Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّهه وصفاته للحوبة، وما منه مقرَّبُ فهو للتوبة، فهو ◌َّ نبِيُّ إرجاع الخلق عامَّهم وخاصَّهم إلى ربهم من حدِّ البعد إلى حدِّ القرب، ومن حدِّ القرب إلى غاية الوصول، ولما كان من إحاطة الرحمة التي أُرسل بها أن ييسِّر الأمر على أمته بما رفع عنهم من نقمات الأمم الماضين، إلى أن صار أمرهم إلى عقوبة الملاحم ومجموعها، فكان نبيُّ الملحمة نبيَّ التوبة، وكانت التوبة لهم لطفًا أن ينالهم الملحمة قال الله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلٍ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] فكانت التوبة لهم عوضًا من الملحمة التي في مضمون قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] هذه ملحمةُ كانت تحلُّ بهم عقوبةً لمحاربتهم، فرفق بهم في قبول توبتهم، ولم تكن محاربتهم حاقَّةً عليهم بالملحمة؛ لتخلصهم منها بالتوبة، فكان نبيَّ التوبة التي أغنى موقعها عن الملحمة، التي أغنى موقعها عن النقمة، فرفق بهم، ثم لطف بهم، وعمَّ ذلك جميع كافرهم ومؤمنهم ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] وعامَّة ما تقدَّم من الأمم كانت الحواقٌ تلزمهم بالنقمات على أفعالهم، وإنما تكون توبتهم فيها كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤]. وذكر له بعض القوم حال بني إسرائيل فيما كان يصبح مكتوبًا على أبوابهم حين يفارقون الذنوب من كفارات أصارٍ كانوا يلزمون بها من قطع الأعضاء وغيرها، عوضهم الله بذلك آية التوبة فجعل التوبة عوضًا لهم من تلك الكفارات الإصريّة، ومن جمع النقمات، فبذلك اختص به أن يكون نبيَّ التوبة، وكلمة التوبة هي كلمة: لا إله إلا الله، يقولها القائل مجتهدًا فيها، مشربًا ظاهره وباطنه بمقالها حتى يأخذ كل عضوٍ منه قسطه منها، فبذلك تتحات عنه كما تتحات الورق من الشجر، وفى كلِّ مقامٍ توبةٌ حتى ينتهي مقام التوبة إلى التوبة من التوبة، فيتمُّ به أمرٌّ لم يكن لأحدٍ قبل محمدٍ رَّ؛ لما فتح له من الفتح المبين، الذي به غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، ولا ٣٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر له متقدَّم الذنب في الإبداء ومتأخره في الإعادة، فكانوا في قيام أمرهم كما كانوا قبل الإبداء في وجودهم لربهم حيث كانوا غيبًا عن أنفسهم قائمين بربهم؛ وذلك تمام التوبة بالتوبة من التوبة، فمستغفرُ يكون استغفاره توبةً من الدين، ومستغفرٌّ يكون استغفاره جلاء توبة من الغين، كما قال وَا﴾: ((إنَّه ليُغانُ على قلبي؛ فأستغفرُ الله في اليوم سبعين مرةً)). وقال ◌َلّ: «توبوا؛ فإني أتوب في اليوم سبعين مرةً)). وبين ذلك من رتب التوبة ما يحيط به دنوُّ الدين علوُّ الغين؛ فلكلِّ ذي مقامٍ توبةٌ بحسب مقامه، يرفع بها من أدنى مقامه إلى أعلاه؛ لتردده ما دام في دنياه بين أدنى مقامه وأعلاه، الذي فيه إقامته، وبه قوام من دونه منه، حتى تكون تمام التوبة لقاء الله، فهناك يستقرُّ المتاب ويقرُّ اليقين. (وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ) هذا الاسم من أخصّ الأسماء به ◌َليهِ وألزمهم له؛ لأن متنزل وجوده في الإبداء لم يزل رحمةً ساريةً في كلِّ مبدٍ فما ظهرت مزيَّة الآدميَّة لآدم فمن دونه إلا به، كما قال ◌َله: «فكان حظ آدم من الخير بنا ونطقه بمستودع نورنا)) وكذلك ما ظهرت إقامة ما حواه العرش إلا عن إفاضة بركة رحمته، كما ذكر أن العرش لم يسكن اضطرابه إلا بكتب اسمه عليه مع اسم ربِّه، ولا ظهرت مزية آدم إلا ببركته چچ قال ◌َ﴾: («أنا الذي قال الروح القدس جبريل - عليه السلام - أتدري يا محمد لِمَ أمرنا الله بالسجود لآدم فسجدنا؟ إنما أراد بذلك تعظيمه؛ إذ كنت في صلبه، ولا فخر)). وكما قال ◌َله: ((أنا الذي نصر الله بي نوحًا على قومه، وأخرجه من السفينة بالسلامة والعافية، كما كتب اسمي حول السفينة: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فنطقت السفينة فقالت: ألا وكل من دخل فيَّ فهو في ضمان الله حتى يخرج، ولا فخر)) وكما قال ◌َلّ: ((أنا الذي من أجلي قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى ٣٤٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّار وصفاته إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] لما كنت يومئذٍ في صلبه، ولا فخر». وكما قال وليه ((أنا الذي لما دعا صالح ربَّه أن يخرج الناقة من الصخرة وأدخل جبريل ريشًا من ريش أجنحته فقال له: الماء به، فرفع الصخرة قليلاً من وجه الأرض حتى يرى الخلائق والصخرة فرسخ في فرسخ وقد أخذها الطلق، فنُودي: يا صالح إنه قد استصعب من أجل دعوةٍ؛ فقل: بحقٍّ محمدٍ خاتم النبيين ألا خرجت! فلما قالها خرجت الناقة ولا فخر». * فكان ◌َلَه رحمةً في الإبداء كله حتى نالت الرحمة قريشًا، بما كانت فيه من أمر جاهليتها، بما رحمت ببركة منشئها إلى تمام ظهوره، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١-٥]. وقال: ﴿الإِيلافِ قُرَيْشِ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَظْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١- ٤] وصرف الله عن أهل مكة البلايا والنقمات بما أقامه له من رحمةٍ، حتى صرف عنهم جميع ملائكة الآفاق والأركان: من الرياح والنيران والمياه والجبال، وغير ذلك مما أذن الله لهم في نصرته على من كذَّبه، فصرف ذلك كله وَّ بفضل رحمته التي اختصَّ بها، وصابرهم وطاولهم رحمةً لهم بضع عشرة