Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالإِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِ حَتَّى أَنَّى
السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُّ،
قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ
إِذَا يَخْتَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ، قَالَ: هَذَا يَحْتَى وَهَذَا عِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ
فَرَدَّا، ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ)).
ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِئَةِ، فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ
مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدْ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ،
فَفْتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ، ثُمَّ
قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِى حَتَّى أَنَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ،
فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: أَوَقَدْ أُرْسِلَ
إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِذْرِيسُ
فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ
وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَنَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرِيلُ،
قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ
الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ
عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَى أَى السَّمَاءَ
السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ:
وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًّا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا مُوسَى
قَالَ: هَذَا مُوسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالَّخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ
الصَّالِحِ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي؛ لأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي.
(ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرِيلُ،

٤٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ
الْمَجِيءُ جَاءَ فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ
السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالإِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا
نَبِقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، قَالَ: هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا
أَرْبَعَةُ أَنْهَارِ: نَهْرَانِ بَاطِنَانٍ، وَنَهْرَانٍ ظَاهِرَانٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا
الْبَاطِنَانِ، فَنَهَرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ، فَالتِّيلُ وَالْفُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ،
ثُمَّ أَتِيتُ بِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبْنَ، فَقَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ
أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَّ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى
مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ
خَمْسِينَ صَلَاةً كُلّ يَوْمٍ، وَإِي وَاللّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ
الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا،
فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّ عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ
مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّ
عَشْرًّا، فَأُمِرْتُ بِعَشْرٍ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ
صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلّ
يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلّ يَوْمٍ، وَإِّ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ،
وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، قَالَ:
سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأَسَلِّمُ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ:
أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
قال العلامة أحمد الدردير: (بَيْتَمَا أَنَا) إِذْ أَتَانِي آتٍ فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ)»
يَعْنِي: مِنْ ثُغْرَةٍ تَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ): ظرف زمان تضاف إلى الجمل الاسمية والفعلية
(١) أخرجه البخاري (٣٨٨٧)، ومسلم (٤٣٤).

٤٢٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
وأصلها بيّن، فتولدت الألف من إشباع الفتحة ثم زيدت الميم وقد لا تزاد فيقال: بينا،
ثم ضمنت معنى الشرط فلذا كانت لا بدّ لها من جواب، وجوابها لا بدّ أن يكون
مقرونًا بإذ أو إذا الفجائيتين، والمعنى بين أوقات كون النبي ... إلخ، ولم يقل بينما أنا
مضطجعًا؛ لأن القصة مرورية بالمعنى، ولذا كان غالب ضمائرها الغيبية، والنبي فعيل
بمعنى فاعل أو مفعول بهمز وبلا همز من النبأ؛ أي: الخبر أو النبوة بسكون الباء؛ أي:
الرفعة.
(فِي الْخَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الْحِجْرِ) - بكسر الحاء وسكون الجيم -؛ لأنه
حجر عليه بجدار قصير مكان معروف ملاصق للبيت وفيه ستة أذرع من أصل البيت
الشريف، وقيل: كله من البيت ورجح ويقال له الحطيم. والصحيح: إن الحطيم ما بين
البيت والمقام، إلا أن بعض الروايات في الحطيم بدل الحجر، فيتعين كما قال ابن حجر:
إن المراد به الحجر؛ لأنه الذي ينام فيه، ويدل عليه رواية الحجر؛ لأنها تفسره. سُمِّي
حطيمًا؛ لأنه حطم عن مساواة البيت؛ أو لأن الذنوب تحطم؛ أي: تزال فيه أو غير ذلك.
(مُضْطَجِعًا) حال من ضمير النبي؛ أي: واضعًا جنبه - أي: الأيمن - كما قيل
بالأرض بين النوم واليقظة.
(إِذْ أَقَانِي آتٍ) إذ للمفاجأة؛ أي: البغتة؛ أي: أوقات كون النبي ... إلخ؛ إذ بغتة
مجيء جبريل .... إلخ، وقيل: بل هي لتوكيد المفاجأة المستفادة من بينما.
(فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ - يَعْنِي: مِنْ تُغْرَةٍ تَخْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ) الشق: القطع
طولاً، والقُّغْرة - بضم المثلثة وسكون الغين النقرة - والنحر: موضع القلادة، فثغره
النحر هي المنخسف فوق الصدر الملاصق للنحر المسمّاة باللبة التي هي محل النحر؛
أي: الذكاة من الإبل.
(فَاسْتَخْرَجَ قَلْبي) أي: أخرج قلبه المراد به هنا اللحمة، وفيما قبله السر الإلهي
المتعلق بهذه اللحمة.
(ثُمَّ أَتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا) أي: بملئه ماء من ماء زمزم، وهذا

٤٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
الطست من ذهب أخذًا، وفيه لغات أربع كسر الطاء وفتحها مع السين المهملة
والمعجمة وقد تبدّل التاء سينًا وتدغم في السين فيقال: طس وهذه خامسة، وهو إناء
معروف والغالب عليه كونه من النحاس واختير على غيره؛ لأنه أشهر آلات
الاستعمال في الغسل وكان من ذهب؛ لأنه أصفى المعادن ولا يعلوه صدأ ولا تسلط
عليه النار ولا التراب فهو مناسب في المعنى لقلبه الشريف؛ إذ هو أصفى القلوب ولا
يعتريه الصدأ المعنوي ولا تسلّط للشيطان عليه، وأيضًا ليناسب ثقله ثقل الوحي، ولما
فيه من المناسبة اللفظية أيضًا وهي ذهاب الرعونات البشرية عنه؛ أو لذهابه إلى
الحضرة القدسية، وجواز استعماله إما خصوصية له وَ ل# وإما لكون حرمته لم تكن
شرعت؛ لأنه إنما حرم بعد الهجرة، وإما لكونه من عالم الملكوت والمحرم إنما هو ما
كان من عالم الملك، وإما لأنه من أواني الجنة وهي لا يحرم استعمالها، وإنما كان من ماء
زمزم؛ لأنه أفضل المياه بعد السابع من أصابعه الشريفة؛ لأنه من ضربة جبريل بجناحه
الأرض كما مرَّ ولما قيل من أنه يقوي القلب وأنه من ماء الجنة وقد اكتسب من بركة
الأرض ويليه ماء الكوثر ثم نيل مصر، ونظم التقي السبكي ذلك بقوله:
وأفضل المياه ماء قد نبع من بين أصابع النبي المتبع
يليه ماء زمزم فالكوثر فنيل مصر ثم باقي الأنهر
وورد: ((ماء زمزم لما شرب له)»(١).
(فَغُسِلَ قَلْبِ) فِي رِوَايَةٍ مُسْلِمِ (فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمْ)) وَفِيهِ فَضِيلَة
مَاءِ زَهْزَم عَلَى جَمِيعِ الْمِيَاهِ، قَالَ إِبْن أَبِي جَمْرَة: وَإِنَّمَا لَمْ يُغْسَل بِمَاءِ الْجَنَّة لِمَا أُجْتُمِعَ فِي
مَاء زَمْزَم مِنْ كَوْن أَصْلِ مَائِهَا مِن الْجَنَّةِ ثُمَّ اِسْتَقَرَّ فِي الْأَرْضِ فَأُرِيدَ بِذَلِكَ بَقَاء بَرَكَة
النَِّيّ ◌َّهُ فِي الْأَرْض.
وَقَالَ السُّهَيْلِيّ: لَمَّا كَانَتْ زَمْزَمْ هَزْمَةٍ جِبْرِيل رُوحِ الْقُدْس لِأُمّ إِسْمَاعِيل جَدّ
(١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٦٩/٩).

٤٢٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
النَّبِيّ ◌ََّ نَاسَبَ أَنْ يُغْسَل بِمَائِهَا عِنْدِ دُخُول حَضْرَة الْقُدْس وَمُنَاجَاتِه وَمِنِ الْمُنَاسِبَات
الْمُسْتَبْعَدَة قَوْل بَعْضهمْ: إِنَّ الطَّسْتِ يُنَاسِب ﴿طس تِلْكَ آيَاتِ الْقُرْآنِ﴾ [النمل: ١].
(ثُمَّ حُشِي ثُمَّ أَعِيْدَ وَفِي رِوَايَةٍ) مُسْلِم (ثُمَّ غُسِلَ البَظْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ مُلِئَ
إِيمَانًا وَحِكْمَةً) وَفِي رِوَايَةٍ شَرِيك ((فَحُشِيَ بِهِ صَدْرِه وَلَغَادِيدَهُ)) بِلَامٍ وَغَيْن مُعْجَمَة أي:
عُرُوق حَلْقِه، وَقَد اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَة عَلَى مَا يُدْهَش سَامِعِه فَضْلًا
عَمَّنْ شَاهَدَهُ، فَقَدْ جَرَتِ الْعَادَة بِأَنَّ مَنْ شُقَّ بَظْنه وَأُخْرِجَ قَلْبِه يَمُوت لَا مَحَالَة، وَمَعَ
ذَلِكَ فَلَمْ يُؤَثِّرِ فِيهِ ذَلِكَ ضَرَرًا وَلَا وَجَعًا فَضْلًا عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ اِبْنِ أَبِي جَمْرَة: الْحِكْمَةِ فِي شَقّ قَلْبِه - مَعَ الْقُدْرَة عَلَى أَنْ يَمْتَلِئِ إِيمَانًا وَحِكْمَة
بِغَيْرِ شَقّ - الزِّيَادَةِ فِي قُوَّة الْيَقِين، لِأَنَّهُ أُعْطِيَ بِرُؤْيَةٍ شَقَ بَظْنه وَعَدَم تَأَثّه بِذَلِكَ مَا أَمِنَ
مَعَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَخَاوِفِ الْعَادِيَةِ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَشْجَعِ النَّاسِ وَأَعْلَاهُمْ حَلَّا وَمَقَالًا؛ وَلِذَلِكَ
وُصِفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرِ وَمَا طَفَى﴾ [النجم: ١٧] وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ شَقّ صَدْره
وَغَسْله ◌ُخْتَصَّا بِهِ أَوْ وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِن الْأَنْبِيَاءِ؟ وَقَدْ وَقَعَ عِنْدِ الطَّبَرَائِيِّ فِي قِصَّةِ تَابُوت بَنِي
إِسْرَائِيل أَنَّهُ كَانَ فِيهِ الطَّسْتِ الَّتِي يُغْسَلِ فِيهَا قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا مُشْعِرِ بِالْمُشَارَكَةِ.
قَوْله: (ثُمَّ أُوتِيتُ بِدَابَّةٍ) قِيلَ: الْحِكْمَة فِي الْإِسْرَاء بِهِ رَاكِبًا مَعَ الْقُدْرَة عَلَى طَيّ
الْأَرْضِ لَهُ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ تَأْنِيسًا لَهُ بِالْعَادَةِ فِي مَقَامٍ خَرْق الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةِ
جَرَتْ بِأَنَّ الْمَلِكِ إِذَا اِسْتَدْعَى مَنْ يَخْتَصّ بِهِ يَبْعَث إِلَيْهِ بِمَا يَرْكَبِهُ.
(دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ) كَذَا ذَكَرَ بِاعْتِبَارٍ كَوْنِهِ مَرْكُوبًا أَوْ بِالنَّظَرِ
لِلَفْظِ الْبُرَاقِ، وَالْحِكْمَة لِكَوْنِهِ بِهَذِهِ الصَّفَة الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الرُّكُوبِ كَانَ فِي سِلْم وَأَمْن لَا
فِي حَرْب وَخَوْفٍ، أَوْ لِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ بِوُقُوعِ الْإِسْرَاعِ الشَّدِيد بِدَابَّةٍ لَا تُوصَف بِذَلِكَ
فِي الْعَادَة.
(فَقَالَ لَهُ: الْبُرَاقُ يَضَعُ خَطْوَهُ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ أَوَّلِه الْمَرَّةِ الْوَاحِدَة، وَبِضَمِّهَا
الْفَعْلَةِ.
(عِنْد أَقْصَى طَرْفه) بِسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالْفَاءِ أي: نَظَرَه، أي: يَضَعِ رِجْله عِنْد مُنْتَهَى

