Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَليه سماعه؛ وذلك لكمال فصاحته له واقتداره على إيضاح الكلام وتبيينه الكلام. ٥٨٢٩ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْخَارِثِ بْنِ جَزْءٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللهِوَ﴾ . رَوَاهُ التِّرْمِذِي](١). ٥٨٣٠ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ](٤). (يُكْثِر) مِن الْإِكْثَارِ (أَنْ يَرْفَع طَرْفه) بِسُكُونِ الرَّاء أي: نَظَرَهُ (إِلَى السَّمَاء) إِنْتِظَارًا لِمَا يُوحَى إِلَيْهِ وَشَوْقًا إِلَى الْمَلَأ الْأَعْلَى. الفصل الثالث ٥٨٣١ - [عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًّا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ، قَالَ عَمْرُو: فَلَمَّا تُؤُقِّ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللهِلَيهِ: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، وَإِنَّ لَهُ لَظِتْرَيْنِ تُكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٣). (الْعَوَالِي) الْقُرَى الَّتِي عِنْدِ الْمَدِينَة (أَرْحَم بِالْعِيَالِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورِ الْمَوْجُودِ فِي النُّسَخِ وَالرِّوَايَات. قَالَ الْقَاضِي: وَفِي بَعْض الرِّوَايَات (بِالْعِبَادِ). فَفِيهِ: بَيَان كَرِيم خُلُقْه ◌ِلّهِ وَرَحْمَتِه لِلْعِيَالِ وَالضُّعَفَاءِ. وَفِيهِ: فَضِيلَةٍ رَحْمَة الْعِيَالِ وَالْأَطْفَالِ وَتَقْبِيلهمْ. (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الَّدْيِ، وَإِنَّ لَهُ لَظِتْرَيْنِ تُكَمِّلَانٍ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ) أَمَّا (ظِئْر) فَبِكَسْرِ الظَّاء مَهْمُوزَة، وَهِيَ الْمُرْضِعَة وَلَدِ غَيْرِهَا، وَزَوْجِهَا ظِثْر لِذَلِكَ الرَّضِيعِ. فَلَفْظَة (الظَّئْر) تَقَعُ عَلَى الْأُنْثَى وَالذَّكَرِ. وَمَعْنَى (تُكَمِّلَانِ رَضَاعه) أي: تُتِمَّانِهِ (١) أخرجه الترمذي (٤٠٠٢). (٢) أخرجه أبو داود (٤٨٣٩). (٣) أخرجه مسلم (٦١٦٨). ٣٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر سَنَتَيْنِ، فَإِنَّهُ تُوُنِّيَ وَلَهُ سِتَة عَشَرِ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَة عَشَرِ، فَتُرْضِعَانِهِ بَقِيَّة السَّنَتَيْنِ، فَإِنَّهُ تَمَامِ الرَّضَاعَة بِنَصِّ الْقُرْآن. قَالَ صَاحِب ((التَّحْرِيرِ)): وَهَذَا الْإِنْمَامِ لِإِرْضَاعِ إِبْرَاهِيم - رَضِيَ الله عَنْهُ - يَكُونُ عَقِبَ مَوْته، فَيَدْخُلُ الْجَنَّة مُتَصِلًا بِمَوْتِهِ، فَيُتِمُّ فِيهَا رَضَاعه كَرَامَةٍ لَهُ وَلِأَ بِيهِ وَلِ. قَالَ الْقَاضِي: وَاسْمٍ أَبِي سَيْف هَذَا الْبَرَاءِ، وَاسْم أُمّ سَيْف زَوْجَتْه خَوْلَة بِنْت الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّة، كُنْيَتُهَا أُمّ سَيْف، وَأُمّ بُرْدَة. [النووي ٢٤/٨]. ٥٨٣٢ - [وَعَنْ عَلِّ ◌َ﴾ أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ يُقَالُ لَهُ: فُلانُ حِبْرَ كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ الله ﴿﴿ ذَنَانِيْرِ، فَتَقَاضَى النَّبِيَّ ◌َّهِ فَقَالَ لَهُ: (يَا يَهُودِيُّ، مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيْكَ)) قَالَ: فَإِنِّ لَا أُفَارِقُكَ يَا مُحَمَّد حَتَّى تُعْطِيْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (إِذَا أَجْلِس مَعَكَ)) فَجَلَسَ مَعَهُ فَصَلَى رَسُولُ اللهِ وَّرِ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ الآخِرَةَ وَالغَدَاةَ، وَكَانَ أُصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ يَتَهَدَّدُوْنَهُ وَيَتَوْعَّدُونَهُ فَفَطَنَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَا الَّذِي يَصْنَعُونَ بِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، يَهُودِيُّ يَحْبِسُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾: (مَنَعَنِي رَبِّي أَنْ أَظْلِمَ مُعَاهِدًا أَوْ غَيْرَهُ) فَلَّمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ قَالَ التَّهُودِي: أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَشَطْرِ مَالِي فِي سَبِيْلِ اللهِ، أَمَا وَالله مَا فَعَلْتَ الَّذِي فَعَلْتَ بِكَ إِلَّا لأَنْظُرَ إِلَى نَعْتِكَ فِي الثَّوْرَاةِ مُحَمَّدُ بْن عَبْد اللّه مَوْلِدُهُ بِمَكَّةٍ وَمُهَاجِرُهُ بِطَيْبَةٍ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ لَيْسَ بِفَظّ وَلَا غَلَيْظِ، وَلا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلا مُتَزَيِّ بِالفُحْشِ، وَلا قَوْلِ الخَنَاء أُشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّكَ رَسُولُ الله، وَهَذَا مَا لِي فَاحْكُم فِيْهِ بِمَا أُرَاكَ الله، وَكَانَ الَّهُودِيُّ كَثِيْرِ المَالِ. رَوَاهُ البَيْهَقِي فِي: ((دَلائِلِ النُّبُوَّةِ)](١). ٥٨٣٣ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْقَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقْصِرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينٍ فَيَقْضِيَ الْحَاجَة. رَوَاهُ النَّسَائِي وَالدَّارِمي](٤). (١) أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٥٣٩). (٢) أخرجه النسائي (١٤١٣)، والدارمي (٧٥). ٣٨٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله اليه ٥٨٣٤ - [وَعَنْ عَلِيِّ ﴾ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ◌َيِّ: إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ، وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيْهِم: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّه يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] رَوَاهُ التِّرْمِذِي](١). ٥٨٣٥ - [وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَا عَائِشَةُ، لَوْ شِئْتُ لَسَارَتْ مَعِي جِبَالُ الذَّهَبِ، جَاءِي مَلَكُ إِنَّ حُجْزَتَهُ لَتُسَاوِي الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ: إِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ الَُّ فَأَشَارَ إِلَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ))](٢). ٥٨٣٦ - [وَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسِ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ وَ إِلَى جِبْرِیلَ كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَأَشَارَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ أَنْ تَوَاضَعْ، فَقَلْتُ: (نَبِيًّا عَبْدًا))](٣). قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ مَّهِ بَعْدَ ذلِكَ لا يَأْكُلُ مُتَكِثًا، يَقُولُ: ((آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ)). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ». (فَكَانَ رَسُولُ الله ◌َِهَ بَعْدَ ذلِكَ لا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا) الإِتِّكَاءِ هُوَ أَنْ يَتَمَكَّن فِي الْجُلُوس مُتَرَبِّعًا أَوْ يَسْتَوِي قَاعِدًا عَلَى وِطَاء أَوْ يُسْنِدِ ظَهْره إِلَى شَيْءٍ أَوْ يَضَعِ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَكُلُّ ذَلِكَ خِلَافِ الْأَدَبِ الْمَظْلُوبِ حَالِ الْأَكْلِ وَبَعْضِه فِعْلِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَبَعْضِه فِعْل الْمُكْثِرِينَ مِن الطَّعَامِ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالإِنَّكَاءِ الْمَيْلِ وَالإِعْتِمَاد عَلَى أَحَد جَانِبَيْهِ كَمَا يَجْلِسُهُ الْعَامَّةِ وَمَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ تَأْوِيل عَلَى مَذْهَب الطِّبّ بِأَنَّهُ لَا يَنْحَدِرِ فِي مَجَارِي الطَّعَامِ سَهْلًا، وَلَا يَسِيغهُ هَنِيئًا وَرُبَّمَا يَتَأَذَّى بِهِ. (١) أخرجه الترمذي (٣٠٦٤)، وابن جرير (١٨٢/٧)، والضياء (٧٤٨). (٢) أخرجه البغوي في (شرح السنة)) (٤٢٦/٦). (٣) أخرجه البغوي في (شرح السنة)) (٤٢٧/٦). باب المبعث وبدء الوحي الفصل الأول ٥٨٣٧ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ الله ◌َِّ لأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكُثَ بِمَكّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةٍ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). ٥٨٣٨ - [وعَنْهُ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ الله ◌ِهِ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَيَرَى الضَّوْءَ سَبْعَ سِنِينَ وَلَا يَرَى شَيْئًا، وَثَمَاني سِنِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًّا، وَتُوِفِي وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ وَسِتِّيْنَ سَنَةٍ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢). ٥٨٣٩ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: تَوَفَّهُ اللهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). ٥٨٤٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قُبِضَ النَّبِيُّ ◌َّهَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَعُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٤). قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيْلِ البُخَارِي: ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، أَكْثَرَ. ٥٨٤١ - [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخُلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارٍ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ: التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ - قَبْلَ أَنْ يَنْزَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهْوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِيٍ)) قَالَ: (فَأَخَذَبِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِّ الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، (١) أخرجه البخاري (٣٩٠٢)، ومسلم (٦٢٤٢). (٢) أخرجه مسلم (٦٢٥٠) ولم أقف عليه عند البخاري. (٣) أخرجه البخاري (٥٩٠٠)، ومسلم (٦٢٣٥). (٤) أخرجه مسلم (٦٢٣٧). - ٣٨٤ - ٣٨٥ كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي فَأَخَذَنِي فَغَطَِّي الثَّانِيِةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِيٍّ، فَأَخَذَنِي فَغَطِّي الثَّالِئَةَ حَقَّى بَلَغَ مِنِّ الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)) فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)) فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّ وَالله لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًّا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ تَوْفَلِ ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةً، فَقَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى، فَأَخْبَرَهُ رَسُولَ الله ◌َ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ الله عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيَّ؛ إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ. (أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟» قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلُ قَطْ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُلِّ، وَفَتَرَ الْوَحْي. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (أَوَّلُ مَا بُدِئَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّةِ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ) يُحْتَمَل أَنْ تَكُون (مِنْ)) تَبْعِيضِيَّة، أي: مِنْ أَقْسَام الْوَحْي، وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون بَيَانِيَّة وَرَجَّحَهُ الْقَزَّازِ. وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَّةِ وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر وَيُونُس عِنْدِ الْمُصَنِّف فِي التَّفْسِير ((الصَّادِقَةِ)) وَهِيَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ضِغْث، وَبُدِىَّ بِذَلِكَ لِيَكُونَ تَمْهِيدًا وَتَوْطِئَة لِلْيَقَظَّةِ، ثُمَّ مَهَّدَ لَهُ فِي الْيَقَظَّةِ أَيْضًا رُؤْيَة الضَّوْءِ وَسَمَاعِ الصَّوْت وَسَلَام الْحَجَر. (فِي النَّوْمِ) لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ، أَوْ لِيُخْرِجِ رُؤْيَا الْعَيْنِ فِي الْيَقَظَة ◌ِجُوَازٍ إِظْلَاقِهَا مجازًا. (مِثْلِ فَلَقَ الصُّبْحِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) بِنَصْبِ مِثْل (١) أخرجه البخاري (٦٩٨٢)، ومسلم (٤٢٢). ٣٨٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر عَلَى الْحال، أي: مُشْبِهَة ضِيَاءِ الصُّبْحِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ صِفَة لِمَحْذُوفٍ، أي: جَاءَتْ مَجِيئًا مِثْل فَلَقِ الصُّبْحِ. وَالْمُرَاد بِفَلَقِ الصُّبْحِ ضِيَاؤُهُ. وَخُصَّ بِالتَّشْبِيهِ لِظُهُورِهِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا شَكَّ فِیهِ. (ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ) لَمْ يُسَمَّ فَاعِله ◌ِعَدَمِ تَحَقُّق الْبَاعِث عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كُلّ مَنْ عِنْدِ اللهِ، أَوْ لِيُنَبِّه عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَاعِثِ الْبَشَرِ، أَوْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ وَحْي الْإِلْهَامِ. وَالْخَلَاءِ بِالْمَدِّ الْخَلْوَةِ، وَالسِّ فِيهِ أَنَّ الْخُلْوَة فَرَاغُ الْقَلْب لِمَا يَتَوَجَّه لَهُ. وَحِرَاء بِالْمَدِّ وَكَسْرَ أَوَّله كَذَا فِي الرِّوَايَةِ وَهُوَ صَحِيحٍ، وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ بِالْفَتْحِ وَالْقَصْرِ وَقَدْ حُكِيَ أَيْضًا، وَحُكِيَ فِيهِ غَيْرِ ذَلِكَ جَوَازًا لَا رِوَايَة. هُوَ جَبَل مَعْرُوف بِمَكَّة. وَالْغَارِ نَقْب فِي الْجَبَل وَجَمْعه غِيرَان. (وَكَانَ يَخْلُو بِغَارٍ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ) هِيَ بِمَعْنَى يَتَحَنَّف، أي: يَتَّبِعِ الْحَنِفِيَّة وَهِيَ دِينِ إِبْرَاهِيمِ، وَالْفَاءِ تُبْدَل ◌َاء فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْنِ هِشَام فِي (السِّيرَة) «يَتَحَنَّف)) بِالْفَاءِ أَو