحديث الأخير صريح في أن أول من صلى العشاء نبينا وتمثيله بالتهجد لا يطابق ما قبله كما هو ظاهر للمتأمل. ووجه اندفاع الثاني: إنه مجرد دعوى والذي في الحديث المذكور أن آدم إنما صلى - (١) أخرجه أحمد (٢٢١١٩)، وأبو داود (٤٢١)، والطبراني (٢٣٩)، وابن أبي شيبة (٣٣٤٦). ٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث الصبح عند الفجر لا عند الإسفار فاندفع قوله: إن جميع الأنبياء والأمم اشتركوا في وقت الإسفار على ما يلزم من صلاة آدم للصبح أن غيره من الأنبياء ولا من أمهم صلاها، فلم يشترك في وقت الإسفار من ذكره، وأيضًا: فهذا إشارة إلى جميع ما سبقه فلا تخصیص إلا بدلیل. (وَالْوَقْتُ) أي: الاختياري حتى في المغرب لما مر أن وقت الفضيلة والاختيار فيها واحد، وحتى في الظهر لما مر أن الأصح عندنا بقاء وقت الاختيار فيها إلى بقاء ما يسعها. وأما الثلاثة الأخرى: فواضحة ومن أخذ منه خروج وقت الجواز فيها بما هنا فقد غفل عن الأحاديث الصحيحة الصريحة بامتداد وقت كل صلاة من الخمس إلى الأخرى ماعدا الصبح (مَا). وفي رواية فيما (بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ) قال العلماء: أي: أول أولاهما أخراهما فیکون بین الجمع بالقول. وقيل: أبان بصلاته الوقتين، وبقوله: ((ما بينهما)) والأمر قريب. وبين ابن إسحاق في ((مغازيه)) أن هذه الصلوات التي صلاها جبريل كانت صبيحة ليلة فرضها لما أسرى به، وأنه صبح بالصّلاة جامعة؛ أي: لأن الأذان لم يشرع إلا بالمدينة يعلم الرد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، نعم الحق أنه قبلها ببيان جبريل وبعدها ببيان النبي ◌َّهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والتِّرْمِذِيّ) وحسنه وصححه غيره، ورواه النسائي أيضًا، وزاد أن النبي وَّ كان خلف جبريل والناس؛ أي: المسلمون حينئذٍ خلف رسول الله وَّ في كل الأوقات؛ يعني: أنه وَالر كان متقدمًا عليهم ليبلغهم أفعال جبريل، فهم في الحقيقة مقتدون بجبريل لا بالنبي ێ. فإن قلت: کیف یقتدون به وهم لم يشاهدوه وإلا لنقل ذلك. قلت: ليس انتقاء مشاهدته قطعيًّا بل هو محتمل وبفرضه بكون النبي ٤٣ كتاب الصلاة/ باب المواقيت مصـ أعلمهم ذلك وهو كافٍ، وإذا احتمل ذلك كله لم يكن فيه دليل على صحة الاقتداء بالمقتدي. ورواية ابن إسحاق: ((فصلى به جبريل وصلى النبي ◌َّ بأصحابه» مؤولة لتوافق رواية النسائي؛ إذ هي أصح منها فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله ◌َ ل﴿ فمعنى صلاته بهم أنه كان مبلغًا لهم أفعال جبريل كما مرَّ. (الفصل الثالث) ٥٨٤ - [عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ الله ◌ِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ عُرْوَةُ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَِلَ يَقُولُ: نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْثُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ. تَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) وهو الزهري (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) خامس الخلفاء الراشدين # مع أنه منهم بلا شك؛ لأن مدته لم تطل وملكه لم يتم (أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا) صفة لمصدر محذوف؛ أي: تأخيرًا يسيرًا (فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ) بن الزبير، رضي الله عنهما: (أَمَا) حرف استفتاح (إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ) بالفتح: ظرف وبالكسر بتقدير: أعني أو كان أو حال على قبله لكونه معرفة (رَسُولِ الله وَله) أي: وعجل الصّلاة في أول يوم صلى به فصلاها في أول أوقاتها، وحذف هذا كله للعلم به من سياق إنكاره على عمر تأخيره العصر عن أول وقتها وإن كان يسيرًا؛ لأنه يزول به وقت الفضيلة. فإن قلت: كيف أنكر عروة ترك المندوب وهو لا ينكر كما صرحوا به. قلت: ذاك في الإنكار تعنف؛ إذ لا ينكر حينئذٍ إلا المجمع على تحريمه، أو ما يعتقد الفاعل تحريمه، أما الإنكار برفق فلا محذور فيه ولو في المكروه كما صرحوا به (١) أخرجه البخاري (٣٢٢١)، ومسلم (١٤١٠)، والنسائي (٤٩٣)، وابن ماجه (٧١٣)، وابن حبان (٣٦٢). ٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث أيضًا، على أن الكلام في غير المحتسب، أما هو فله أن ينكر على أئمة المساجد المندوبات الظاهرة كالجهر في السرية وعكسه، وما هنا من التأخير عن وقت الفضيلة مثله. (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ) إنما أغلظ عليه بذلك مع عظيم جلالته وحفظه وإتقانه إشارة إلى مزيد الاحتياط في الرواية؛ لئلا يقع في محذور الكذب على رسول الله صل﴾ وإن لم يتعمده. ولذلك جاء عن أبيه الزبير أنه سئل عن قلة روايته للحديث مع كونه كان ملازمًا لرسول الله ﴿ سفرًا وحضرًا في مكة والمدينة؟ فأجاب بأنه لم يترك التحديث عن رسول الله وتثير مع امتلائه منه حفظًا وإتقانًا لخشيته أن يدخل في وعيد الكذب عليه؛ لأن بعض الروايات لم يذكر فيها قيد التعمد فكأنها التي بلغته أو راعاها احتياطًا، فكذلك احتاط عمر بقوله لعروة ذلك؛ لأنه أعني: عمر كان سيد أهل زمانه فأفضلهم کما جاء في حديث گچ. (فَقَالَ عُرْوَةُ) أي: جوابًا لعمر لا ينكر عليَّ فإني في غاية التشبث لما قلته لك كيف وأنا (سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: نَزَّلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ. تَحْسُبُ) قيل: بالنون حال من فاعل، يقول: أي يقول: هو ذلك القول ونحن نحسب (بِأَصَابِعِهِ) أي: يعقده لها (خَمْسَ صَلَوَاتٍ) ويصح بالياء؛ أي: يقول ذلك حال كونه بحسب تلك المرات يعقد أصابعه، وهذا أظهر لو ساعدته الرواية، وحذف الراوي ما مر قريبًا في هذا الحديث من بيان الأوقات، قيل: لأنها كانت معلومة للمخاطب. انتهى. والذي يظهر لي أن عمر لم ينكر بيان الأوقات، وإنما استعظم إمامة جبريل للنبي ◌َ﴾ فأراد أن يستثبت في صحتها على عروة حتى تبين له سندًا في ذلك يعتمد عليه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٥٨٥ - [وَعَن عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ أَنَّهِ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي ٤٥ كتاب الصّلاة/ باب المواقيت الصَّلَاةُ، مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَى أَدَائِهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ، ثُمَّ كَتَبَ: أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إِن كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحْدِكُمْ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرتَفِعَة بَيْضَاءُ نَفِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلِ مَغِيب الشَّمْسِ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَمَنْ نَامَ فَلَ نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ(١). رَوَاهُ مَالِك]. (وَعَن عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ أَنَّهِ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ) أي: الأمر بها والسعي في إظهارها ودعاء الناس إليها (مَنْ حَفِظَهَا) عن تطرق النقص إليها بأن أحسن شروطها ومقدماتها وأركانها ومتمماتها، حتى أداها على الوجه الأكمل والحال الأفضل (وَحَافَظَ عَلَى أَدَائِهَا) أي: على أدائها في وقتها، ثم رأيت الشارح أشار إلى اتحاد هذا مع ما قبله، وليس كذلك لما علمته مما قررته (حَفِظَ دِينَهُ) لما اقتضاه الحديث الصحيح السابق إنها معيار بقية الأعمال؛ فإن حسنت حسنت وإن قبحت قبحت. (وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ) لأن من تهاون في أنفس أمواله مثلاً حتى ضاع يكون متهاونًا في غيره حتى يضيع بالأولى، فكذلك الصّلاة أنفس الأعمال البدنية وأفضلها فمن تهاون فيها وضيعها كان لغيرها أضيع (ثُمَّ كَتَبَ: أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ) أي: الأمر بصلاتها (إِن كَانَ الْفَيءُ ذِرَاعًا) أي: وقت كون الفيء قدر ذراع، فإن فيهما مصدرية والوقت مقدر قبلها في الثانية لتوقف فهم المعنى عليه، وهذا منه في محال وأزمنة يكون قدر ظل الاستواء عند الزوال ذراعًا. وأما حمله على الإطلاق فمتعذر لاختلاف ظل الاستواء وجودًا وعدمًا وطولاً وقصرًا باختلاف المحال والأزمنة كما يأتي، ومن ثم لم يعتمد على من ضبطه من الفقهاء بقدر محدود باعتبار الأزمنة دون الأمكنة (إِلَى) تستدعي مقدارًا قبلها؛ أي: (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٦)، والبيهقي في ((سننه) (٢١٨٤). ٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث ويستمر وقتها (إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ وَ) إن صلوا (الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَة بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ) مرَّ معنى ذلك (قَدْرَ) ظرف لمرتفعة؛ أي: ارتفاعها مقدار (مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنٍ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلِ مَغِيب الشَّمْسِ وَ) إن صلوا (الْمَغْرِبَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ وَ) إن صلوا (الْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ) أي: الأحمر ويستمر وقت اختيارها (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَمَنْ نَامَ) عن الصّلاة مطلقًا سيما العشاء حقيقة أو مجازًا بأن سها عنها حتى خرج وقتها (فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ) أي: فلا استرواح في أمر دنياه الذي أشغله عن عمود الإسلام وأم العبادات. وفي هذا تحريم النوم قبل الصّلاة وهو محمول عندنا على تفصيل هو أنه تارة ينام قبل الوقت وتارة بعد دخوله، ففي الثاني أنه علم وظن أن نومه يستغرق الوقت لم يجز له النوم إلا إن وثق من غيره أنه يوقظه بحيث يدرك الصّلاة كاملة في الوقت، وكذا في الأول عند جماعات من أصحابنا. وقال آخرون: لا حرمة فيه مطلقًا؛ لأنه قبل الوقت