٤٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
مَا يَرَى بَصَرِهِ. وَفِي حَدِيث اِبْنِ مَسْعُودٍ عِنْد أَبِي يَعْلَى وَالْبَزَّارِ ((إِذَا أَنَى عَلَى جَبَل إِرْتَفَعَتْ
رِجْلَاهُ وَإِذَا هَبَطَ إِرْتَفَعَتْ يَدَاهُ)) وَفِي رِوَايَة لِاِبْنِ سَعْد عَنِ الْوَاقِدِيّ بِأَسَانِيدِهِ (لَهُ
جَنَاحَانٍ)) وَلَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ، وَعِنْدِ الثَّعْلَبِيّ بِسَنَّدٍ ضَعِيف عَنِ إِبْنِ عَبَّاس فِي صِفَة الْبُرَاق
(لَهَا خَدّ كَخَدِّ الْإِنْسَان وَعُرْفِ كَالْفَرَسِ وَقَوَائِمِ كَالْإِبِلِ وَذَنَب كَالْبَقَرِ، وَكَانَ صَدْرهِ يَاقُوتَة
حَمْرَاء)) قِيلَ: وَيُؤْخَذْ مِنْ تَرْكِ تَسْمِيَةِ سَيْرِ الْبُرَاقِ طَيَرَانًا أَنَّ اللّهِ إِذَا أَكْرَمَ عَبْدًا بِتَسْهِيلٍ
الظَّرِيقِ لَّهُ حَتَّى قَطَعَ الْمَسَافَةِ الطَّوِيلَة فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ أَنْ لَا يَخْرُجِ بِذَلِكَ عَنِ اِسْمِ
السَّفَر وَنَجْرِي عَلَيْهِ أَحْگامه.
وَالْبُرَاقِ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ مُشْتَقٌ مِن الْبَرِيقِ، فَقَدْ جَاءَ فِي لَوْنِه أَنَّهُ
أَبْيَضِ، أَوْ مِن الْبَرْق ◌ِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِسُرْعَةِ السَّيْرِ، أَوْ مِنْ قَوْلهُمْ شَاة بَرْقَاء إِذَا كَانَ خِلَال
صُوفِهَا الْأَبْيَض طَاقَات سُود، وَلَا يُنَافِيه وَصْفِه فِي الْحَدِيث بِأَنَّ الْبُرَاقِ أَبْيَض ◌ِأَنَّ
الْبَرْقَاءِ مِن الْغَنَمِ مَعْدُودَةٍ فِي الْبَيَاض، اِنْتَهَى.
وَيَحْتَمِلِ أَنْ لَا يَكُون مُشْتَقًّا، قَالَ اِبْنِ أَبِي جَمْرَة: خُصَّ الْبُرَاقِ بِذَلِكَ إِشَارَةٍ إِلَى
الإِخْتِصَاص بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلِ أَنَّ أَحَدًا مَلَكَهُ، بِخِلَافٍ غَيْرِ جِنْسِه مِن الدَّوَابّ. قَالَ:
وَالْقُدْرَة كَانَتْ صَالِحَةٍ لِأَنْ يَصْعَد بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ بُرَاقٍ، وَلَكِنْ رُكُوبِ الْبُرَاقِ كَانَ
زِيَادَة لَهُ فِي تَشْرِيفِه لِأَنَّهُ لَوْ صَعِدَ بِنَفْسِهِ لَكَانَ فِي صُورَة مَاشِ، وَالرَّاكِب أَعَزّ مِن
الْمَاشِي.
(فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَة لِأَّبِي سَعِيدٍ فِي (شَرَفِ الْمُصْطَفَى)) ((فَكَانَ الَّذِي أَمْسَكَ
بِكَابِهِ جِبْرِيل، وَبِزِمَامِ الْبُرَاق مِيكَائِيل)) وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس ((أَنَّ
رَسُول الله ﴿ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ أَتِيَ بِالْبُرَاقِ مُسَرَّجًا مُلَجَّمًا فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ
جِبْرِيل: مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا؟ فَوَاللَّهِ مَا رَكِبَك خَلْقِ قَطٌ أَكْرَمِ عَلَى الله مِنْهُ، قَالَ فَارْفَضَّ
عَرَقًا)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَسَن غَرِيب، وَصَحَّحَهُ إِبْنِ حِبَّانِ. وَذَكَرَ إِبْنِ إِسْحَاق
عَنْ قَتَادَةَ ((أَنَّهُ لَمَّا شَمَسَ وَضَعَ جِبْرِيل يَده عَلَى مَعْرِفَته فَقَالَ: أَمَا تَسْتَجِي؟ فَذَكَرَ نَحْوِهِ
مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُر أَنَسًا)).

٤٢٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
وَفِي رِوَايَة وَثِيمَة عَن إِبْنِ إِسْحَاق ((فَارْتَعَشْت حَتَّى لَصِقْت بِالْأَرْضِ فَاسْتَوَيْت
عَلَيْهَا)) وِلِلنَّسَائِيّ وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيد بْن أَبِي مَالِك عَنْ أَنَس ◌َحْوِهِ مَوْصُولًا
وَزَادَ ((وَكَانَتْ تُسَخَّر لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْله)) وَنَحْوِهِ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد اِبْن إِسْحَاق.
وَفِيهِ: دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّ الْبُرَاقِ كَانَ مُعَدًّا لِرُكُوبِ الْأَنْبِيَاءِ، خِلَافًا لِمَنْ نَفَى ذَلِكَ كَابْنِ
دِحْيَةٍ وَأَوَّلِ قَوْل جِبْرِيل ((فَمَا رَكِبَك أَكْرَم عَلَى الله مِنْهُ)) أي: مَا رَكِبَكَ أَحَدِ قَطْ فَكَيْف
يَرْكَبك أَكْرَم مِنْهُ، وَقَدْ جَزَمَ السُّهَيْلِيِّ أَنَّ الْبُرَاقِ إِنَّمَا اِسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ لِبُعْدِ عَهْده
بِرُكُوبِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْله.
قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الزُّبَيْدِيّ فِي ((مُخْتَصَرِ الْعَيْنِيّ)) وَتَبِعَهُ صَاحِب ((التَّحْرِير): كَانَ
الْأَنْبِيَاءِ يَرْكَبُونَ الْبُرَاق، قَالَ: وَهَذَا يَحْتَاج إِلَى نَقْل صَحِيح.
قُلْت: قَدْ ذَكَرْت النَّقْل بِذَلِكَ، وَبُؤَيِّدهُ ظَاهِرِ قَوْله ((فَرَبَطْته بِالْخَلْقَةِ الَّتِي تَرْبِط بِهَا
الْأَنْبِيَاءِ)) وَوَقَعَ فِي ((الْمُبْتَدَأُ لِإِبْنِ إِسْحَاق)) مِنْ رِوَايَةٍ وَثِيمَةٍ فِي ذِكْرِ الْإِسْرَاءِ ((فَاسْتَصْعَبَت
الْبُرَاقِ، وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءِ تَرْكَبِهَا قَبْلِي وَكَانَتْ بَعِيدَة الْعَهْدِ بِرُكُوبِهِمْ لَمْ تَكُنْ رُكِبَتْ فِي
الْفِتْنَةِ)) وَفِي ((مَغَازِي إِبْن عَائِذْ)) مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب قَالَ: ((الْبُرَاق
هِيَ الدَّابَّةِ الَّتِي كَانَ يَزُورِ إِبْرَاهِيم عَلَيْهَا إِسْمَاعِيل)) وَفِي الطََّرَانِيِّ مِنْ حَدِيث
عَبْد الرَّحْمَن بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ ((أَنَّ جِبْرِيلِ أَنَى النَّبِيّ ◌َّهُ بِالْبُرَاقِ فَحَمَلَهُ بَيْن يَدَيْهِ)»
وَعِنْد أَبِي يَعْلَى وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ «أَتِيت بِالْبُرَاقِ فَرَكِبْتِ خَلْف
جِبْرِيل)) وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْدِ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ((فَمَا زَايَلَا ظَهْرِ الْبُرَاقِ)) وَفِي
((كِتَاب مَكَّةٍ)) لِلْفَاكِهِيّ وَالْأَزْرَقِيّ(أَنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ يَحُجْ عَلَى الْبُرَاقِ)) وَفِي أَوَائِل الرَّوْض
لِلسُّهَيْلِّ(أَنَّ إِبْرَاهِيم حَمَلَ هَاجَرَ عَلَى الْبُرَاقِ لَمَّا سَارَ إِلَى مَكَّة بِهَا وَبِوَلَدِهَا)) فَهَذِهِ آثَار
يَشُدّ بَعْضِهَا بَعْضًا. وَجَاءَتْ آثَار أُخْرَى تَشْهَد لِذَلِكَ لَمْ أَرَ الْإِطَالَة بِإِبِرَادِهَا. وَمِن
الْأَخْبَارِ الْوَاهِيَةِ فِي صِفَة الْبُرَاقِ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ مُقَاتِل وَأَوْرَدَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي
((التَّذْكِرَة)» وَمِنْ قَبْله الثَّعْلَبِيّ مِنْ طَرِيقِ إِبْنِ الْكَلْبِّ عَنْ أَبِ صَالِحٍ عَن ◌ِبْنِ عَبَّاس قَالَ:
الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ جِسْمَانِ فَالْمَوْتِ كَبْش لَا يَجِدْ رِيحِه شَيْءٍ إِلَّ مَاتَ، وَالْحَيَاة فَرَس بِلِقَاءِ

