Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب الطّهارة/ باب سنن الوضوء
الْوَلْهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ)(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، لأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ
خَارِجَةً، وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِنًا).
(وَعَنْ أَبِيّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَال لَهُ: الْوَلَهَانِ)
أصله مصدر من وله يوله ولهًا ولهانا وهو ذهاب العقل والتحير في شدة الوجد، سُمي به
شيطان الوضوء لشدة حرصه على الوسوسة فيه المؤدية كثيرًا إلى فساده، وفساد عقل من
أصغى إليه فيها، فهو يلقي الناس بها في مهواة الحيرة حتى يرى صاحبها كأبله الذاهب
العقل الذي لم يبق له تصور يحكم به على شيء، وإنما الشيطان يلعب به ويسخر منه
كيف شاء، فهو بمعنى اسم الفاعل أو باقٍ على مصدريته کرجل عدل، مبالغة فیما ذکر
من شدة حرصه على إيقاع الناس في الحيرة أو شدة وقوعهم به فيها، فكأنه المحير لهم.
(فَاتَّقُوا) ذلك الولهان الذي هو (وَسْوَاس الْمَاء) أو وسواس الولهان فوضع موضعه
الماء لشدة ملازمته له، وإضلاله بسخفاء العقول المصغين إلى وسوسة فيه أو فيما يرتبط
به.
والحاصل: أن الإصغاء إليه يؤدي إلى فساد الأديان والعقول، وناهيك بهذين
اللذين اتفقت الملل كلها على وجوب حفظهما والاعتناء بتكميلهما؛ إذ هما مناط كل
كمال وعنوان كل جمال (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ
وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ خَارِجَةً، وَهُوَ
لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِنًا) الحفاظ الجهابذة النقاد.
٤٢٠ - [وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴿ه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهَ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ
بِطَرَفِ ثَوْبِهِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(١) أخرجه أحمد (٢١٢٧٦)، والترمذي (٥٧)، وابن ماجه (٤٢١)، والطيالسي (٥٤٧)، وابن أبي الدنيا
في المكائد (٢٩)، وابن خزيمة (١٢٢)، والحاكم (٥٧٨)، وأبو نعيم في المعرفة (٧٥٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٥٤)، والبيهقي (١١٦٣).

٢٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾ قال: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌ِهِ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفٍ
تَوْبِهِ) هذا إن صح كالذي بعده محمول على أنه لعذر أو لبيان الجواز؛ لأن ميمونة
= رضي الله عنها - أتته بعد وضوئه بمنديل ليمسح به أعضاؤه فرده، وجعل ينفض الماء
بیدیه.
ومن ثم قال أصحابنا: يسن للمتوضئ والمغتسل ترك التنشيف للاتباع، نعم
يندب في الميت ويعذر كأن هبت ريح بنجس، أو ألمه نحو بردًا، وكان يتيمم وإذا أراد
التنشيف، فالأولى لحامل المنشفة أن يقف على يمينه، بخلاف الذي يصب الماء، فإن
الأولى له الوقوف على اليسار، رعاية للأمڪن فيهما ويؤخذ من نفضه ول﴿ ليديه أن
النفض، وقيل: يكره، وقيل: خلاف الأولى ورجح (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وضعفه.
٤٢١ - [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَت لِرَسُولِ اللهِ وَ خِرْقَةٌ
يُنَشِّفُ بِهَا أعضاءه بَعْدَ الْوُضُوءِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَائِمِ، وَأَبُو
مُعَاذِ الرَّاوِي ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَتْ لِرَسُولِ الله ◌ِ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا
[أعضاءه](٢) بَعْدَ الْوُضُوءِ. رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ) الإسناد
(وَأَبُو مُعَاذٍ الرَّاوِي) له (ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ).
(الفصل الثالث)
٤٢٢ - [عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِيِ صَفِيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لَأَبِي جَعْفَرٍ هُوَ مُحمَّدُ الْبَاقِرُ
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - حَدَّثَكَ جَابِرٌ ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، ومَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ،
وَثَلاثًا ثَلاثًا، قَالَ: نَعَمْ(٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه].
(عَنْ تَابِتٍ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي جَعْفَرِ) الصادق (هُوَ مُحمَّدُ الْبَاقِرُ
(١) أخرجه الترمذي (٥٣).
(٢) سقطت من الأصل، وهذا المثبت في المشكاة.
(٣) أخرجه الترمذي (٤٥)، وابن ماجه (٤٤٤).

٢٨٣
كتاب الطّهارة/ باب سنن الوضوء
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - حَدَّثَكَ جَابِرُ ه أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ْ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، ومَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ،
وَثَلاثًا ثَلاثًا، قَالَ: نَعَمْ) وهذا من أحد طرق الرواية أن يقول التلميذ للشيخ: حدثك
فلان عن فلان وهكذا، والشيخ يسمع فإذا فرغ قال: نعم فهو بمنزلة قول الشيخ:
حدثني فلان إلى آخره، والتلميذ ساكت (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه) وسنده حسن.
٤٢٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ:
هُوَ نُورٌ عَلَى نُورٍ (١)].
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ زَيْدٍ ﴾ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنٍ، وَقَالَ: هُوَ)
أي: فعل المرة الثانية بعد الأولى (نُورٌ عَلَى نُورٍ) لأنه سنة بعد فرض، وفي كل مزيد ثواب
وكراهة ما دون الثلاث السابقة، الظاهر أن الاقتصار هو المكروه؛ لأن الفعل نفسه
مكروه نظير ما قالوه في الإيثار بواحدة فقط، وإذا كانت الكراهة إنما هي من حيث
الاقتصار، فلا ينافي ما صرح به هذا الحديث من الثواب في الثانية.
٤٢٤ - [وَعَنْ عُثْمَانَ ﴾ قَالَ: إِنّ رَسُولَ الله ◌َ تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا، وَقَالَ: هَذَا
وُضُوِئِي، وَوُضُوءُ الأنبياء قبليٍ، وَوُضُوءُ إِبْرَاهِيمَ(٢). رَوَاهُمَا رَزِين، وَالنَّوَوِيّ ضَعَّفَ الثَّانِي
في ((شَرْح مُسْلِم»].
(وَعَنْ عُثْمَانَ ﴾ قَالَ: إِنّ رَسُولَ اللهِ وَ تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا، وَقَالَ: هَذَا وُضُوِي
[وَوُضُوءُ الأنبياء قبلي)](٣) وَوُضُوءُ إِبْرَاهِيمَ. رَوَاهُمَا رَزِين، وَالتَّوَوِيّ ضَعَّفَ الثَّانِي فِي ((شَرْح
مُسْلِم))) وقضية كلام غيره أن سنده حسن، وقد أخرجه الطبراني وابن ماجه من حديث
أبي بن كعب ه وأحمد وَالدارقطني والطبراني من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما.
وقد صحَّ في ((البخاري)) وغيره أن إبراهيم وسارة توضاً وصليا، وأن جريحًا توضأ
وصلى، وهذا صريح في أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة خلافًا لمن زعمه، نعم
(١) ذكره ابن الأثير في جامع الأصول (٥١٧٠).
(٢) أخرجه بنحوه البيهقي (٣٨٤).
(٣) سقطت من الأصل، وهذا المثبت في المشكاة.