سنةً، حتى رفع الله عنهم العذاب بكونه فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] بما هو نبيُّ التوبة وكذلك هو نبيُّ الرحمة في الإعادة، لما أبقى الله لهم من دعوة الشفاعة حتى إنه ليشفع الأولين والآخرين في رحمة القضاء، واستبراء سجن الوقوف في مأزق الحشر الذي يضيق؛ لطوله أنفس الواقفين؛ فيطلبون الفلات منه، فلا ينفضُّون منه إلا برحمة شفاعته، إلى ما وراء ذلك من شفاعاته وشفاعة الشافعين من شفاعاته، إلى ما وراء أبد الأبد الذي تكفَّل بها لذرية أنصاره، كما قال في قوله في الأنصار: ((بل للأنصار ولأعقاب أعقابهم أبد الأبد)) فرحمته وَلّ عامَّةً للعالمين دائمةٌ ٣٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر تنال كلَّ شيءٍ بحسبه، حتى تنال الكافر في التخفيف كما تنال الذين أسلموا والذين آمنوا في التخليص إلى ما ليس وراءه مرَّ فكان له من الرحمة ما هو له علمُ واسم مسمٍ الأظهر ظاهرٍ من صفاته التي هي لمحةٌ من لمحات إحاطة أحمديته وكلمن ولما كانت له وَُّ الأحمديَّة التي هي أعلى في كلِّ شيءٍ فكان في نبوّة رحمته في رتبةٍ أعلى الرحمة، وكانت محمديَّته دائمةً بدوام ربِّه، كانت نبوة رحمته دائمةً مكررة متضاعفةً، فاشتقَّ له من الرحمة اسم المرحمة، بزيادة ميم التمام والدوام، فكان نبيَّ المرحمة إذا أنال الله الخلق منه رحمةَ استدرّ لهم رحمةً تأتي على ما بقي عليهم، ولا يزال يسترحم ويستمطر لهم مراحم الله حتى تنالهم شفاعته الكبرى الموصلة إلى الله تعالى، فكان لذلك نبيَّ المرحمة التامَّة الدائمة المكررة المتضاعفة منذ بدء نوره الأول إلى أن يغلب على ما في السماوات وما في الأرض بنور الله، الذي هو نور السماوات والأرض، فكانت مرحمته نائلة المقربين في قربهم، وأهل اليمين في يمينهم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلامُ لك من أصحاب اليمين، وأهل المشأمة في مشأمتهم بما ينالهم برحمته من التخفيف. قيل: يا رسول الله هل نفعت عمَّك؟ قال: ((وجدته في غمرات النيران، فأخرجته إلى ضحضاچ)). وقال ◌َ﴾: ((ما بال أقوامٍ يزعمون أن رحمي لا تنفع، أمّا إنّها والله لتنفع في الدنيا والآخرة». وقال وَل﴾: ((أما إن بني فلان ليسوا مني ولست منهم، ولكن لهم رحم سأبلُّها ببلالها» فرحمته تامَّةُ دائمةٌ، ولمسراها باطنًا اختصَّ لفظها بمعنى النبوّة، حيث لم يكن الاسم مع اسم الرسالة. ٥٧٧٨ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَالَ: «أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عَنِّ شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَبَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ)). ٣٤٥ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي وَله وصفاته رَوَاهُ البُخَارِي](١). قَالَ الشَّيْخِ عِزّ الدِّينِ بْن عَبْدِ السَّلَامِ: إِنْ قِيلَ: كَيْفِ يَسْتَقِيمِ ذَلِكَ وَهُمْ مَا كَانُوا يَشْتُمُونَ الإِسْمِ بَل الْمُسَمَّى وَالْمُسَمَّى وَاحِد؛ فَالْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَاد كَفَى اِسْمِي الَّذِي هُوَ مُحَمَّد أَنْ يُشْتَم پِالسَّبِّ. ٥٧٧٩ - [وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَكَانَ إِذَا اذَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ، وَإِذَا شَعِتَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ اللَّحْيَةِ، فَقَالَ رَجُلُّ: وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا، وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٢). (مِثْلِ السَّيْف قَالَ لَا بَلْ مِثْلِ الْقَمَر) كَأَنَّ السَّائِلِ أَرَادَ أَنَّهُ مِثْلِ السَّيْف فِي الطُّول، فَرَدَّ عَلَيْهِ (قَالَ: لَا، بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا) أي: في التَّدْوِيرِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مِثْلِ السَّيْف فِي اللَّمَعَانِ وَالصِّقَال؟ فَقَالَ: بَلْ فَوْق ذَلِكَ، وَعَدَلَ إِلَى الْقَمَر ◌ِجَمْعِهِ الصِّفَتَيْنِ مِن التَّدْوِيرِ وَاللَّمَعَانِ. وَإِنَّمَا قَالَ: (مُسْتَدِيرًا) لِلتَّنْبِهِ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ الصِّفَتَيْنِ، لِأَنَّ قَوْله: (مِثْلِ السَّيْف) يَخْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ الطُول أَو اللَّمَعَانِ، فَرَدَّهُ الْمَسْؤُولِ رَدَّا بَلِيغًا. وَلَمَّ جَرَى التَّعَارُفِ فِي أَنَّ التَّشْبِيه بِالشَّمْسِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ غَالِبًا الْإِشْرَاق، وَالتَّشْبِيهِ بِالْقَمَرِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْمَلَاحَةِ دُون غَيْرِهِمَا، أَنَى بِقَوْلِهِ: (وَكَانَ مُسْتَدِيرًا) إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهِ بِالصِّقَتَيْنِ مَعًا: الْحُسْنِ وَالإِسْتِدَارَة. وَلِأَحْمَدِ وَابْنِ سَعْد وَابْنِ حِبَّنَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ((مَا رَأَيْتِ شَيْئًا أَحْسَن مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ كَأَنَّ الشَّمْسِ تَجْرِي فِي جَبْھَته)). قَالَ الطَّيبِيُّ: شَبَّهَ جَرَيَانِ الشَّمْسِ فِي فَلَكَهَا بِجَرَيَانِ الْحُسْنِ فِي وَجْهِهِ وَِّ، وَفِيهِ (١) أخرجه البخاري (٣٣٤٠) وأحمد (٨٨١١) والنسائي (٣٤٣٨) والبيهقي (١٦٩٢٠) والحميدي (١١٣٦). (٢) أخرجه مسلم (٦٢٣٠). ٣٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر عَكْسِ التَّشْبِيه لِلْمُبَالَغَةِ، قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونِ مِنْ بَابِ تَنَاهِي التَّشْبِيهِ جَعْل وَجْهه مَقَرًّا وَمَكَانًا لِلشَّمْسِ. وَرَوَى يَعْقُوبِ بْنِ سُفْيَانِ فِي (تَارِيخِه)) مِنْ طَرِيقِ يُونُس بْن أَبِي يَعْفُور عَنْ أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ عَن إِمْرَأَةٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: ((حَجَجْت مَعَ رَسُولِ اللهِوَه فَقُلْت لَهَا: شَبِّهِيهِ. قَالَتْ: كَالْقَمَّرِ لَيْلَة الْبَدْرِ، لَمْ أَرَ قَبْله وَلَا بَعْده مِثْله)) وَفِي حَدِيث الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّد: (لَوْ رَأَيْتِه لَرَّأَيْتِ الشَّمْسِ طَالِعَةٍ)) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارِيُّ، وَفِي حَدِيث يَزِيد الرَّقَّاشِيّ عَنِ إِبْنِ عَبَّاس: ((جَمِيل دَوَائِرِ الْوَجْهُ قَدْ مَلَأَتْ لِيَّتِهِ مِنْ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ حَتَّی كَادَتْ تَمْلَأْ نَحْرِه)» وَرَوَى الذُّهْلِيُّ فِي («الزُّهْرِيَّات)) مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي صِفَته (كَانَ أَسِيلِ الْحَدَّيْنِ شَدِيد سَوَاد الشَّعْرِ، أَكْحَلِ الْعَيْنَيْنِ، أَهْدَبِ الْأَشْفَارِ)) الْحَدِيث. وَكَأَنَّ قَوْله: (أَسِيلِ الْخُدَّيْنِ)) هُوَ الْحَامِل عَلَى مَنْ سَأَلَ: أَكَانَ وَجْهِه مِثْلِ السَّيْف؟ وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد أَبِي عُبَيْدٍ فِي ((الْغَرِيب)، ((وَكَانَ فِي وَجْهِه تَدْوِير)) قَالَ أَبُو عُبَيْد فِي (شَرْحِه): يُرِيدِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي غَايَةٍ مِن الثَّدْوِيرِ بَلْ كَانَ فِيهِ سُهُولَة، وَهِيَ أَحْلَى عِنْد الْعَرَب. [الفتح ٣٦٠/١٠]. ٥٧٨٠ . [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَخْمًّا .. أَوْ قَالَ: ثَرِيدًا - ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ الثُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلَالُ كَأَمْثَالِ الثَّالِيلِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١). (خَاتَمِ النُّبُوَّةِ) أصله: بفتح التاء وكسرها: ما يختم به، وإضافته إلى النبوة لكونه علامتها؛ لأن الختم آية الاستيثاق، أو آية تمامها؛ إذ الشيء يُختم بعد تمامه. وكان في الكتب القديمة منعونًا بهذا الأثر، فهو علامة على نبوته؛ فلذا أضيف إليها. ٥٧٨١ - [وعَنْ أَمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَتْ: أَتِيَ النَّبِيُّ ◌َهَ بِثِيَابٍ فِيهَا (١) أخرجه مسلم (٦٢٣٤). ٣٤٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي لة وصفاته خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةً فَقَالَ: ((ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ) فَأَتِيَ بِهَا تُحْمَلُ، فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ، فَأَلْبَسَهَا قَالَ: (أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِيٍ وَأَخْلِقِي)) وَكَانَ فِيْهَا عَلَمْ أَخْضَرَّ أَوْ أَصْفَرِ، فَقَالَ: ((يَا أُمَّ خَالِد، هَذَا سَنَاهُ)) وَهْيَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنَةُ، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: (دَعْهَا)). رَوَاهُ البُخَارِي](١). (فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ التُّبُوَّةِ، فَزَبَرَفِي أَبِي) أي: نَهَرَنِي، وَالزَّبْرِ بِزَايٍ وَمُوَحَّدَة سَاكِنَةٍ هُوَ الزَّجْرِ وَالْمَنْعِ وَزْنِه وَمَعْنَاهُ (ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي) قَالَ الدَّاوُدِيُّ يُسْتَفَادِ مِنْهُ مَجِيء (ثُمَّ) لِلْمُقَارَنَةِ، وَأَبَى ذَلِكَ بَعْض النُّحَاة فَقَالُوا لَا تَأْتِي إِلَّا لِلتََّاخِي، كَذَا قَالَ، وَتَعَقَّبَهُ إِبْن الثّينِ بِأَنَّ قَالَ مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا قَالَ: إِنَّ ثُمَّ لِلْمُقَارَنَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّرْتِيبِ بِالْمُهْلَةِ، وَقَالَ: وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا إِذَّعَاهُ مِن الْمُقَارَنَة؛ لِأَنَّ الْإِبْلَاءِ يَقَعِ بَعْد الْخُلْقِ أَو الْخُلْف. قُلْت: لَعَلَّ الدَّاوُدِيَّ أَرَادَ بِالْمُقَارَنَةِ الْمُعَاقَبَة فَيَتَّجِهِ كَلَامِه بَعْض إِنَّجَاه. [الفتح ١٢٤/١٧]. ٥٧٨٢ - [وعَنْ أُذَس ﴿ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ، وَلَيْسَ بِالآدَمِ وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ، بَعَثَهُ اللهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللهُ عَلَى رَأْسَ سِتّيْنِ سَنَةٍ، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِخِيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ](٢). وَفِي رِوَايَةٍ يَصِفُ الَّبِيّ ◌َّهِ قَالَ: «كَانَ رَبْعَةً مِن القَوْمِ لَيْسَ بِالطَّيْلِ وَلَا بِالقَصِيْرِ، أَزْهَر اللَّونِ وَقَالَ: كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلى أَنْصَافٍ أَذُنَيْهِ)(٣). وَفِي رِوَايَةٍ: (بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ)) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ(٤). (١) أخرجه البخاري (٢٩٠٦) وأبو داود (٤٠٢٤) وأحمد (٢٧١٠٢) والبيهقي في ((شعب الإيمان» (٦٢٨٩). (٢) أخرجه البخاري (٣٥٤٧)، ومسلم (٦٢٣٥). (٣) أخرجه البخاري (٣٥٤٧). (٤) أخرجه البخاري (٥٩٠٥)، ومسلم (٦٢١٣). ٣٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيّ قَالَ: كَانَ ضَخْمِ الرَّأْسِ وَالقَدَمَيْنِ لَمْ أَرَ بَعْدَهُ وَلا قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَكَانَ سَبِطِ الكَفَّيْنِ، وَفِي أَخْرَى لَهُ قَالَ: كَانَ شَئِنَ القَدَمَيْنِ وَالكَفَّيْنِ (١). (كَانَ رَسُولُ الله ◌ِهِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ): (كَانَ) لا تفيد التكرار عند الجمهور، وقيل: تفيده في موضع يقبله لا كما هنا، وجملة: (لَيْسَ) خبر (کَانَ) ولیس لنفي مضمون الجملة في الحال. (الْبَائِنِ): بالهمز وجعله بالياء غلط؛ لوجوب إعلال اسم الفاعل، إذا أعل فعله كبايع، وقايل، فأصله بالياء، قلبت همزة، أي: الظاهر طوله، من باب إذا ظهر على غيره أو فارق من سواه، أو المفرط طولاً: الذي بعد عن حد الاعتدال، ذكره الحافظ ابن حجر، وأشار بذلك إلى أن البائن يحتمل كونه من باب بيانًا إذا ظهر، ومن باب بيون بونًا إذا بعد وفارق، وسُمّي فاحش الطول بائنًا لأن ما رآه تصور أن كلاًّ من أعضائه مبان عن الآخر، أو لأنه ظاهر على غيره أو يفارق غيره في الطول والقامة. (وَلَا بِالْقَصِيرِ): معطوف على خبر (ليس) ولا زائدة لتأكيد النفي، أي: بل كان ربعة متوسطًا لكنه إلى الطول أقرب، كما رواه البيهقي، وكما يفيده وصف الطويل بالبائن دون القصیر بمقابله. (وَلِيْسَ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ): أي: الكريه البياض كبياض الحص بغير نورانية، يُقال: مهق مهقًا من باب طرب اشتدَّ بياضه، يعني كان نيِّر البياض، أزهر اللون. (وَلَيْسَ بِالْآدَمِ) أصله: (أأدم) بهمزتين أفعل تفضيل أي: أكثر أدمة، فخفف بقلب الثانية ألفًا على القاعدة، والأدمة: شدة السمرة. والمُراد: أنه ليس بأبيض شديد البياض ولا بالآدم شديد الأدم، وإنما يخالط بياضه حمرة. واعلم أنه أشرف الألوان الأبيض المشرب بحمرة أو صفرة، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأنه لون أهل الجنة في الجنة، والعرب تمتدح به في الدنيا، كما في لامية امرئ القيس وغيرها، فجمع الله للمصطفى 18َ بين الأشرفين، ولم يكن لونه في (١) أخرجه البخاري (٥٩١٠). ٣٤٩ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّر وصفاته الدنيا كلونه في الآخرة؛ لئلا يفوته أحد الحسنيين. فإن قلت: لونه ول﴿ أشرف الألوان، ولون أهل الجنة كذلك، فلما لم تكن ألوانهن البياض المشرب بحمرة بل بالصفرة كما قال جمهور المفسرين في قوله تعالى: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضُ مَّكْنُونُ﴾ [الصافات: ٤٩] شبههن ببيض النعام المكنون في عشّه، ولونه بیاض به صفرة حسنة. قلت: اللون واحد، وإنما اختلف ما شيب به، وحكمته والله أعلم: أن الشوب بالحمرة ينشأ عن الدم وصفاته واعتدال جريانه في البدن وعروقه، وهو من الفضلات الجيدة التي تنشأ عن أغذية هذه الدار، فناسب الشوب به فيها، وأما الشوب بالصفرة التي تورث البياض صفاء وصقالة، فلا ينشأ عادة من غذي بأغذية هذه الدار، فناسب أن يختص الشوب بها في تلك الدار، فظهر أن الشوب في كلا الدارين بما يناسبها، انتهى «أشرف الوسائل)) ابن حجر. تنبيه: قال أئمتنا: يكفر من قال: إن النبي ◌َل﴾ أسود أو غير قرشي، أو تُوفي أمرد؛ لأن وصفه بغير صفته نفيٍّ له وتكذيبُ به، ومنه يُؤخذ أن كل صفةٍ علم ثبوتها له بالتواتر كان نفيها كفر للعلة المذكورة. وقول بعضهم: لا بُدَّ في الكفر من أن يصفه بصفةٍ تشعر بنقصه كالأسود هنا، فإن السواد لون مقبول فيه نظر؛ لأن العلة كما علمت ليست هي النقص، بل ما ذكر فالوجه أنه لا فرق، انتهى، ابن حجر الهيتمي في ((أشرف الوسائل)) بتحقيقنا. (وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ): هذا وصفٌّ لِهِ وَُّ من حيث شعره، والجعد بفتح الجيم وسكون العين المهملة، والقطط بفتحتين على الأشهر أو بفتح فکسر. والجعد يرد بمعنى: الجواد والكريم والبخيل واللئيم جميعًا ومقابله السبط ويوصف في الكل؛ فالقطط لا يعين المُراد فلهذا قابله بقوله: (ولا بالسبط) بفتح فكسر، أو سكون أو بفتحتين والمُراد أن شعره وَل* ليس نهاية في الجعودة وهي ٣٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر تكسره الشديد، ولا في البسوطة وهي عدم تكسره وتثنيه بالكلية، بل كان وسطًا بينهما، وخيار الأمور أوسطها. قال الزمخشري: الغالب على العرب جعودة الشعر، وعلى العجم سبوطته. وفي ((المصباح)): جعد الشعر: بضم العين وكسرها جعودة إذا كان فيه التواء وانقباض، انتهى. وفيه: وشعر قطط: شديد الجعودة، وفي التهذيب: القطط شعر الزنج، وقط الشعر يقط من باب رد، وفي لغة قطط الشعر من باب تعب، انتهى. وفيه: سبط الشعر سبًا من باب تعب، فهو سبطك الشعر سبطًا بكسر الباء، وربما قيل: سبط بالفتح، وصف بالمصدر إذا كان مسترسلاً، وسبط سبوطة فهو سبط مثل سهل وسهولة فهو سهل لغة فيه، انتهى. (بَعَثَهُ اللهُ): هذا من جملة مقول أنس، فهو في محل نصب، أي: أرسله بالأحكام وشريعة الإسلام إلى كافة الإنس والجن وكذا إلى الملائكة على ما عليه جمع محققون. (عَلَى رَأْسِ) مذكر مهموز إلا بني تميم، فإنهم يتركون همزه لزومًا. (أَرْبَعِينَ سَنَةً) من مولده وهي سن الكمال أي: بعد استكمال الأربعين في أول التي تليها، وبه جزم القرطبي