٤٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
أُنْثَى، وَهِيَ الَّتِي كَانَ جِبْرِيل وَالْأَنْبِيَاءِ يَرْكَبُونَهَا لَا تَمُرّ بِشَيْءٍ وَلَا يَجِد رِيحِهَا شَيْءٍ إِلَّا
حَتِيَ. وَمِنْهَا أَنَّ الْبُرَاقِ لَمَّا عَاتَبَهُ جِبْرِيل قَالَ لَهُ مُعْتَذِرًا: إِنَّهُ مَسَّ الصَّفْرَاءِ الْيَوْمِ، وَإِنَّ
الصَّفْرَاءِ صَنَم مِنْ ذَهَب كَانَ عِنْدِ الْكَعْبَةِ، وَإِنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ مَرَّ بِهِ فَقَالَ: تَبَّ لِمَنْ يَعْبُدك
مِنْ دُون الله، وَإِنَّهُ وََّ نَهَى زَيْد بْنِ حَارِقَة أَنْ يَمَسّهُ بَعْدِ ذَلِكَ وَكَسَرَهُ يَوْمٍ فَتْح مَكَّة.
قَالَ إِبْنِ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا اِسْتَصْعَبَ الْبُرَاقِ تِيهَا وَزَهْوًّا بِرُكُوبِ النَّبِيّ ◌َُّ عَلَيْهِ، وَأَرَادَ
جِبْرِيل اِسْتِنْطَاقِه فَلِذَلِكَ خَجِلَ وَارْفَضَّ عَرَقًا مِنْ ذَلِكَ.
وَقَرِيب مِنْ ذَلِكَ رَجْفَة الْجَبَل بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُ: (أُثْبُتْ فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِيّ وَصِدِّيق
وَشَهِيد)) فَإِنَّهَا هَزَّةِ الطَّرِبِ لَا هَزَّةِ الْغَضَبِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَة عِنْد أَحْمَدِ قَالَ: ((أُتِيَ
رَسُول اللّه وَلّهِ بِالْبُرَاقِ فَلَمْ يُزَايِل ظَهْره هُوَ وَجِبْرِيل حَتَّى إِنْتَهَيَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ)) فَهَذَا
لَمْ يُسْنِدُهُ حُذَيْفَةٍ عَنِ النَّبِيّ ◌َّةِ، فَيَحْتَمِلِ أَنَّهُ قَالَ عَن إِجْتِهَاد، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله
هُوَّ وَجِبْرِيل يَتَعَلَّق بِمُرَافَقَتِهِ فِي السَّيْرِ لَا فِي الرُّكُوبِ، قَالَ إِبْنِ دِحْيَةٍ وَغَيْرِهِ: مَعْنَاهُ
وَجِبْرِيل قَائِدٍ أَوْ سَائِقٍ أَوْ دَلِيل، قَالَ وَإِنَّمَا جَزَمْنَا بِذَلِكَ لِأَنَّ قِصَّةِ الْمِعْرَاجِ كَانَتْ كَرَامَة
لِلنَّبِيِّ ◌َ﴾ فَلَا مَدْخَل لِغَيْرِهِ فِيهَا.
قُلْت: وَيَرُدّ التّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ فِي صَحِيحِ إِبْنِ حِبَّان مِنْ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود أَنَّ
جِبْرِيل حَمَلَهُ عَلَى الْبُرَاقِ رَدِيفًا لَهُ، وَفِي رِوَايَة الْحَارِثِ فِي ((مُسْنَده)) أُنِيَ بِالْبُرَاقِ فَرَكِبَ
خَلْفِ جِبْرِيل فَسَارَ بِهِمَا، فَهَذَا صَرِيحٍ فِي رُكُوبِه مَعَهُ؛ فَالله أَعْلَم.
وَأَيْضًا فَإِنَّ ظَاهِرِهِ أَنَّ الْمِعْرَاجِ وَقَعَ لِلنَّبِّ وَهُ عَلَى ظَهْرِ الْبُرَاقِ إِلَى أَنْ صَعِدَ
السَّمَاوَاتِ كُلّهَا وَوَصَلَ إِلَى مَا وَصَلَ وَرَجَعَ وَهُوَ عَلَى حَاله، وَفِيهِ نَظَر! وَلَعَلَّ حُذَيْفَةٍ إِنَّمَا
أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي لَيْلَة الْإِسْرَاءِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي لَمْ يَقَعِ فِيهَا مِعْرَاج عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ
تَقْرِير وُقُوع الْإِسْرَاءِ مَرَّتَيْنِ.
(فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ) فِي رِوَايَة بَدْءِ الْخَلْقِ: ((فَانْطَلَقْت مَعَ جِبْرِيل)) وَلَا مُغَايَرَة
بَيْنِهِمَا، بِخِلَافٍ مَا تَحَا إِلَيْهِ بَعْضهمْ مِنْ أَنَّ رِوَايَة بَدْءِ الْخَلْقِ تُشْعِر بِأَنَّهُ مَا اِحْتَاجَ إِلَى
جِبْرِيل فِي الْعُرُوجِ، بَلْ كَانَا مَعًا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنْ مُعْظَمَ الرِّوَايَاتِ جَاءَ بِاللَّفْظِ

٤٢٩
كتاب الفضائل والشمائل / باب في المعراج
الْأَوَّل، وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ فِي أَوَّلِ الصَّلَاة (ثُمَّ أَخَذَّ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي)) وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ
جِبْرِيل فِي تِلْكَ الْحَالَة كَانَ دَلِيلًا لَهُ فِيمَا قَصَدَ لَهُ فَلِذَلِكَ جَاءَ سِيَاقِ الْكَلَامِ يَشْعُر بِذَلِكَ.
(حَتَّى أَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا) ظَاهِرِهِ أَنَّهُ اِسْتَمَرَّ عَلَى الْبُرَاقِ حَتَّى عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ،
وَهُوَ مُقْتَضَى كُلَامِ إِبْنِ أَبِ جَمْرَةِ الْمَذْكُورِ قَرِيبًا، وَتَمَسّك بِهِ أَيْضًا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمِعْرَاج
كَانَ فِي لَيْلَةٍ غَيْرِ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَمَّا الْعُرُوجِ فَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَة مِن
الْأَخْبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبُرَاقِ بَلْ رَفِيَ الْمِعْرَاجِ، وَهُوَ السُّلَّم كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي
حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ عِنْد ◌ِبْن إِسْحَاق وَالْبَيْهَقِيّ فِي ((الَّلَائِل)) وَلَفْظُه «فَإِذَا أَنَا بِدَابَّةٍ كَالْبَعْلِ
مُصْطَرِبِ الْأُذُنَيْنِ يُقَال لَهُ الْبُرَاقِ، وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءَ تَرْكَبِهُ قَبْلٍ، فَرَكِبْته)) فَذَكَرَ الْحَدِيث
قَالَ: ((ثُمَّ دَخَلْت أَنَا وَجِبْرِيل بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَصَلَّيْت، ثُمَّ أَتِيت بِالْمِعْرَاجِ)) وَفِي رِوَايَة اِبْن
إِسْحَاق ((سَمِعْت رَسُولِ اللهِ وََّ يَقُولُ: لَمَّا فَرَغْتِ مِمَّا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أُنِيَ
بِالْمِعْرَاجِ فَلَمْ أَرَ قَطَ شَيْئًا كَانَ أَحْسَن مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَمُدّ إِلَيْهِ الْمَيِّت عَيْنَيْهِ إِذَا حُضِرَ،
فَأَصْعَدِي صَاحِبِي فِيهِ حَتَّى إِنْتَفَى بِي إِلَى بَاب مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاء)) الْحَدِيث. وَفِي رِوَايَة
كَعْب ((فَوُضِعَتْ لَهُ مَرْقَاة مِنْ فِضَّة وَمَرْقَاة مِنْ ذَهَب حَتَّى عَرَجَ هُوَ وَجِبْرِيل)) وَفِي رِوَايَة
لِأَبِي سَعِيدٍ فِي (شَرَفِ الْمُصْطَفَى)) أَنَّهُ (أَنِيَ بِالْمِعْرَاجِ مِنْ جَنَّة الْفِرْدَوْس وَأَنَّهُ مُنَضَّد
بِالُّؤْلُقٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مَلَائِكَة وَعَنْ يَسَاره مَلَائِكَة)).
وَأَمَّا الْمُحْتَجّ بِالتَّعَدُّدِ فَلَا حُجَّة لَهُ لِإِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونِ التَّقْصِيرِ فِي ذَلِكَ الْإِسْرَاءِ
مِن الرَّاوِي، وَقَدْ حَفِظَهُ ثَابِت عَنْ أَنَسَ عَنِ النَّبِيّ ◌ََّ قَالَ: «أَتِيت بِالْبُرَاقِ - فَوَصَفَهُ
قَالَ - فَرَكِبْتهِ حَتَّى أَتَيْت بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَرَبَطْته بِالْخَلْقَةِ الَّتِي تَرْبِط بِهَا الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ
دَخَلْتِ الْمَسْجِد فَصَلَّيْتِ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتِ فَجَاءَنِي جِبْرِیل بِإِنَاءَيْنِ - فَذَكَّرَ
الْقِصَّة قَالَ - ثُمَّ، عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ)) وَحَدِيث أَبِي سَعِيد دَالٌ عَلَى الإِتّحَادِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ
شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ، وَقَوْله فِي رِوَايَة ثَابِت فَرَبَظْته بِالْخَلْقَةِ، أَنْكَرَهُ
حُذَيْفَةٍ، فَرَوَى أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة قَالَ: ((تُحَدِّثُونَ أَنَّهُ رَبَطَهُ، أَخَافِ أَنْ
يَفِرٌ مِنْهُ وَقَدْ سَخَّرَهُ لَهُ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة)؟ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمَيِّت مُقَدَّم عَلَى النَّافِي،

