Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب الفضائل والشمائل/ بأب في المعجزات الْوَطِيسُ)) ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ فَرَتَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: (انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ)) فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلاً وَأَمْرَهُمْ مُذْبِرًا. رَوَاهُ 31.(١) مُسْلِمْ)(١) .. (فَقَالَ عَبَّاسِ وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا) ذَكَرَ الْحَازِمِيُّ فِي الْمُؤْتَلِفِ أَنَّ الْعَبَّاس - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَقِفْ عَلَى سَلْعٍ فَيُنَادِي غِلْمَانِهِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَهُمْ فِي الْغَابَةِ فَيُسْمِعُهُمْ، قَالَ: وَبَيْنِ سَلْعِ الْغَابَةِ ثَمَانِيَةِ أَمْيَال. (فَوَاللَّهِ لَكَأَنَ عَطَفْتِهِمْ حِينِ سَمِعُوا صَوْفِي عَطْفَةِ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا فَقَالُوا: يَا لَيْكَ يَا لَتَيْكَ) قَالَ الْعُلَمَاءِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيل عَلَى أَنَّ فِرَارِهِمْ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وَأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الْفِرَار مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَإِنَّمَا فَتَحَهُ عَلَيْهِمْ مَنْ فِي قَلْبه مَرَض مِنْ مُسْلِمَةٍ أَهْل مَكَّة الْمُؤَلَّفَةِ، وَمُشْرِكِيهَا الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا أَسْلَمُوا، وَإِنَّمَا كَانَتْ هَزِيمَتِهِمْ فَجْأَةً لِنْصِبَابِهِمْ عَلَيْهِمْ دَفْعَة وَاحِدَة وَرَشْقَهِمْ بِالسِّهَامِ، وَلِاخْتِلَاطِ أَهْلِ مََّةٌ مَعَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَقِرّ الْإِيمَانِ فِي قَلْبه، وَمِمَّنْ يَتَرَبَّص بِالْمُسْلِمِينَ الدَّوَائِرِ، وَفِيهِمْ نِسَاء وَصِبْيَان خَرَجُوا لِلْغَنِيمَةِ فَتَقَدَّمَ إِخْفَاؤُهُمْ فَلَمَّا رَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ وَلَّوْا فَانْقَلَبَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ إِلَى أَنْ أَنْزَلَ الله تَعَالَى سَكِينَتِه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَمَا ذَكَرَ الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن (فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارِ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ، وَهُوَ بِنَصْبِ الْكُفَّارِ أي: مَعَ الْكُفَّار. (وَالدَّعْوَةِ فِي الْأَنْصَارِ) هِيَ بِفَتْجِ الدَّالِ يَعْنِي الإِسْتِغَاثَةِ وَالْمُنَادَاةِ إِلَيْهِمْ. (هَذَا حِين حَبِيَ الْوَطِيس) هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَة وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: هُوَ شِبْهِ التَّنُّورِ يُسْجَرِ فِيهِ، وَيُضْرَبِ مَثَلًا لِشِدَّةِ الْحَرْبِ الَّتِي يُشْبِهِ حَرّهَا حَرّه، وَقَدْ قَالَ آخَرُونَ: الْوَطِيس هُوَ التَّنُّورِ نَفْسِه، وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ: هِيَ حِجَارَةٍ مُدَوَّرَة وَإِذَا حَمِيَتْ لَمْ يَقْدِرِ أَحَدِ يَطَأْ عَلَيْهَا فَيُقَال: الْآَن حَمِيَ الْوَطِيسِ، وَقِيلَ: هُوَ الضَّرْب في الْحَرْب، وَقِيلَ: هُوَ الْحَرْبِ الَّذِي يَطِيس النَّاس أي: يَدُقُّهُمْ، قَالُوا: وَهَذِهِ اللَّفْظَة مِنْ (١) أخرجه مسلم (٤٧١٢). ٤٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر فَصِیح الْكَلَامِ وَبَدِیعه، الَّذِي لَمْ يُسْمَع مِنْ أَحَد قبل النّبيّ آلّ. (فَرَمَاهُمْ بِالْحَصَيَاتِ ثُمَّ قَالَ: إِنْهَزَمُوا وَرَبٌّ مُحَمَّدٍ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْت أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرهمْ مُدْبِرًا) هَذَا فِيهِ مُعْجِزَتَانِ ظَاهِرَتَانِ لِرَسُولِ الله وَّهِ: إِحْدَاهُمَا فِعْلِيَّة، وَالْأُخْرَى خَبَرِبَّة، فَإِنَّهُ وَّهِ أَخْبَرَبِي بِهَزِيمَتِهِمْ، وَرَمَاهُمْ بِالْخْصَيَاتِ،. فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَذَكَرَ مُسْلِمٍ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ وَّهِ قَبَضَ قَبْضَة مِنْ تُرَاب مِن الْأَرْضِ ثُمَّ اِسْتَقْبَلَ بِهَا وُجُوههمْ فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهِ فَمَا خَلَقَ الله مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا مِنْ تِلْكَ الْقَبْضَةِ، وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ مُعْجِزَتَانِ خَبَرِيَّة، وَفِعْلِيَّة، وَيَحْتَمِلِ أَنَّهُ أَخَذَ قَبْضَة مِنْ حَصَّى وَقَبْضَةٍ مِنْ تُرَابِ، فَرَفَى بِذَا مَرَّةٍ، وَبِذَا مَرَّةٍ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَخَذَ قَبْضَةٍ وَاحِدَة مَخْلُوطَةٍ مِنْ حَصَّى وَتُرَابِ (فَمَا زِلْت أَرَى حَدّهمْ كَلِيلًا) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة أي: مَا زِلْت أَرَى قُوَّتهمْ ضَعِيفَة. [النووي ٢٢٩/٦]. ٥٨٨٩ - [وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُلُّ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنِ؟ قَالَ: لَا وَالله مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ وَهُ وَلَكِنْ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُ سِلَاجٍ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَّا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهُمُ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًّا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ وَرَسُولُ اللهِ وَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْخَارِثِ يَقُودُه فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ: (أَنَا النَِّيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَلِبْ)) ثُمَّ صَفَّهُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمْ وَللبُخَارِيّ مِعْنَاهُ}(١). (أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب، أَنَا إِبْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب) قَالَ إِبْنِ التّينِ: كَانَ بَعْض أَهْلِ الْعِلْم يَقُولُهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ قَوْله: ((لَا كَذِب)) لِيَخْرُجُهُ عَنِ الْوَزْنِ، وَقَدْ أُجِيب عَنْ مَقَالَته هَذَا الرَّجَزِ بِأَجْوِبَةٍ، أَحَدهَا: أَنَّهُ نَظُمِ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ: أَنْتَ النَّبِيّ لَا كَذَبَ أَنْتَ اِبْنِ عَبْد الْمُظَلِب، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: (أَنَا)) فِي الْمَوْضِعَيْنِ. (١) أخرجه البخاري (٢٩٣٠)، ومسلم (٤٧١٥). ٤٦٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات ثَانِيهَا: أَنَّ هَذَا رَجَزْ وَلَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الشِّعْرِ، وَهَذَا مَرْدُود. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَا يَكُون شِعْرًا حَتَّى يَتِمّ قِطْعَة، وَهَذِهِ كَلِمَاتِ يَسِيرَة وَلَا تُسَمَّى شِعْرًا. رَابِعِهَا: أَنَّهُ خَرَجَ مَوْزُونًا وَلَمْ يَقْصِد بِهِ الشِّعْرِ، وَهَذَا أَعْدَلِ الْأَجْوِبَةِ. وَأَمَّا نِسْبَتِه إِلَى عَبْدِ الْمُظَلِّب دُون أَبِيهِ عَبْد الله فَكَأَنَّهَا لِشُهْرَةِ عَبْد الْمُطَلِّب بَيَّنَ النَّاسِ لِمَا رُزِقَ مِنْ نَبَاهَة الذِّكْر وَطُول الْعُمْرِ، بِخِلَافِ عَبْدِ اللهِ فَإِنَّهُ مَاتَ شَابًّا، وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٍ مِن الْعَرَبِ يَدْعُونَهُ إِبْنِ عَبْد الْمُطَّلِّب، كَمَا قَالَ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَة لَمَّا قَدُمَ: أَيَكُم اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ أُشْتُهِرَ بَيْنِ النَّاسِ أَنَّهُ يَخْرُج مِنْ ذُرِّيَّة عَبْد الْمُظَّلِب رَجُل يَدْعُو إِلَى اللهِ وَيَهْدِي الله الْخُلْقِ عَلَى يَدَيْهِ وَيَكُون خَاتَم الْأَنْبِيَاءِ، فَانْتَسَبَ إِلَيْهِ لِيَتَذَّكَّرِ ذَلِكَ مَنْ كَانَ يَعْرِفِهُ، وَقَد أُشْتُهِرَ ذَلِكَ بَيْنِهِمْ، وَذَكَرَهُ سَيْف بْنِ ذِي يَزْنِ قَدِيمًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَبْلِ أَنْ يَتَزَوَّجِ عَبْد الله آمِنَةٍ وَأَرَادَ النَّبِيّ ◌َّ تَنْبِيهِ أَصْحَابِه بِأَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ ظُهُورِهِ وَأَنَّ الْعَاقِبَة لَهُ لِتَقْوَى قُلُوبِهِمْ إِذَا عَرَفُوا أَنَّهُ ثَابِت غَيْرِ مُنْهَزِمٍ. وَأَمَّا قَوْله: (لَا كَذِبِ) فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ صِفَة الثُّبُوَّة يَسْتَحِيلِ مَعَهَا الْكَذِبِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا النَّبِيّ، وَالنَّبِيّ لَا يَكْذِب، فَلَسْت بِكَاذِبٍ فِيمَا أَقُول حَتَّى أَنْهَزِم، وَأَنَا مُتَيَقِّن بِأَنَّ الَّذِي وَعَدَنِي الله بِهِ مِن النَّصْرِ حَقٌّ، فَلَا يَجُوز عَلَيَّ الْفِرَارِ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْله: (لَا كَذِب)) أي: أَنَا النَِّيّ حَقَّ لَا كَذِبِ فِي ذَلِكَ. [الفتح١٢٦/١٢]. ٥٨٩٠ - [وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَّأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لََّّذِي يُحَاذِبِهِ، يَعْنِي: النَّبِيَّ ◌َ](١). ٥٨٩١ - [وَعَنْ سَلَمَةَ بْن الأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ حُنَيْنًا، فَوَلَّى صَحَابَةُ رَسُول اللّهِ وَلِ فَلَّمَّا غَشُوا رَسُولَ اللهِ وََّ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَقَالَ: ((شَاهَتِ الْوُجُوهُ) فَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلأَّ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُذْبِرِينَ فَهَزَمَهُمُ اللهُ وَقَسَمَ رَسُولُ الله (١) أخرجه مسلم (٤٧١٦)، ولم أقف عليه عند البخاري. ٤٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر ﴿َّ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ)](١). ٥٨٩٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ حُنَيْنًا، فَقَالَ رَسُولُ الله وَ﴿ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ: ((هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ)) فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحَ، فَجَاءَ رَجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الَّذِي تَحَدَّثَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَدْ قَاتَل فِي سَبِيْلِ الله أشَدَّ القِتَالِ فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحَ، فَقَالَ: ((أمَّا أَنَّه مِنْ أَهْلِ النَّارِ)) فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ سهمًا، فَنَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَدَّقَ اللهُ حَدِيثَكَ، قَد انْتَحَرَ فُلَانُ وَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ: «الله أكْبَرُ أَشْهَدُ أَنِّ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ يَا بِلال قُمْ فَأَذِّنْ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللّهَ ليُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ)). رَوَاهُ البُخَارِي)(٢). (فَقَالَ رَسُولُ اللّه ◌َهْ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ) أي: عَنْ رَجُلٍ، وَاللَّام قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى عَنْ مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢] وَيُحْتَمَلِ أَنْ يَكُون بِمَعْنَى في أي: فِي شَأْنِه أي: سَبَبه، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. (فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصَبِ. (إِنَّ اللّه لَيُؤَيِّدُ) قَالَ النَّوَوِيُّ يَجُوزُ فِي أَنْ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَكَسْرُهَا. (بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّمُ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَاد بِهِ ((قُزْمَانُ)) وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِئْسِ. [الفتح ٢٤/١٢] بتصرف. ٥٨٩٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهْوَ عِنْدِي دَعَا اللّهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: (أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ، جَاءَنِي رَجُلَانٍ جَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَّ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبُ، قَالَ: وَمَنْ (١) أخرجه مسلم (١٧٧٧). (٢) أخرجه البخاري (٤٢٠٣). ٤٦٥ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ الْتَّهُودِيُّ، قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفٌّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِثْرِ ذِي أَرْوَانَ)) فَذَهَبَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي أُنَاسِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِقْرِ، فَقَالَ: «هَذِهِ البِثْرِ الَّتِي أُرِيْتُهَا وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ)) فَاسْتَخْرَجَهُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (نُقَاعَة الْحِنَّاء) بِضَمِّ الُّون وَتَخْفِيف الْقَافِ، وَالْحِنَّاءِ مَعْرُوفٍ وَهُوَّ بِالْمَدِّ أي: أَنَّ لَوْن مَاء الْبِثْرِ لَوْن الْمَاءِ الَّذِي يُنْقَعِ فِيهِ الْحِنَّاءِ. قَالَ اِبْنِ التِّين: يَعْنِي أَحْمَرَ. وَقَالَ الدَّارُدِيُّ. الْمُرَادِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُون مِنْ غُسَالَة الْإِنَاءِ الَّذِي تُعْجَنِ فِيهِ الْحِنَّاءِ. قُلْت: وَوَقَعَ فِي حَدِيث زَيْدِ بْن أَرْقَم عِنْد اِبْنِ سَعْد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمِ ((فَوَجَدَ الْمَاءِ وَقَد ◌ِخْضَرَّ)) وَهَذَا يُقَوِّي قَوْل الدَّارُدِيِّ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَأَنَّ مَاء الْبِثْرِ قَدْ تَغَيَّرَ إِمَّا لِرَدَاءَتِهِ بِطُولٍ إِقَامَتِهِ، وَإِمَّا لِمَا خَالَطَهُ مِن الْأَشْيَاءِ الَّتِي أُلْقِيَتْ فِي الْبِثْر. قُلْت: وَيَرُدّ الْأَوَّلِ أَنَّ عِنْد إِبْنِ سَعْد فِي مُرْسَل عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْب أَنَّ الْحَارِثِ بْن قَيْس هَوَّرَ الْبِثْرِ الْمَذْكُورَة وَكَانَ يَسْتَعْذِبِ مِنْهَا وَحَفَرَ بِثْرًا أُخْرَى فَأَعَانَهُ رَسُول الله وَل﴾ فِي حَفْرهَا. (وَكَأَنَّ تَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) قَدْ وَقَعَ تَشْبِيه طَلْعَ شَجَرَةِ الزَّقُّوم فِي الْقُرْآن بِرُؤُوسِ الشَّيَاطِين، قَالَ الْفَرَّاءِ وَغَيْرهِ: يُحْتَمَلِ أَنْ يَكُون شَبَّهَ طَلْعَهَا فِي قُبْحِه بِرُؤُوسِ الشَّيَاطِينِ: لِأَنَّهَا مَوْصُوفَة بِالْقُبْحِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي اللِّسَان أَنَّ مَنْ قَالَ: قُلَانِ شَيْطَانِ، أَرَادَ أَنَّهُ خَبِيث أَوْ قَبِيحِ، وَإِذَا قَبَّحُوا مُذَكَّرًا قَالُوا شَيْطَان، أَوْ مُؤَنَّثَا قَالُوا غُولٍ، وَيُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ بِالشَّيَاطِينِ الْحَيَّات، وَالْعَرَبِ تُسَمِّي بَعْض الْحَيَّاتِ شَيْطَانًا وَهُوَ ثُعْبَان قَبِيح الْوَجْهُ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَادِ نَبَات قَبِيح قِيلَ إِنَّهُ يُوجَد بِالْيَمَنِ. [الفتح ٢٩٦/١٦] بتصرف. ٥٨٩٤ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَهُ وَهُوَ (١) أخرجه البخاري (٥٧١٦)، ومسلم (٢١٨٩) وأحمد (٢٤٣٩٣) وابن ماجه (٣٥٤٥) والنسائي في ((الكبرى)) (٧٦١٥)، والشافعي (٣٨٢/١). ٤٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر يَقْسِمُ قِسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - وَهْوَ رَجُلُّ مِنْ بَنِي تَمِيمِ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، اعْدِلْ، فَقَالَ: ((وَيْلَكَ، فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ)) فَقَالَ عُمَرُ: اقْذَنْ لِي أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: «دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهُمُ مِنَ الزَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ، إِلَى رِصَافِهِ، إِلَی نَضِيِّهِ - وَهْوَ قِدْحُهُ - إِلَی قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءُ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلُ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ قَدْيِ الْمَرَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَصْعَةِ تَدَرْدَرُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ)) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّ سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللهِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ، فَالْتُمِسَ فَأَتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ◌َِّالَّذِي نَعَتَهُ﴾(١). وَفِي رِوَايَةٍ: أَقْبَلَ رَجُلُ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ: (فَمَنْ يُطِعُ اللّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ؟ فَيَأْمَنّني الله عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَلَا تَأْمَنُونِ)) فَسَأَلَ رَجُلُ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: ((إِنَّ مِنْ ضِئْضِىء هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لِأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ)». مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. (أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - وَهْوَ رَجُلُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) عِنْد أَبِي دَاوُدَ إِسْمِه: نَافِعٍ وَرَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ، وَقِيلَ: إِسْمِه حُرْقُوص بْن زُهَيْرِ السَّعْدِيّ. (فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَائِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ) فِي رِوَايَة عَاصِمِ بْن شُمَيْخِ عَنْ أَبِي سَعِيد ((تَحْقِرُونَ أَعْمَالِكُمْ مَعَ أَعْمَالهِمْ)) وَوَصَفَ عَاصِم أَصْحَاب نَجْدَة الْحُرُورِيّ بِأَنَّهُمْ يَصُومُونَ النَّهَارِ وَيَقُومُونَ اللَّيْلِ وَيَأْخُذُونَ الصَّدَقَات (١) أخرجه البخاري (٣٤١٤ - ٧٤٣٢)، ومسلم (١٠٦٤ - ٢٤٩٩)، وابن حبان (٦٧٤١). ٤٦٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات عَلَى السُّنَّة)) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَمِثْله عِنْدِهِ مِنْ رِوَايَة يَحَْى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَةٍ. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْنِ عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عِنْده «يَتَعَبَّدُونَ يَحْقِرِ أَحَدِكُمْ صَلَاته وَصِيَامِه مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ)) وَمِثْله مِنْ رِوَايَةٍ أَنَس عَنْ أَبِي سَعِيد، وَزَادَ فِي رِوَايَة الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي سَلَمَةِ (وَأَعْمَالِكُمْ مَعَ أَعْمَالهَمْ)) وَفِي رِوَايَة سَلَمَة بْنِ كُهَيْل عَنْ زَيْد بْنِ وَهْب عَنْ عَلِيّ ((لَيْسَتْ قِرَاءَتَكُمْ إِلَى قِرَاءَتهمْ شَيْئًا وَلَا صَلَاتَكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ شَيْئًا)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ وَالطَّبَرِيّ، وَعِنْده مِنْ طَرِيق سُلَيْمَانِ التَيْمِيّ عَنْ أَنَس (ذَكَرَ لِي عَنْ رَسُول الله ◌ََّ قَالَ: إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَدْأَبُونَ وَيَعْمَلُونَ حَتَّى يُعْجِبُوا النَّاس وَتُعْجِبُهُمْ أَنْفُسِهِمْ) وَمِنْ طَرِيقِ حَقْص بْنِ أَخِي أَنَس عَنْ عَمّه بِلَفْظِ: ((يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّين)) وَفِي حَدِيثِ إِبْن عَبَّاس عِنْدِ الطَّبَرَانِيّ فِي قِصَّة مُنَاظَرَتِه لِلْخَوَارِجِ قَالَ ((فَأَتَيْتِهِمْ فَدَخَلْت عَلَى قَوْمٍ لَمْ أَرَ أَشَدَّ اِجْتِهَادًا مِنْهُمْ، أَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا ثِفَنِ الْإِبِلِ، وَوُجُوهِهِمْ مُعَلَّمَةٍ مِنْ آثَارِ السُّجُود)). وَأَخْرَجَ إِبْنِ أَبِي شَيْبَة عَن إِبْن عَبَّاس أَنَّهُ(«ذُكِرَ عِنْده الْخَوَارِج وَاجْتِهَادِهِمْ فِي الْعِبَادَة فَقَالَ: لَيْسُوا أَشَدَّ إِجْتِهَادًا مِن الرُّهْبَان)). (يَمْرُقُونَ مِن الدِّينِ مُرُوق السَّهْم مِن الرَّمِيَّة) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة فَعِيلَةٍ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ فَأَدْخِلَتْ فِيهَا الْهَاءِ وَإِنْ كَانَ فَعِيل بِمَعْنَى مَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ لِلْإِشَارَةِ لِنَقْلِهَا مِن الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الإِسْمِيَّة، وَقِيلَ: إِنَّ شَرْط إِسْتِوَاء الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ أَنْ يَكُونِ الْمَوْصُوفِ مَذْكُورًا مَعَهُ، وَقِيلَ شَرْطُه سُقُوط الْهَاء مِنْ مُؤَنَّث قَبْل وُقُوعِ الْوَصْف، تَقُول خُذْ ذَبِيحَتك أي: الشّاة الَّتِي تُرِيد ذَنْجِهَا فَإِذَا ذَبَجْتُهَا قِیلَ لَهَا حِینَئِذٍ ذَبِیح. (يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ، إِلَى رِصَافِهِ، إِلَى نَضِيِّهِ - وَهْوَ قِدْحُهُ - إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِیهِ شَيْءُ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ) (النَّصْلِ) هُوَ حَدِيدَة السَّهْم (الرِّصَاف) فَبِكَسْرِ الرَّاء وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَدْخَل النَّصْلِ مِن السَّهْم، وَ(نَضِيّ) بِفَتْحِ النُّون وَكَسْرِ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْيَاءِ وَهُوَ الْقَدَحِ، وَكَذَا جَاءَ فِي كِتَاب مُسْلِم مُفَسَّرًا، وَكَذَا قَالَهُ الْأَصْمَعِيّ، وَ(الْقَدْحِ) عُودُهُ وَ(الْقُذَذ) بِضَمِّ الْقَافِ وَبِذَالَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ رِيش السَّهْم. ٤٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر (أَقْبَلَ رَجُلُّ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ) بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ وَزْن فَاعِلِ مِن الْغَوْرِ، وَالْمُرَادِ أَنَّ عَيْنَيْهِ دَاخِلَتَانِ فِي مَحَاجِرِهمَا لَاصِقَتَيْنِ بِقَعْرِ الْحَدَقَةِ، وَهُوَ ضِدّ الْجُحُوظ. (مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ) بِشِينِ مُعْجَمَة وَفَاء أي: بَارِزِهمَا، وَالْوَجْنَتَانِ الْعَظْمَانِ الْمُشْرِفَانِ عَلَى الْحَدَّيْنِ. (تَحْلُوقُ الرَّأْسِ) إِنَّ الْخَوَارِجِ سِيمَاهُم التَّحْلِيقِ، وَكَانَ السَّلَف يُوَفِّرُونَ شُعُورِهِمْ لَا يَحْلِقُونَهَا، وَكَانَتْ طَرِيقَة الْخَوَارِجِ حَلْقِ جَمِيعِ رُؤُوسِهِمْ. (فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: دَعْهُ) قَالَ الْقُرْطُِّيّ: إِنَّمَا مَنَعَ قَتْله وَإِنْ كَانَ قَد اِسْتَوْجَبَ الْقَتْل ◌ِئَلَّا يَتَحَدَّثِ النَّاسِ أَنَّهُ يَقْتُلِ أَصْحَابِهِ وَلَا سِيَّمَا مَنْ صَلَّى. وَقَالَ الْمَازِرِيّ: يُحْتَمَلِ أَنْ يَكُون النَّبِيّ ◌َّهَلَمْ يَفْهَم مِن الرَّجُلِ الطَّعْنِ فِي التُّبُوَّة، وَإِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِي الْقِسْمَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَبِيرَة، وَالْأَنْبِيَاءِ مَعْصُومُونَ مِن الْكَبَائِر بِالْإِجْمَاعِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ وُقُوعِ الصَّغَائِرِ، أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يُعَاقِبِ هَذَا الرَّجُل لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت ذَلِكَ عَنْهُ، بَلْ نَقَلَهُ عَنْهُ وَاحِدٍ، وَخَبَرِ الْوَاحِد لَا يُرَاقِ بِهِ الدَّمِ. إِنْتَهَى. وَأَبْطَلَهُ عِيَاضِ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: (يَا رَسُولَ اللهِ، اعْدِلْ) فَخَاطَبَهُ فِي الْمَلَاِ بِذَلِكَ حَتَّى إِسْتَأْذَنُوهُ فِي قَتْلِهِ، فَالصَّوَابِ مَا تَقَدَّمَ. (إِنَّ مِنْ ضِئْضِى هَذَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَادَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَيْنهما تَحْتَانِيَّةِ مَهْمُوزَة سَاكِنَة وَفِي آخِرِهِ تَحْتَانِيَّةِ مَهْمُوزَةٍ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِیھَنِّ بِصَادَیْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، فَأَمَّا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة فَالْمُرَادِ بِهِ النَّسْلِ وَالْعَقِبِ، وَزَعَمَ إِبْنِ الْأَثِيرِ أَنَّ الَّذِي بِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَاهُ، وَحَكَى اِبْنِ الْأَثِيرِ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَدِّ بِوَزْنِ قِنْدِيل، وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوقِ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ مِنْ ضِتْضِئٍ هَذَا أَوْ مِنْ عَقِب هَذَا. (قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِن الدِّينِ) فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق (مِن الْإِسْلَامِ) وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ أَوَّل الدِّينِ هُنَا بِالطَّاعَةِ، وَقَالَ: إِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْم مِن الرَّمِيَّةِ، وَهَذِهِ صِفَة ٤٦٩ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات الْخَوَارِجِ الَّذِينَ كَانُوا لَا يُطِيعُونَ الْخُلَفَاءِ. وَالَّذِي يَظْهَرِ أَنَّ الْمُرَاد بِالدِّينِ الْإِسْلَامِ كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَخَرَّجَ الْكَلَامِ مَخْرَج الزَّجْرِ وَأَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ يَخْرُجُونَ مِن الْإِسْلَامِ الْكَامِل. وَزَادَ سَعِيد بْنِ مَسْرُوقِ فِي رِوَايَته: (فَيَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ) وَهُوَ مِمَّا أَخْبَرَ بِ ◌َّهِ مِن الْمُغَيِّبَاتِ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ. (لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لِأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) قَد اِسْتَشْكَلَ مَعَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ أَصْلهمْ. وَأُجِيب بِأَنَّهُ أَرَادَ إِذْرَاك خُرُوجِهِمْ وَاعْتِرَاضِهم الْمُسْلِمِينَ بِالسَّيْفِ، وَلَمْ يَكُنْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي زَمَانه، وَأَوَّل مَا ظَهَرَ فِي زَمَان عَلِيّ گَمَا هُوَ مَشْهُور، واسْتَدَلَّ پِهِ عَلَى تَكْفِیر الْخَوَارِجِ، وَهِيَ مَسْأَلَة شَهِيرَةٍ فِي الْأُصُول. [الفتح ١٦٢/١٢] بتصرف. ٥٨٩٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمّي إِلَى الإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فَدَعَوْتُهَا يَوْمًّا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللهِ وَ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ)). فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًّا بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ◌َلِ فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌّ، فَسَمِعَتْ أُمّي خَشْفَ قَدَقَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةً الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَتْ فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ حِمَارِهَا فَفَتَحَتِ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ الله وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَجِ، فَحَمِدَ اللهَ وَقَالَ خَيْرًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١). ٥٨٩٦ - [وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَاللهُ الْمَوْعِدُ، وَإِنَّ إِخْوَنِّي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَبٍِّ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ وَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَوْمًا: «لَنْ يَبْسُطُ أحَدٍ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ غَيْرَهَا حَتَّى قَضى النَّبِيُّ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا (١) أخرجه مسلم (٦٥٥١). ٤٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بالْحَقِّ مَا نَسِيْتُ مِنْ مَقَالَتِهِ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). ٥٨٩٧ - [وَعَنْ جَرِيرٍ بْن عَبْد اللّه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَ: ((أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ)) فَقُلْتُ: بَلَى، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِّ ◌َ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ تَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًّا مَهْدِيًّا)) قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسِي بَعْدُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي مِائَة وَخَمْسِيْنِ فَارِسًا مِنْ أَحْمَس، فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢). (فَارِسًا مِنْ أحْمَس) الأحمس الشجاع ففي النهاية هم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس سموا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم أي: تشددوا والحماسة الشجاعة. والحاصل: أنهم كانوا متصلبين في الدين والقتال، ولا يدخلون البيوت من أبوابها وأمثال ذلك. ٥٨٩٨ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِّ ◌َ﴿ فَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ، وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنَّ الأَرْضَ لا تَقْبَلُهُ)) فَأَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهُ أَنَّى الأَرْضَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَوَجَدَهُ مَنْبُوذًا، فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ فَقَالُوا: دَفَنَّاهُ مِرَارًا، فَلَمْ تَقْبَلْهُ الأَرْضُ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). ٥٨٩٩ - [وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: ((يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٤). ٥٩٠٠ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َهِ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ (١) أخرجه البخاري (٢٣٥٠)، ومسلم (٦٥٥٥). (٢) أخرجه البخاري (٤٣٥٧)، ومسلم (٦٥٢١). (٣) أخرجه البخاري (٣٦١٧)، ومسلم (٧٢١٧). (٤) أخرجه البخاري (١٣٧٥)، ومسلم (٧٣٩٤). ٤٧١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات رِيحُّ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ) فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ. رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ٥٩٠١ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدَرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِي فَقَالَ النَّاسُ: مَا تَحْنُ هَا هُنَا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ مَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ ◌َّهِ فَقَالَ: ((وَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِي الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلَا نَقْبُ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانٍ يَخْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا)) ثُمَّ قَالَ: ((ارْتَجِلُوا)) فَارْتَحَلْنَا وَأَقْبَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ مَا وَضَعْنَا رِحَالَتَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ الله بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءُ رَوَاهُ مُسْلِمُ(٩). (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِي الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلَا تَقْبُ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانٍ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا) فِيهِ بَيَانِ فَضِيلَة الْمَدِينَة وَحِرَاسَتهَا فِي زَمَنه ◌َ، وَكَثْرَة الْخُرَّاس، وَاسْتِيعَابِهم الشِّعَابِ زِيَادَة فِي الْكَرَامَة لِرَسُولِ الله وَلَيهِ. قَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ: (شِعْبُ) بِكَسْرِ الشِّين، هُوَ: الْفُرْجَةِ النَّافِذَة بَيْنِ الْجَبَلَيْنِ، وَقَالَ إِبْنِ السِِّّيت: هُوَ الطَّرِيقِ فِي الْجَبَل (وَلَا نَقْبُ) بِفَتْحِ التُّون عَلَى الْمَشْهُور، وَحَكَى الْقَاضِي ضَمّهَا أَيْضًا وَهُوَ مِثْلِ الشِّعْب، وَقِيلَ: هُوَّ الطَّرِيقِ فِي الْجَبَل، قَالَ الْأَخْفَش: أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ طُرُقهَا وَفِجَاجهَا. (فَوَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ مَا وَضَعْنَا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ الله بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ) مَعْنَاهُ: أَنَّ الْمَدِينَةِ فِي حَالِ غَيْبَتِهِمْ كَانَتْ تَحْمِيَّة مَحْرُوسَة، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيّ ◌َِّ حَتَّى إِنَّ بَنِي عَبْد الله بْنِ غَطَفَان أَغَارُوا عَلَيْهَا حِين قَدِمْنَا وَلَمْ يَكُنْ قَبْل ذَلِكَ يَمْنَعُهُمْ مِن الْإِغَارَةِ عَلَيْهَا مَانِعِ ظَاهِرِ، وَلَا كَانَ لَهُمْ عَدُوّ يَهِيجُهُمْ وَيَشْتَغِلُونَ بِهِ، بَلْ سَبَب مَنْعِهِمْ قَبْل قُدُومِنَا حِرَاسَة الْمَلَائِكَةِ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيّ ◌َيُّ. (١) أخرجه مسلم (٧٢١٨). (٢) أخرجه مسلم (١٣٧٤). ٤٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر قَالَ أَهْلِ اللُّغَة يُقَال: هَاجَ الشَّ، وَهَاجَتِ الْحَرْبِ، وَهَاجَها النَّاس، أي: تَحَرَّكَتْ، وَحَرَّكُوهَا. وَهِجْتِ زَيْدًا حَرَّكْته لِلْأَمْرِ، كُلّه ثَلَاثِي. [النووي ٣٩/٥]. ٥٩٠٢ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُول الله وَّهِ فَبَيْنَا النَّبِيُّ وَلَّهُ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْحِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَقَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِخِيَتِهِ، فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَمِنَ الْغَدِ، وَمِنْ بَعْدَ الْغَدِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ - أَوْ غَيْرُهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا)) فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّ انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدُ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ)(١). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَتْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الأَكَامِ وَالظّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ)) قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. (أَصَابَتِ النَّاس سَنَة) أي: قَحْط (فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ) أي: تَقَطَّعَ السَّحَابِ وَزَالَ عَنْهَا (وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ) هِيَ بِفَتْحِ الْحِيم وَإِسْكَان الْوَاوِ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة، وَهِيَ الْفَجْوَةِ، وَمَعْنَاهُ تَقَطَّعَ السَّحَابِ عَنِ الْمَدِينَة وَصَارَ مُسْتَدِيرًا حَوْلِهَا وَهِيَ خَالِيَة مِنْهُ. (وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا) (قَنَاة) بِفَتْجِ الْقَافِ اِسْم ◌ِوَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَة وَعَلَيْهِ زُرُوع ◌َهُمْ. (وَلَمْ يَجِئْ أَحَدُّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَان الْوَاوِ وَهُوَ الْمَطَر الْكَثِير. (١) أخرجه البخاري (٩٣٣ - ١٠١٤)، ومسلم (٢١١٦ - ٢١١٥). ٤٧٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات ٥٩٠٣ - [وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا خَطَب استَنَدَ إلَى جِدْعِ تَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ صَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ الثَّبِيُّ ◌َ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ: ((َبَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ)). رَوَاهُ البُخَارِي](١). ٥٩٠٤ - [وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: ((كُلْ بِيَمِينِكَ)) قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: (لَا اسْتَطَعْتَ)) مَا مَنَعَهُ إِلَّ الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢). ٥٩٠٥ - [وعَنْ أَنَسِ، أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ وَِّ فَرَسًّا لِأَبِي طَلْحَةَ بَطِيْئًا وَكَانَ يَقْطِفُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: ((وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَجْرًا)) فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى](٣). وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. رَوَاهُ البُخَارِي. ٥٩٠٦ - [وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: تُؤُنَّ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا الثَّمْرَ بِمَا عَلَيْهِ، فَأَبَوْا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِّ أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ، فَقَالَ لِي: ((اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ)) فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًّا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ)) فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَقَّى أَدَّى اللهُ عَنْ وَالِي أَمَانَتَهُ، وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤَدِّيَ اللهُ أَمَانَةَ وَالِي وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةِ، فَسَلَّمَ اللهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا، وَحَتَّى إِنِي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً. رَوَاهُ (١) أخرجه البخاري (٢٠٩٥). (٢) أخرجه