لم يكلف بها بعد (رَوَاهُ مالك) عن عمر موقوفًا عليه. ٥٨٦ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللّهِ وَِّ الظُّهر ◌ِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَاءٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامِ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَاءِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ]. (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كَانَ قَدْرُ صَلَاةٍ رَسُولِ اللهِ وَِّ الظُّهرِ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ) أي: من ظل الاستواء (إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامِ) أي: كانت صلاته عقب زوال الاستواء، وظل الاستواء الموجود حينئذٍ ثلاثة أقدام في الصيف وخمسة في الشتاء تارة وأزيد من ذلك أخرى، ونهايته في الصيف خمسة أقدام وفي الشتاء سبعة أقدام، وهذا وإن كان بالنسبة للمدينة الشريفة وما هو (١) أخرجه أبو داود (٤٠٠)، والنسائي (٥٠٧)، والبيهقي في ((سننه)) (١٧٧٨)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠٠٥٥). ٤٧ كتاب الصّلاة/ باب المواقيت على سمتها كما يعرف بتحرير ظل الاستواء في أيام الصيف والشتاء بالمدينة الشريفة على مشرفها - أفضل الصّلاة والسلام - وما هو على سمتها. ثم رأيتهم ذكروا ذلك فقالوا: مكة والمدينة من الإقليم الثاني، والظل في أوائل الصيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء، وفي نحو وسطه خمسة أقدام، وفي أوائل الشتاء في تشرين الأول خمسة أقدام أو وشيء، وفي كانون سبعة أقدام أو وشيء. وكلام ابن مسعود محمول على أنه لو كان يؤخر صلاته بعد أوائل الصيف عنها في أوائله لشدة الحر وبعد أوائل الشتاء عنها في أوائله لشدة البرد، على أن هذا التقريب خاص بمكة والمدينة وما على سمتهما من الإقليم الثاني، فلا يقاس بهما في ذلك بقية البلاد لما تقرر من اختلاف قدر الظل باختلاف الأزمنة والأمكنة، وسببه زيادة ارتفاع الشمس في السماء أو انحطاطها، فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرأس في مجراها أقرب كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرأس أبعد كان الظل أبعد؛ ولهذا كانت أظلال الشتاء أبدًا أطول من ظلال الصيف في كل مكان. وقد ذكرت في ((شرح العباب)) عن علماء الهيئة والميقات بيان سبب اختلاف البلدان في الأوقات والظل وغيرهما بما يتعين على المحصل مراجعته والإحاطة به (رَوَاهُ أبو داود والنَّسَائِي) وسنده حسن. وقال السبكي: اضطربوا في معنى حديث أبي داود: ((وَكَانَ يؤخّرٍ فِي الصَّيفِ إِلَى أَنْ يَبقَى قَدْرُ الظلِّ ثَلَاثَةَ أَقْدَامِ))(١). وفي رواية له وللنسائي: ((في الصَّيْفِ ثَلاثَةَ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ))(٢) والذي عندي في معناه أنه كان يصليها في الصيف بعد نصف الوقت، وفي الشتاء أوله، ومنه یؤخذ حد الإبراد. انتهى. (١) ذكره الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح (٤٥/٣). (٢) أخرجه أبو داود (٤٠٠)، والنسائي (٥٠٧)، والبيهقي في سننه (١٧٧٨). (باب تعجيل الصلوات) (الفصل الأول) ٥٨٧ - [عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ يُصَلِّ الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّ الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّ الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةُ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ - وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُصَلِّ الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّ الْهَجِيرَ) هي كالهاجرة: اشتداد الحر في نصف النهار، وأراد بها الظهر؛ لأنها تفعل حينئذٍ ولذا أُنث صفتها، فقال: (الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى) أي: لكونها أول صلاة ظهرت وصليت، وفائدة هذا الوصف مزيد البيان والإيضاح، فإن إطلاق الهجير على الظهر خفي لا يعرفه كل أحد. (حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ) أي: تميل وتزول عن وسط السماء إلى ناحية المغرب، وفيه أنه * كان يصليها عقب الزوال من غير أن ينتظر وصول الفيء إلى قدر الشراك ومر ما فيه مبسوطًا في أول المواقيت (وَيُصَلِّ الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ) الكائن (فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي: أُبعدها. (١) أخرجه البخاري (٧٧١ - ٥٤٧) ومسلم (١٤٩٤)، والنسائي (٤٤٩)، وأحمد (٢٠٢٩٨)، والدارمي (١٣٤٩)، والبيهقي في «سننه» (٢٢٠٦). - ٤٨ - ٤٩ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات وفي رواية: «فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِ، وَأَدْنَاهَا عَلَى أَرْبَعَة أَمْيَال، وَأَقْصَاهَا عَلَى ثَمَانِيةِ أَمْيَال))(١). وفي أخرى: ((ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ فَتُقْسَمُ ثُمَّ تُؤْكَل لَخْمَا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبٍ الشَّمسِ))(٢) (وَالشَّمْسُ) أي: الحال أن الشمس (حَيَّةُ) استعارة لبقاء لونها وقوة ضوئها، وأنه لم يدخلها التغير الظاهر بقرب غيبوبتها فكأنه جعلها لها موتًا. (وَفَسِيتُ مَا قَالَ) أي: أبو برزة (فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ) فائدة الوصف هنا نظير ما مر في الأول لما يأتي أن الأعراب كانوا لا يعرفونها إلا بالعتمة، وليس فيه تسمية العشاء عتمة التي هي مكروهة عندنا لخبر مسلم:(لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ وَهُمْ يُعْتِمُونَ))(٣) أي: بفتح أوله وضمه بحلاب الإبل؛ أي: يؤخرونه إلى شدة الظلام، فالعتمة: شدة الظلمة وتسميتها عتمة في خبر لو تعلمون ما في الصبح والعتمة لبيان الجواز، وأن النهي في خبر مسلم المذكور للتنزيه أو أنه خاطب به من لا يعرف العشاء، ولا يكره أن يقال لها: العشاء الأخيرة. وإنكار الأصمعي له غلط فقد صح الحديث به (وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا) أي: العشاء وبه أخذ أصحابنا فقالوا: يكره النوم قبلها. قال الزركشي: والظاهر أن المراد بعد دخول وقتها وقبل فعلها؛ لأن بها يتعلق الخطاب وينسب إلى التقصير بالترك. قال: ويحتمل أن الإطلاق نظرًا للعلة، وهي خشية الفوات ويؤيده إيجابهم السعي (١) أخرجه البخاري (٥٥٠). (٢) أخرجه البخاري (٢٤٨٥)، ومسلم (١٤٤٦)، وأحمد (١٧٧٣٨)، والبيهقي في سننه (٢١٧١)، والطبراني في الكبير (٤٢٩٥)، وعبد بن حميد (٤٢٨)، والحاكم (٦٥١)، والدارقطني (١٠٠٥)، وابن حبان (١٥٢٨). (٣) أخرجه مسلم (١٤٨٧)، وأبو داود (٤٩٨٦)، والنسائي (٥٤٦)، وأحمد (٤٦٧٢). ٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث على بعيد الدار، ويعلم كيفية الصّلاة ونحو ذلك قبل دخول الوقت وسبقه. إلى اعتماد هذا شيخه الأسنوي فقال: سياق كلامهم يشعر بأن المسألة مصورة بما بعد دخول الوقت، وينبغي أن يكره أيضًا قبله وإن كان بعد فعل المغرب للمعنى المذكور؛ أي: وهو خشية الفوات. ونقل الأسنوي عن ابن الصلاح واعتمده أن ذكرهم ذلك في العشاء ليس للتخصيص، بل تجري الكراهة في النوم قبل فعل غير العشاء من سائر المكتوبات؛ لأنه ربما أدى إلى فواتها، ومحل ذلك إن لم يغلبه النوم بحيث يصير لا تمييز له، وإلا فلا كراهة وأن يأمن فوت وحينئذٍ لو فرض الفوات لم يأثم به؛ إذ لا تقصير أما لو نام في الوقت ولم يأمن فوته كأن شك فيه فإنه يأثم، وإن تيقظ وأداها في الوقت لتقصيره بالنوم مع عدم أمن الفوات عند جماعة؛ لأنه لم يخاطب بها بعد. وقال آخرون: يحرم حيث لم يأمن الفوات، وإن كان قبل الوقت لما مر من وجوب السعي وتعلم الكيفية قبل الوقت؛ ولأنه ◌ّيه لم يتم قبل الفجر حتى وكل بلالاً في مراقبة الفجر فغلبه النوم حتى طلعت الشمس. ولا يعارض ذلك خبر أبي داود أن صفوان بن المعطل شكت زوجته أنه لا يصلي الصبح إلا بعد الشمس، فقال: يا رسول الله إن أهل بيت عرف لنا ذلك لا يكاد يستيقظ حتى تطلع الشمس، فقال ◌َله: "إذا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ))(١). قال الروياني: إنما قال له ذلك؛ لأنه كان مغلوب كالمغمى عليه (وَ) كان يكره (الْحَدِيثَ بَعْدَهَا) وبهذا أخذ أصحابنا أيضًا فقالوا: يكره الحديث وألحق به بعضهم الصنائع كالخياطة وغيرها بعد فعل العشاء، وعللوه بأن نومه يتأخر فيخاف معه فوات الصبح عن وقتها أو عن أوله، أو فوات صلاة الليل إن اعتادها. (١) أخرجه أحمد (١١٧٧٦)، وأبو داود (٢٤٥٩)، وأبو يعلى (١٠٣٧)، وابن حبان (١٤٨٨)، والحاكم (١٥٩٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي (٨٢٨٢). ٥١ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات وأيضًا: فإنه إذا نام عقب العشاء وقع أفضل الأعمال خاتمة عمله وربما مات في نومه. وأيضًا: فالله تعالى جعل الليل سكنًا وذلك يخرجه عن ذلك، والمراد بالحديث المباح في غير هذا الوقت، أما المكروه في غيره فهو هنا أشد كراهة وكذا المحرم. قال ابن العماد نقلاً عن النووي: ومن المحرم قراءة نحو سيرة البطال وعنترة وغيرهما من الأخبار الكاذبة. وأما الحديث في خبر أو لعذر فلا كراهة فيه، وذلك كذكر ومذاكرة علم شرعي أو آلة له وإيناس ضيف، وتعلم ما احتيج إليه كحساب وشغل فيه مصلحة له أو لغيره، ومحادثة زوجة أو قريب لحاجة كملاطفة وذلك؛ لأن هذا خبر ناجز فلا يترك لمفسدة متوهمة، وصح كان النبي ◌َّ يحدثنا عامة ليلة عن بني إسرائيل وسواء في ذلك المسافر وغيره. وخبر أحمد: ((لَا سَمَرَ إِلَّا لِمُصَلِّ أَوْ مُسَافِرٍ(١) ينبغي حمله على مسافر يحتاج للسهر، والحديث حينئذٍ ربما يعينه فهو لحاجة. قال بعض أئمتنا: وينبغي كراهة الحديث قبل فعل العشاء أيضًا بالأولى لزيادة المحذور بتأخير العشاء على القول بأفضلية التقديم. انتهى. ويرد بأن العلة مركبة من خشية فوت الصبح ووقوع أفضل الأعمال خاتمة أمره، وهذا إنما ينافي الحديث بعد فعلها لا قبله. فائدة: روى أحمد في «مسنده)) والبزار والطبراني عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله وَلَهُ: (مَنْ قَرَضَ بَيْتَ شِعْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ لَمْ تُقْبَلْ لَّهُ صَلَاةُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ) (٢) وهذا (١) أخرجه الترمذي (٢٧٣٠)، وأحمد (٣٦٠٣)، والطبراني (١٠٥١٩)، والبيهقي (١٩٦٥)، والطيالسي (٢٥٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٨/٤). (٢) أخرجه أحمد (١٧١٧٤)، والطبراني (٧١٣٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٠٨٩)، والبزار (٣٤٧٧). ٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث يقتضي كراهة ذلك كراهة شديدة، وخصه بعضهم بالشهر المذموم والمباح بخلاف مدح النبي ◌ُّه والإسلام والزهد والمواعظ والحث على الخير، وكذا تصنيف الكتب المنظومة في أنواع العلوم. (وَكَانَ يَنْفَتِلُ) أي: يفرغ (مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) أي: الصبح (حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَ) كان (يَقْرَأَ) أي: فيها (بِالسِّقِّينَ) من الآيات (إِلَى الْمِائَةِ) منها. (وَفِي رِوَايَة) للشيخين أيضًا (وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا) وكأن هذه هي الحاملة لقول جمع من أصحابنا بأن النوم والحديث المذكورين خلاف السنة، ولسنا بمكروهين لكن المعتمد كراهتهما كما مر لصريح تلك الرواية بها (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). واستفيد من هذا الحديث والأحاديث الآتية أنه يسن المبادرة بالصّلاة أول وقتها، بأن يشتغل عقب دخول الوقت بأسبابها الواجبة والمندوبة على العادة، باعتبار الأمر الوسط وذلك؛ لأنه من المحافظة عليها المأمور بها، وللإجماع عليه في المغرب، وللحديث الصحيح أنه وَ رَ سُئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: ((الصَّلاَة لأَوَّلِ وَقْتِهَا))(١) وهذا يشمل العشاء وغيره، فاستحبابه وآلامه تأخيرها كما في حديث الباب وغيره لعله کان لعذر. على أنه صحَّ عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - أنه قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصّلاة صلاة العشاء الأخيرة كان رسول الله ويله يصليها لسقوط القمر الثالثة، فعلم أن تعجيلها هو الذي واظب عليه النبي وليه وكذا الخلفاء الراشدون. وقيل: الأقوى دليلاً ما ذهب إليه أكثر العلماء من تأخيرها إلى ثلث الليل أو نصفه، ووجهه ما في الصحيحين كان يؤخر إذا رأى في الناس قلة وإلا عجل، فعلم أنه كان يعجل خشية المشقة على الجمع الكثير في الانتظار، ومن ثم صحَّ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى (١) أخرجه الترمذي (١٧٠)، وأحمد (٢٧٨٦٥)، والبيهقي في سننه (٢١٢٥)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٠٧٢٠)، والدارقطني (٩٨٥)، وأبو نعيم في ((المعرفة )) (٧٣٦٩). ٥٣ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات أُمَّتِي لِأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ)(١). وفي رواية: ((لأَّخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ)»(٢). وفي أخرى: (أَوْ نِصْفِهِ))(٣) على الشك. ورواية: «إِلَی نِصْفِهِ»(٤) بلا شك. قال النووي: منكرة وإن زعم الإمام صحتها، ورد بأن لها طرقًا ومن ثم صححها الحاكم، وصحَّ أنه أخرها إلى ما بعد الثلث. وفي رواية: ((إِلَى عَامَّةِ اللَّيلِ))(٥). ثم قال: (لَوَلَا أَنْ أَشقَّ عَلَى أُمَّتِي لَمْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا هَكَذَا» وجمع بعض أئمة أصحابنا بين الأحاديث بحمل ما يقتضي من التأخير على من لم يأمن ذلك، واستظهره النووي. وأقول: لمذهبنا من ندب تقديمها مطلقًا توجيه عندي يتعين اعتماده، وهو أن حديث النعمان نص في أفضلية التعجيل، وأما هذه الأحاديث فهي محتملة، أما تأخيره إلى الثالث أو نحوه فيحتمل أنه لعذر كما أشار إليه ابن عمر بقوله، وقد روى التأخير إلى الثلث أو نحوه، فلا ندري أي شيء شغله في أهله أو غير ذلك؟ وأما قوله: (لولا أن أشق على أمتي ... إلى آخره)) فمعناه: أن عموم المشقة بالتأخير منع من طلبه وجعل التقديم هو الأفضل مطلقًا رعاية للغالب، ومن ثم واظب عليه الخلفاء الراشدون ولا نظر لتخلف المشقة في بعض الأفراد؛ لأن الأمر إذا نيط بالمشقة لم ينظر لتخلفها في البعض فتأمل ذلك فإنه مهم. (١) أخرجه أحمد (٧٤٠٦)، والترمذي (١٦٧) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٦٩١). (٢) أخرجه ابن حبان (١٥٦٣)، وأبو يعلى في مسنده (٦٤٤١). (٣) تقدم تخريجه. (٤) لم أقف على هذه الرواية. (٥) لم أقف على هذه الرواية. ٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث وأما الخبر الصحيح الآتي: (أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ))(١). وفي رواية: (أَصْبِحُوا فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ))(٢) فمعارض بذلك وبغيره، وسيأتي خبر أن نساء المؤمنين كنَّ ينصرفن من الصبح ولا يعرفن من شدة الغلس. وروى أبو داود: (إِنهُ وَّهِ صَلَى