٤٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
يَعْنِي مَنْ أَثْبَتَ رَبْطِ الْبُرَاقِ وَالصَّلَاةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَهُ زِيَادَة عِلْم عَلَى نَفْي ذَلِكَ،
فَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بُرَيْدَةً عِنْدِ الْبَزَّارِ ((لَمَّا كَانَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ فَأَنَى جِبْرِيل
الصَّخْرَةِ الَّتِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَوَضَعَ إِصْبَعه فِيهَا فَخَرَقَهَا فَشَدَّ بِهَا الْبُرَاقِ)) وَنَحْوه
لِلتِّزْمِذِيِّ، وَأَنْكَرَ حُذَيْفَة أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَِّ صَلَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاحْتَجَّ
بِأَنَّهُ لَوْ صَلَى فِيهِ لَكُتِبَ عَلَيْكُم الصَّلَاةِ فِيهِ كَمَا كُتِبَ عَلَيْكُم الصَّلَاةِ فِي الْبَيْت
الْعَتِيقِ، وَالْجْوَابِ عَنْهُ مَنْعِ الثَّلَاؤُمِ فِي الصَّلَاة إِنْ كَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ))
الْفَرْضِ وَإِنْ أَرَادَ التَّشْرِيعِ فَنَلْتَزِمُهُ، وَقَدْ شَرَعَ النَّبِيّ ◌َِّ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِيسِ
فَقَرَنَهُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِده فِي شَدِّ الرِّحَالِ، وَذَكَرَ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ فِي غَيْرِ مَا
حَدِيث، وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ عِنْدِ الْبَيْهَقِيِّ ((حَتَّى أَتَيْتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَوْثَقْتِ دَابَّتِي
بِالْخَلْقَةِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاء تَرْبِط بِهَا - وَفِيهِ - فَدَخَلْت أَنَا وَجِبْرِيل بَيْتِ الْمَقْدِسِ
فَصَلَّى كُلّ وَاحِد مِنَّا رَكْعَتَيْنِ)) وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي عُبَيْدَة بْن عَبْد الله بْن مَسْعُود عَنْ أَبِيهِ
نَحْوِه وَزَادَ ثُمَّ دَخَلْت الْمَسْجِد فَعَرَفْت النَّبِيِّينَ مِنْ بَيْن قَائِم وَرَاكِعِ وَسَاجِد، ثُمَّ أُقِيمَت
الصَّلَاةِ فَأَمَمْتَهِمْ)) وَفِي رِوَايَةِ: يَزِيد بْن أَبِي مَالِك عَنْ أَنَس عِنْدِ إِبْنِ أَبِيِ حَاتِمِ ((فَلَمْ أَلْبَث
إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى إِجْتَمَعَ نَاس كَثِير، ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّن فَأَقِيمَتِ الصَّلَاة فَقُمْنَا صُفُوفًا نَنْتَظِر
مَنْ يَؤُمّنَا، فَأَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيل فَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتِ بِهِمْ)) وَفِي حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود عِنْد
مُسْلِمِ ((وَحَانَتِ الصَّلَاةِ فَأَمَمْتَهُمْ)) وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد: (فَلَمَّا أَّى النَّبِيّ ◌َهُ
الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّ، فَإِذَا التَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ)) وَفِي حَدِيث عُمَر عِنْد
أَحْمَد أَيْضًا أَنَّهُ ((لَمَّا دَخَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: أُصَلِّ حَيْثُ صَلَّى رَسُول اللهِ وَِّ، فَتَقَدَّمَ
إِلَى الْقِبْلَةِ فَصَلَّى)».
قَالَ عِيَاض: يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون صَلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ صَعِدَ
مِنْهُمْ إِلَى السَّمَاوَاتِ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ وَ رَآهُ، وَيَحْتَمِلِ أَنْ تَكُون صَلَاته بِهِمْ بَعْد أَنْ هَبَطَ
مِنِ السَّمَاءِ فَهَبَطُوا أَيْضًا.
وَقَالَ غَيْرِهِ: رُؤْيَتِه إِيَّاهُمْ فِي السَّمَاءِ مَحْمُولَة عَلَى رُؤْيَةٍ أَرْوَاحِهِمْ إِلَّا عِيسَى لِمَا
ثَبَتَ أَنَّهُ رُفِعَ بِجَسَدِهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي إِدْرِيس أَيْضًا ذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ فِي بَيْت

٤٣١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
الْمَقْدِسِ فَيَحْتَمِلِ الْأَرْوَاحِ خَاصَّةٍ وَيَحْتَمِل الْأَجْسَادِ بِأَرْوَاحِهَا وَالْأَظْهَرِ أَنَّ صَلَاتَهُ بِهِمْ
بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ قَبْلِ الْعُرُوجِ، والله أَعْلَم.
(السَّمَاءِ الدُّنْيَا) فِي حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ فِي ذِكْر الْأَنْبِيَاءِ عِنْدِ الْبَيْهَقِيّ ((إِلَى بَاب مِنْ
أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُقَال لَهُ بَابِ الْحَفَظَةِ، وَعَلَيْهِ مَلَك يُقَال لَهُ إِسْمَاعِيلِ وَتَحْتِ يَده ◌ِثْنَا عَشَر
أَلْفِ مَلَك)».
(فَاسْتَفْتَحَ) تَقَدَّمَ الْقَوْلِ فِيهِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةَ وَأَنَّ قَوْلهُمْ (أُرْسِل إِلَيْهِ)) أي: لِلْعُرُوجِ،
وَلَيْسَ الْمُرَادِ أَصْلِ الْبَعْثِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَد أُشْتُهِرَ فِي الْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى، وَقِيلَ: سَأَلُوا
تَعَجُّبًا مِنْ نِعْمَة الله عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَو إِسْتِبْشَارًا بِهِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ بَشَرًا لَا يَتَرَفَى هَذَا
التَّرَقِّ إِلَّا بِإِذْنِ الله تَعَالَى، وَأَنَّ جِبْرِيل لَا يَصْعَد بِمَنْ لَمْ يُرْسَل إِلَيْهِ. وَقَوْله: ((مَنْ مَعَك))
يُشْعِر بِأَنَّهُمْ أَحَسُوا مَعَهُ بِرَفِيقٍ وَإِلَّا لَكَانَ السُّؤَالِ بِلَفْظِ:(أَمَعَك أَحَد)) وَذَلِكَ الْإِحْسَاسِ
إِمَّا بِمُشَاهَدَةٍ لِكَوْنِ السَّمَاءِ شَفَّافَة، وَإِمَّا بِأَمْرٍ مَعْنَوِيّ كَزِيَادَةٍ أَنْوَار أَوْ نَحْوِهَا يُشْعِر
بِتَجَدُّدِ أَمْرِ يَحْسُن مَعَهُ السُّؤَالِ بِهَذِهِ الصِّيغَة، وَفِي قَوْل ((مُحَمَّد)) دَلِيل عَلَى أَنَّ الإِسْمِ أَوْلَى
فِي التَّعْرِيف مِن الْكُنْيَةِ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةِ فِي سُؤَالِ الْمَلَائِكَةِ ((وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ)»؟ أَنَّ الله
أَرَادَ إِظْلَاعَ نَبِّه عَلَى أَنَّهُ مَعْرُوفٍ عِنْدِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى لِأَنَّهُمْ قَالُوا: ((أَوَبُعِثَ إِلَيْهِ)) فَدَلَّ عَلَى
أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ ذَلِكَ سَيَقَعُ لَهُ؛ وَإِلَّا لَكَانُوا يَقُولُونَ: وَمَنْ مُحَمَّد؟ مَثَلًا.
(قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ
إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ) أي: أَصَابَ رَحَبًا وَسَعَةٍ، وَكُنَِّ بِذَلِكَ عَنِ الإِنْشِرَاحِ،
وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ إِبْنِ الْمُنِيرِ جَوَازِ رَدّ السَّلَامِ بِغَيْرٍ لَفْظِ السَّلَامِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلِ الْمَلَك
(مَرْحَبًا بِهِ)) لَيْسَ رَدَّا لِلسَّلَامِ فَإِنَّهُ كَانَ قَبْل أَنْ يَفْتَحِ الْبَابِ وَالسِّيَاقِ يُرْشِدِ إِلَيْهِ، وَقَدْ نَبَّهَ
عَلَى ذَلِكَ إِبْنِ أَّبِي جَمْرَة، وَوَقَعَ هُنَا أَنَّ جِبْرِيل قَالَ لَهُ عِنْدِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ((سَلِّمْ عَلَيْهِ
قَالَ: فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَام)) وَفِيهِ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّهُ رَآهُمْ قَبْلِ ذَلِكَ.
(فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ) قِيلَ: الْمَخْصُوصِ بِالْمَدْجِ مَحْذُوفٍ، وَفِيهِ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِير،
وَالتَّقْدِيرِ ((جَاءَ فَنِعْمَ الْمَجِيء مَجِيُؤُهُ)) وَقَالَ إِبْنِ مَالِك: فِي هَذَا الْكَلَامِ شَاهِد عَلَى الإِسْتِغْنَاء