٢٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الذي اختصوا به الغرة والتحجيل كما مر أوائل باب الطهارة.
٤٢٥ - [وعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَ ◌ّهِ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَكَانَ أَحَدُنَا
يَكْفِيهِ المَاءِ ما لَمْ يُحْدِثْ(١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َيْهِ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَكَانَ أَحَدُنَا يَكْفِيهِ
المَاء ما لَمْ يُحْدِثْ. رَوَاهُ الدَّارِييُّ) وسنده حسن، وقضيته أنه كان واجبًا عليه ◌َّه لكل
صلاة دون أمته، ثم نسخ في حقه کما يدل عليه الحدیث الآتي.
٤٢٦ - [وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ قَالَ: قُلْتُ لعُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ ﴾: ((أَرَأَيْتَ وُضُوءَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ عَمَّن
أَخَذَهُ؟ فَقَالَ: حَدَّثَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي
عَامِرِ الْغَسِيلِ حَدَّثَهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ كَانَ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ
طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَوُضِعَ عَنْهُ
الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ اللّه يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُهُ حَتَّى
مَاتَ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَخْتِى بْنِ حَبَّانَ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (قَالَ: قُلْتُ
لِعُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﴾: أَرَيْتَ وُضُوءَ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا
كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ عَمَّنِ أَخَذَهُ؟ فَقَالَ) عبيد الله (حَدَّثَتْهُ) أي: أباه عبد الله بن عمر
(أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابٍ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرِ الْغَسِيلِ) بالجر
صفة لحنظلة ه سُمي بذلك؛ لأنه قتل يوم أحد جنبًا فغسلته الملائكة.
(حَدَّثَهَا) أي: قالت أسماء لعبد الله: حدثني ابن حنظلة (أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِ
كَانَ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ الله ◌ِ
أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) وفيه فضيلة عظيمة من فضائل السواك حيث أقيم مقام
(١) أخرجه الدارمي (٧٤٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٦٠٣).

٢٨٥
كتاب الطّهارة/ باب سنن الوضوء
ذلك الوضوء الواجب (وَوُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ) أي: وجوبه لكل صلاة ([إِلَّا مِنْ حَدَثٍ.
قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ اللّه يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُهُ)(١) حَتَّى مَاتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ)
وسنده حسن.
ومر أن تجديد الوضوء سنة إذا صلى بالأول صلاة ما فإن قلت: ظاهر سياق هذا
الحديث أن ابن عمر ما أخذ وضوءه لكل صلاة إلا من فعله وَ ل# لذلك قبل النسخ،
وتأسيه به في ذلك يدل على أن مشروعية ذلك، ونسخه عام فيه وَله وفي أمته، وحديث
الدارمي السابق يدل على خلاف ذلك كما مر، قلت: يؤخذ من حديث الدرامي لكونه
صريحًا أن ابن عمر لم يأخذ ذلك من هذا الحديث، بل من حثه ◌َاو أمته على الوضوء
لكل صلاة بقوله: ((من توضأ على طهر كتبت له عشر حسنات))(٤) ومن ثم يسن لكل
أحد أن يفعل ما كان يفعله ابن عمر.
٤٢٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّ
مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟)). قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفُّ؟ قَالَ:
(نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرِ جَارٍ))(٣). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهِ].
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِ مَرَّ
بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ) أي: فأسرف سعد في وضوئه، إما فعلاً كأن زاد على الثلاث أو
نقص عنها، أو ما كان زاد في استعماله على الحاجة، وسياق الحديث يدل على هذا الثاني.
(فَقَالَ: ((مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟)) قَالَ) سعد (أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ
كُنْتَ عَلَى نَهَرِ جَارِ) أي: وإن كنت فيما لا يتصور فيه ذلك، وجاء في الحديث الصحيح
أنه وَل﴿ كان يغسله الصاع ويوضئه المد والصاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث
(١) سقطت من الأصل، وهذا المثبت في المشكاة.
(٢) أخرجه الترمذي (٥٩) وقال: هذا إسناد ضعيف. وابن أبي شيبة (٥٣)، وأبو داود (٦٢)، وَابْنُ
ماجه (٥١٢)، وابن جرير (١١٥/٦)، وعبد بن حميد (٨٥٩).
(٣) أخرجه أحمد (٧٢٦٣)، وابن ماجه (٤٦٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٦٦٨).

٢٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
بالبغدادي، ورطل بغداد مائة وأربعة أسباع درهم على الأصح، فيسن للإنسان ألَّا يزيد
على مد، لكن إن كان بدنه قريبًا من بدنه وليه في الليونة والاعتدال وإلا زيد أو نقص
بالنسبة، ويصح الوضوء بدون ذلك إن أسبغ؛ لأنه ﴿ ﴿ توضأ بثلثي مد (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ
مَاجَه) وسنده حسن، وفيه دليل لقول أئمتنا: يكره السرف في الوضوء ولو على نهر.
٤٢٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ
وَذَكَرَ اسْمَ اللهِ، فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ جَسَدَهُ كُلَّهُ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله لَمْ يَظْهُرْ إِلَّا
مَوْضِعَ الوُضُوءِ(١)].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ
اسْمَ اللهِ، فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ جَسَدَهُ كُلَّهُ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله لَمْ يَظْهُرْ إِلَّ مَوْضِعَ
الوُضُوءِ) والظاهر أن هذا كناية عن البركة في الطهر المعنوي، فبالتسمية تزيد بركته
حتى تعم البدن كله ظاهره وباطنه فينور قلبه ويكمل صلاته، وبعدمها ينعدم بركته
فيكون مقتصرًا على محال أعضائه فقط.
٤٢٩ - [وَعَنْ أَبِيِ رَافِعِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ وَ إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلاَةِ حَرَّكَ
خَاتَمَهُ فِي إِصْبعِهِ (٢). رَوَاهُمَا الدَّرَاقُطْنِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَه الأَخِيْرَ].
(وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ حَرَّكَ خَاتَمَهُ فِي
إِصْبعِهِ) ومنه أخذ أئمتنا أنه يسن تحريك الخاتم هذا إن وصل الماء لما تحته من غير
تحريك، وإلا وجب تحريكه (رَوَاهُمَا الدَّرَاقُظْنِيُّ) وسندهما حسن (وَرَوَى ابْنُ مَاجَه
الأَخِيرَ).
(١) أخرجه بنحوه البيهقي (٢٠١)، والدارقطني (٢٣٨).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٨٥)، والدارقطني (٣٢٠)، والطبراني (٩٤٩).

(باب الغسل)
هو لغة: سيلان الماء على البدن.
وشرعًا: سيلانه عليه مع التعميم بالنية، وهو بفتح العين وضمها مصدر عند أکثر
أهل اللغة، وبعضهم فرق فقال: هو بالفتح مصدر، وبالضم الاسم.
وبعضهم قال: المضموم مشترك بين الفعل وماء الغسل، وسيأتي في الحديث:
((وضعت للنبي (وَل﴾ غسلاً))(١) فهو كالأكل بضم الهمزة؛ أي: المأكول، ويسمى ماء الغسل
أيضًا مغسولاً ومغتسلاً، ويقال: بالكسر لما يغسل به من سدر ونحوه.
(الفصل الأول)
٤٣٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا
الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ)(٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وََّ: قَالَ: إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ)
أي: يديها ورجليها أو رجليها وشفريها، ورجح الثاني بأنه يتناول سائر هيئات الجماع
بخلاف الأول، فإنه يوهم التخصيص بهيئة الاستلقاء، وبأنه لا قبح في ذكر الرجلين
واليدين فلو أريدت لم يكن عنها بخلاف الشفرين، فإنه يستقبح ذكرهما، فكنى
بالشعب لأجلها.
(ثُمَّ جَهَدَهَا) أي: جامعها بأن أدخل تمام الحشفة إلى ما لا يظهر عند جلوسها
على قدميها من فرجها، كما أشارت عائشة - رضي الله عنها - إلى ذلك في الحديث
الصحيح بقولها عنه ◌َله: ((إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٨٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٤٨)، وأحمد (٧١٩٧)، وابن أبي شيبة (٩٣١)، والنسائي (١٩)،
وابن ماجه (٦١٠)، والدارمي (٧٦١)، وأبو عوانة (٨٢٤)، وابن حبان (١١٧٨)، والبيهقي (٧٤١).
- ٢٨٧ -

٢٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الغسل)»(١).
وسيأتي معنى تماسهما، والجهد بالفتح من أسماء النكاح من الجهد الذي
هو المبالغة، وبلوغ الغاية؛ لأن الجماع يستدعي ذلك غالبًا، وكنى به عند استحياء
من ذكره؛ إذ التلفظ بما يستحي منه شأن الأكابر إلا إذا خفت الضرورة إلى
ذكر ذلك القبيح بلفظه، فقد يتفوهون به حينئذ كما وقع له وَّله بقوله: ((لَعَلَّكَ
قَبَّلْتَ، أَوْ لَمَسْتَ))(٢) وهو لا يلتوي عن كونه زنا، فلما أن رأى ◌َّ﴾ أنه كرر
عليه ذلك أربع مرات، وهو لا يرجع قال له: ونكتها، قال: نعم، قال: اذهبوا
فارجموه.
(فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ) عليهما (وَإِنْ لَمْ يُنْزِل) وإلا أنزلت هي، وعلى هذا جمهور
العلماء من الصحابة فمن بعدهم ذهب جمع من الصحابة وغيرهم إلى أنه لا يجب
الغسل بمجرد إيلاج الحشفة، بل لا بد من إنزال المني للخبر الآتي: ((إنما الماء من
الماء)(٣) ورد بأنه منسوخ كما صرح به أبي بن كعب له بقوله: كان الماء من الماء شيء
في أول الإسلام، ثم ترك ذلك بعده وأمرنا بالغسل إذا مس الختان الختان؛ أي: حاذاه،
وإلا فحقيقة المس غير شرط؛ إذ تلك المحاذاة توجد بدخول تمام الحشفة للفرج، فلم
يشترط غیره.
وذكر الختان جرى على الغالب؛ إذ يجب بإيلاج ذكر لا حشفة له ولو مبانًا في
دبر ولو لبهيمة كسمكة ميتة، وإن كان عليه حائل كثيف، وإن كان بلا قصد ولا
اختيار؛ لأنه في معنى المنصوص عليه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٤٣١ - [وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِنَّمَا الْمَاءُ مِن الْمَاءِ). رَوَاهُ
-
(١) أخرجه مسلم (٣٤٩)، وابن أبي شيبة (٩٢٩)، وأبو يعلى (٤٩٢٦)، وابن خزيمة (٢٢٧)، والبيهقي
(٧٤٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٢٩).
(٣) أخرجه مسلم (٣٤٣).