وغيره. ورأس الشيء أعلاه، والمُراد برأس الأربعين السنة التي هي أعلاها، وبعثه الله على رأسها إنما يتحقق ببلوغ غايتها، وهو ما عليه ابن عبد البر لكن المشهور بين الجمهور أنه وُلد في ربيع الأول وبُعث في رمضان، فعليه: أن له حين بُعث أربعون ونصف أو تسع وثلاثون ونصف. فمن قال: أربعين ألغى الكسر أو جبره. وقيل: بُعث وله أربعون وعشرة أيام أو عشرون أو وأربعون أو ستون يومًا. وقيل: بعد اثنتي وأربعين سنة. فجاءه جبريل وهو بغار حراء فقال: ((اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطه حتى بلغ منه الجهد وقال: اقرأ، فأعاد وأعاد، فقال: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥] ثم فتر الوحي ثلاث سنين ليزيد شوقه ثم نزل بـ﴿يَا أَيُّهَا ٣٥١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّر وصفاته المُدَثِّرُ﴾ [المدثر: ١])) (فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ) بسكون الشين أي: بعد مدة فترة الوحي، التي في ثلاث سنين بين ابتداء وابتداء الرسالة، وهذا على قول الجمهور من أن النبوة والرسالة غير متقارنين، وعلى مقابله وهو: أنهما مقترنان يكون اقتصر في هذه الرواية على العقد وهو العشر، وألغي الكسر وهو الثلاث. (وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ) وذلك باتفاقٍ فدخل الناس بإقامته بها في دين الله أفواجًا، وأكمل الله له ولأمته الدين وأتمَّ عليهم النعمة. ومكة: البلد المعروف، وقيل: بالباء، البيت، وبالميم ما حوله، والمدينة النبوية لا يستعمل معرفًا إلا فيها، ولكلٍّ منهما أسماء كثيرةً نحو مائة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المُسمَّى. قال النووي: ولا يُعرف في البلاد أكثر أسماء منهما. (وَتَوَقَّاهُ اللهُ) أي: قبضه الله تعالى بعدما خيَّره بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبین ما عنده، فاختار ما عنده. (عَلَى رَأْسِ سِتِّيْنِ سَنَةٍ، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِخِيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ) أي: قبض روحه عند استكمالها هذا يقتضي كون سنه ستين. وفي روايةٍ: («تُوفي وهو ابن خمس وستين سنة)). وفي أخرى: ((ثلاث وستين)) وهو أصحها وأشهرها، وردوا الأولى إليها بأن راويها ألغى الكسر، ولا ينافي التعبير برأس لأنه رأس باعتبار العقود، والثانية بأنه حسب سنتي المولد والوفاة. وكانت وفاته و له بعد أن أعلمه الله باقتراب أجله بسورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إذ هي آخر سورة نزلت بمنى يوم النحر في حجة الوداع. (وَفِي رِوَايَةٍ يَصِفُ الشَّبِيّ ◌َهَ قَالَ: ((كَانَ رَبْعَةً مِن القَوْمِ) بفتح أوله وسكون ثانيها، وقد يحرك أي: مربوعًا، والتاء من بنية الكلمة فليست للتأنيث، فلا حاجة إلى تقدير موصوف محذوف أي: نفسًا أو سمية، وفسَّر الربعة بقوله: (لَيْسَ بِالطَّيْلِ) أي: البائن المفرط في الطول (وَلَّا بِالقَصِيْر) أي: المتردد دائمًا الداخل بعضه في بعضٍ، فلا ينافي ما سيأتي من أنه أطول من المربوع، والجملة خبر بعد خبرٍ. وفي روايةٍ: ((وليس ٣٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر بالطويل)) بالواو وهو عطف تفسير، ولا بعد في عطف جملة لها محل من الإعراب على مفرد. (أَزْهَرِ اللَّونِ) بالنصب خبر آخر لكان الأولى، وجملة: (وَقَالَ: كَانَ شَعْرُ رسُولِ اللهِ ﴿ إِلى أَنْصَافٍ أُذُنَيْهِ) معترضة. وفي روايةٍ: (أسمر)) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وفي ((المصباح)) وغيره: اللون صفة الجسد من البياض والسواد والحمرة وغير ذلك، فيُقال: لونه أحمر، والجمع ألوان، انتهى. والتركيب من إضافة الصفة للموصوف أي: وكان لونه أزهر. قال الحافظ أبو الفضل العراقي: هذه اللفظة يعني لفظة (أسمر) انفرد بها حميد عن أنسٍ، ورواه غيره من الرواة عنه بلفظ: ((أزهر اللون)). ثم نظرنا من روى صفة لونه وَالر غير أنس، فكلهم وصفوه بالبياض دون السمرة وهم خمسة عشر صحابيًّا، وحاصله ترجيح رواية البياض بكثرة الرواة ومزيد الوثاقة انتهى. ولهذا قال ابن الجوزي: هذا الحديث لا يصح، وهو مخالفٌّ للأحاديث كلها. وفي ((المصباح)): وزهر الشيء يزهر بفتحتين صفا لونه وأضاء، وقد يُستعمل في اللون الأبيض خاصةً، انتهى. وأما ما جمع به الشارح ابن حجر من أن المُراد بالسمرة: ففي كونه (أبيض أمهق) بل يُضاف: (بياضه مشرب بحمرة) والعرب قد تطلق على من هو كذلك أنه أسمر، فأيما يتم إن ثبت هذا الإطلاق بشاهد من كلامهم وأنَّ به. والجمع بأن السمرة فيما برز للشمس، والبياض فيما تحت الثوب ممنوع، لما ورد: (أن عنقه كان كالفضة البيضاء) مع أن العنق بارز، وقد كفَّر الشافعية من زعم أنه کان أسود. ٥٧٨٣ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، لَمْ أَرَ شَيْئًا قَظُ أَحْسَنَ مِنْهُ)). مُتَّفَقُّ ٣٥٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّ وصفاته عَلَيْهِ](١). وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ((مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ). (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مَرْبُوعًا) كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمُ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١٣] ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمُ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] والمربوع: يُرادف الربعة