الصُّبْحَ بِغَلَسِ، ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرِ، ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّغْلِيسَ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِر)(٣). وخبر: (أَسْفِرُوا وَأَصْبِحُوا بِالْفَجْرِ)(٤) المراد بالإسفار فيه: تحقق طلوعه فالتأخير إليه أفضل من التعجيل عند ظن طلوعه. وأما خبر: «كَانَ ﴿ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ نَقِيَّةً)(٥) فباطل. وخبر أمره وله بتأخير العصر ضعيف، كما بيَّنه البخاري وأبو زرعة وآخرون من الأئمة بعدها (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) ومحل أفضلية التعجيل حيث لا داعي للتأخير كالإبراد الآتي، وألحقوا به كل كمال لو أخَّر صلى به ولو عجل خلت صلاته عنه كأن لم تحصل الجماعة أو ستر العورة أو القيام إلا عند التأخير. وروى الشيخان: ((إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ صَلَاة المغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ)(٦). وقد يعارضه خبر أبي داود: ((لَا تُؤَخِّرُوا الصَّلَاة ◌ِطَعَامٍ وَلَّا غَيْرِه)»(٧) إلا أن يجاب (١) أخرجه الترمذي (١٥٤) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٧٧٤٢)، والطبراني (٤٢٨٣)، وابن أبي شيبة (٣٢٤٢)، وابن حبان (١٤٩٠)، والبيهقي (١٩٨٩)، والنسائي (٥٤٨)، والبزار (١٣٥٦). (٢) أخرجه أحمد (١٧٢٩٦)، وأبو داود (٤٢٤)، والترمذي (١٥٤)، وابن ماجه (٦٧٢)، وابن حبان (١٤٨٩)، والطبراني (٤٢٨٥). (٣) أخرجه أبو داود (٣٩٤). (٤) تقدم تخريجه. (٥) أخرجه أبو داود (٤٠٨)، وأبو نعيم في ((المعرفة)) (٤٤١٨). (٦) أخرجه البخاري (٦٤١)، ومسلم (٥٥٧)، وابن حبان (٢٠٦٦)، وأبو يعلى (٣٥٧٧)، والطبراني في الأوسط (١٨٨٠). (٧) أخرجه أبو داود (٣٧٥٨)، والديلمي (٨٠٢٥). ٥٥ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات بأن الأول أصح فقدم أو بأن الأولى يحمل على لقم يسيرة يكسر بها شهوة توقانه، والثاني على ما زاد على ذلك. ٥٨٨ - [وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَن بَنِ عَلَيّ قَالَ: سَأَلْتِ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله عَنْ صَلَاةِ النَّبِّ ◌َ﴿ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّ الظّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَيٍ(١). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَليَّ قَالَ: سَأَلْتِ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّ الظّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ) مرَّ تفسيرها في الحديث الأول (ق) كان يصلي (الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) مر معناه ثم أيضًا (وَ) كان يصلي (الْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ) أي: سقطت الشمس المعلومة من السياق وسقوطها بغيبوبة جمعها (وَ) كان يصلي (الْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّدَ)ـها (وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ) ها، ومرَّ معنى هاتين الجملتين وهما حالان من فاعل يصلي المقدر؛ أي: معجلاً عند الكثرة مؤخرًا عند القلة، أو من مفعوله المذكور؛ أي: حال كونها معجلة عند الكثرة مؤخرة عند القلة. ونظيره قوله تعالى: ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ ... ﴾ [الأعراف: ١٧٦] أي: مثله كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة (وَ) كان يصلي (الصُّبْحَ بِغَلَسٍ) أي: في وقت ظلمة آخر الليل المختلطة بضوء الصباح، وذلك بُعيد طلوع الفجر، واستفيد منه نظير ما مر في الذي قبله من ندب التعجيل بالصّلاة أول الوقت ومر الكلام فيه آنفا مستوفيًا (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٥٨٩ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ◌َ بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتَّقَاءَ الْحَرِّ(٩). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ وَلَفظهُ للبُخَارِيِّ]. (١) أخرجه البخاري (٥٦٥)، ومسلم (١٤٩٢)، وأبو داود (٣٩٧)، والنسائي (٥٣٢)، والبيهقي في (سننه)» (٢١٢٧). (٢) أخرجه البخاري (٥٤٢)، والترمذي (٥٨٧)، والنسائي (١١٢٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٢١٥٥). ٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث (وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِالظَّهَائِرِ) جمع ظهيرة مرادًا بها الظهر، وجمعت لإرادة ظهر كل يوم (سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا) أي: الغير الملبوسة لنا بأن نفرشها لما يأتي في مبحث السجود، إنه يمتنع على ملبوس للمصلي يتحرك بحركته (اتَّقَاءَ الْحَرِّ) أي: لأجله. فإن قلت: ما وجه مطابقته لترجمة الباب؟ قلت: بوجه بأن شدة الحر إنما توجد عقب الزوال، فاتقاؤهم إياها بفرش ثيابهم يدل على أنه * كان يعجلها في أول وقتها، وإذا سن ذلك فيها مع هذه المشقة الشديدة التي أوجبت اتقاء الحر بما ذكر؛ فلأن يسن في غيرها من بقية الصلوات التي ليس فيها نظير ذلك بالأولى فتأمله. فإن قلت: تعجيله ◌َله في شدة الأمر منا في أمره الآتي بالإبراد. قلت: لا ينافيه؛ لأن الإبراد له شروط تأتي فلعل بعضها فقد هنا ويفرض وجودها بكون عجل بيانًا لعدم وجود الإبراد (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ وَلَفظهُ للبُخَارِيِّ). ٥٩٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا اشْتَدَّ الْخَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ. وَفِي رِوَايَة للبُخَارِيِّ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْخَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسِ فِي الصَّيْفِ، أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ فِي الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ. وَفِي رِوَايَة للبُخَارِيِّ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِالظُّهْرِ) أي: ادخلوها في وقت البرد فالباء للتعدية والأمر للندب، فيسن تأخير الظهر حتى يبقى للحيطان ظل يمشي فيه قاصد الجماعة (١) أخرجه البخاري (٥٣٦)، مسلم (١٤٢٦)، وأحمد (٧٤٤٨)، وابن ماجه (٧٢٣)، وابن حبان (٣٧٥)، والبيهقي في «سننه» (٢١٣٩)، والدارمي (١٢٥٣)، والحميدي (٩٨٨)، والطبراني في (الكبير)) (١٣٩). ٥٧ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات إلى محلها ولو غير مسجد، وقاصد المسجد إليه ولو منفردًا ولا يجاوز به نصف الوقت خبر به. وشرط ندبه أن يكون في شدة الحر ويقطر حار كالحجاز لا معتدل كمصر أو بارد كالشام، وأن يقصد الصّلاة مع جمع بعيد محلهم ولو غير مسجد عنه بأن يجد في الذهاب إليهم في الحر مشقة تذهب الخشوع أو كماله، ولا أثر لجمع قريب منه محلهم أن يميز إمام البعيدين بنحو فقه أو ورع أو جماعتهم بكثرة أو محلهم بطيب مال نائبه أو مشتريه، ويقوم مقام البعد في السفر لشدة المشقة فيه. فيسن للمسافرين الإبراد وإن قربت منازلهم، ويسن لإمام المسجد الذي به وغيره ممن به التأخير لحضور المبردين تبعًا لهم، فإنه ◌َّلة وأهل الصفة كانوا يبردون مع كونهم في المسجد ولا يسن لهم الصّلاة أول الوقت، ثم مع المبردين؛ لأن صلاتهم أوله يفوت سنة الإبراد بقصد أكثر الناس حيازة فضيلة أوله وإن شق عليه، ولا يسن الإبراد بالجمعة؛ لأنه يكون عرضة لفواتها غالبًا. وإبراده وَله بها إما لكونه أمن من الفوات، أو لبيان الجواز ولا بالأذان، وحمل أمره ◌َله بالإبراد به على ما إذا علم من حال السامعين حضورهم عقبه؛ ليندفع عنهم المشقة أو على أن المراد به الإقامة للتصريح بها في رواية، لكن في أخرى ما يصرح بأن المراد الأذان. (فَإِنَّ) الفاء: مفيدة أن ما بعدها علة لما قبلها ومن ثم قال أصحابنا أخذًا من ذلك الحكمة في ندب الإبراد بالظهر: إن الصّلاة في شدة الحر والمشي إليها يسلب الخشوع أو كماله، فهو كمن حضره طعام يتوق إليه أو دافعه الخبث، فإن الأفضل له التأخير وإن فات أول الوقت، وما في مسلم مما يخالف ندب الإبراد منسوخ كما بينه البيهقي وغيره. ومن زعم أن التأخير للإبراد رخصة إن أراد أنه رخصة مباحة، فهو غالط المخالفة الأمر به وأن فيه تغيرًا إلى سهولته وأنه رخصة مندوبة فمصيب، وقد يكون فعل الرخصة أفضل كالقصر بشرطه (شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْح) بفاء فتحتية فمهملة (جَهَنَّمَ) ٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث أي: من سطوع حرها وغليانها وانتشار لهبها؛ إذ الفيح: الوسع، والأفيح: الواسع، وقيل: أصله الواو من فاح یفوح فهو فیح کھان یهون فهو هین ثم خفف. (وَاشْتَكَتِ الثَّارُ) جملة مبينة وإن اقترنت بالواو على حد قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ﴾ بعد ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةَ﴾ [البقرة: ٧٤] لأن كون شدة الحر من فيح جهنم أمر حقيقي لا مجازي؛ لأنه ينشأ عن أحد النفسين الآتيين (إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا) الظاهر أن هذا حقيقة عملاً بالقاعدة المقررة أن ما ورد في الكتاب أو السنة ولم يحل العقل ظاهره إلا إذا ورد دليل يصرفه عنه. وبهذا يرد قول البيضاوي: اشتكاؤها مجاز عن كثرتها وغليانها وازدحام أجزائها بحيث يضيق عنها مكانها فيسعى كل حر في إفتاء الخبر والاستيلاء على مكانه (فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ) أي: فيهما ونفسها لهبها وخروج ما يبرز منها فهو شبيه بنفس الحيوان؛ إذ هو الهواء الدخاني الذي تخرجه القوة الحيوانية وتنقي منه ما حوالي القلب (نَفَيٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، أَشَدُّ) بدل تفصيل لما قبله أو خبر مبتدأ محذوف أو عكسه؛ أي: نفسها في الصيف أشد ... الخ نفسها في الصيف، وكذا يقال في وأشد ... إلخ. (مَا تَجِدُونَ فِي الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِبِرِ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ). ٥٩١ - [وَ فِي