٢٨٩
كتاب الطّهارة/ باب الغسل
مُسْلِمْ. قَالَ الشَّيْخُ الإِمامُ مُحِي السُّنَّةِ، رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا مَنْسُوخُ (١)].
(وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلهَ: إِنَّمَا الْمَاءُ) أي: إنما يجب الغسل
بالماء الطهور (مِن الْمَاءِ) أي: من المني قال فيهما للعهد الذهني (رَوَاهُ مُسْلِمْ، قَالَ الشَّيْخُ
الإِمامُ مُحِي السُّنَّةِ، رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا مَنْسُوٌ) أي: بحديث أَبي السابق وغيره.
٤٣٢ - [وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: ((إِنَّمَا الْمَاءُ مِن الْمَاءِ) فِي الاحْتِلامِ.
رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ))].
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) حديث (إِنَّمَا الْمَاءُ مِن الْمَاءِ) مؤول بأنه
وارد (في الاحْتِلامِ) واعترض بأن حديث مسلم صريح في خلافه، وهو قول أبي سعيد
الخدري: خرجت مع رسول الله وَل﴾ يوم الاثنين إلى قباء حتى إذا كنا في بني سالم،
وقف رسول الله و لم على باب عتبان وصرخ به فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله صل:
((أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن، ماذا عليه؟ قال رسول الله وَله: ((إنما الماء
من الماء))(٢).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَم أَجِدْهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ))) خلافًا لما يوهمه كلام ((المصابيح))
أنه في أحدهما.
٤٣٣ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ الله،
إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْبِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: ((نَعَم، إِذَا
رَأَتِ الْمَاءَ)) فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَتَخْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ
تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَلِمَ يُشْبِهُهَا وَلَّدُهَا؟)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ(٣)].
(وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَتْ أَمُّ سُلَيْمٍ) أم أنس - رضي الله
(١) أخرجه مسلم (٣٤٣)، وأحمد (٢٣٥٧٨)، وأبو داود (٢١٧)، والترمذي (١١٢) والنسائي (١٩٩)،
وابن ماجه (٦٠٧)، والطبراني (٣٨٩٤).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (١٣٠)، ومسلم (٧٣٦)، وأحمد (٢٧٢٦٠).

٢٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
عنهما - واسمها سهلة أو رسلة أو رميثة بالمثلثة أو مليكة أو غميصا أو الرميصا
والخمسة بالتصغير، والأولان منهما بالراء: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَخْبِي) يباين
على الأصل ويجوز حذف الأولى التي هي العين تخفيفًا، ويجوز في اسم فاعله مستحي
بوزن مستفعل، ومستحي بوزن مستفع ومستح بوزن مستف، والحياء بالمد تغير
وانكسار لخوف ما يعاب أو يذم، والمراد هنا لازمه لاستحالته في حقه تعالى، ففيه
استعارة تبعية تمثیلیة، ومثله خبر: «إن الله حتێ کریم، يستحي إذا رفع العبد يديه أن
يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا)(١).
(مِنَ الْحَقِّ) قالته اعتذارًا بين يدي ما سنذكره مما لا يسمح جبلتهن بذكره لا
سيما بحضرته وي﴾ أي: لا يمتنع من بيانه امتناع الحبي منا، ومن جملة ما بيَّنه لنا أن
الحق ليس مما يستحي عن السؤال عنه كسؤالها هذا الذي اضطرت إلى ذكره فذكرته،
وإن لامها النساء عليه لإشعاره بنزول منيها الدال على شدة شهوتها للرجال.
ومن ثم قالت عائشة، رضي الله عنها: ((نعم النساء نساء الأنصار، ولم يمنعهن
الحياء أن يسألن عن الدين ويتفقهن فيه))(٩) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(فَهَلْ عَلَى الْمَرََّةِ مِنْ) زائدة للتأكيد (غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟) من الحلم بالضم، وهو
ما يراه النائم، يقول: منه حلم بالفتح واحتلم، والحلم بالكسر الأناة، وفعله حلم
بالضم، وتحلم تكلف الحلم بالکسر أو ادعی الرؤیا کذبًا.
(قَالَ: نَعَم، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ) أي: المني (فَفَظَّتْ أَمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا) حياء من سؤال أم
سليم، والظاهر أن هذا من كلام بنتها زينب راوية الحديث، ويحتمل أنه من كلام أم
سلمة التفاتًا كأنها جردت من نفسها آخر، وأسندت إليه التغطية.
(وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَ) تقول ذلك (وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟) تبع في ذكره الهمزة
((المصابيح)) والذي في ((الصحيحين)) وغيرهما بحذفها (قَالَ: نَعَمْ تَرِبَتْ) بكسر الراء
(١) أخرجه عبد الرزاق (٣٢٥٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٦).