٤٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
بِالصِّلَةِ عَنِ الْمَوْصُولِ أَو الصِّفَةِ عَنِ الْمَوْصُوفِ فِي بَابِ نِعْمَ، لِأَنَّهَا تَحْتَاج إِلَى فَاعِل هُوَ
الْمَجِيءَ، وَإِلَى مَخْصُوص بِمَعْنَاهَا وَهُوَ مُبْتَدَأُ مُخْبَر عَنْهُ بِنِعْمَ وَفَاعِلِهَا، فَهُوَ فِي هَذَا الْكَلَام
وَشَبَهِهِ مَوْصُول أَوْ مَوْصُوف بِجَاءَ، وَالتَّقْدِيرِ نِعْمَ الْمَجِيءِ الَّذِي جَاءَ، أَوْ نِعْمَ الْمَچيء مچيء
جَاءَهُ، وَكَوْنِه مَوْصُولًا أَجْوَد لِأَنَّهُ مُخْبَر عَنْهُ، وَالْمُخْبَرِ عَنْهُ إِذَا كَانَ مَعْرِفَةٍ أَوْلَى مِنْ كَوْنه
نَكِرَة، (فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ
عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ أَنَس عَنْ أَبِي ذَرّ أَوَّلِ الصَّلَاةِ ذِكْر النَّسَمِ الَّتِي عَنْ
يَمِينه وَعَنْ شِمَاله، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلِ فِيهِ، وَذَكَرْتِ هُنَاكَ إِحْتِمَالًا أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالنَّسَمِ
الْمَرْئِيَّة لِدَمِ هِيَ الَّتِي لَمْ تَدْخُلِ الْأَجْسَاد بَعْد. ثُمَّ ظَهَرَ لِي الْآَن إِحْتِمَال آخَر وَهُوَ أَنْ
يَكُون الْمُرَاد بِهَا مَنْ خَرَجَتْ مِن الْأَجْسَادِ حِين خُرُوجِهَا لِأَنَّهَا مُسْتَقِرَّة، وَلَا يَلْزَم مِنْ
رُؤْيَة آدَم لَهَا وَهُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا أَنْ يُفْتَحِ لَهَا أَبْوَابِ السَّمَاءِ وَلَا تَلِجِهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي
حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْدِ الْبَيْهَفِيِّ مَا يُؤَيِّدُهُ وَلَفْظه ((فَإِذَا أَنَا بِآدَم تُعْرَض عَلَيْهِ أَرْوَاح ذُرِّيَّته
الْمُؤْمِنِينَ فَيَقُول: رُوح ◌َطَيِّبَة وَنَفْس طَيِّبَة اِجْعَلُوهَا فِي عِلَّيِّينَ. ثُمَّ تُعْرَض عَلَيْهِ أَزْوَاح
ذُرِّيَّتِه الْفُجَّارِ فَيَقُول: رُوح خَبِيئَة وَنَفْس خَبِيثَة، اِجْعَلُوهَا فِي سِجِّين)) وَفِي حَدِيث أَبِي
هُرَيْرَة عِنْدِ الْبَزَّارِ ((فَإِذَا عَنْ يَمِينه بَاب ◌َخْرُج مِنْهُ رِيح طَيِّبَة وَعَنْ شِمَاله بَاب يَخْرُج
مِنْهُ رِيحِ خَبِيثَة)) الْحَدِيثِ. فَظَهَرَ مِن الْحَدِيثَيْنِ عَدَم اللُّزُومِ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا
جَمَعَ بِهِ الْقُرْطُبِيّ فِي ((الْمُفْهِم)) أَنَّ ذَلِكَ فِي حَالَة مَخْصُوصَة.
(ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالإِبْنِ الصَّالِحِ وَالتَّبِيِّ الصَّالِحِ) قِيلَ: اِقْتَصَرَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى وَصْفه
بِهَذِهِ الصِّفَة وَتَوَارَدُوا عَلَيْهَا لِأَنَّ الصَّلَاحِ صِفَة تَشْمَلِ خِلَال الْخَيْرِ، وَلِذَلِكَ كَرَّرَهَا كُلّ
مِنْهُمْ عِنْدِ كُلّ صِفَة، وَالصَّالِحِ هُوَ الَّذِي يَقُومِ بِمَا يَلْزَمهُ مِنْ حُقُوق الله وَحُقُوقِ الْعِبَاد،
فَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ كَلِمَة جَامِعَة لِمَعَانِي الْخَيْرِ، وَفِي قَوْل آدَم (بِالإِبْنِ الصَّالِحِ)) إِشَارَة إِلَى
إِفْتِخَارِهِ بِأَبُوَّةِ النَّبِيّ ◌َّ.
(ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَنَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ،
قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ

٤٣٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْبَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ، قَالَ: هَذَا يَخْبَى وَهَذَا
عِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدًّا، ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) قَالَ
التَّوَوِيّ قَالَ إِبْنِ السِّكِّيت: يُقَال إِبْنَا خَالَة وَلَّا يُقَال إِبْنَا عَمَّة، وَيُقَال: اِبْنَا عَمّ وَلَا يُقَال
إِبْنَا خَالٍ. وَلَمْ يُبَيِّن سَبَبِ ذَلِكَ، وَالسَّبَبِ فِيهِ أَنَّ إِبْنَي الْخَالَةِ أُمُّ كُلّ مِنْهُمَا خَالَة الْآخَرِ
لُزُومًا، بِخِلَافِ إِبْنَي الْعَمَّة، وَقَدْ تَوَافَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة مَعَ رِوَايَةٍ ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد
مُسْلِمٍ أَنَّ فِي الْأُولَى آدَم وَفِي الثَّانِيَة يَحْنَى وَعِيسَى، وَفِي الثَّالِئَة يُوسُف، وَفِي الرَّابِعَةِ
إِدْرِيس، وَفِي الْخَامِسَة هَارُون، وَفِي السَّادِسَة مُوسَى، وَفِي السَّابِعَةِ إِبْرَاهِيمٍ وَخَالَفَ ذَلِكَ
الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَته عَنْ أَنَس عَنْ أَبِ ذَرّ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ أَسْمَاءَهُمْ وَقَالَ فِيهِ: ((وَإِبْرَاهِيمٍ فِي
السَّمَاءِ السَّادِسَة)) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شَرِيك عَنْ أَنَس أَنَّ إِدْرِيس فِي الثَّالِئَةِ، وَهَارُون فِي
الرَّابِعَةِ، وَآخَرِ فِي الْخَامِسَةِ، وَسِيَاقِه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَضْبِطِ مَنَازِلهُمْ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ
الزُّهْرِيُّ، وَرِوَايَةٍ مَنْ ضَبَطَ أَوْلَى وَلَا سِيَّمَا مَعَ إِنِّفَاق قَتَادَةَ وَثَابِتِ وَقَدْ وَافَقَهُمَا يَزِيد بْن
أَبِي مَالِك عَنْ أَنَس، إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي إِدْرِيس وَهَارُون فَقَالَ هَارُون فِي الرَّابِعَةِ، وَإِدْرِيس
فِي الْخَامِسَة: وَوَافَقَهُمْ أَبُو سَعِيدٍ إِلَّ أَنَّ فِي رِوَايَة يُوسُفِ فِي الثَّانِيَة، وَعِيسَى وَيَخْتَى فِي
الغَالِئَةِ، وَالْأَوَّل أَثْبَتِ. وَقَد أُسْتُشْكِلَ رُؤْيَةِ الْأَنْبِيَاءِ فِي السَّمَاوَاتِ مَعَ أَنَّ أَجْسَادهمْ
مُسْتَقِرَّةٍ فِي قُبُورِهِمْ بِالْأَرْضِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ أَرْوَاحِهِمْ تَشَكَّلَتْ بِصُوَرٍ أَجْسَادهمْ أَوْ أُحْضِرَتْ أَجْسَادهمْ لِمُلَاقَاةِ
النَّبِيّ ◌َّهِ تِلْكَ اللَّيْلَة تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هَاشِم عَنْ
أَنَس فَفِيهِ: (وَبُعِثَ لَهُ آدَم فَمَنْ دُونِه مِن الْأَنْبِيَاء)) فَافْهَمْ.
(ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِئَةِ، فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ
مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وَقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ،
فَقُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ) زَادَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ ثَابِت عَنْ أَنَس ((فَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ
شَطْرِ الْحُسْنِ)) وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْدِ الْبَيْهَقِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَة عِنْدِ إِبْن عَائِدْ وَالطَّبَرَانِيّ
((فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ أَحْسَنِ مَا خَلَقَ اللهِ، قَدْ فَضَلَ النَّاسِ بِالْحُسْنِ كَالْقَمَّرِ لَيْلَةِ الْبَدْرِ عَلَى