التَّحَنُّثِ إِلْقَاء الْحِنْثِ وَهُوَ الْإِثْمِ، كَمَا قِيلَ يَتَأَثَّم وَيَتَحَرَّج وَنَحْوهمَا. (وَهُوَ: التَّعَبُّدُ) هَذَا مُدْرَجٍ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الزُّهْرِيّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الطَّيبِيُّ وَلَمْ يَذْكُر دَليله. (اللَّيَالِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ) يَتَعَلَّقِ بِقَوْلِهِ يَتَحَنَّث، وَإِنْهَامِ الْعَدَد لِإِخْتِلَافِهِ، كَذَا قِيلَ. وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُدَدِ الَّتِي يَتَخَلَّلَهَا مَجِيتُهُ إِلَى أَهْلِهِ، وَإِلَّا فَأَصْلِ الْخَلْوَة قَدْ عُرِفَتْ مُدَّتِهَا وَهِيَ شَهْرِ، وَذَلِكَ الشَّهْرِ كَانَ رَمَضَان رَوَاهُ إِبْنِ إِسْحَاقِ. وَاللَّيَالِي مَنْصُوبَة عَلَى الظَّرْف، وَذَوَات مَنْصُوبَةٍ أَيْضًا وَعَلَامَةِ النَّصْبِ فِيهِ كَسْرِ الثَّاءِ. وَيَنْزِعِ بِكَسْرِ الزَّاي أي: يَرْجِعِ وَزْنَا وَمَعْنَّى، وَرَوَاهُ الْمُؤَلِّف بِلَفْظِهِ فِي التَّفْسِیر. (قَبْلَ أَنْ يَنْزَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا) أي: اللَّيَالِي. وَالتَّزَوُدِ اِسْتِصْحَابِ الزَّادِ. وَيَتَزَوَّد مَعْطُوف عَلَى يَتَحَنَّث. وَخَدِيجَةِ هِيَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ بِنْتِ خُوَيْلِد بْنِ أَسَد بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، تَأْتِي أَخْبَارِهَا فِي مَنَاقِبهَا. ٣٨٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي (حَقَى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهْوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ) أي: الْأَمْرِ الْحَقّ، وَفِي التَّفْسِير: حَتَّى فَجِئَهُ الحَقّ - بِكَسْرِ الْجِيم - أي: بَغَتَهُ. وَإِنْ ثَبَتَ مِنْ مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْرِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فِي الْمَنَامِ أَوَّلَا قَبْلِ الْيَقَظَةِ، أَمْكَنَ أَنْ يَكُون مَجِيءِ الْمَلَكِ فِي الْيَقَظَّةِ عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَامِ. وَسُمِّيَ حَقًّا لِأَنَّهُ وَحْي مِن الله تَعَالَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيِّ وَهَ كَانَ أَوَّل شَأْنِه يَرَى فِي الْمَنَامِ، وَكَانَ أَوَّل مَا رَّأَى جِبْرِيل بِأَجْيَاد، صَرَخَ جِبْرِيل (يَا مُحَمَّد)) فَنَظَرَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَفَعَ بَصَره فَإِذَا هُوَ عَلَى أُفُقِ السَّمَاءِ فَقَالَ: ((يَا مُحَمَّد، جِبْرِيل)) فَهَرَبَ فَدَخَلَ فِي النَّاسِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُمْ فَنَادَاهُ فَهَرَبَ. ثُمَّ اِسْتَعْلَنَ لَهُ جِبْرِیل مِنْ قِبَل حِرَاء. فَذَكَرِ قِصَّة إِقْرَائِهِ (فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ) وَرَأَى حِينَئِذٍ جِبْرِيل لَهُ جَنَاحَانٍ مِنْ يَاقُوت يَخْتَطِفَانِ الْبَصَرِ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَة إِبْنِ لَهِيعَة عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَابْنِ لَهِيعَةٍ ضَعِيف. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهَ آخَر عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا: ((لَمْ أُرَهُ - يَعْنِي جِبْرِیل - عَلَى صُورَته الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ)) وَبَيَّنَ أَحْمَدِ فِي حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود أَنَّ الْأُولَى كَانَتْ عِنْدِ سُؤَالِه إِيَّهُ أَنْ يُرِيه صُورَته الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، وَالثَّانِيَة عِنْدِ الْمِعْرَاجِ. وَلِلتّْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة «لَمْ يَرَ مُحَمَّد جِبْرِيل فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّة عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَقَى، وَمَرَّةٍ فِي أَجْيَاد» وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَة ◌ِبْنِ لَهِيعَة، وَتَكُون هَذِهِ الْمَرَّة غَيْرِ الْمَرَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَضُمّهَا إِلَيْهِمَا لِإِحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونِ رَآهُ فِيهَا عَلَى تَمَامِ صُورَته، وَالْعِلْمِ عِنْد الله تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي السِّيرَة الَّتِي جَمَعَهَا سُلَيْمَانِ التَّيْمِيُّ فَرَوَاهَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ وَلَده مُعْتَمِر بْنِ سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جِبْرِيل أَنَى النَّبِيّ ◌َّهُ فِي حِرَاء وَأَقْرَأْهُ (إِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك) ثُمَّ إِنْصَرَفَ، فَبَقِيَ مُتَرَّدِّدًا، فَأَتَاهُ مِنْ أَمَامه فِي صُورَته فَرَأَى أَمْرًا عَظِيمًا (فَجَاءَهُ) هَذِهِ الْفَاءَ تُسَمَّى التَّفْسِيرِيَّة وَلَيْسَت التَّعْقِيدِيَّة؛ لِأَنَّ مَجِيء الْمَلَكِ لَيْسَ بَعْد مَجِيء الْوَحْي حَتَّى تُعُقِّبَ بِهِ، بَلْ هُوَ نَفْسِه، وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا التَّقْرِير أَنْ يَكُون مِنْ بَاب تَفْسِيرِ الشَّيْء بِنَفْسِهِ، بَل التَّفْسِيرِ عَيْنِ الْمُفَسَّر بِهِ مِنْ جِهَة الْإِجْمَالِ، وَغَيْرِهِ مِنْ جِهَة التَّفْصِیل. ٣٨٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر (مَا أَنَا بِقَارِئ) ثَلَاثَا ((مَا)) نَافِيَةٍ، إِذْ لَوْ كَانَت اِسْتِفْهَامِيَّةٍ لَمْ يَصْلُحِ دُخُولِ الْبَّاء، وَإِنْ حُكِيَ عَنِ الْأَخْفَشِ جَوَازِهِ فَهُوَ شَاذّ، وَالْبَاءِ زَائِدَة لِتَأْكِيدِ النَّفْي، أي: مَا أُحْسِنُ الْقِرَاءَةِ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا قِيلَ لَهُ ﴿إِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك﴾ [العلق:١] أي: لَا تَقْرَؤُهُ بِقُوَّتِك وَلَّا بِمَعْرِفَتِكِ، لَكِنْ بِحَوْلِ رَبِّك وَإِعَانَتِهِ، فَهُوَ يُعَلِّمك، كَمَا خَلَقَك وَكَمَا نَزَعَ عَنْك عَلَق الدَّمِ وَغَمْزِ الشَّيْطَانِ فِي الصِّغَرِ، وَعَلَّمَ أُمَّتَك حَتَّى صَارَتْ تَكْتُب بِالْقَلَمِ بَعْد أَنْ كَانَتْ أُمِّيَّة، ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيِّ. وَقَالَ غَيْرِهِ: إِنَّ هَذَا التَّرْكِيب - وَهُوَ قَوْله مَا أَنَا بِقَارِئ - يُفِيد الإِخْتِصَاص. وَرَدَّهُ الطَّيبِيُّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفِيدِ التَّقْوِيَة وَالتَّأْكِيد، وَالتَّقْدِير: لَسْت بِقَارِئ أَلْبَّةَ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ كَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا؟ أَجَابَ أَبُو شَامَة بِأَنْ يُحْمَل قَوْله أَوَّلَا ((مَا أَنَا بِقَارِئ)) عَلَى الإِمْتِنَاعِ، وَثَانِيًّا عَلَى الْإِخْبَارِ بِالنَّفْي الْمَحْضِ، وَثَالِئًا عَلَى الإِسْتِفْهَامِ. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَدِ فِي مَغَازِيه عَنْ عُرْوَةٍ أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ أَقْرَأُ وَفِي رِوَايَة عُبَيْد بْنِ عُمَيْر عَن إِبْن إِسْحَاقٍ: مَاذَا أَقْرَأ؟