٢٩١
كتاب الطّهارة/ باب الغسل
(يَمِينُكِ) أي: وصلت للتراب كناية في الأصل عن شدة الفقر؛ أي: الإخبار أو الدعاء
به، ثم صارت لا يراد بها الدعاء بذلك، ولا وقوع الأمر بمضمونها.
وقيل: معناها لله دره هنا التعجب من سلامة صدرها كقولهم: قاتله الله ما
أعقله فهو مدح، وتعجب من فطنته، وقد يأتي للدعاء كما في حديث خزيمة ((أَنْعِمْ
صَبَاحًا، تربت يداك))(١) وكان ترب حينئذ استعمل؛ بمعنى: أتروب إذا استغنى، ثم
استدل * على احتلامها بأن لها منيًّ، وذلك يستلزمه غالبًا فقال: (فَلِمَ يُشْبِهُهَا
وَلَدُهَا؟) فيشبهه لها تارة ولأبيه أخرى، دليل واضح على أن لها منيًّا كما أن له منيًّا؛ إذ
الشبه بسبب ما بينهما من المشاركة في المزاج الأصلي المعين المعد لقبول التشكلات،
والكيفيات المعنية من مبدعه تبارك وتعالى، فإن غلب ماؤه وسبق نزع الولد لجانبه
ولعله يكون ذكرًا أو ماؤها نزع الولد لجانبها، ولعله يكون أنثى (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٤٣٤ - [وَزَادَ مُسْلِمْ بِرِوايَةٍ أَمِّ سَلِيمٍ: ((إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ
رَقِيقُ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ))].
(وَزَادَ مُسْلِمْ بِرِوايَةٍ) أي: في رواية (أُمِّ سَلِيمٍ) أنها قالت له: يا رسول الله، المرأة
ترى ما يرى الرجل في المنام، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه، فقالت عائشة:
فضحت النساء تربت يمينك.
وفي رواية: ((أف لك أترى المرأة ذلك))(٢).
وزاد أيضًا (إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظُ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرَةِ رَقِيقُ أَصْفَرُ) لا ينافي هذا
ما هو المعتمد عندنا من أن منيّ المرأة كمني الرجل في خواصه الثلاث، التي لا توجد
في غيره كالمذي المتدفق عند خروجه، بأنه يخرج على دفعات، قال تعالى: ﴿مِن مَّاءٍ
دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦].
والتلذذ بخروجه ويلزمه في الرجل فتور الذكر وانكسار الشهوة عقبه غالبًا
(١) لم أقف عليه هكذا، وعند أبي نعيم في معرفة الصحابة (٤٧٣٦) الجزء الأول منه.
(٢) أخرجه مسلم (٧٤٠).

٢٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
ورائحة الطلع والعجين مادام رطبًا، وبياض البيض مادام يابسًا، ووجه عدم المنافاة أن
الذي تضمنه الحديث إنما هو الافتراق بينهما في الصفات كالغلظ والبياض والرقة
والصفرة، وذلك لا يؤثر؛ لأنها لا توجد في غير المنيّ، وقد تنتفي عنه ألا ترى أن الثخانة
والبياض يوجدان في الودي، وينتفيان عن المنيّ إذا أحمر لكثرة الجماع والرقة والصفرة
يوجدان في المذي، وينتفيان عن منيِّ المرأة ويوجدان في منيِّ الرجل لمرض (فَمِنْ) من
زائدة للتأكيد (أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ) الظاهر أنها تقسيمية لا ترديدية (سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ
الشَّبَهُ) فيه رد على من زعم أن ماؤه الذي هو كالأنفحة يخالط دمها الذي كاللبن
الحليب فيعقده.
٤٣٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ إِذَا اغْتَسَلَ
مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِغُسْلٍ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ
فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرُفاتٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى
جِلْدِهِ كُلِّهِ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وِفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ: يَبْدَأُ بِغُسْلِ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الإِناءَ، ثُمَّ
يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأ(١)].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا اغْتَسَلَ) أي:
أراد الغسل (مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِغُسْلِ يَدَيْهِ) ثلاثًا للاستيقاظ من النوم كما يعلم من
الرواية الآتية، كما مر في الوضوء (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) علم منه أن من سنن
الغسل الوضوء الكامل قبله فتأخيره أو تأخير بعضه عن الغسل خلاف الأفضل
ويكره تركه، وكذا ترك المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما يسنان للغسل قبل الوضوء
خروجًا من خلاف من أوجبه الثلاثة؛ أعني: الوضوء والمضمضة والاستنشاق كداود،
فإنه أوجب الوضوء قبل الغسل مطلقًا.
وقال قوم: إنما يجب إن أحدث أو أوجب الفعل الجنابة والحدث، وإنما لم يجب
(١) أخرجه البخاري (٢٤٨)، ومسلم (٤٧٧)، والنسائي (٢٤٧).

٢٩٣
كتاب الطّهارة/ باب الغسل
عندنا مطلقًا؛ لأن مقتضى الطهر من واحد فكفى لهما غسلة واحدة، كما في الحيض
والجنابة؛ إذ الماء مادام مترددًا على العضو لا يحكم باستعماله، ومن ثم كان الأصح
عند النووي في غير (شرح مسلم)) أنه يكفي للحدث الأكبر والأصغر والنجس
غسلة واحدة إن طهرت المحل، بأن كثر الماء أو قل وأزاله بمجرد ملاقاته له من غير
تغير، وكان غير مغلظ، فعلم أن غسل المغلظ بدون ترتب أو معه قبل استيفاء السبع
لا يرفع حدثه الأكبر ولا الأصغر، وينوي بالوضوء سنة الغسل إن تجردت جنابته عن
الحدث الأصغر، كأن احتلم وهو نائم ممكن مقعدة أواخره إلى ما بعد الغسل، وإلا
نوی به رفع الحدث الأصغر.
(ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أَصُولَ شَعَرِهِ) فيسن لمن برأسه شعر أن
يخلله قبل الصب عليه وإن كان محرمًا، لكن برفق بأن يدخل أصابعه العشر فيه
فيشرب بها أصوله، ويسن ذلك في اللحية أيضًا، وإنما يسن التخليل المذكور فإن لم
يتيسر له أو لم يرد فعله إلا بيد واحدة سن له التيامن حينئذ، ويسن قبل هذا أن يغسل
جميع معاطف بدنه، وهي ما فيها التواء وانعطاف كطبقات البطن والموق واللحاظ
والإبط وتحت المقبل من الأنف، وكالأذن بأن يأخذ كفّا من ماءٍ ويضعها برفق عليه
مميلاً لها ليصل لمعاطفها من غير نزول لصماخيهما فيضر به، ويتأكد ذلك في حق
الصائم.
(ثُمَّ) بعد التخليل (يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرُفات بِيَدَيْهِ) كل واحدة منهما
معممة للرأس، وحينئذ لا يسن فيه تيامن، فإن تعذر عليه التعميم بكل غرفة لكونه
أقطع مثلاً سن له البداءة بشق الرأس الأيمن ثم الأيسر، وهذه أولى ويسن ثانية وثالثة
كذلك.
وفي رواية ثلاث غرف، والأولى هي القياس؛ لأن العدد إذا كان من ثلاثة إلى
عشرة أضيف إلى أحد جموع السنة أفعله أفعل إفعال فعله، والجمع بالألف والتاء أو
بالواو والنون، فإن لم تكن للمعدود جمع قلة كثلاثة قروء مع وجود أقرأ.