وتقدَّم الكلام علیه. (بعید) بفتح فکسر، صفة بعد صفةٍ، وجعله خبرًا بعد خبٍ لكان. (مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ) (ما) موصولة أي: بعيد المكان الذي بين المنکبین. والمنكب: بفتح الميم وسكون النون وكسر الكاف: مجمع العضد والكتف، وأراد ببعيد ما بينهما أنه عريض أعلى الظهر، ويلزمه عرض الصدر. ومن ثَمَّ جاء في رواية ابن سعد: ((رحب الصدر)) وذلك آية النجابة. وجعل: (بعد ما بين المنكبين) كناية عن سعة الصدر، فينتقل منه إلى الجود حسنٌّ، لولا مصيره حينئذٍ من باب الأخلاق ونحن في باب الخلق. وجاء في روايةٍ: ((بعيد)) مصغرًا، وهو تصغير ترخيم للبعيد كغلام وغليم، والأصل في تصغيرهما بعيد، وغليم: بتشديد الياء فيهما وصغره تقليل للبعيد المذكور؛ إيماء إلى أن بعد ما بين منكبيه لم يكن وافيًا منافيًا للاعتدال، وفيه تكلُّف. (لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطْ أَحْسَنَ مِنْهُ) أي: من المخلوقات (قَّ) بفتح القاف وضم الطاء المشددة، وهذه أشهر لغاتها وقد تُخفف الطاء المضمومة وقد تُضم القاف اتّباعًا لضمة الطاء المشددة أو المخففة وجاءت (قط) ساكنة الطاء مثل: (قط) الذي هو اسم فعل؛ فهذه خمس لغات، ومعناها الزمان الماضي، ولا تُستعمل إلا في النفي. (أَحْسَنَ مِنْهُ) صفة شيئًا إن جعلت (رأى) بصرية أو مفعول ثان إن جعلت (١) أخرجه البخاري (٣٥٥١)، ومسلم (٦٢١١). ٣٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر علمية، وهو أبلغ وهذا التركيب وإن أفهم نفي تفضيل الغير لكنه متعارف في التفضيل على الغیر؛ لندرة التساوي بین شیئین. والغالب كما قال الصفوي التفاضل، فإذا نفى أفضلية أحدهما ثبتت أفضلية الآخر بدلالة العرف مجازًا أو استعمالاً للأخص في الأعم. قال بعض المحققين: ولعل المُراد أحسنيته باعتبار كل واحدةٍ مما اعتبر من الصفات السابقة فهو أحسن الذوات، وأحسن كل ذي جمةٍ، وأحسن كل ذي حلةٍ، وأحسن من عليه الأحمر، أو أن المجموع أورثه حسنًا لم يُرَ في غيره. وقال: (شَيْئًا): دون إنسان ليشمل غير البشر كالشمس والقمر، وعبَّر بـ(قط) إشارة إلى أنه كان كذلك من المهد إلى اللحد، وقد صرَّحوا بأن كمال الإيمان: اعتقاد أنه لم يجتمع في بدن إنسان من المحاسن الظاهرة ما اجتمع في بدنه ولية والمحاسن الظاهرة آيات الباطنة، ولا أجمل منه بل ولا مساوئ؛ ولذا نقل القرطبي: أنه لم يظهر تمام حسنه إلا لما أطاقت الأعين رؤيته. وأخرج ابن الجوزي من طريق ابن حبان وغيره: أن النبي وَل﴾ اشترى حلة بسبع وعشرين ناقة فلبسها. (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِنَّةٍ) (من ذي لمة) بزيادة (مِنْ) في المفعول لتأكيد النفي، والنص على استغراق جميع الأفراد، أو هي بيانية أي: أحدًا هو ذو لمّة أي: صاحب لمة بكسر اللام وتشديد الميم، والجمع: لمم، سُمِّيت لمة لأنها تلم بالمنكبين؛ إذ هي: الشعر المتجاوز شحمة الأذن مع الوصول إلى المنكب، أو المتجاوز مطلقًا، أو المتجاوز من غير وصول إلى المنكب، فإذا وصل المنكب صار جمة؛ فتلخص أن (اللمة) أعمّ من (الجمة والوفرة)؛ لأن (الجمة) مقيَّدة بأن تصل إلى المنكبين (والوفرة) مقيدة بألا تصل إليهما، واللغة لم تُقيد بواحدٍ من القيدين، وأن كلاًّ من الثلاثة مقيدً بأن يجاوز شحمة الأذن، فما لم يجاوزها لا يُسمَّى باسمٍ من الثلاثة. وقيل: اللمة بالكسر: الشعر يلم بالمنكب أي: يقرب، والجمع: لمام ولم مثل: قطة وقطاط وقطط، انتهى. ٣٥٥ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّ وصفاته والوفرة: الشعر إلى الأذنين؛ لأنه وفر على الأذن أي: تمَّ عليها واجتمع، انتهى. (أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وََّ): (أَحْسَنَ) منصوب على الحال أو مجرور نعتًا أي: ولا مثله فهو أحسن صورة (فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ) في محل جر صفة، و(حُلَّةٍ) بضم المهملة وتشديد اللام: ثوبان أو ثوب له بطانة، كذا في ((القاموس)) وفي ((المشارق)): الحلة: ثوبان، ويكونان في الأغلب إزارًا ورداءً، وسُمِّيت حلة لحلول بعضها على بعضٍ أو على الجسم، وفي ((أشرف الوسائل)) لابن حجر: الحلة إزارًا ورداءً، برد أو غيره ولا تكون إلا من ثوبين، ولو ظهارة وبطانة؛ وإن كانا من جنسين، خلافًا لمن اشترط اتحاد جنسهما، وفي ((القاموس)) البرد بالضم: ثوبُ مخططٌ. (حَمْرَاءَ) بالمد تأنيث أحمر، وأفرده نظرًا للفظ حلة، أو إلى أن الثوبين بمنزلة ثوب واحد في الاحتياج إليهما معًا في ستر البدن، والخبر صحيح احتجَّ به إمامنا في كل لبس الأحمر، ولو قائيًا بالقاف والنون أي: شديد الحمرة. قال القرطبي: وهذا نصُّ في الجواز، وأخطأ من كَرِهِ لبسه مطلقًا، غير أنه قد يخص بلبسه في بعض الأوقات أهل الفسق والرعونة والمجون، فحينئذٍ يُحرم لبسه لأنه شُبّه بهم. وقد قال في ((الذخيرة)) مَنْ تشبَّه بقوم فهو منهم، لكن ذاك لا يختص بالحمرة بل يجري في کل لونٍ. ٥٧٨٤ - [وعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ ضَلِيعَ الْفَمِ، أَشْكَلَ الْعَيْنِ، مَنْهُوسَ الْعَقِبَيْنِ، قِيْلَ لِسِمَاكٍ: مَا ضَلِيعُ الْفَمِ؟ قَالَ: عَظِيمُ الْفَمِ، قِيْلَ: مَا أَشْكُلُ الْعَيْنِين؟ قَالَ: طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنِ، قِيْلَ: مَا مَنْهُوسُ الْعَقِبِيْن؟ قَالَ: قَلِيلُ لَخْمِ الْعَقِبِ رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١). (كَانَ رَسُولُ اللّه ◌َ﴿ْ ضَلِيعَ الْفَمِ) بضاد معجمة مفتوحة أي: عظيمة واسعة، (١) أخرجه مسلم (٦٢١٦). ٣٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر والعرب تتمدح بسعة الفم وتدم ضیقه، وكان لسعته يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، وهو دليلٌ على قوة الفصاحة، والضليع في الأصل: الذي عظمت أضلاعه ووفرت فاتسع جنباه، ثم استعمل في العظيم وإن لم يكن ثمة أضلاع، ومن فسَّر ضليعه بعظيم الأسنان ففي كلامه غایتان: الأولى: أن المقام مقام مدج، وليس عظم الأسنان بممدوح بخلاف عظم الفم. الثانية: أن المتبادر أن ذلك إنما هو من معاني الضليع من غير إضافةٍ إلى الفم، فلما أُضيف إليه استبان أن المُراد عظمه لا عظم الأسنان، إلا أن يثبت نقل عن أئمة هذا الشأن. وكما تتمدح العرب بعظم الفم تتمدح بكثرة ريقه عند المقامات والخطب والحروب؛ لدلالته على ثبات الجنان، بخلاف الجبان، فإنه يخف ريقه في هذه المحافل. (أَشْكَلَ الْعَيْنِ) المُراد بها الجنس. وفي روايةٍ: ((العينين)) (مَنْهُوسَ الْعَقِبَيْنِ) بسين مهملة، وفي روايةٍ بشين معجمة، ومعناهما واحد. (قِيْلَ: مَا أَشْكُلُ الْعَيْنِين؟ قَالَ: طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنِ) بفتح الشين المعجمة. قال القاضي عياض: هذا هو من سماك، والصواب: ما اتفق عليه العلماء وجميع أصحاب الغريب أن الشكلة: حمرة في بياض العين، وهو محمود عند العرب جدًّا، والشهلة بالهاء: حمرة في سوادها. وللبيهقي عن عليٍّ - كرَّم الله وجهه -: ((كان ◌َل﴿ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة)). وروى البخاري: ((أنه الآن. كان يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء». وروى الشيخان: ((ما يخفى عليَّ ركوعكم وسجودكم؛ إني لأراكم من وراء ظهري)). ولعله مختصُّ بحال الصلاة. فلا ينافي ما ورد من أنه قال: ((إني لأعلم ما وراء الجدار)) مع أنه غير صحيح في الأخبار، ويمكن تأويله على تقدير صحته بأن المُراد: من غير أن يعلمني الله. ويؤيده أنه لما ضلت ناقته، فقال: «لا أعلم إلا ما علَّمني ربي، وقد دلني عليها وهي في موضع كذا حبستها شجرة بخطامها فوجدت كما أخبر)). وعند السهيلي: أنه كان يرى في الثريا اثني عشر نجمًا، وفي ((الشفا)»: إحدى عشر. (قِيْلَ: مَا مَنْهُوسُ ٣٥٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي وَليّ وصفاته الْعَقِيْن) بفتح فكسر: مؤخر القدم. (قَالَ: قَلِيلُ لَحْمِ الْعَقِبٍ) في ((جامع الأصول»: وجد منهوس القدمين والعقبين بسين وشین: خفيف لحمهما، انتهى. ويطلق المنهوس أيضًا على قليل اللحم مطلقًا كما في ((القاموس)) ونصّه: والمنهوس من الرجال قليل اللحم منهم، انتهى. والمُراد هنا: منهوس العقبين فقط، كما قُيِّد به لفظ حديث: ((أنه كان شئن الكفين والقدمين وأنه كان بادنًا)) [المواهب المحمدية شرح الشمائل الترمذية للشيخ الجَمَل - بتحقيقنا]. ٥٧٨٥ - [وعَنْ أَبِيِ الظُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا. رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١). (كَانَ أَبْيَضَ) أي: مشربًا بحمرة كما سبق. (مَلِيحًا) أي: حسنًا منملحاً حسن منظره، وفي المختار: ملح الشيء بالضم من باب ظرف، وسهل ملاحة وملوحة أي: حسن فهو مليح، انتهى. أو سمينًا أو من معاني الملاحة: السمن كما في ((القاموس)). وعليه فلما كان ذلك مظنة توهم أن سمنه قد يكون مفرطًا دفع ذلك التوهُّم بقوله: (مُقَصَّدًا) بفتح الصاد المشددة، اسم مفعول بمعنى متوسط بين الطول والقصر، أو بين الجسامة والنحافة، أو أن جميع أوصافه على نهاية من الأمر الوسط، كأن خلقه نحي به القصد من الأمور، كما أن شرعه وسط بين الأمم، فكان في لونه وهيكله وشعره وشرعه مائلاً عن طرفي الإفراط والتفريط وكان معتدل القوى، واعتدالها ألا يخرج إلى حد الإفراط والتفريط. ألا ترى أن اعتدال قوة العقل يعبر عنه بالفطنة والكياسة، فإن مالت على الاعتدال إلى طرف الإفراط يُسمَّى مكرًا أو خداعًا، أو إلى التفريط يُسمَّى بلهًا وحمقًا، (١) أخرجه مسلم (٦٢١٨). ٣٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر وكذا اعتدال قوة الغضب، فإنه يعبر عنه بالشجاعة، فإن مالت إلى طرف الإفراط يُسمَّى نفورًا، أو التفريط جبنًا، وكذا اعتدال قوة الشهوة يعبر عنه بالعفة، فإن مالت إلى الإفراط يُسمَّى شرهًا، أو التفريط يُسمَّى جودًا؛ فالطرفان في سائر الأخلاق مذمومًا، والاعتدال وهو الوسط محمودًا. ٥٧٨٦ - [وعَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسَّ عَنْ خِضَابٍ رَسُولِ الله ◌ِهِمْ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَا يَخْضِبُ، لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِي لِخِيَتِهِ - وَفِي رِوَايَةٍ: ((لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ - فَعَلْتُ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ((إِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي عَنْفَقَتِهِ، وَفِي الصُّدْغَيْنِ، وَفِي الرَّأْسِ نَبْدُّ)). ٥٧٨٧ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َ ﴿ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَلَا مَسِسْتُ دِيبَاجَةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِوَّهِ وَلَا شَمَمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَنْبَرَةً أَظْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ الله ◌ِّهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤). (لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِي ◌ِخِيَتِهِ) الْمُرَاد بِالشَّمَطَاتِ الشَّعَرَاتِ اللَّاتِي ظَهَرَ فِيهِنَّ الْبَيَاضِ، فَكَأَنَّ الشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ مَعَ مَا يُجَاوِرِهَا مِنْ شَعْرَةِ سَوْدَاءِ ثَوْب أَشَمَط، وَالْأَشْمَطِ الَّذِي يُخَالِطُهُ بَيَاض وَسَوَادِ، وَجَوَاب (لَوْ)) فِي قَوْله: (لَوْ شِئْت)) مَحْذُوف، وَالتَّقْدِيرِ لَعَدَدْتَهَا، وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلّ عَلَى قِلَّتَهَا. (وَفِي الرَّأْسِ نَبْد) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا ضَمّ النُّون وَفَتْحِ الْبَاءِ، وَالثَّانِي بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَان الْبَاءِ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي، وَمَعْنَاهُ شَعَرَات مُتَفَرِّقَةُ. ٥٧٨٨ - [وعَنْ أَمِّ سُلَيْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَانَ يَأْتِيهَا فَيَقِيلُ عِنْدَهَا، فَتَبْسُطُ نَطْعًا فَيَقِيلُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ، فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلُهُ فِي الطَّيبِ، فَقَالَ النَِّيُّ أَ (١) أخرجه البخاري (٥٨٩٥)، ومسلم (٦٢٢٢ - ٦٢٢٣). (٢) أخرجه البخاري (١٩٧٣)، ومسلم (٦٢٠٠). ٣٥٩ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّ وصفاته (يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا؟)) قَالَتْ: عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيْبِنَا وَهُوَ مِنْ أَظْيَبِ الطَّيْبِ](١). وَفِي رِوَايَةٍ، قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرْجُو بَرَكَتَه لِصِبْيَانِنَا قَالَ: (أَصَبْتِ)) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. ٥٧٨٩ - [وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: ((صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَلِ صَلَاةَ الأُولَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّي فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُوْنَةِ عَطَّارٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٤). وذكر حديث جابر: ((سموا باسمي)) في ((باب الأسامي)). وحديث السائب بن يزيد: نظرت إلى خاتم النبوة في ((باب أحكام المياه). (فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُوْنَّةٍ عَظَّارٍ) قال العلماء: كانت هذه الريح الطيبة صفته 180 وإن لم يمس طيبا جؤنة عطار بضم الجيم وهمزة بعدها ويجوز ترك الهمز السقط الذي فيه متاع العطار شممت بكسر الميم الأولى على المشهور. [الديباج للسيوطي ٣٢٥/٥]. الفصل الثاني ٥٧٩٠ - [عَنْ عَلَيِّ بْن أَبِي طَالِب ◌َهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَّا بِالْقَصِيرِ، ضَخْمَ الرَّأْسِ واللَّحْيَة، شَتْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، مُشْربًا حُمْرَة، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤَ، كَأَنَّمَا يَنْحَظُ مِنْ صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَ). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ حَسَنُّ صَحِيْحٍ](٣). (كَانَ رَسُولُ الله ◌َ﴿ لَيْسَ بِالّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ) أي: بل كان ربعة معتدل بالنظر لأهل زمانه من أول عمره إلى آخره، فكان في زمان الطفولية ربعة بين الأطفال، (١) أخرجه البخاري (١٩٨٢)، ومسلم (٦٢٠٣). (٢) أخرجه مسلم (٦١٩٧). (٣) أخرجه الترمذي (٣٩٩٧). ٣٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر وفي زمان الشباب ربعة بين الشباب وهكذا. (شَتْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ) بمعجمة مفتوحة ومثلثة ساكنة كما في الشروح، وضبطه الجلال السيوطي بالمثناة الفوقية، وهو بالرفع خبر مبتدأ محذوف من (شئن) بالضم والكسر أي: غلظ، وفي (القاموس)): شئنت كفه كفرح وكرم، شئنًا بالتحريك وشٹونة خشنت وغلظت، انتهى. والشئن: فسَّره الأصمعي بغليظ الأصابع من الكفين والقدمين، وهذا الوصف ممدوح في الرجال دون النساء. وقال الشيخ ابن حجر: أي: غليظ الأصابع والراحة، وفي روايةٍ أخرى: ((فخم الكفين والقدمين)). قال ابن بطال: كانت كفّه وَّه ممتلئة لحمًا غير أنها مع غاية ضخامتها وغلظتها كانت لينة، كما ثبت في حديث أنس المروي في الصحيح: ((ما مسست خزًّا ولا حريرًا ألين من كفّه ◌ِآَ)). وعلى تقدير تسليم تفسير الأصمعي بالخشن يحتمل أن يكون الرواية وصف حالتي كف النبي وليّ فكان إذا عمل في الجهاد أو مهنة أهله صارت كفه خشنة للعارض المذكور، وإذا ترك ذلك رجعت كفه إلى أصل جبلته من النعومة. والكفان: تثنية كف، وهي الراحة مع الأصابع، سُمِّيت به لأنها تكف الأذى عن البدن وهي مؤنثة. والقدمان: تثنية قدم وهي من الإنسان معروفة، وهي أنثى، وتصغيرها قديمة بالهاء وجمعها أقدام، وجمع بين الكفين والقدمين في مضاف لشدة تناسبها، ومن ثَمَّ لم يُجمع بين الرأس والكراديس؛ حيث قال: (ضَخْمَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الخاء، والضخم: العظيم من كل شيءٍ. (الْكَرَادِيسِ) جمع كردوس بضم فسكون بوزن عصفور، والكردوس مجمع العظام كالمنكب والقدم والركبة، وقيل: الكردوس رأس العظم. وعلى كلٍّ فالمُراد من هذا: أنه و 1 كان جسيم الأعضاء، وجنسهما يدل على وفور