ٍ وَفِي مُرْسَل الزُّهْرِيّ فِي دَلَائِل الْبَيْهَقِيّ: كَيْفَ أَقْرَأ؟ كُلّ ذَلِكَ يُؤَيِّد أَنَّهَا اِسْتِفْهَامِيَّة، والله أَعْلَم. (قَالَ: ((فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي) بِغَيْنٍ مُعْجَمَة وَطَاء مُهْمَلَةٌ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ بِتَاءٍ مُثَنَّاة مِنْ فَوْق كَأَنَّهُ أَرَادَ ضَمَّنِي وَعَصَرَبِي، وَالْغَطّ حَبْسِ النَّفَس، وَمِنْهُ غَظَّهُ فِي الْمَاءِ، أَوْ أَرَادَ غَمَّنِي وَمِنْهُ الْخُنْقِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِيّ فِي مُسْنَده بِسَنَدٍ حَسَن: ((فَأَخَذَ بِحَلْقِي)). (حَقَّى بَلَغَ مِنَّ الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ " خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ ٥]) رُوِيَ بِالْفَتْحِ وَالنَّصْب، أي: بَلَغَ الْغَطّ مِنِّ غَايَة وُسْعِي. وَرُوِيَ بِالضَّمِّ وَالرَّفْعِ أي: بَلَغَ مِنِّ الْجَهْدِ مَبْلَغه. وَقَوْله ((أَرْسَلَنِي)) أي: أَظْلَقَنِي، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُهْدِ هُنَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِئَة. (فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ) أي: بِالْآيَاتِ أَوْ بِالْقِصَّةِ (فَزَمَّلُوهُ) فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَّالَ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِ)) فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) أي: لَّقُّوهُ. وَالرَّوْعِ بِالْفَتْحِ الْفَزَع. (فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي))) دَلَّ هَذَا مَعَ قَوْله: ((يَرْجُف فُؤَاده)) عَلَى إِنْفِعَال حَصَلَ لَهُ مِنْ مَجِيء الْمَلَكِ، وَمِنْ ٣٨٩ كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي ثَمَّ قَالَ (زَمِّلُونِي)). وَالْخَشْيَةِ الْمَذْكُورَةِ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُرَاد بِهَا عَلَى إِثْنَيْ عَشَر قَوْلًا: أَوَّلَهَا: الْجُنُونِ وَأَنْ يَكُونِ مَا رَآهُ مِنْ جِئْسِ الْكَهَانَة، جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي عِدَّةِ طُرُق، وَأَبْطَلَهُ أَبُو بَكْرِ ابْنِ الْعَرَبِيّ وَحُقٌ لَهُ أَنْ يُبْطِلِ، لَكِنْ حَمَلَهُ الْإِسْمَاعِيِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ قَبْل حُصُول الْعِلْمِ الضَّرُورِيّ لَهُ أَنَّ الَّذِي جَاءَهُ مَلَك وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الله تَعَالَى. ثَانِيهَا: الْهَاجِس، وَهُوَ بَاطِلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرّ، وَهَذَا اِسْتَقَرَّ وَحَصَلَتْ بَيْنهمًا الْمُرَاجَعَةِ. ثَالِثُهَا: الْمَوْتِ مِنْ شِدَّةِ الرُّعْب. رَابِعِهَا: الْمَرَضِ، وَقَدْ جَزَمَ بِهِ إِبْن أَبِي جَمْرَة. خَامِسهَا: دَوَامِ الْمَرَض. سَادِسِهَا: الْعَجْزِ عَنْ حَمْل أَعْبَاءِ الثُّبُوَّة. سَابِعِهَا: الْعَجْزِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمَلَك مِنِ الرُّعْب. ثَامِنْهَا: عَدَمِ الصَّبْرِ عَلَى أَذَى قَوْمه. تَاسِعْهَا: أَنْ يَقْتُلُوهُ. عَاشِرِهَا: مُفَارَقَة الْوَطَن. حَادِيَ عَشَرِهَا: تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ. ثَانِيَ عَشَرِهَا: تَعْبِيرهمْ إِيَّاهُ. وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ وَأَسْلَمْهَا مِن الإِرْتِيَاب الثَّالِثِ وَالَّذَانِ بَعْده، وَمَا عَدَاهَا فَهُوَ مُعْتَرَض. والله الْمُوَفِّق. (فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللّه لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْيِلُ الْكُلَّ) مَعْنَاهَا النَّفْي وَالْإِبْعَادِ، وَيَحْزُنك بِفَتْحِ أَوَّله وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالزَّاي الْمَضْمُومَةِ وَالنُّون مِن الْحُزْنِ. وَلِغَيْرٍ أَبِي ذَرّ بِضَمَّ أَوَّله وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّاي الْمَكْسُورَة ثُمَّ الْيَاء السَّاكِنَة مِن الْخِزْي. ثُمَّ ◌ِسْتَدَلَّتْ عَلَى مَا أَقْسَمَتْ عَلَيْهِ مِنْ نَفْي ذَلِكَ أَبَدًا بِأَمْرٍ إِسْتِقْرَائِيّ وَصَفَتْهُ بِأُصُولِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاق؛ لِأَنَّ الْإِحْسَانِ إِمَّا إِلَى الْأَقَارِبِ أَوْ إِلَى الْأَجَانِبِ، وَإِمَّا بِالْبَدَنِ أَوْ بِالْمَالِ، وَإِمَّا عَلَى مَنْ يَسْتَقِلّ بِأَمْرِهِ أَوْ مَنْ لَا يَسْتَقِلّ، وَذَلِكَ ٣٩٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر كُلّه ◌َجْمُوع فِيمَا وَصَفَتْهُ بِهِ. وَالْكُلّ بِفَتْحِ الْكَاف: هُوَ مَنْ لَا يَسْتَقِلّ بِأَمْرِهِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: ٧٦]. (وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ وَتُكْسِب بِضَمِّ أَوَّلْهِ، وَعَلَيْهَا قَالَ الْخَطَّائِيُّ: الصَّوَابِ الْمُعْدِم بِلَا وَاو أي: الْفَقِير؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومِ لَا يَكْسِب. قُلْت: وَلَا يَمْتَنِعِ أَنْ يُظْلَقِ عَلَى الْمُعْدِمِ الْمَعْدُومِ لِكَوْنِهِ كَالْمَعْدُومِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَا تَصَرُّف لَهُ، وَالْكَسْبِ هُوَ الإِسْتِفَادَةِ، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: إِذَا رَغِبَ غَيْرِكِ أَنْ يَسْتَفِيد مَالًا مَوْجُودًا رَغِبْت أَنْتَ أَنْ تَسْتَفِيد رَجُلًا عَاجِزًا فَتُعَاوِنَه. وَقَالَ قَاسِم بْنِ ثَابِت فِي ((الدَّلَائِل)»: قَوْله يَكْسِب مَعْنَاهُ مَا يَعْدَمهُ غَيْرهِ وَبَعْجِز عَنْهُ يُصِيبِهُ هُوَ وَيَكْسِبُهُ. قَالَ أَعْرَابِيّ يَمْدَحِ إِنْسَانًا: كَانَ أَكْسَبَهُمْ لِمَعْدُومٍ، وَأَعْطَاهُمْ لِمَحْرُومٍ وَأَنْشَدَ فِي وَصْف ذِئْب كَسُوبٍ كَذَا الْمَعْدُومِ مِنْ كَسْب وَاحِد أي: مِمَّا يَكْسِبُهُ وَحْده. اِنْتَهَى. وَلِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيّ (وَتَكْسِب)) بِفَتْحِ أَوَّله، قَالَ عِيَاض: وَهَذِهِ الرِّوَايَة أَصَحَ. قُلْت: قَدْ وَجَّهْنَا الْأُولَى، وَهَذِهِ الرَّاجِحَة، وَمَعْنَاهَا تُعْطِي النَّاسِ مَا لَا يَجِدُونَهُ عِنْد غَيْرِك، فَحَذَفَ أَحَدِ الْمَفْعُولَيْنِ، وَيُقَال: كَسَبْتِ الرَّجُلِ مَالًا وَأَكْسَبْته بِمَعْنَى. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَكْسِب الْمَالَ الْمَعْدُومَ وَتُصِيب مِنْهُ مَا لَا يُصِيب غَيْرِك. وَكَانَتِ الْعَرَب تَتَمَادَح بِكَسْبِ الْمَالِ، لَا سِيَّمَا قُرَيْشٍ. وَكَانَ النَّبِيّ ◌َ قَبْلِ الْبَعْثَة مَخْطُوظَا فِي التَّجَارَة، وَإِنَّمَا يَصِحّ هَذَا الْمَعْنَى إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ مَا يَلِيقِ بِهِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ مَعَ إِفَادَته لِلْمَالِ يجُود ◌ِهِ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْمَكْرُمَات. (وَتَقْرِي الصَّيْفَ) فَهُوَ بِفَتْجِ النَّاء قَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ: يُقَالَ: قَرَيْتِ الضَّيْفِ أَقْرِيه قِرَّى بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُور وَقَرَاء بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمَدّ. وَيُقَال لِلطَّعَامِ الَّذِي يُضَيِّفُهُ بِهِ: قِرَّى بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورِ وَيُقَال لِفَاعِلِهِ: قَارٍ مِثْل قَضَى فَهُوَ قَاضٍ. (وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) التَّوَائِب جَمْعِ نَائِبَة وَهِيَ الْحَادِثَةِ إِنَّمَا قَالَتْ نَوَائِب الْحَقّ لِأَنَّ النَّائِبَة قَدْ تَكُون فِي الْخَيْرِ وَقَدْ تَكُون في الشّرّ. ٣٩١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِن الْفَوَائِد: اِسْتِحْبَابِ تَأْنِيس مَنْ نَزَلَ بِهِ أَمْر بِذِكْرٍ تَيْسِيره عَلَيْهِ وَتَهْوِينِه لَدَيْهِ، وَأَنَّ مَنْ نَزَلَ بِهِ أَمْرِ أُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُطْلِعِ عَلَيْهِ مَنْ يَثِقِ بِنَصِيحَتِهِ وَصِحَّة رَأْیه. (ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ) أي: مَضَتْ مَعَهُ؛ فَالْبَاءِ لِلْمُصَاحَبَةِ. وَوَرَقَة بِفَتْحِ الرَّاءِ (ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةً) هُوَ بِنَصْبٍ إِبْنِ وَيُكْتَب بِالْأَلِفِ، وَهُوَ بَدَل مِنْ وَرَقَةٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ بَيَانِ، وَلَا يَجُوزِ جَرّه فَإِنَّهُ يَصِير صِفَة لِعَبْدِ الْعُزَّى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا كَتْبِه بِغَيْرِ أَلِف؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعِ بَيْن عَلَمَیْنِ. فَقَالَتْ لَّهُ: يَا ابْنَ عَمّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَّةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟) فِيهِ حَذْفِ يَدُلّ عَلَيْهِ سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي ((دَلَائِلِ النُّبُوَّة)) لِأَّبِي نُعَيْم بِسَنَدٍ حَسَن إِلَى عَبْد الله بْن شَدَّاد فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ: فَأَتَتْ بِهِ وَرَقَة إِبْنِ عَمّهَا فَأَخْبَرَتْه بِالَّذِي رَأَى. (فَأَخْبَرَهُ رَسُولَ اللهِ وََّ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزِلَ الله عَلَى مُوسَى) ولِلْكُشْمِيهَنِيّ (أَنْزَلَ الله)) وَفِي ((التَّفْسِير)) أَنْزِلَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: ((هَذَا)) إِلَى الْمَلَكِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيّ ◌َّهِ فِي خَبَرِهِ، وَنَزَّلَهُ مَنْزِلَة الْقَرِيب لِقُرْبٍ ذِگره. وَالنَّمُوس: صَاحِب السِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفِ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاءِ. وَزَعَمَ إِبْن ظَفَرِ أَنَّ النَّامُوسِ صَاحِب سِرّ الْخَيْرِ، وَالْجَاسُوس صَاحِب سِرّ الشَّرّ. وَالْأَوَّلِ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ سَوَّى بَيْنِهِمَا رُؤْيَة بْنِ الْعَجَّاجِ أَحَد فُصَحَاء الْعَرَبِ. وَالْمُرَاد بِالنَّامُوسِ هُنَا جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام -. وَقَوْله: ((عَلَى مُوسَى)) وَلَمْ يَقُلْ عَلَى عِيسَى مَعَ كَوْنه نَصْرَانِيًّا؛ لِأَنَّ كِتَاب مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلام - مُشْتَمِل عَلَى أَكْثَر الأحكام، پخِلافٍ عیسى. وَكَذَلِكَ النَّبِيّ ◌َِّ. أَوْ لِأَنَّ مُوسَى بُعِثَ بِالنَّقْمَةِ عَلَى فِرْعَوْن وَمَنْ مَعَهُ، ◌ِخِلَافِ عِيسَى. كَذَلِكَ وَقَعَتِ النَّقْمَة عَلَى يَدِ النَّبِيِّنَّهِ بِفِرْعَوْن هَذِهِ الْأُمَّة وَهُوَ أَبُو جَهْلِ بْن هِشَام وَمَنْ مَعَهُ بِبَدْرٍ، أَوْ قَالَهُ تَحْقِيقًا لِلرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّ نُزُول جِبْرِيل عَلَى مُوسَى مُتَفَق عَلَيْهِ ٣٩٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر بَيْنِ أَهْلِ الْكِتَابِ، بِخِلافٍ عِيسَى فَإِنَّ كَثِيرًا مِن الْيَهُودِ يُنْكِرُونَ نُبُوَّته، وَأَمَّا مَا تَمَخَّلَ لَهُ السُّهَيْلِيِّ مِنْ أَنَّ وَرَقَة كَانَ عَلَى اِعْتِقَاد النَّصَارَى فِي عَدَمِ نُبُوَّةٍ عِيسَى وَدَعْوَاهُمْ أَنَّهُ أَحَدِ الْأَقَانِيمِ فَهُوَ مُحَال لَا يُعَرَّجِ عَلَيْهِ فِي حَقِّ وَرَقَةٍ وَأَشْبَاهِهِ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُل فِي التَّبْدِيل وَلَمْ يَأْخُذْ عَمَّنْ بَدَّلَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ عِنْدِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارِ مِنْ طَرِيق عَبْد الله بْنِ مُعَاذ عَنِ الزُّهْرِيّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ وَرَقَة قَالَ: نَامُوس عِيسَى وَالْأَصَحّ مَا تَقَدَّمَ، وَعَبْدِ الله بْن مُعَاذْ ضَعِيف! نَعَمْ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّة لِأَّبِي نُعَيْم بِإِسْنَادٍ حَسَن إِلَى هِشَامِ بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ خَدِيجَةٍ أَوَّلَا أَتَتِ إِبْن عَمّهَا وَرَقَةٍ فَأَخْبَرَتْهِ الْخَبَرِ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ صَدَقْتَنِي إِنَّهُ لَيَأْتِيهِ نَامُوس عِيسَى الَّذِي لَا يُعَلِّمُهُ بَنُو إِسْرَائِيل أَبْنَاءَهُمْ. فَعَلَى هَذَا فَكَانَ وَرَقَة يَقُول تَارَة نَامُوس عِيسَى وَتَارَةِ نَامُوس مُوسَى، فَعِنْدِ إِخْبَارِ خَدِيجَة لَهُ بِالْقِصَّةِ قَالَ لَهَا نَامُوس عِيسَى بِحَسَبٍ مَا هُوَ فِيهِ مِن النَّصْرَانِيَّةِ، وَعِنْدِ إِخْبَارِ النَّبِيّ ◌ََّ لَهُ قَالَ لَهُ نَامُوس مُوسَى لِلْمُنَاسَبَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَكُلٌ صَحِيح. والله سُبْحَانِه وَتَعَالَى أَعْلَم. (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِ، وَعِنْدِ الْبَاقِينَ ((يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا)) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرَ كَانَ الْمُقَدَّرَةِ قَالَهُ الْخَطَّبِيُّ، وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيِّينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] وَقَالَ إِبْن بَرِّيّ: التَّقْدِیر: يَا لَيْتَنِي جُعِلْت فِيهَا جَذَعًا. وَقِيلَ: النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ إِذَا جَعَلْت فِيهَا خَبَرَ لَيْتَ، وَالْعَامِل فِي الْحَالِ مَا يَتَعَلَّق بِهِ الْخَبَرِ مِنْ مَعْنَى الإِسْتِقْرَارِ، قَالَهُ السُّهَيْلِيِّ وَضَمِير ((فِيهَا)) يَعُودِ عَلَى أَيَّامِ الدَّعْوَةِ، وَالْجُدَّعِ - بِفَتْجِ الْحِيم وَالدَّال الْمُعْجَمَة - هُوَ الصَّغِير مِن الْبَهَائِمِ، كَأَنَّهُ تَمَنَّى أَنْ يَكُون عِنْد ◌ُظُهُورِ الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَامِ شَابًّا لِيَكُونَ أَمْكَنَ لِنَصْرِهِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّن سِرّ وَصْفه بِكَوْنِهِ كَانَ کَبِیرًا أَعْمَى. (إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُّ:) قَالَ اِبْنِ مَالِك فِيهِ اِسْتِعْمَال ((إِذْ)) فِي الْمُسْتَقْبَل كَإِذَا، وَهُوَ صَحِيحِ، وَغَفَلَ عَنْهُ أَكْثَرِ النُّحَاةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرِ﴾ [مريم:٣٩] هَكَذَا ذَكَرَهُ إِبْن مَالِك وَأَفَرَّهُ عَلَيْهِ غَيْرِ وَاحِد. وَتَعَقَّبَهُ شَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ النُّحَاةِ لَمْ يَغْفُلُوهُ بَلْ مَنَعُوا وُرُودِه، وَأَوَّلُوا مَا ظَاهِرِه ٣٩٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي ذَلِكَ وَقَالُوا فِي مِثْلِ هَذَا: اِسْتَعْمَلَ الصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُضِيَّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعه فَأَنْزَلُوهُ مَنْزِلَتْه، وَيُقَوِّي ذَلِكَ هُنَا أَنَّ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي التَّعْبِيرِ ((حِين يُخْرِجِكِ قَوْمك)) وَعِنْد التَّحْقِيقِ مَا إِذَّعَاهُ اِبْنِ مَالِك فِيهِ إِرْتِكَاب ◌َجَاز، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرِهِ فِيهِ إِرْتِكَاب مجاز، وَمَجَازِهِمْ أَوْلَى، لِمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ إِيقَاعِ الْمُسْتَقْبَل فِي صُورَة الْمُضِيّ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ أَوَ إِسْتِحْضَارًا لِلصُّورَةِ الْآتِيَةِ فِي هَذِهِ دُون تِلْكَ مَعَ وُجُودِهِ فِي أَفْصَحِ الْكَلَامِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِمَنْعِ الْوُرُودِ وُرُودًا مَحْمُولًا عَلَى حَقِيقَةِ الْحَال لَا عَلَى تَأْوِيلِ الإِسْتِقْبَالِ، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز تَمَنِّي الْمُسْتَحِيلِ إِذَا كَانَ فِي فِعْلِ خَيْرِ؛ لِأَنَّ وَرَقَة تَمَّنَّى أَنْ يَعُودِ شَابًّا، وَهُوَ مُسْتَحِيل عَادَة، وَيَظْهَر لِي أَنَّ الثَّمَنِّي لَيْسَ مَقْصُودًا عَلَى بَابِهِ، بَل الْمُرَاد مِنْ هَذَا التَّنْبِيه عَلَى صِحَّة مَا أَخْبَرَهُ بِهِ، وَالتَّنْوِيهِ بِقُوَّةٍ تَصْدِيقه فِيمَا يَجِيء پِهِ. (أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟)) قَالَ: نَعَمْ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيد الْيَاءِ وَفَتْحِهَا جَمْع مُخْرِجِ، فَهُمْ مُبْتَدَأْ مُؤَخَّر وَمُخْرِجِيَّ خَبَر مُقَدَّم قَالَهُ إِبْنِ مَالِك وَاسْتَبْعَدَ النَّبِيّ ◌ََّ أَنْ يُخْرِجُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَبَب يَقْتَضِي الْإِخْرَاجِ، لِمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي تَقَدَّمَ مِنْ خَدِيجَة وَصْفِهَا. وَقَد اِسْتَدَلَّ إِبْنِ الدُّغُنَّةِ بِمِثْلِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرِ لَا يَخْرُج. (لَمْ يَأْتِ رَجُلُ قَطْ بِمِثْلَ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ) فِي رِوَايَة يُونُس فِي النَّفْسِير («إلَّا أُوْذِيَ)) فَذَكَرَ وَرَقَةٍ أَنَّ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ مَجِينُهُ لَهُمْ بِالإِنْتِقَالِ عَنْ مَأْلُوفِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُ عَلِمَ مِن الْكُتُبِ أَنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَلْزَمهُ لِذَلِكَ مُنَابَذَتهمْ وَمُعَانَدَتهمْ فَتَنْشَأْ الْعَدَاوَةِ مِنْ ثَمَّ، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُجِيب يُقِيم الدَّلِل عَلَى مَا يُجِيب بِهِ إِذَا اِقْتَضَاءُ الْمَقَامِ. (وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا) إِنْ شَرْطِيَّةِ وَالَّذِي بَعْدِهَا مَجْزُومٍ. زَادَ فِي رِوَايَة يُونُس فِي التَّفْسِير ((حَيًّ)) وَلِإِبْنِ إِسْحَاق ((إِنْ أَدْرَكْت ذَلِكَ الْيَوْمِ)) يَعْنِي يَوْمِ الْإِخْرَاج. (مُؤَزَّرًا) بِهَمْزَةٍ أَي: قَوِيًّا مَأْخُوذ مِن الْأَزْرِ وَهُوَ الْقُوَّة وَأَنْكَرَ الْقَزَّازِ أَنْ يَكُون فِي اللُّغَة مُؤَزَّر مِن الْأَزْرِ. وَقَالَ أَبُو شَامَةِ: يُحْتَمَلِ أَنْ يَكُون مِن الْإِزَارِ، أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَشْمِيره في نُصْرَته (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُلِّ، وَفَتَرَ الْوَحْي) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَة أي: لَمْ يَلْبَث. وَأَصْلِ النُّشُوبِ الثَّعَلُّق، أي: لَمْ يَتَعَلَّقِ بِشَيْءٍ مِن الْأُمُورِ حَتَّى مَاتَ. وَهَذَا بِخِلافٍ مَا فِي ٣٩٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر (السِّيرَة) لِبْنِ إِسْحَاقِ أَنَّ وَرَقَة كَانَ يَمُرّ بِبِلَالٍ وَهُوَ يُعَذَّب، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى زَمَن الدَّعْوَةِ، وَإِلَى أَنْ دَخَلَ بَعْض النَّاس فِي الْإِسْلَامِ. فَإِنْ تَمَسَّكْنَا بِالتَّرْجِيحِ فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحّ، وَإِنْ لَحَظْنَا الْجَمْعِ أَمْكَنَ أَنْ يُقَال: الْوَاوِ فِي قَوْله: وَفَتَرَ الْوَحْي. لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ، فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَحْفَظ لِوَرَقَة ذِكْرًا بَعْد ذَلِكَ فِي أَمْر مِن الْأُمُورِ فَجَعَلَ هَذِهِ الْقِصَّة إِنْتِهَاء أَمْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِه لَا إِلَى مَا هُوَ الْوَاقِعِ. وَفُتُورِ الْوَحْي عِبَارَة عَنْ تَأَخُّره مُدَّة مِن الزَّمَانِ، وَكَانَ ذَلِكَ لِيَذْهَبِ مَا كَانَ نَّهِ وَجَدَهُ مِن الرَّوْعِ، وَلِيَحْصُل لَهُ الَّشَوُّف إِلَى الْعَوْدِ، فَقَدْ رَوَى الْمُؤَلِّف فِي التَّعْبِيرِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرِ مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ. فَائِدَةٍ: وَقَعَ فِي تَارِيخ أَحْمَد بْنِ حَنْبَل عَنِ الشَّعْبِيّ أَنَّ مُدَّةٍ فَتْرَة الْوَحْي كَانَتْ ثَلَاث سِنِينَ، وَبِهِ جَزَمَ إِبْن إِسْحَاقٍ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ أَنَّ مُدَّة الرُّؤْيَا كَانَتْ سِتَّة أَشْهُر، وَعَلَى هَذَا فَابْتِدَاء التُّبُوَّةِ بِالرُّؤْيَا وَقَعَ مِنْ شَهْرِ مَوْلِده وَهُوَ رَبِيعِ الْأَوَّل بَعْد إِكْمَاله أَرْبَعِينَ سَنَة، وَابْتِدَاء وَحْي الْيَقَظَة وَقَعَ فِي رَمَضَان. وَلَيْسَ الْمُرَاد بِفَتْرَةِ الْوَحْي الْمُقَدَّرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَهِيَ مَا بَيْن نُزُول ((إِقْرَأ) وَ(يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّرِ)) عَدَمِ مَجِيء جِبْرِيل إِلَيْهِ، بَلْ تَأْخُّر نُزُول الْقُرْآنِ فَقَطْ، ثُمَّ رَاجَعْت الْمَنْقُول عَنِ الشَّعْبِيّ مِنْ تَارِيخِ الْإِمَامِ أَحْمَد، وَلَفْظه مِنْ طَرِيق دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنِ الشَّعْبِيّ: أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الثُّبُوَّةِ وَهُوَ إِبْنِ أَرْبَعِينَ سَنَة فَقُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ إِسْرَافِيل ثَلَاث سِنِينَ فَكَانَ يُعَلِّمُهُ الْكَلِمَةِ وَالشَّيْءِ، وَلَمْ يَنْزِل عَلَيْهِ الْقُرْآن عَلَى لِسَانه فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاث سِنِينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جِبْرِيلٍ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآن عَلَى لِسَانِه عِشْرِينَ سَنَةٍ. وَأَخْرَجَهُ إِبْنِ أَبِي خَيْئَمَةَ مِنْ وَحْي آخَرِ مُخْتَصَرًا عَنْ دَاوُدَ بِلَفْظِ: بُعِثَ لِأَرْبَعِينَ، وَؤُكِّلَ بِهِ إِسْرَافِيل ثَلَاث سِنِينَ، ثُمَّ وُكِّلَ بِهِ جِبْرِيل فَعَلَى هَذَا فَيَحْسُن - بِهَذَا الْمُرْسَل إِنْ ثَبَتَ - الْجُمْعِ بَيْن الْقَوْلَيْنِ فِي قَدْر إِقَامَته بِمَّةَ بَعْد الْبَعْثَةِ، فَقَدْ قِيلَ ثَلَاث عَشْرَة، وَقِيلَ عَشْرِ، وَلَا يَتَعَلَّقِ ذَلِكَ بِقَدْرٍ مُدَّة الْفَتْرَةِ، والله أَعْلَمٍ. وَقَدْ حَكَى إِبْنِ التِّينِ هَذِهِ الْقِصَّة، لَكِنْ وَقَعَ عِنْده مِيكَائِيل بَدَل إِسْرَافِيلٍ، وَأَنْكَرَ الْوَاقِدِيّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُرْسَلَةِ وَقَالَ: لَمْ يُقْرَن بِهِ مِن الْمَلَائِكَةِ إِلَّ جِبْرِيلٍ، إِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ الْمُثْبِت مُقَدَّم عَلَى النَّافِي إِلَّ إِنْ صَحِبَ الَّافِيَ دَلِيل نَفْيه فَيُقَدَّم والله أَعْلَمْ. وَأَخَذَ السُّهَيْلِِّ هَذِهِ ٣٩٥ كتاب الفضائل والشمائل / باب المبعث وبدء الوحي الرِّوَايَة فَجَمَعَ بِهَا الْمُخْتَلِفِ فِي مُكْثِهِ وَلَ بِمَكَّة، فَإِنَّهُ قَالَ: جَاءَ فِي بَعْض الرِّوَايَات الْمُسْنَدَةِ أَنَّ مُدَّة الْفَتْرَة سَنَتَانٍ وَنِصْف، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ مُدَّة الرُّؤْيَا سِتَة أَشْهُر، فَمَنْ قَالَ مَكَثَ عَشْرِ سِنِينَ حَذَفَ مُدَّة الرُّؤْيَا وَالْفَتْرَةِ، وَمَنْ قَالَ ثَلَاث عَشْرَة أَضَافَهُمَا. وَهَذَا الَّذِي إِعْتَمَدَهُ السُّهَيْلِيّ مِن الإِحْتِجَاجِ بِمُرْسَلِ الشَّعْبِيّ لَا يَثْبُت، وَقَدْ عَارَضَهُ مَا جَاءَ عَنِ اِبْنِ عَبَّاس أَنَّ مُدَّة الْفَتْرَةِ الْمَذْكُورَة كَانَتْ أَيَّامًا ... [فتح الباري للحافظ .. والنووي - بتصرف]. ٥٨٤٢ - [وَزَادَ البُخَارِيُّ: حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ ◌َّهِ - فِيمَا بَلَغَنَا - حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةٍ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهُ، تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ]. (فَيَسْكُن لِذَلِكَ جَأَشِه) بِجِيمٍ وَهَمْزَة سَاكِنَةٍ وَقَدْ تُسَهَّل وَبَعْدهَا شِين مُعْجَمَة قَالَ الْخُلِيلِ: الْجَأْشِ النَّفْس فَعَلَى هَذَا فَقَوْله ((وَتَقَرّ نَفْسه)) تَأْكِيد لَفْظِيّ. ٥٨٤٣ - [وَعَنْ جَابِرِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ قَالَ: «فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْنًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَتِي بِحِرَاءٍ قَاعِدُ عَلَى كُرْسِيٌّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَئِئْتُ مِنْهُ رُعْبًا حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] ثُمَّ مُحِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). ٥٨٤٤ [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ الْخَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ الله فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ وَشْـ (١) أخرجه البخاري (٤)، ومسلم (١٦١) والترمذي (٣٣٢٥) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٤٥٢٣) والنسائي في ((الكبرى)) (١١٦٣١) والبيهقي (١٧٥٠٠) وأبو عوانة (٣٢٩) والحاكم (٢٩٩٣) وقال: صحيح على شرط الشيخین. ٣٩٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ - وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَّ - فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ)) قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَقْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًّا. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](١). ٥٨٤٥ [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَكَسَ رَأْسَهُ، وَنَكَسَ أَصْحَابُهُ رُؤُوسَهُمْ، فَلَمَّا أَتْلِي عَنْهُ رَفَعَ رَأْسَهُ رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢). ٥٨٤٦ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] خَرَجَ النَّبِيُّ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَجَعَل يُنَادِي: ((يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٌّ)) لِبُطُونِ قُرَيْش حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَل الرَّجُلِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُوْلاً لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٍ، فَقَالَ: «أَرَّأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ مِنْ سَفْجِ هَذَا الْجَبَلِ - وَفِي رِوَايَةٍ: أنَّ خَيْلاً تَخْرِجُ بِالوَادِي تُرِيْد أنْ تُغِيْرَ عَلَيْكُم - أَكُنْتُمْ مُصَدِّفِيَّ؟)) قَالُوا: نَعَم، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلا صِدْقًّا قَالَ: ((فَإِنِّ نَذِيرٌّ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)) قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبَّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). ٥٨٤٧ - [وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُود قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَلِ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَجَمْعُ قُرَيْشِ فِي مَجَالِسِهِمْ؛ إِذْ قَالَ قَائِلُ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْئِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ◌َ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى - (١) أخرجه مالك (٤٧٥)، والبخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (٢٣٣٣)، والترمذي (٣٦٣٤) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٥٢٩١)، والنسائي (٩٣٤)، وابن حبان (٣٨)، والطبراني (٣٣٤٥)، والحميدي (٢٥٦)، وابن راهويه (٧٥٤) وعبد بن حميد (١٤٩٠). (٢) أخرجه مسلم (٦٢٠٦). (٣) أخرجه البخاري (٤٤٩٢)، ومسلم (٢٠٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٤٢٦). ٣٩٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقُ إِلَى فَاطِمَةَ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَثَبَتَ النَّبِيُّ ◌َ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ وَّةِ الصَّلَاةَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشِ)) ثَلاثًا وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاثًا وَإِذَا سَأَلَ سَألَ ثَلاثًا ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ)) قَالَ: عَبْدُ اللهِ: فَوَاللهِ، لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ، قَلِيبٍ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َ: ((وَأَتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً)) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١). (الْقَلِيبٍ) هِيَ الْبِثْرِ الَّتِي لَمْ تُظْوَ، وَإِنَّمَا وُضِعُوا فِي الْقَلِيب تَحْقِيرًا لَهُمْ، وَلِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاسِ بِرَائِحَتِهِمْ، وَلَيْسَ هُوَ دَفْنًا لِأَنَّ الْحَرْبِيّ لَا يَجِب دَفْنه، قَالَ أَصْحَابِنَا: بَلْ يُتْرَكِ فِي الصَّحْرَاءِ، إِلَّا أَنْ يُتَأَذَّى بِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: اِعْتَرَضَ بَعْضهمْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي قَوْله: (لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ) وَمَعْلُومٍ أَنَّ أَهْلِ السِّيَرِ قَالُوا: إِنَّ عُمَارَةِ بْنِ الْوَلِيدِ وَهُوَ أَحَدِ السَّبْعَة، كَانَ عِنْدِ النَّجَاشِيّ، فَاتَّهَمَهُ فِي حَرَمِه، وَكَانَ جَمِيلًا، فَنَفَخَ فِي إِحْلِيلِه سِحْرًا فَهَامَ مَعَ الْوُحُوشِ فِي بَعْض جَزَائِرِ الْحَبَشَةِ فَهَلَكَ. قَالَ الْقَاضِي: وَجَوَابِهِ أَنَّ الْمُرَادِ أَنَّهُ رَأَى أَكْثَرِهِمْ بِدَلِيلٍ أَنَّ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْط مِنْهُمْ وَلَمْ يُقْتَلِ بِبَدْرٍ، بَلْ مُِلَ مِنْهَا أَسِيرًا، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ النَّبِيّ ◌َيِّ صَبْرًا بَعْد ◌ِنْصِرَافِه مِنْ بَدْرِ بِعِرْقِ الظُّبْيَة. قُلْت: الظُّبْيَة: ظَاء مُعْجَمَة مَضْمُومَةٍ ثُمَّ بَاء مُوَخَّدَة سَاكِنَةٍ ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة تَحْت ثُمَّ هَاء، هَكَذَا ضَبَطَهُ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ: ((الْمُؤْتَلِفِ فِي الْأَمَاكِنِ)) قَالَ: قَالَ الْوَاقِدِيُّ: هُوَ مِنِ الرَّوْحَاء عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةِ. [النووي ٢٥١/٦]. ٥٨٤٨ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَنَي (١) أخرجه البخاري (٢٩٣٤)، ومسلم (٤٧٥٠). ٣٩٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر عَلَيْكَ يَوْمُ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمٍ أُحُدٍ؟ قَالَ: ((لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ فَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ - وَأَنَا مَهْمُومُ - عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْحِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِي إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمِ الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](١). (إِنْ شِئْت أَطْبَقْت عَلَيْهِم الْأَخْشَبَيْنِ) هُمَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالْخَاءِ وَالشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَهُمَا جَبَلَا مَكَّةٍ: أَبُو قُبَيْس، وَالْجَبَلِ الَّذِي يُقَابِلهُ. ٥٨٤٩ - [وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: ((كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمُ شَجُوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢). (شَجُوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ) الْمُرَادُ بِكَسْرِ الرَّبَاعِيَةِ وَهِيَ السِّنُّ الَّتِي بَيْنَ القَّنِيَّةِ وَالتَّابِ أَنَّهَا كُسِرَتْ فَذَهَبَ مِنْهَا فَلَقَةٌ وَلَمْ تُقْلَعْ مِنْ أَصْلِهَا. ٥٨٥٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى قَوْمِ فَعَلُوا بِنَبِّهِ) يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ ((اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ الله في سَبِيلِ الله)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). (١) أخرجه البخاري (٣٠٥٩)، ومسلم (١٧٩٥). (٢) أخرجه مسلم (٤٧٤٦). (٣) أخرجه البخاري (٣٨٤٥)، ومسلم (١٧٩٣). ٣٩٩ كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي وهذا الباب خالٍ عن الفصل الثاني الفصل الثالث ٥٨٥١ - [عَنْ يَحْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا المُتَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ لِي، فَقَالَ لِي جَابِرَ: لَا أَحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِوَهِ قَالَ: «جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَظْتُ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْثُ خَدِيجَةً فَقُلْتُ: دَثِّرُوِي فَدَتَّرُوْنِي وَصُبُّوا عَلَّ مَاءَ بَارِدًّا، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:١ - ٥] وَذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلاة». مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (١) أخرجه البخاري (٤٩٢٢)، ومسلم (٤٢٧). باب علامات النبوة الفصل الأول ٥٨٥٢ - [عَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّةِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لأَمَهُ وَأَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ؛ يَعْنِي: ظِثْرَهُ، فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسَّ: فَكُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١). (ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَيْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءٍ زَمْزَمَ، ثُمَّ لأَّمَهُ) أَمَّا (الطَّسْت) فَبِفَتْحِ الظَّاء لُغَة وَإِسْكَان السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهِيَ إِنَاءِ مَعْرُوفٍ وَهِيَ مُؤَنَّثَة قَالَ: وَحَكَى الْقَاضِي عِیَاض كَسْرِ الظَّاء لُغَة وَالْمَشْهُورِ الْفَتْحِ كَمَا ذَكَرْنَا وَيُقَال فِيهَا: (طَسّ) بِتَشْدِيدِ السِّين وَحَذْفِ التَّاءِ، وَ(طَسَّة) أَيْضًا وَجَمْعِهَا ◌ِسَاس وَطْسُوْس وَطِسَّات. وَأَمَّا (لَأَمَهُ) فَبِفَتْح اللَّامِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٍ عَلَى وَزْنِ ضَرَبَهُ وَفِيهِ لُغَةٍ أُخْرَى (لَاءَمَهُ) بِالْمَدِّ عَلَى وَزْن (آذَنَهُ) وَمَعْنَاهُ جَمَعَهُ وَضَمَّ بَعْضِه إِلَى بَعْض وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُوهِم جَوَاز إِسْتِعْمَال إِنَاء الذَّهَب لَنَا فَإِنَّ هَذَا فِعْل الْمَلَائِكَة وَاسْتِعْمَالهِمْ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَكُون حُكْمهِمْ حُكْمِنَا، وَلِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِ النَّبِيّ ◌َهِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّة. (يَعْنِي ظِتْره) هِيَ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَة بَعْدِهَا هَمْزَة سَاكِنَة وَهِيَ الْمُرْضِعَةِ وَيُقَال أَيْضًا لِزَوْجِ الْمُرْضِعَة ◌ِئْر. (فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعِ اللَّوْن) هُوَ بِالْقَافِ الْمَفْتُوحَة أي: مُتَغَيِّر اللَّوْن قَالَ أَهْلِ اللُّغَة: اِمْتَقَعَ لَوْنِه فَهُوَ مُمْتَقِعٍ وَانْتَقَعَ فَهُوَ مُنْتَقِع ◌ِبْتَقَعَ بِالْبَاءِ فَهُوَ مُبْتَقِعٍ فِيهِ ثَلَاث لُغَاتِ وَالْقَافِ مَفْتُوحَة فِيهِنَّ. قَالَ الْجُوْهَرِيّ وَغَيْرِهِ: وَالْمِيمِ أَفْصَحُهُنَّ. وَنَقَلَ الْجَوْهَرِيّ اللُّغَات الثَّلَاث عَن (١) أخرجه مسلم (١٦٢)، ابن أبي شيبة (٣٦٥٥٧). ٤٠٠