٢٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
ومن هذا رواية ثلاث غرف مع وجود غرفات؛ لأن فعلاً جمع كثرة عند
البصريين، وعلى قول الكوفيين: إنه بضم أوله وكسره جمع قلة، يكون رواية ثلاث
غرف مقيسة لا سماعية وبها كقوله تعالى: ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ [هود:١٣].
﴿ ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] أيد قولهم: أن فعلاً بالضم والكسر جمع قلة،
ويجاب بأن هذا كله من حيز السماعي، فلا تأييد فيه لهم (ثُمَّ) بعد تمام غسل الرأس
([يَصُبُّ](١) الْمَاءَ عَلَى [جِلْدِهِ)(٢) كُلِّهِ).
لكن جاء في رواية أخرى: «إنه كان بعد رأسه يبدأ بغسل شق بدنه الأيمن، ثم
الأيسر))(٣) فالأكمل أن يغسل ويدلك شق بدنه الأيمن المقدم، ثم المؤخر ثم الأيسر
كذلك فهذه مرة، ويسن ثانية كذلك ثم ثالثة كذلك (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(وِفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ: يَبْدَأُ بِغُسْلٍ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُما الإِناءَ) وذلك سنة عند
الشك في نجاسة اليد للاستيقاظ من النوم مثلاً كما مر في الوضوء (ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ
عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأ) ومنه يؤخذ أن الأولى تقديم الاستنجاء على
الغسل كالوضوء فإن أخره جاز؛ لأنهما طهارتان مختلفتا الجنس، فلم يجب بينهما
ترتيب، ومحله في السليم، إما سلس نحو البول فيلزمه تقديم الاستنجاء، ثم الوضوء أو
الغسل عقبه فورًا، ويؤخذ من ندب تقديم الاستنجاء أنه يسن بعده إزالة كل قذر على
البدن طاهر أو نجس، وإن كفت لهما غسلة واحدة كما مر استظهارًا.
فالحاصل: إنه يسن أن يبدأ أولاً بالاستنجاء، ثم بإزالة كل قذر، ثم بالمضمضة
والاستنشاق، ثم بالوضوء، ثم يغسل المعاطف، ثم بتخليل الرأس واللحية، ثم بالصب
علیھما، ثم بشق الأيمن ثم بالأيسر.
(١) هكذا في الأصل، والمثبت في المشكاة ) يفيض(.
(٢) هكذا في الأصل، والمثبت في المشكاة ))جسدها(.
(٣) الذي وقفت عليه ما في صحيح مسلم بلفظ (٧٥١): ((إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ
الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ بَدَأَ بِشِقٌّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ)».

٢٩٥
كتاب الطّهارة/ باب الغسل
٤٣٦ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ
◌ِلَّبِيّ ◌ََّ غُسْلاً فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَفَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ
فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا ثُمَّ غَسَلَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ
وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَتَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ
تَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِي].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ) أم المؤمنين
رضي الله عنها (وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ غُسْلاً) أي: ماء يغتسل به (فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ) منه
يؤخذ ندب الستر عند الغسل حتى من الزوجة، ومحله حيث لم يكن هناك من يرى
شيئًا من عورته ممن لا يحل له نظرها وإلا وجب الستر وحرم الغسل مع العرى.
(وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ
بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا ثُمَّ غَسَلَهَا) ومر أن هذا سنته بعد كل استنجاء مبالغة في نزاهة
اليد (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَأَفَاضَ عَلَى
جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَتَّى) عن محله (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ) وهذا بيان للجواز وإلا فالأفضل ما
صرحت به الرواية الأولى أنه أكمل وضوءه كله قبل الصب على رأسه، وأخذ بهذا أبو
حنيفة والشافعي في أحد قوليه فقالا: إن تأخير غسل القدمين أفضل.
(فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا) أي: ليتنشف به (فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ) يستفاد
منه ما مر في الوضوء من أن التنشيف خلاف الأفضل، وأما نفض اليد فهو لبيان
الجواز؛ إذ الأولى تركه حيث لا عذر لخبر: ((إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم))(٢) وحمل
النفض هنا على تحريك اليدين في المشي بعيد (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ وَلَفْظُه لِلْبُخَارِي).
٤٣٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلَتِ
النَّبِيَّ وَّهُ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْخَيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، ثُمَّ قَالَ: ((خُذِي فِرْصَةً مِنْ
(١) أخرجه البخاري (٢٧٦).
(٢) أخرجه الديلمي (١٠٢٩).