رِوَايَة للبُخَارِيِّ: فَأَشَدَّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْخَرِّ فَمِنْ حُمُومِهَا، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ فَمِنْ زَمْهَرِيرِهَا]. (وَفِي رِوَايَة للبُخَارِيِّ: فَأَشَدَّ مَا) موصوفة أو موصولة، ولذا لما أضيف إليها أشد دخلت الفاء في خبره لشبه الموصولة بالشرط في العموم فدخلت الفاء في حيزه كما تدخل في جواب الشرط (تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ فَمِنْ حُمُومِهَا، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ فَمِنْ زَمْهَرِيرِهَا) وهو أحد طباقها، وكان حكمة الإذن لها في هذين النفسين الإعلام بشدة عذاب الله تعالى لتنزجر العصاة عن فعل ما يوصلهم إليه، كما جعلت المستلذات المتنوعة في هذا العالم مذكرة بنعيم الجنة؛ ليزداد شوق الناس إليها ويكثر أعمالهم ٥٩ كتاب الصّلاة/ باب تعجيل الصلوات الموصلة لهم إلى نعيمها. قال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ رَّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة: ٢٥]. ٥٩٢ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ تَحْوِهِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَنَسِ فَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّه ◌َ يُصَلِّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةُ حَيَّةُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ) ومرَّ أن في رواية: أدناها على أربعة أميال وأقصاها على ثمانية أميال (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٥٩٣ - [وَعَنْه ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتْ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً (٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْهُ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَل﴾: تِلْكَ) أي: الصّلاة الحاضرة في الذهن وهي العصر المؤخرة عن أول وقتها إلى قبيل الغروب عملاً بلا عذر، ولم يصرح بها لعلمها من السياق؛ ولأنها لكونها أفضل الصلوات؛ لأنها الوسطى على الأصح عندنا وعند أكثر العلماء المرادة من قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاة الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] يتبادر الذهن إليها بأدنى قرينة. (صَلَاةُ الْمُنَافِقِ) ((أل)) فيه للجنس؛ أي: تأخيرها المذكور شأن كل منافق، فإنهم (١) أخرجه البخاري (٥٥٠)، ومسلم (١٤٣٩)، وأحمد (١٣٦٧٧)، وابن ماجه (٧٢٨)، والبيهقي في («سننه» (٢١٥٩)، وابن حبان (٣٨٦). (٢) أخرجه مسلم (١٤٤٣)، والترمذي (١٦٠)، وأحمد (١٢٣٢٥)، والنسائي (٥١٥)، والبيهقي في (سننه» (٢١٧٥). ٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثالث لكونهم لا يعتقدون حقيقة الصّلاة وإنما يفعلونها لدفع السيف عنهم لا يبالون بتأخيرها، وإن فات به الثواب لما علم مما تقرر أنهم لا يطلبون فضيلة ولا ثوابًا، وفي هذا غاية تحذير المؤمنين عن أن يتشبهوا بفعلهم المبين بقوله وَله: (يَجْلِسُ) بيان للجملة قبله كما تقرر ويجوز أن يكون حالاً. (يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتْ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ قَامَ) إذا: ظرف بدل اشتمال من المفعول به وهو الشمس، وحتى: زائدة؛ أي: يرقب وقت اصفرارها وتوسطها بين قرني الشيطان، وعليه فقام استئناف أو شرطية وقام جزاؤه والجملة استئنافية (فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا) من الركعات؛ أي: لم يطمئن في ركوعها ولا سجودها، وأصل النقر: التقاط الطائر الحبة بسرعة شبه به عدم الطمأنينة في الصّلاة بجامع الاستعجال المفرط (لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا) ذكرًا يعتد به لخلوه عن الإخلاص بل وعن اعتقاد أصل معناه. (إِلَّا قَلِيلاً) الظاهر أنه منفصل؛ أي: لكنه في زمن قليل يذكر الله فيها بلسانه فقط، وفي هذا غاية التحذير من التشبه بفعل المنافق، هذا الذي هو تأخير العصر عملاً بلا عذر إلى قبيل الغروب، ثم تأديتها على كيفية يقتضي بطلانها من أصلها لعدم إتيانه بأركانها أو بطلان ثوابها لاستعجاله وعدم حضور قلبه فيها، ولما كانت العصر تأتي في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم وحرصهم على تمام قضاء أشغالهم كان في أدائها على النفس من الشدة والمكابدة ما ليس في غيرها، وهذا هو السبب في اختصاصها بكونها الوسطى وكانت حقيقة بأن يحذر الناس من التهاون فيها، فإنه يؤدي إلى التشبيه بالمنافقين والخروج عن سنن المرسلين (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٥٩٤ [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (١) أخرجه مالك (٢١)، والبخاري (٥٥٢)، ومسلم (١٤٤٨)، وأبو داود (٤١٤)، والترمذي (١٧٥)، والنسائي (٥١٦)، وابن ماجه (٧٣١)، وأحمد (٤٦٤٤)، والدارمي (١٢٧٧)، والطبراني (٢٠١)، والبيهقي في «سننه» (٢١٧٩)، وابن حبان (٣٣١). وتر: سلب وأخذ ونقص.