٤٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
سَائِرِ الْكَوَاكِب)» وَهَذَا ظَاهِرِهِ أَنَّ يُوسُف - عَلَيْهِ السَّلام - كَانَ أَحْسَن مِنْ جَمِيعِ النَّاس،
لَكِنْ رَوَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس: ((مَا بَعَثَ الله نَبِيًّا إِلَّا حَسَنِ الْوَجْهُ حَسَن
الصَّوْتِ وَكَانَ نَبِيّكُمْ أَحْسَنهِمْ وَجْهًا وَأَحْسَنهمْ صَوْتًا)) فَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلِ حَدِيث
الْمِعْرَاجِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادِ غَيْرِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْل مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُتَكُلِّم لَا يَدْخُل فِي
عُمُومِ خِطَابِهِ، وَأَمَّا هذا الحَدِيث، فَقَدْ حَمَلَهُ إِبْنِ الْمُنِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادِ أَنَّ يُوسُف أُعْطِيَ
شَطْرِ الْحُسْنِ الَّذِي أُوْتِيهِ نَبِيّنَا وَّهِ وَاللهِ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أُخْتُلِفَ فِي الْحِكْمَةِ فِي اِخْتِصَاص كُلّ مِنْهُمْ بِالسَّمَاءِ الَّتِي اِلْتَقَاهُ بِهَا، فَقِيلَ
لِيُظْهِر تَفَاضُلهِمْ فِي الدَّرَجَاتِ، وَقِيلَ: لِمُنَاسَبَةٍ تَتَعَلَّق بِالْحِكْمَةِ فِي الإِقْتِصَارِ عَلَى هَؤُلَاءِ
دُون غَيْرِهِمْ مِن الْأَنْبِيَاءِ، فَقِيلَ أُمِرُوا بِمُلَاقَاتِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي أَوَّل وَهْلَة وَمِنْهُمْ مَنْ
تَأَخَّرَ فَلَحِقَ وَمِنْهُمْ مَنْ فَاتَهُ، وَهَذَا زَيَّفَهُ السُّهَيْلِيِّ فَأَصَابَ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةِ فِي الإِقْتِصَار
عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا سَيَقَعُ لَهُ وَّهِ مَعَ قَوْمِهِ مِنْ نَظِيرٍ مَا وَقَعَ لِكُلُّ مِنْهُمْ،
فَأَمَّا آدَم فَوَقَعَ التَّنْبِيهِ بِمَا وَقَعَ لَهُ مِن الْخُرُوجِ مِن الْجَنَّة إِلَى الْأَرْضِ بِمَا سَيَقَعُ لِلنَّبِيِّ ◌َُِّ
مِن الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْجَامِعِ بَيْنِهمَا مَا حَصَلَ لِكُلُّ مِنْهُمَا مِن الْمَشَقَّة وَكَرَاهَة فِرَاق
مَا أَلِفَهُ مِن الْوَطَنِ، ثُمَّ كَانَ مَآلِ كُلّ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعِ إِلَى مَوْطِنه الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ،
وَبِعِيسَى وَيَخَْى عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ أَوَّلِ الْهِجْرَةِ مِنْ عَدَاوَةِ الْتَهُودِ وَتَمَادِيهِمْ عَلَى الْبَغْيِ
عَلَيْهِ وَإِرَادَتِهِمْ وُصُول السُّوءِ إِلَيْهِ، وَبِيُوسُف عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ إِخْوَتِه مِنْ قُرَيْش فِي
نَصْبِهِم الْحَرْب لَهُ وَإِرَادَتِهِمْ هَلَاكِه وَكَانَتِ الْعَاقِبَة لَهُ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِقُرَيْشٍ
يَوْمِ الْفَتْحِ: ((أَقُول كَمَا قَالَ يُوسُف: لَا تَثْرِيب عَلَيْكُمْ)) وَبِإِدْرِيس عَلَى رُفَيْع مَنْزِلَتْه
عِنْد الله، وَبِهَارُون عَلَى أَنَّ قَوْمِه رَجَعُوا إِلَى مَحَبَّته بَعْد أَنْ آذَوْهُ، وَبِمُوسَى عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ
مِنْ مُعَالَجَة قَوْمِه وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (لَقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَر مِنْ هَذَا فَصَبَرَ))
وَبِإِبْرَاهِيمٍ فِي اِسْتِنَادِهِ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ بِمَا خَتَمَ لَهُ وَه فِي آخِرِ عُمْرِهِ مِنْ إِقَامَة مَنْسَك
الْحَجّ وَتَعْظِيمِ الْبَيْت، وَهَذِهِ مُنَاسَبَات لَطِيفَة أَبَدَاهَا السُّهَيْلِيِّ فَأَوْرَدْتَهَا مُنَقَّحَة مُلَخَّصَةٍ.
وَقَدْ زَادَ إِبْنِ الْمُنِيرِ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءِ أَضْرَبْت عَنْهَا إِذْ أَكْثَرِهَا فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ

٤٣٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
وَالْإِشَارَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ عِنْدِي أَوْلَى مِنْ تَطْوِيلِ الْعِبَارَةِ. وَذَكَرَ فِي مُنَاسَبَة لِقَاء إِبْرَاهِيم
فِي السَّمَاء السَّابِعَة مَعْنَى لَطِيفًا زَائِدًا، وَهُوَ مَا أَتُّفِقَ لَهُ وَّهِ مِنْ دُخُول مَكَّة فِي السَّنَة
السَّابِعَة وَطَوَافِه ◌ِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَتَّفَقِ لَهُ الْوُصُولِ إِلَيْهَا بَعْدِ الْهِجْرَةِ قَبْلِ هَذِهِ، بَلْ قَصَدَهَا فِي
السَّنَة السَّادِسَة فَصَدُّوهُ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ إِبْنِ أَبِي جَمْرَةِ: الْحِكْمَةِ فِي كَوْن آدَم فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ أَوَّلِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَوَّل
الْآبَاءِ وَهُوَ أَصْلِ، فَكَانَ أَوَّلَا فِي الْأُولَى، وَلِأَجْلِ تَأْنِيس التُّبُوَّة بِالْأَبُوَّةِ، وَعِيسَى فِي الثَّانِيَةِ؛
لِأَنَّهُ أَقْرَبِ الْأَنْبِيَاءِ عَهْدًا مِنْ مُحَمَّد، وَيَلِيهِ يُوسُفِ لِأَنَّ أُمَّة مُحَمَّد تَدْخُلِ الْجَنَّة عَلَى
صُورَتِهِ، وَإِذْرِيس فِي الرَّابِعَة لِقَوْلِهِ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا﴾ [مريم: ٥٧] وَالرَّابِعَة مِن السَّبْعِ
وَسَطْ مُعْتَدِل، وَهَارُون لِقُرْبِهِ مِنْ أَخِيهِ مُوسَى، أَرْفَع مِنْهُ لِفَضْلِ كَلَام الله، وَإِبْرَاهِيم ◌ِأَنَّهُ
الْأَبِ الْأَخِيرِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَتَجَدَّد لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ بِلُقِيِّهِ أَنْسُ لِتَوَجُّهِهِ بَعْده إِلَى عَامٍ آخَرِ، وَأَيْضًا
فَمَنْزِلَة الْخُلِيلِ تَقْتَضِي أَنْ تَكُون أَرْفَع الْمَنَازِل وَمَنْزِلَة الْحَبِيب أَرْفَع مِنْ مَنْزِلَتْه، فَلِذَلِكَ
إِرْتَفَعَ النَّبِيّ ◌َِّ عَنْ مَنْزِلَة إِبْرَاهِيمٍ إِلَى: ﴿قَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩].
قَوْله فِي قِصَّة مُوسَى: (فَلَمَّا تَجَاوَزْت بَكَى، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيك؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ
غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلِ الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِه أَكْثَر مِمَّنْ يَدْخُلِهَا مِنْ أَمَّتِي) وَفِي رِوَايَة
شَرِيك عَنْ أَنَس ((لَمْ أَظُنّ أَحَدًّا يُرْفَع عَلَّ) وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد: قَالَ مُوسَى: يَزْعُم بَنُو
إِسْرَائِيل أَنِّي أَكْرَمٍ عَلَى اللهِ، وَهَذَا أَكْرَمٍ عَلَى اللّه مِنِّ زَادَ الْأُمَوِيّ فِي رِوَايَتِه: (وَلَوْ كَانَ
هَذَا وَحْده هَانَ عَّ، وَلَكِنْ مَعَهُ أُمَّتِه وَهُمْ أَفْضَلِ الْأُمَم عِنْد الله)) وَفِي رِوَايَة أَبِي
عُبَيْدَة بْن عَبْد الله بْن مَسْعُود عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ «مَرَّ بِمُوسَى العَيْئُ: وَهُوَ يَرْفَع صَوْته فَيَقُول:
أَكْرَمْته وَفَضَّلْته، فَقَالَ جِبْرِیل: هَذَا مُوسَى، قُلْت: وَمَنْ يُعَاتِب قَالَ: يُعَاتِب رَبّه فِيك.
قُلْت: وَيَرْفَع صَوْتِه عَلَى رَبّه؟ قَالَ: ((إِنَّ الله قَدْ عَرَفَ لَهُ حِدَّته)) وَفِي حَدِيث اِبْن
مَسْعُود عِنْدِ الْحَارِثِ وَأَبِي يَعْلَى وَالْبَزَّار: ((وَسَمِعْت صَوْنًا وَتَذَمُّرًّا، فَسَأَلْت جِبْرِيل فَقَالَ:
هَذَا مُوسَى، قُلْت عَلَى مَنْ تَذَمُّره؟ قَالَ: عَلَى رَبّه. قُلْت: عَلَى رَبّه؟ قَالَ: إِنَّهُ يَعْرِفِ ذَلِكَ
مِنْهُ)).

٤٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
قَالَ الْعُلَمَاءِ: لَمْ يَكُنْ بُكَاء مُوسَى حَسَدًا، مَعَاذ الله، فَإِنَّ الْحَسَدِ فِي ذَلِكَ الْعَالَم
مَنْزُوع عَنْ آحَادِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ بِمَن ◌ِصْطَفَاهُ الله تَعَالَى، بَلْ كَانَ أَسَفًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِن
الْأَجْرِ الَّذِي يَتَرَتَّبِ عَلَيْهِ رَفْع الدَّرَجَة بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْ أُمَّته مِنْ كَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ
الْمُقْتَضِيَة لِتَنْقِيصِ أُجُورِهِم الْمُسْتَلْزِمِ لِتَنْقِيصِ أَجْرِهِ، لِأَنَّ لِكُلِّ نَبِيّ مِثْل أَجْر كُلّ مَن
إِتَّبَعَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ مَن ◌ِتَّبَعَهُ مِنْ أُمَّته فِي الْعَدَدِ دُون مَن ◌ِتَّبَعَ نَبِيّنَا وََّ مَعَ طُول مُدَّتِهِمْ
بِالنِّسْبَةِ لِهَذِهِ الْأُمَّة.
وَأَمَّا قَوْله: ((غُلَام)) فَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ النَّقْصِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّنْوِيِه بِقُدْرَةِ الله
وَعَظِيمٍ كَرَمِه إِذْ أَعْطَى لِمَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ السِّنّ مَا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا قَبْله مِمَّنْ هُوَ أَسَنَّ
مِنْهُ.
وَقَدْ وَقَعَ مِنْ مُوسَى مِنِ الْعِنَايَةِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَقَع لِغَيْرِهِ،
وَوَقَعَتِ الْإِشَارَة لِذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدِ الطَّبَرِيّ وَالْبَزَّارِ، قَالَ رَ: ((كَانَ مُوسَى
أَشَدّهِمْ عَلَيَّ حِين مَرَرْت بِهِ: وَخَيْرِهِمْ لِي حِينِ رَجَعْتِ إِلَيْهِ» وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد:
((فَأَقْبَلْتِ رَاجِعًا، فَمَرَرْت بِمُوسَى وَنِعْمَ الصَّاحِبِ كَانَ لَكُمْ، فَسَأَلَنِي: كَمْ فَرَضَ عَلَيْك
رَبّك))؟ الْحَدِيث، قَالَ إِبْنِ أَبِي جَمْرَةٍ: إِنَّ اللّهِ جَعَلَ الرَّحْمَة فِي قُلُوب الْأَنْبِيَاءِ أَكْثَر مِمَّا
جَعَلَ الرَّحْمَة فِي قُلُوبِ غَيْرِهِمْ، لِذَلِكَ بَكَى رَحْمَة ◌ِأُمَّتِهِ.
وَأَمَّا قَوْله: ((هَذَا غُلَامِ)) فَأَشَارَ إِلَى صِغَرِ سِنّه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، قَالَ الْخَطَّبِيُّ: الْعَرَب
تُسَمِّي الرَّجُلِ الْمُسْتَجْمِعِ السّنّ غُلَامًا مَا دَامَتْ فِيهِ بَقِيَّةٍ مِن الْقُوَّة، انتهى.
وَيَظْهَر ◌ِي أَنَّ مُوسَى العَيْهِ أَشَارَ إِلَى مَا أَنْعَمَ الله بِهِ عَلَى نَبِيّنَا - عَلَيْهِمَا الصَّلَاة
وَالسَّلَام - مِن اِسْتِمْرَارِ الْقُوَّة فِي الْكُهُولِيَّةِ وَإِلَى أَنْ دَخَلَ فِي سِنّ الشَّيْخُوخَةِ وَلَمْ يَدْخُل
عَلَى بَدَنه هَرَمْ وَلَا اِعْتَرَى قُوَّتِهِ نَقْص، حَتَّى إِنَّ النَّاسِ فِي قُدُومِه الْمَدِينَة كَمَا فِي حَدِيث
أَنَس لَمَّا رَأَوْهُ مُرْدِفَا أَبَا بَكْر أَظْلَقُوا عَلَيْهِ إِسْمِ الشَّابّ وَعَلَى أَبِي بَكْرِ إِسْمِ الشَّيْخِ مَعَ
كَوْنه فِي الْعُمْرِ أَسَنَّ مِنْ أَبِي بَكْر، والله أَعْلَم.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْحِكْمَةِ فِي تَخْصِيص مُوسَى بِمُرَاجَعَةِ النَّبِيّ ◌َّهِ فِي أَمْرِ الصَّلَاة