٢٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا)) قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: ((تَطَهَّرِي بِهَا)) قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ
بِهَا؟ قَالَ: ((سُبْحَانَ الله)) فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ امْرَةً مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلَتِ النَِّيَّ ◌َُّ
عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْخَيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ) أي: بكيفية الغسل السابق؛ إذ لا فرق
فيه بين الرجال والنساء ولا بين الجنب والحائض والنفساء.
(ثُمَّ قَالَ) لها بعد أن عرفها تلك الكيفية (خُذِي فِرْصَةً) بكسر أوله؛ أي:
قطعة قطن مثلاً طيبة (مِنْ مِسْكٍ) ويؤيد هذا التفسير الخبر الصحيح ((خذي فرصة
ممسكة)) ويصح أن يكون التقدير فرصة كائنة من مسك، لكن الأول هو الأكمل؛ إذ
هو الذي دل عليه قول عائشة: الآتي تفسيره لقوله: (فَتَطَهَّرِي بِهَا) تبتغي بها أثر الدم،
وهذا التتبع لا يحصل إلا بالمسك لا بالمسك بعينه.
ووجه كمال الأول وحصول السنة بالثاني أن القصد من المسك تطييب المحل،
وهو حاصل بالمسك، والممسك لكن الممسك يبقى في ذلك المحل أكثر فيكون
التطيب به أدوم بخلاف المسك، فإنه يضمحل ويزول بسرعة، فإن قلت: القصد سرعة
العلوق وهو بالمسك أسرع قلت: ممنوع، بل القصد التطيب بدليل ندب ذلك حتى
للبكر والخليّة والآيسة، كما دلَّ عليه عدم الاستفصال في الحديث، وأنكر ابن قتيبة
كسر ميم مسك بأنهم لم يكونوا أهل سعة يجدونه.
قال: وإنما الرواية بفتح الميم؛ أي: من جلد عليه صوف وليس في محله؛ لأن
الرواية الصحيحة لا تدفع بمثل هذا التخيل، وزعمه سلب التوسع عن كلهم ممنوع، بل
كان فيهم من هو كذلك، وزعم غيره أن الممسكة هنا ليس المراد بها المطيبة بالمسك،
بل الخلقة؛ لأنها أمسكت كثيرًا؛ أي: خذي قطعة من ثوب خلق؛ لأنه أنفع وأليق
بخلاف الجديد، وأيد بقوله: تطهري بها ولو كان المراد الممسكة بالطيب لقال: فتطيبي
(١) أخرجه البخاري (٣٠٨) ومسلم (٣٣٢) وأحمد (٢٤٩٥١) والنسائي (٢٥١) وابن حبان (١٢٠٠).

٢٩٧
كتاب الطّهارة/ باب الغسل
بها، وبأنها إنما أمرت بها لإزالة أثر الدم عند الغسل ولو كانت لإزالة رائحة الدم
لأمرت بها بعد الغسل، وكل هذا ليس في محله أيضًا؛ لأن هذا التعسف الذي لا يراد
مثله في الأحاديث، وإن أمكن القول به في ممسكة لا يمكن القول به في الرواية التي
نحن فيها، وهي من مسك لصراحتها في المسك الذي هو الطيب، لكنا قدرنا متعلق
ذلك المحذوف خاصًّا، فقلنا: مطيبة من مسك، وهو بمعنى ممسكة أو عامًا فقلنا: كائنة
من مسك.
ولما أن صرح الحديث بهذا تعين حمل تطهري بها على الطهارة اللغوية التي هي
النظافة، وأعلى أنواعها ما فيه طيب لا سيما المسك، فينتج مما قررته دلالة الحديث على
ما قاله الشافعي # وأرضاه أنه يسن للمرأة أثر الحيض أو النفاس دون غيرهما أن
تطيب فرجها، بأن تجعل بعد غسلها الكامل فيه مسكًا بأن لم تجد أو لم ترد حطبًا ثم
طينًا بالنون على نحو قطنة، وتدخلها إلى ما يجب غسله من فرجها، ويكره لها ترك
ذلك، وجعله لذلك بعد الغسل والترتيب المذكور شرطان لكمال السنة لا لأصلها
ويستثنى المحرمة، فيمتنع عليها استعمال الطيب مطلقًا والمحدة، لكن يسن له
تطييب المحل بقليل قسط أو أظفار، ولو لم تجد أو لم تفعل إلا الماء كفاها في دفع
الكراهة؛ لأنه منظف لا عن السنة؛ لأنه غير مطيب.
(قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: (تَطَهَّرِي بِهَا)) قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ:
((سُبْحَانَ الله [تَطَهَّرِي بِهَا)(١)) هو للتعجب، وأصله لتنزيه الله تعالى عند رؤية
العجب من بدائع مصنوعاته، ثم کثر حتى استعمل في کل متعجب منه، ومعناه هنا
كيف يخفى عليك مثل هذا الطاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر
(فَاجْتَبَذْتُهَا) أي: أخذتها (إِلَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ) أي: اجعليها في الفرج الذي
هو محله (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(١) سقطت من الأصل، وهذا المثبت في المشكاة.

٢٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
٤٣٨ - [وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ
أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: ((لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ
ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَظْهُرِينَ)(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّ امْرَأَةُ أَشُدُ)
أي: أحكم (ضَفْرَ) بالضاد لا بالظاء المشالة خلافًا لمن وهم فيه، وهو بفتح فسكون لا
بضمتين جمع ضفيرة، وهي الذؤابة خلافًا لابن بري؛ أي: أشد نسج أو فتل شعر (رَأْسِي)
وأدخل بعضه في بعض، وأضمه ضمًا شديدًا (أَفَأَ نْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟) أي: لأجله
حتى يصل الماء لباطنه.
وفي رواية: (أَفَأَ نْقُضُهُ الحيض والنفاس))(٢).
(فَقَالَ: لَا) أي: لا يلزمك نقضه (إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَخْنِي) من حثا يحثو أو يحثي
حثيًا وحثوا وياؤه ساكنة وجوبًا؛ إذ أصله يحثين خطاب لها حذفت نونه؛ لأن الناصية
(عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) جمع حثية، وهي إما أخذ الماء باليدين وإفاضته على الرأس
مطلقًا، وإما القبضة الواحدة التي تعم البدن.
فعلى الأول: إنما نص على الثلاث؛ لأن الغالب أن الماء لا يصل لباطن الشعر
المضفور إلا بها، ولا يمنع من ذلك شدها له بالمعنى السابق؛ لأنه مع ذلك قد يصل الماء
لما تحته لقلته؛ إذ شعور العرب كانت خفيفة غالبًا.
وعلى الثاني: فالنص عليها لبيان أنه يندب التثليث في الغسل، كما يندب في
الوضوء، وما أفاده منه أنه لا يجب نقض الضفائر؛ أي: إن وصل الماء لباطنها كله، وإلا
وجب لخبر ((تحت كل شعر جنابة))(٣) هو ما عليه أكثر أهل العلم خلافًا لقول النخعي
ومالك يجب نقضها مطلقًا، ولقول أحمد يجب بعضها في الجنابة دون الحيض، واختار
(١) أخرجه مسلم (٣٣٠)، والحميدي (٢٩٤)، وإسحاق بن راهويه (٣٧).
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٧٥/١)، وابن الجوزي في المتناهية (٦٢١).