مسلم (٥٣٨٧). (٣) أخرجه البخاري (٢٨٦٧ - ٢٩٦٩). ٤٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر البُخَارِي](١). قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن الوصي يجوز له أن يقضي ديون الميت بغير محضر الورثة على حديث جابر؛ لأنه لم يحضر جميع ورثة أبيه عند اقتضاء الغرماء ديونهم، وإنما اختلفوا في مقاسمة الوصي للموصى له على الورثة، فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: تجوز مقاسمة الوصي على الصغار ولا تجوز على الكبير الغائب. وهو قول أبي حنيفة، قال مالك: لا يقاسم على الكبير الغائب إلا السلطان. قال أبو حنيفة: ومقاسمة الورثة الوصي على الموصى له باطل، فإن ضاع نصيب الموصى له عند الوصي رجع به على الورثة. وأجازها أبو يوسف وقال: القسمة جائزة على الغيب ولا رجوع لهم على الحضور، وإن ضاع ما أخذ الوصي. [٢١٧/١٥]. ٥٩٠٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ أَمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ ◌َلِ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الأُدْمَ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَِّيِّ ◌َِّ فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتِ النَِّيَّ أَ فَقَالَ: ((عَصَرْتِيهَا؟)) قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ((لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢). ٥٩٠٨ - [وَعَنْ أَنَس ◌ِّهِ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ وَيهِ ضَعِيفًا، أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَفْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ ◌ِمَارًا لَهَا فَلَقَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَاتَتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ وَ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ◌ِكلّ: ((آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((بِطَعَامِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ لِمَنْ مَعَهُ: ((قُومُوا)) فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو (١) أخرجه البخاري (٤٠٥٣). (٢) أخرجه مسلم (٦٠٨٤). ٤٧٥ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتِ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَقَّى لَقِيَ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِوَّهِ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَلُمِّي يَا أَمَّ سُلَيْمٍ، مَا عِنْدَكِ؟)) فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عَُّةً فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ فِيهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ((اثْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةِ) فَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((اقْذَنْ لِعَشَرَةٍ ثُمَّ لِعَشَرَةٍ)) فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: (أْذَنْ لِعَشَرَةِ) فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ)) فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ - أَوْ ثَمَانُونَ - رَجُلاً. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: ((اتْذَنْ لِعَشَرَةٍ) فَدَخَلُوا فَقَالَ: ((كُلُوا وَسَمُّوا الله)) فَأَكَلُوا حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلاً، ثُمَّ أَكَلَ النَِّيُّ ◌َهِ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَتَرَكُ سُؤْرًا(٤). وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيّ قَالَ: (أَدْخِلْ عَلَّ عَشَرَةً)؛ حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَكَلَ النَِّيُّ ◌َّ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ، هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٍ؟!(٣). وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَمَعَهُ ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ فَعَادَ كَمَا كَانَ، فَقَالَ: ((دُونَكُمْ هَذَا))(٤). (قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمَّ سُلَيْمِ) هُوَ زَيْدِ بْنِ سَهْلِ الْأَنْصَارِيّ زَوْج أُمّ سُلَيْمٍ وَالِدَة أَنَس، وَقَدٍ إِنَّفَقَتِ الظُّرُقِ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ مُسْنَد أَنَسِ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي طَلْحَة فَرَوَاهُ مُطَوَّلًا عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقه بِإِسْنَادٍ حَسَن، وَأَوَّله عَنْ أَبِي طَلْحَة قَالَ: ((دَخَلْتِ الْمَسْجِدِ فَعَرَفْتِ فِي وَجْهُ (١) أخرجه البخاري (٣٥٧٨)، ومسلم (٥٤٣٧). (٢) أخرجه مسلم (٥٤٤٠). (٣) أخرجه البخاري (٥٤٥٠). (٤) أخرجه مسلم (٥٤٣٩). ٤٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ الْجُوع)، الْحَدِيث، وَالْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَعَدَّهُ النَّبِيّ لِلصَّلاَةِ فِيهِ حِين مُحَاصَرَة الْأَحْزَابِ لِلْمَدِينَةِ فِي غَزْوَة الخندق. (لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ الله ◌ِهِ ضَعِيفًا، أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟) فِيهِ الْعَمَل عَلَى الْقَرَائِن. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ مُبَارَكِ بْن فَضَالَةٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله وَثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد أَحْمَد: (أَنَّ أَبَا طَلْحَة رَأَى رَسُول الله ◌َِّ طَاوِبًا)) وَعِنْد أَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس ((أَنَّ أَبَا طَلْحَة بَلَغَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ طَعَامِ، فَذَهَبَ فَأَجَّرَ نَفْسه بِصَاعٍ مِنْ شَعِير بِعَمَلِ بَقِيَّةٍ يَوْمِه ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَ بِهِ)) الْحَدِيث، وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَبْدِ الله بْن أَبِي طَلْحَةٍ وَهُوَ أَخُو إِسْحَاقِ رَاوِي حَدِيثِ الْبَابِ عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِم وَأَبِي يَعْلَى قَالَ: ((رَأَى أَبُو طَلْحَة رَسُول الله ◌َِّ مُضْطَجِعًا يَتَقَلَّبِ ظَهْرًا لِيَظْنٍ)) وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن عَبْد الله بْن أَبِي طَلْحَة عِنْد مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ أَنَسِ قَالَ: ((جِئْت رَسُول الله وَ﴿ فَوَجَدْته جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِه يُحَدِّثُهُمْ وَقَدْ عَصَبَ بَظْنه بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتِ بَعْض أَصْحَابِهِ فَقَالُوا مِن الْجُوعِ، فَذَهَبْت إِلَى أَبِي طَلْحَة فَأَخْبَرْته، فَدَخَلَ عَلَى أُمّ سُلَيْمٍ فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءِ» الْحَدِيثِ. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْنِ كَعْب عَنْ أَنَس عِنْد أَبِي نُعَيْمِ (جَاءَ أَبُو طَلْحَة إِلَى أُمّ سُلَيْمٍ فَقَالَ: أَعْنَدك شَيْءٍ، فَإِّ مَرَرْت عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَهُوَ يُقْرِئ أَصْحَابِ الصُّفَّة سُورَة النِّسَاء وَقَدْ رَبَطَ عَلَى بَطْنه حَجَرًا مِن الْجُوع)». (قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ) فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَس عِنْد أَحْمَدِ قَالَ: ((عَمَدَتْ أُمّ سُلَيْمٍ إِلَى نِصْف مُدّمِنْ شَعِير فَطَحَنَتْهُ)) وَعِنْدِ الْمُصَنِّف مِنْ هَذَا الْوَجْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ عَنْ أَنَس أَنَّ أُمَّهُ أُمُّ سُلَيْمِ (عَمَدَتْ إِلَى مُدّ مِنْ شَعِيرِ جَرَشَتْهُ ثُمَّ عَمِلَتْهُ)) وَفِي رِوَايَة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ أَنَس عِنْد أَحْمَد وَمُسْلِمِ (أَفَى أَبُو طَلْحَة بِمُدَّ مِنْ شَعِير فَأَمَرَ بِهِ فَصُنِعَ طَعَامًا)) وَلَا مُنَافَاة بَيْن ذَلِكَ لِإِحْتِمَالِ أَنْ تَكُون الْقِصَّة تَعَذَّدَتْ وَأَنَّ بَعْض الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَرِ، وَيُمْكِنِ الْجُمْعِ بِأَنْ يَكُون الشَّعِير فِي الْأَصْلِ كَانَ صَاعًا فَأَفْرَدَتْ بَعْضِه لِعِيَالِهِمْ وَبَعْضِه لِلنَّبِّ وَِّ، وَبَدُلّ عَلَى التَّعَدُّد مَا بَيْن ٤٧٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعجزات الْعَصِيدَة وَالْخُبْزِ الْمَفْتُوتِ الْمَلْتُوتِ بِالسَّمْنِ مِن الْمُغَايَرَةِ، وَقَدْ وَقَعَ لِأَمِّ سُلَيْمٍ فِي شَيْء صَنَعَتْهُ لِلنَّبِّ ◌َّيْ لَمَّا تَزَوَّجَ زَيْنَب بِنْت جَحْش قَرِيب مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ تَكْثِير الطَّعَامِ وَإِذْخَال عَشَرَةٍ عَشَرَةٍ. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَدِ فِي رِوَايَة إِبْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَس ((عَمَدَثْ أُمّ سُلَيْمٍ إِلَى نِصْف مُدّ مِنْ شَعِير فَطَحَنَتْهُ، ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى عُكَّة فِيهَا شَيْءٍ مِنْ سَمْن فَإِنَّخَذَتْ مِنْهُ خَطِيفَة)) الْحَدِيثِ وَالْخُطِيفَةِ هِيَ الْعَصِيدَة وَزْنَا وَمَعْنَى. (ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَقَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَاتَتْنِي بِبَعْضِهِ) أي: لَقَّتْنِي بِهِ يُقَال لَاثَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِه أي: عَصَبَهَا، وَالْمُرَادَ أَنَّهَا لَقَّتْ بَعْضِه عَلَى رَأْسِه وَبَعْضه عَلَى إِبْطه. تَقُول: دَسَّ الشَّيْء يَدُسّهُ دَسَّا إِذَا أَدْخَلَهُ فِي الشَّيْءٍ بِقَهْرٍ وَقُوَّة. (ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ وَّ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولِ الله وَِّ: ((آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((بِطَعَامِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لِمَنْ مَعَهُ: (قُومُو))) ظَاهِرِهِ أَنَّ النَّبِيّ ◌َ﴿ فَهِمَ أَنَّ أَبَا طَلْحَة اِسْتَدْعَاهُ إِلَى مَنْزِلِه فَلِذَلِكَ قَالَ لِمَنْ عِنْده قُومُوا، وَأَوَّل الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ أُمّ سُلَيْمٍ وَأَبَا طَلْحَة أَرْسَلَا الْخُبْزِ مَعَ أَنَس، فَيُجْمَعِ بِأَنَّهُمَا أَرَادَا بِرْسَالِ الْخُبْزِ مَعَ أَنَس أَنْ يَأْخُذهُ النَّبِيّ ◌َ فَيَأْكُلُهُ، فَلَمَّا وَصَلَ أَنَس وَرَأَى كَثْرَة النَّاس حَوْلِ النَّبِّ نَّهَ اِسْتَحْيَا وَظَهَرَ لَهُ أَنْ يَدْعُوِ النَّبِيّ ◌ٍَّ لِيَقُومَ مَعَهُ وَحْده إِلَى الْمَنْزِل فَيَحْصُلِ مَقْصُودِهِمْ مِنْ إِْعَامِهِ، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَنْ رَأْي مَنْ أَرْسَلَهُ، عَهِدَ إِلَيْهِ إِذَا رَأَى كَثْرَةِ النَّاسِ أَنْ يَسْتَدْعِي النَّبِيّ ◌َّهِ وَحْده خَشْيَة أَنْ لَا يَكْفِيهِمْ ذَلِكَ الشَّيْءٍ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَدْ عَرَفُوا إِيثَارِ النَّبِيّ ◌َ وَأَنَّهُ لَا يَأْكُل وَحْده، وَقَدْ وَجَدْت أَنَّ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ تَقْتَضِي أَنَّ أَبَا طَلْحَة اِسْتَدْعَى النَّبِيّ ◌َ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةْ، فَفِي رِوَايَة سَعْد بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَس «بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَة إِلَى النَّبِيّ ◌َهْ لِأَدْعُوَهُ وَقَدْ جَعَلَ لَهُ طَعَامًا)) وَفِي رِوَايَة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ أَنَس: ((أَمَرَ أَبُو طَلْحَة أُمّ سُلَيْمٍ أَنْ تَصْنَع لِلنَّبِيِّ ﴿َّهُ لِنَفْسِهِ خَاصَّة، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَيْهِ)) وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بْن عَبْد الله بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ ٤٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر أَنَسِ «فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَة عَلَى أَنِّي فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، عِنْدِي كِسَر مِنْ خُبْزِ، فَإِنْ جَاءَنَا رَسُول الله وَيهِ وَحْده أَشْبَعْنَاهُ، وَإِنْ جَاءَ أَحَد مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ)) وَجَمِيع ذَلِكَ عِنْد مُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَة الْمَذْكُورَةِ أَنَّ أَبَا طَلْحَة قَالَ: «إِعْجِنِيهِ وَأَصْلِحِيهِ عَسَى أَنْ نَدْعُو رَسُولِ اللهِ وَيهِ فَيَأْكُل عِنْدَنَا، فَفَعَلَتْ، فَقَالَتْ: أُدْعُ رَسُولَ الله ◌َِ)) وَفِي رِوَايَة يَعْقُوبِ بْن عَبْد الله بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس عِنْد أَبِي نُعَيْم وَأَصْلِه عِنْدِ مُسْلِمِ ((فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَة: يَا أَنَس ◌ِذْهَبْ فَقُمْ قَرِيبًا مِنْ رَسُول الله ◌َِّ، فَإِذَا قَامَ فَدَعْهُ حَتَّى يَتَفَرَّق أَصْحَابِه، ثُمَّ إِبْتَعْهُ حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى عَتَبَة بَابِهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوك). وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَبْد الله بْن أَبِي طَلْحَة عِنْد أَبِي يَعْلَى عَنْ أَنَس ((قَالَ لِي أَبُو طَلْحَة: إِذْهَبْ فَادْعُ رَسُول اللّهِ وَ﴾) وَمِنْ رِوَايَة إِبْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَس ((ثُمَّ بَعَثَنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَأَتَيْتِهِ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَدَعَوْته)) وَعِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة النَّصْرِ بْنِ أَنَس عَنْ أَبِيهِ ((قَالَتْ لِي أُمّ سُلَيْمٍ: إِذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ فَقُلْ لَهُ: ((إِنْ رَأَيْت أَنْ تَغَدَّى عِنْدَنَا فَافْعَلْ)) وَفِي رِوَايَةٍ عَمْرو بْنِ يَحَْى الْمَازِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسِ عِنْدِ الْبَغَوِيِّ ((فَقَالَ أَبُو طَلْحَة إِذْهَبْ يَا بُنَيَّ إِلَى النَّبِيّ ◌َّهِ فَادْعُهُ. قَالَ فَجِئْتَه فَقُلْت لَهُ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكِ)» الْحَدِيث. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْنِ كَعْب ((فَقَالَ يَا بُنَيَّ إِذْهَبْ إِلَى رَسُول الله ◌َِّ فَادْعُهُ، وَلَا تَدْعُ مَعَهُ غَيْره وَلَا تَفْضَحِي)). (آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَة؟) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة لِلِاِسْتِفْهَاِ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْنِ كَعْب ((فَقَالَ لِلْقَوْمِ إِنْطَلِقُوا فَانْطَلَقُوا وَهُمْ ثَمَانُونَ رَجُلًا)) وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب «فَلَمَّا قُلْت لَهُ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: يَا هَؤُلَاءٍ تَعَالَوْا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَشَدَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا أَرْسَلَ يَدِي فَدَخَلْت، وَأَنَا حَزِين لِكَثْرَةِ مَنْ جَاءَ مَعَهُ)). (فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ) أي: قَدْرِ مَا يَكْفِيهِمْ (فَقَالَتِ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) كَأَنَّهَا عَرَفَتْ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لِيُظْهِر الْكَرَامَة فِي تَكْثِير ذَلِكَ الطَّعَامِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى فِظْنَةٍ أَمّ سُلَيْمٍ وَرُجْحَان عَقْلهَا. وَفِي ٤٧٩ كتاب الفضائل والشمائل / باب في المعجزات رِوَايَة مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةٍ: ((فَاسْتَقْبَلَهُ أَبُو طَلْحَة فَقَالَ: يَا رَسُول الله مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُرْص عَمِلَتْهُ أُمّ سُلَيْمٍ)) وَفِي رِوَايَة سَعْد بْنِ سَعِيد ((فَقَالَ أَبُو طَلْحَةٍ)) إِنَّمَا صَنَعْت لَك شَيْئًا: (وَتَحْوِهِ فِي رِوَايَة إِبْنِ سِيرِينَ، وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَبْد الله: ((فَقَالَ أَبُو طَلْحَة: إِنَّمَا هُوَ قُرْص فَقَالَ: إِنَّ اللّهِ سَيُبَارِكُ فِيهِ)) وَتَحْوِهِ فِي رِوَايَة عَمْرو بْنِ يَحْنَى الْمَازِيّ، وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب: «فَقَالَ أَبُو طَلْحَة: يَا رَسُول الله إِنَّمَا أَرْسَلْت أَنَسَّا يَدْعُوكَ وَحْدكِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدنَا مَا يُشْبِعِ مَنْ أَرَى، فَقَالَ: أُدْخُلْ فَإِنَّ اللّه سَيُبَارِكُ فِيمَا عِنْدك)) وَفِي رِوَايَة النَّصْرِ بْنِ أَنَس عَنْ أَبِيهِ ((فَدَخَلْت عَلَى أُمّ سُلَيْمٍ وَأَنَا مُنْدَهِش)) وَفِي رِوَايَة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى أَنَّ أَبَا طَلْحَة قَالَ: ((يَا أَنَسِ فَضَحْتَنَا)) وَلِلطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط ((فَجَعَلَ يَرْمِينِي بِالْحِجَارَةِ». (فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ الله ◌َّهِ فَقْبَلَ رَسُولُ اللهِلَهُ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ:((هَلُّمِّي يَا أَمَّ سُلَيْمٍ، مَا عِنْدَكِ؟))) كَذَا لِأَّبِي ذَرّ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ (هَلُمَّ)) وَهِيَ لُغَة حِجَازِيَّة، هَلُمَّ عِنْدِهِمْ لَا يُؤَنَّث وَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨] وَالْمُرَاد بِذَلِكَ طَلَب مَا عِنْدهمَا. (فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّه ◌ِ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمِ عُكَّةً فَأَدَمَنْهُ) أي: صَيَّرَتْ مَا خَرَجَ مِن الْعُكَّة لَهُ إِدَامًا، وَالْعُكَّة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيدِ الْكَاف إِنَاء مِنْ جَلْد مُسْتَدِير يُجْعَل فِيهِ السَّمْنِ غَالِيًا وَالْعَسَلِ، وَفِي رِوَايَة مُبَارَكِ بْن فَضَالَة ((فَقَالَ هَلْ مِنْ سَمْنِ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةٍ: قَدْ كَانَ فِي الْعُكَّة سَمْنِ، فَجَاءَ بِهَا فَجَعَلًا يَعْصِرَانِهَا حَتَّى خَرَجَ، ثُمَّ مَسَحَ رَسُول الله وَله بِهِ سَبَّابَتهُ ثُمَّ مَسَحَ الْقُرْص فَانْتَفَخَ وَقَالَ: بِسْمِ الله، فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعَ ذَلِكَ وَالْقُرْصِ يَنْتَفِخِ حَتَّى رَأَيْتِ الْقُرْصِ فِي الْجُمْنَة يَتَمَيَّع)) وَفِي رِوَايَة سَعْد بْنِ سَعِيد ((فَمَسَّهَا رَسُولِ اللهِ وَلَهَ وَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ)) وَفِي رِوَايَة النَّضْرِ بْن أَنَس «فَجِئْت بِهَا فَفَتَحَ رِبَاطِهَا ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ الله، اللَّهُمَّ أَعْظِمْ فِيهَا الْبَرَكَة)) وَعُرِفَ بِهَذَا الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ((وَقَالَ فِيهَا مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُول)). (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِيهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ((اقْذَنْ لِعَشَرَةٍ))) ٤٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر ظَاهِرُهُ أَنَّهُ ◌َِّ دَخَلَ مَنْزِل أَبِي طَلْحَة وَحْده وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى وَلَفْظُه ((فَلَمَّا إِنْتَهَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلَى الْبَابِ فَقَالَ لَهُم أُقْعُدُوا وَدَخَلَ)) وَفِي رِوَايَة يَعْقُوبِ «أَدْخِلْ عَّ ثَمَانِيَة؛ فَمَا زَالَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ رَجُلًا ثُمَّ دَعَانِي وَدَعَا ◌ُتّي وَأَبَا طَلْحَةٍ فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا)) إِنْتَهَى. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَعَدُّد الْقِصَّة، فَإِنَّ أَكْثَرِ الرِّوَايَات فِيهَا أَنَّهُ أَدْخَلَهُمْ عَشَرَة عَشَرَةِ سِوَى هَذِهِ فَقَالَ إِنَّهُ أَدْخَلَهُمْ ثَمَانِيَة ثَمَانِيَةِ، فَاللهِ أَعْلَمُ. (فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا) فِي رِوَايَةٍ مُبَارَكِ بْن فَضَالَة ((فَوَضَعَ يَده وَسَط الْقُرْص وَقَالَ: كُلُوا بِسْمِ اللهِ، فَأَكَلُوا مِنْ حَوَالَي الْقَصْعَة حَتَّى شَبِعُوا)) وَفِي رِوَايَة بَكْر بْن عَبْد الله: ((فَقَالَ لَهُمْ كُلُوا مِنْ بَيْن أَصَابِعِي)). (ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((اتْذَنْ لِعَشَرَةٍ)) فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: (اقْذَنْ لِعَشَرَةٍ ثُمَّ لِعَشَرَةٍ)) فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((اقْذَنْ لِعَشَرَةٍ)) فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((اتْذَنْ لِعَشَرَةِ) فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا) فِي رِوَايَة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى ((ثُمَّ قَالَ لَهُمْ قُومُوا وَلْيَدْخُلْ عَشَرَة مَگانكُمْ)). (وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ - أَوْ ثَمَانُونَ - رَجُلاً) كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ، وَفِي غَيْرِهَا بِالْجُزْمِ بِالثَّمَانِينَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْنِ كَعْب وَغَيْرِه، وَفِي رِوَايَة مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَة ((حَتَّى أَكَلَ مِنْهُ بِضْعَةٍ وَثَمَانُونَ رَجُلًا)) وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ((حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكْلَ النَّبِيّ ◌َ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَهْلِ الْبَيْتِ وَتَرَكُوا سُؤْرًا)) أي: فَضْلًا. وَفِي رِوَايَته عِنْد أَحْمَدِ ((قُلْتِ كَمْ كَانُوا؟ قَالُوا: كَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ قَالَ: وَأَفْضَلَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ مَا يُشْبِعُهُمْ)) وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا لِإِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونِ أُلْغِيَ الْكَسْرِ، وَلَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْنِ سِيرِينَ عِنْد أَحْمَد ((حَتَّى أَكَلَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَبَقِيَتْ كَمَا هِيَ)) وَهَذَا يُؤَيِّد التَّغَايُرِ الَّذِي أَشَرْتِ إِلَيْهِ، وَأَنَّ الْقِصَّة الَّتِي رَوَاهَا اِبْنِ سِيرِينَ غَيْرِ الْقِصَّةِ الَّتِي رَوَاهَا غَيْرِهِ، وَزَادَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَة عَبْد الله بْن عَبْد الله بْن أَبِي طَلْحَة: ((وَأَفْضَلَ مَا بَلَغُوا جِيرَانِهِمْ)) وَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن عَبْد الله: ((وَفَضَلَتْ فَضْلَةٍ فَأَهْدَيْنَاهَا لِجِيرَانِنَا)) وَنَحْوه