٤٣٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
لَعَلَّهَا لِكَوْنِ أُمَّة مُوسَى كُلٌّفَتْ مِن الصَّلَوَاتِ بِمَا لَمْ تُكَلَّف بِهِ غَيْرِهَا مِن الْأُمَم،
فَتَقُلَتْ عَلَيْهِمْ، فَأَشْفَقَ مُوسَى عَلَى أُمَّة مُحَمَّد مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ.
وَيُشِيرِ إِلَى ذَلِكَ قَوْله: ((إِّ قَدْ جَرَّبْتِ النَّاسِ قَبْلك)) اِنْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرِهِ: لَعَلَّهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَنْبِيَاءِ مَنْ لَهُ أَكْثَر مِنْ مُوسَى وَلَا مَنْ لَهُ
كِتَابِ أَكْبَرِ وَلَا أَجْمَع لِلْأَحْكَامِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ مُضَاهِيًا لِلنَّبِّ وَّهِ فَنَاسَبَ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ
يَكُون لَهُ مِثْل مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرِيدِ زَوَالِه عَنْهُ، وَنَاسَبَ أَنْ يُظْلِعِهُ عَلَى مَا
وَقَعَ لَهُ وَيَنْصَحِهُ فِيمَا يَتَعَلَّقِ بِهِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُوسَى لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ فِي الإِبْتِدَاء
الْأَسَف عَلَى نَقْص حَظّ أُمَّتِه بِالنِّسْبَةِ لِأُمَّةِ مُحَمَّد حَتَّى تَمَنَّى مَا تَمَنَّى أَنْ يَكُون،
اِسْتَدْرَكَ ذَلِكَ بِبَدَلِ النَّصِيحَة لَهُمْ وَالشَّفَقَة عَلَيْهِمْ لِيُزِيلَ مَا عَسَاهُ أَنْ يُتَوَهَّم عَلَيْهِ فِيمًا
وَقَعَ مِنْهُ فِي الإِبْتِدَاءِ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيِّ أَنَّ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ رَأَى فِي مُنَاجَاته صِفَة
أُمَّة مُحَمَّد ◌َّةٍ فَدَعَا اللهُ أَنْ يَجْعَلهُ مِنْهُمْ، فَكَانَ إِشْفَاقِه عَلَيْهِمْ كَعِنَايَةِ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ.
وَالْعِلْمِ عِنْد الله تَعَالَى. وَقَدْ وَقَعَ مِنْ مُوسَى الَّْهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ مُرَاعَاة
جَانِبِ النَّبِيّ ◌َّهِ أَنَّهُ أَمْسَكَ عَنْ جَمِيعِ مَا وَقَعَ لَّهُ حَتَّى فَارَقَهُ النَّبِيّ ◌َ أَدَبًا مَعَهُ وَحُسْن
عِشْرَة، فَلَمَّا فَارَقَهُ بَكَى وَقَالَ مَا قَالَ.
قَوْله: (فَإِذَا إِبْرَاهِيم) فِي حَدِيث أَّبِي سَعِيد: ((فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمٍ خَلِيل الرَّحْمَنِ مُسْنِدًا
ظَهْرِهِ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ كَأَحْسَنِ الرِّجَال)) وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدِ الطَّبَرِيّ: ((فَإِذَا
هُوَ بِرَجُلٍ أَشَمَط جَالِس عِنْدِ بَابِ الْجَنَّةِ عَلَى كُرْسِيّ)).
تَكْمِلَة: أُخْتُلِفَ فِي حَالِ الْأَنْبِيَاءِ عِنْدِ لَغْيِ النَّبِيّ ◌َُّ إِيَّاهُمْ لَيْلَة الْإِسْرَاءِ هَلْ
أُسْرِيَ بِأَجْسَادِهِمْ لِمُلَاقَاةِ النَّبِيّ ◌َّ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، أَوْ أَنَّ أَرْوَاحِهِمْ مُسْتَقِرَّةٍ فِي الْأَّمَاكِن
الَّتِي لَقِيَهُمِ النَّبِيّ ◌َهُ وَأَرْوَاحِهِمْ مُشَكَّلَة بِشَكْلِ أَجْسَادهمْ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو الْوَفَاءِ بْن
عَقِيلٍ، وَاخْتَارَ الْأَوَّل بَعْض شُيُوخِنَا، وَاحْتَجَّ بِمَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ ◌َهُ
قَالَ: (رَأَيْتِ مُوسَى لَيْلَة أُسْرِيَ بِي قَائِمًا يُصَلِّ فِي قَبْر) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ لَمَّا مَرَّ بِهِ.
قُلْت: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمِ بَلْ يَجُوز أَنْ يَكُون لِرُوحِهِ إِتِّصَالِ بِجَسَدِهِ فِي الْأَرْض؛

٤٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
فَلِذَلِكَ يَتَمَكَّن مِن الصَّلَاةِ وَرُوحِه مُسْتَقِرَّةٍ فِي السَّمَاءِ.
(ثُمَّ رُفِعْت إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُون الْعَيْنِ وَضَمّ الثَّاء
مِنْ ((رَفَعْت)) بِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّم وَبَعْدِه حَرْفِ جَرّ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ((رُفِعَتْ)) بِفَتْحِ الْعَيْنِ
وَسُكُون التَّاء أي: السِّدْرَةِ لِي بِاللَّامِ أي: مِنْ أَجْلِيٍ، وَيُجْمَعِ بَيْنِ الرَّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادِ أَنَّهُ
رُفِعَ إِلَيْهَا أي: إِرْتَقَى بِهِ وَظَهَرَتْ لَهُ، وَالرَّفْعِ إِلَى الشَّيْء يُظْلَقَ عَلَى التَّقْرِيب مِنْهُ، وَقَدْ قِيلَ
فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفُرُش مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أي: تَقْتَرِب لَهُمْ، وَوَقَعَ بَيَانِ سَبَب
تَسْمِيَتِهَا سِدْرَة الْمُنْتَهَى فِي حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود عِنْد مُسْلِمٍ وَلَفْظه: ((لَمَّا أُسْرِيَ
بِرَسُولِ اللهِ وَه قَالَ: انْتُهِيَ بِي إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَة وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي
مَا يَعْرُج مِن الْأَرْضِ فَيُقْبَض مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يَهْبِط فَيُقْبَض مِنْهَا)).
وَقَالَ النَّوَوِيّ: سُمِّيَتْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّ عِلْمِ الْمَلَائِكَةِ يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَلَمْ
يُجَاوِزِهَا أَحَدٍ إِلَّا رَسُول اللّهَِّ.
قُلْت: وَهَذَا لَا يُعَارِضِ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود، لَكِنْ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود ثابت في
الصَّحِيحِ فَهُوَ أَوْلَى بِالإِعْتِمَادِ.
قُلْت: وَأَوْرَدَ النَّوَوِيّ هَذَا بِصِيغَةِ الثَّمْرِيضِ، فَقَالَ: وَحُكِيَ عَنِ إِبْنِ مَسْعُود أَنَّهَا
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ إِلَخْ كَذَا أَوْرَدَهُ فَأَشْعَرَهُ بِضَعْفِهِ عِنْده، وَلَا سِيَّمَا وَلَمْ يُصَرِّح بِرَفْعِهِ، وَهُوَ
صَحِيحِ مَرْفُوع. وَقَالَ الْقُرْطِيّ فِي ((الْمُفْهِم)): ظَاهِرِ حَدِيث أَنَس أَنَّهَا فِي السَّابِعَة لِقَوْلِهِ
بَعْدِ ذِكْرِ السَّمَاء السَّابِعَةِ: ((ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَة)، وَفِي حَدِيث اِبْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي
السَّادِسَة، وَهَذَا تَعَارُض لَا شَكَّ فِيهِ، وَحَدِيث أَنَس هُوَ قَوْل الْأَكْثَرِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه
وَصْفِهَا بِأَنَّهَا الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا عِلْم كُلّ نَبِيّ مُرْسَل وَكُلّ مَلَك مُقَرَّب عَلَى مَا قَالَ كَعْب،
قَالَ: وَمَا خَلْفْهَا غَيْب لَا يَعْلَمَهُ إِلَّ الله أَوْ مَنْ أَعْلَمَهُ، وَبِهَذَا جَزَّمَ إِسْمَاعِيل بْنِ أَحْمَد،
وَقَالَ غَيْرِهِ: إِلَيْهَا مُنْتَهَى أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ، قَالَ: وَبَتَرَجَّحْ حَدِيث أَنَس بِأَنَّهُ مَرْفُوع،
وَحَدِيث اِبْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوف، كَذَا قَالَ، وَلَمْ يُعَرِّجِ عَلَى الْجُمْعِ بَلْ جَزَمَ بِالتَّعَارُضِ.
قُلْت: وَلَا يُعَارِضِ قَوْله إِنَّهَا فِي السَّادِسَة مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ وَصَلَ

٤٣٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج
إِلَيْهَا بَعْد أَنْ دَخَلَ السَّمَاءِ السَّابِعَة لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّ أَصْلِهَا فِي السَّمَاءِ السَّادِسَة
وَأَغْصَانَهَا وَفُرُوعِهَا فِي السَّابِعَةِ، وَلَيْسَ فِي السَّادِسَةِ مِنْهَا إِلَّا أَصْلِ سَاقِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي
حَدِيث أَبِي ذَرّ أَوَّلِ الصَّلَاة (فَغَشِيَهَا أَلْوَان لَا أَدْرِي مَا هِيَ)) وَبَقِيَّةٍ حَدِيث اِبْن مَسْعُود
الْمَذْكُورِ ((قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةِ مَا يَغْشَى﴾)) [النجم: ١٦] قَالَ: «فِرَاش مِنْ
ذَهَب)) كَذَا فَسَّرَ الْمُبْهَمِ فِي قَوْله: (مَا يَغْشَى) بِالْفِرَاشِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن أَبِي
مَالِك عَنْ أَنَس ((جَرَاد مِنْ ذَهَب)) قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: ((وَذِكْر الْفِرَاشِ وَقَعَ عَلَى سَبِيل
التَّمْثِيل؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الشَّجَرِ أَنْ يَسْقُط عَلَيْهَا الْجُرَاد وَشَبَهه، وَجَعَلَهَا مِن الذَّهَب
لِصَفَاءِ لَوْنِهَا وَإِضَاءَتهَا فِي نَفْسِهَا)) إِنْتَهَى. وَيَجُوزِ أَنْ يَكُون مِن الذَّهَب حَقِيقَةٍ وَيُخْلَقُ
فِيهِ الطَّيَرَانِ، وَالْقُدْرَةِ صَالِحَة لِذَلِكَ. وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَابْنِ عَبَّاس ((يَغْشَاهَا
الْمَلَائِكَةِ)) وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْدِ الْبَيْهَقِيِّ (عَلَى كُلّ وَرَقَة مِنْهَا مَلَك)) وَوَقَعَ فِي
رِوَايَة ثَابِت عَنْ أَنَس ◌ِنْد مُسْلِمٍ (فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ الله مَا غَشِيَهَا تَغَيََّتْ، فَمَا أَحَد
مِنْ خَلْقِ الله يَسْتَطِيعِ أَنْ يَنْعَتِهَا مِنْ حُسْنِهَا)) وَفِي رِوَايَةٍ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس عِنْدِ إِبْنِ
مَرْدَوَيْهِ نَحْوِه لَكِنْ قَالَ تَحَوَّلَتْ قُوتًا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(فَإِذَا نَبِقُهَا) بِفَتْحِ النُّون وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُونَهَا أَيْضًا، قَالَ اِبْنِ دِحْيَةٍ: وَالْأَوَّى
هُوَ الَّذِي ثَبَتَ فِي الرِّوَايَة، أي: التَّحْرِيك، وَالتَّبْق مَعْرُوف وَهُوَ ثَمَر السِّدْر.
(مِثْل قِلَال هَجَرّ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْقِلَالِ بِالْكَسْرِ جَمْع قُلَّة بِالضَّمِّ هِيَ الْجِرَارِ، يُرِيد
أَنَّ ثَمَرهَا فِي الْكُبْرِ مِثْلِ الْقِلَالِ، وَكَانَتْ مَعْرُوفَة عِنْدِ الْمُخَاطَبِينَ فَلِذَلِكَ وَقَعَ التَّمْثِيل
بِهَا، قَالَ: وَهِيَ الَّتِي وَقَعَ تَحْدِيدِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِهَا فِي قَوْله: ((إِذَا بَلَغَ الْمَاءِ قُلَّتَيْنِ)) وَقَوْله:
((هَجَرَ" بِفَتْحِ الْهَاء وَالْحِيمِ بَلْدَة لَا تَنْصَرِفِ لِلتََّنِيثِ وَالْعِلْمِيَّة، وَيَجُوزِ الصَّرْف.
(وَإِذَا وَرَقَهَا مِثْل آذَان الْفِيلَة) بِكَسْرِ الْفَاء وَفَتْح التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدهَا لَام جَمْع
فِيل، وَوَقَعَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ((مِثْل آذَان الْفُيُول)) وَهُوَ جَمْعِ فِيلِ أَيْضًا قَالَ إِبْنِ دِحْيَةٍ:
أُخْتِيرَت السِّدْرَةِ دُون غَيْرِهَا لِأَنَّ فِيهَا ثَلَاثَة أَوْصَاف: ظِلّ مَمْدُودٍ، وَطَعَامِ لَذِيذ، وَرَائِحَة
زَكِيَّة فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْإِيمَانِ الَّذِي يَجْمَع الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالنَّيَّة، وَالظُّلّ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَل،

٤٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وَالطَّعْمِ بِمَنْزِلَةِ النَّيَّة، وَالرَّائِحَة بِمَنْزِلَةِ الْقَوْل.
(وَإِذَا أَرْبَعَةٍ أَنْهَارِ) فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ((فَإِذَا فِي أَصْلهَا - أي: فِي أَصْلِ سِدْرَة الْمُنْتَهَى -
أَرْبَعَة أَنْهَار)) وَلِمُسْلِمِ ((يَخْرُج مِنْ أَصْلِهَا)) وَوَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة:
((أَرْبَعَة أَنْهَارِ مِن الْجُنَّة: الثّيل وَالْفُرَاتِ وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ)) فَيَحْتَمِلِ أَنْ تَكُون سِدْرَة
الْمُنْتَهَى مَغْرُوسَةٍ فِي الْجَنَّة وَالْأَنْهَارِ تَخْرُج مِنْ تَحْتُهَا فَيَصِحّ أَنَّهَا مِن الْجُنَّة.
(أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ) قَالَ إِبْنِ أَبِي جَمْرَة فِيهِ أَنَّ الْبَاطِنِ أَجَلٌ مِنِ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ
الْبَاطِنِ جُعِلَ فِي دَارِ الْبَقَاء وَالظَّاهِرِ جُعِلَ فِي دَارِ الْفِنَاءِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الإِعْتِمَاد عَلَى مَا
فِي الْبَاطِنِ كَمَا قَالَ وَِّ:((إِنَّ اللّه لَا يَنْظُرِ إِلَى صُوَرَكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرِ إِلَى قُلُوبِكُمْ)).
(وَمَّ الظَّاهِرَانِ فَالثِّيلِ وَالْفُرَاتِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ شَرِيك أَنَّهُ رَأَى فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا
نَهْرَيْنِ يَظَّرِدَانِ فَقَالَ لَّهُ جِبْرِيلِ هُمَا النِّيل وَالْفُرَاتِ عُنْصُرهمَا وَالْجَمْعِ بَيْنِهِمَا أَنَّهُ رَأَى
هَذَيْنِ النَّهْرَيْنِ عِنْدِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى مَعَ نَهْرَي الْجَنَّة وَرَآهُمَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا دُون نَهْرَي
الْجَنَّة وَأَرَادَ بِالْعُنْصُرِ عُنْصُر إِمْتِيَازِهِمَا بِسَمَاءِ الدُّنْيَا كَذَا قَالَ إِبْنِ دِحْيَةٍ، وَوَقَعَ فِي حَدِيث
شَرِيك أَيْضًا ((وَمَضَى بِهِ يَرْقَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِنَهْرٍ آخَر عَلَيْهِ قَصْرِ مِنْ لُؤْلُوُ وَزَبَرْجَد
فَضَرَبَ بِيَدِهِ فَإِذَا هُوَ مِسْك أَذْفَرَ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرِ الَّذِي خَبَّأَ
لَكِ رَبّك)) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة يَزِيد بْن أَّبِي مَالِك عَنْ أَنَس عِنْد إِبْن أَبِ حَاتِمِ أَنَّهُ بَعْد أَنْ
رَأَى إِبْرَاهِيمٍ قَالَ: ((ثُمَّ إِنْطَلَقَ بِي عَلَى ظَهْرِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ حَتَّى إِنْتَهَى إِلَى نَهْر عَلَيْهِ
خِيَامِ اللُّؤْلُؤْ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَد، وَعَلَيْهِ طَيْرِ خُضْرِ، أَنْعَمَ طَيْرِ رَأَيْت، قَالَ جِبْرِيل: هَذَا
الْكَوْثَرِ الَّذِي أَعْطَاك الله، فَإِذَا فِيهِ آنِيَةِ الذَّهَب وَالْفِضَّة يَجْرِي عَلَى رَضْرَاض مِن
الْيَاقُوت وَالزُّمُرُّد، مَاؤُهُ أَشَدّ بَيَاضًا مِنِ اللَّبَنِ، قَالَ: فَأَخَذْتِ مِنْ آنِيَتِهِ فَاغْتَرَفْت مِنْ ذَلِكَ
الْمَاءِ فَشَرِبْت فَإِذَا هُوَ أَحْلَى مِن الْعَسَل وَأَشَدّ رَائِحَة مِن الْمِسْك)) وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد:
((فَإِذَا فِيهَا عَيْن تَجْرِي يُقَال لَهَا السَّلْسَبِيلِ فَيَنْشَقّ مِنْهَا نَهْرَانٍ أَحَدهمَا الْكَوْثَر وَالْآخَرِ
يُقَال لَهُ نَهْرِ الرَّحْمَة)».
قُلْت: فَيُمْكِنِ أَنْ يُفَسَّرِ بِهِمَا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي حَدِيثِ الْبَاب.