٢٩٩
كتاب الطّهارة/ باب الغسل
الأول جماعة من أصحابنا، ولو كان الشعر محشوًّا بما له جرم كطيب وجبت إزالة ما
یغیر الماء أو يمنع وصوله لا يجب غسله.
(ثُمَّ) بعد غسل رأسك، والترتيب فيه لبيان أنه يسن تقديم غسل الرأس على
غسل بقية البدن (تُفِيضِينَ عَلَيْكٍ) أي: على سائر بدنك (الْمَاءَ فَتَظْهُرِينَ).
وفي رواية ((فإذا أنت قد طهرت))(١) أي: إذا فعلت ذلك دون ما عداه، كما دل
عليه قوله: ((إنما يكفيك)) ففيه دليل على أنه لا يجب في الغسل ذلك ولا مضمضة
واستنشاق ولا وضوء ولا موالاة، ومما يصرح بذلك أيضًا ما صح أنه وَّر في قضية
المزادتين أعطى جنبًا إناء.
وقال: فرغه عليك فلم يأمره بغير تيمم ندبه بالغسل، فكان صريحًا في أنه لا
يجب عليه غير ذلك، وأنه وس* قال لأبي ذر: ((إذا وجدت الماء فأمسه جلدك))(٢) وإنهم
تذاكروا عنده الغسل من الجنابة، فقال: ((أما أنا فيكفيني أن أصب على رأسي ثلاثًا، ثم
أفيض على سائر جسدي))(٣) وكونه ول# فعل الدلك وما بعده لا يدل على وجوبه؛ إذ
المختار كما قاله ابن دقيق العيد: إن الفعل لا يدل عليه إلا إن كان بيانًا لمجمل تعلق
به الوجوب، والأمر بالتطهر من الجنابة ليس من قبيل المجملات (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٤٣٩ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ الشَّبِيُّ ◌َ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى
خَمْسَةِ أَمْدَادٍ(٤). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ) وهو رطل وثلث بالبغدادي
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٤٦)، وأحمد (٢٦٧١٩)، وأبو داود (٢٥١)، والترمذي (١٠٥) وقال: حسن
صحيح. والنسائى (٢٤١)، وابن ماجه (٦٠٣).
(٢) أخرجه إسماعيل القاضي في ((جزء حديث أبي أيوب السختياني)) (٣٥)، والبيهقي في السنن
الصغير (١٨٧).
(٣) أخرجه الطيالسي (٩٤٨)، وابن أبي شيبة (٦٩٥)، وأحمد (١٦٧٩٥)، والبخاري (٢٥١)، ومسلم
(٣٢٧)، وأبو داود (٢٣٩)، والنسائي (٢٥٠)، وابن ماجه (٥٧٥).
(٤) أخرجه مسلم (٧٦٣)، والبيهقي (٧٩٧٤).

٣٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
ورطل بغداد، الأصح أنه مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم.
(وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ) وهو أربعة أمداد وقد يزيد (إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ) وبذلك أخذ
أئمتنا فقالوا: أجمعت الأمة على أن ماء الوضوء والغسل لا يشترط فيه قدر معين،
ولكن يسن ألّا ينقص ماء الوضوء عن مد، والغسل عن صاع تقريبًا كما دل عليه
قوله: ((إلى خمسة أمداد)) وقيل: المد رطلان لخبر النسائي بذلك.
وقال ابن الصلاح: المراد بالصاع والمد كيلاً لا وزنًا؛ لأن كيلهما بالماء أضعافه
بالوزن، ورد بأن هذا غفلة عما صرح به الأصحاب أن المراد بالوزن لا الكيل، وافهم
قولهم: السنة ذلك أنه لو نقص عنه، وأسبغ بأن عمه الماء، وجرى عليه أن ما دون ذلك
مسح لا غسل كفي لما جاء بسند حسن ((إنه ﴿ ﴿ توضأ بإناء قدر ثلثي مد)(١).
وروى الطبراني بإناءٍ فيه نصف مد هذا كله في البدن المعتدل، ففي غيره يسن له
من الزيادة والنقص ما نسبته إلى أعضائه كنسبة الصاع، والمد إلى أعضاء النبي وقليل مع
اعتبار لين البدن ويبسه؛ لأن بدنه و له كان الدرجة القصوى في اللين (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٤٤٠ - [وَعَنْ مُعَاذَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ عَائِشَةَ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا
وَرَسُولُ اللهِوَ﴿ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَيُبَادِرُِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي، دَعْ لِي. وَهُمَا
جُنُبَانٍ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ مُعَاذَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ [عَائِشَةَ] (٣): كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا
وَرَسُولُ اللهِ وَيه) أبرزت الضمير ليعطف عليه، وغلبت نفسها فعطفت الغائب على
معمول اغتسل الذي للمتكلم ليكون النساء الأصل في الشهوة الحاملة على الغسل، كما
غلب المخاطب على الغائب في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]
لأن آدم هو الأصل في سُكنى الجنة، وحواء تابعة له.
(١) أخرجه أبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٩١/١).
(٢) أخرجه مسلم (٧٥٨)، وأحمد (٢٥٤٦٠)، والبيهقي (٩٢٧).
(٣) سقط من الأصل.