Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي وَيّر وصفاته
والدال بأربعةٍ، وذلك عشرون، فاضربها في مثل ما يحصل أربعمائة، وقد حصل من
استخراج الأول عدد الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر على الاستخراج الأخير رد الجميع
إلى عدَّة عقوده؛ فالأربعمائة عقودها أربعةٌ، فالثلاثمائة ثلاثةٌ، وعقد العشرة واحدً،
فتضرب العقود الأربعة في العقود الثلاثة فالخارج اثنا عشر، وهي من ضرب المائة في
مثلها، فالخارج عشرات الألوف، يحصل مائة ألفٍ وعشرون ألفًا، واضرب واحدًا عقد
العشر في عقود الأربعمائة يحصل أربعةٌ، وهي من ضرب العشرات في المائة، فالخارج
آحاد ألوفٍ، وذلك أربعة آلافٍ، ضمها إلى المائة والعشرين يحصل مائة ألفٍ وأربعةٌ
وعشرون، والخمسة الباقية يجعلها لشيءٍ ما تقدَّم في الخمسات، أو تجعل أربعةً
للخلفاء الراشدين وواحدًا للقطب.
وإذا اعتبرت حروف الاسم بالجُمَّل الصغير كانت الميم الأولى بأربعةٍ والثانية
بأربعةٍ، فذلك ثمانيةٌ، والحاء بثمانيةٍ، فإذا ضربت ثمانية الميمين في ثمانية الحاء كان
الحاصل أربعةٌ وستين، وهي مدة حياة النبي وَّةِ؛ فإنه مات في السنة الرابعة والستين،
ويُؤخذ منه عدد سور القرآن؛ وذلك أنك إذا ضممت إلى الأربعة والستين السابقة
عدد النون التي هي التنوين اللاحق له عند الإعراب ذلك مائةً وأربعة عشر، وهي عدد
سور القرآن، وعدد الكتب المنزَّلة من السماء؛ فإنه ورد في بعض الروايات أنها مائةٌ
وأربعةٌ عشر، وأما على رواية أنها مائةٌ وأربعةُ المشهورة فبيانه أنك إذا جمعت حروفه
الرسميَّة وهي أربعةُ إلى حروفه اللفظيَّة وهي ستةً باعتبار التنوين كان ذلك عشرةً، فإذا
ضربتها في نفسها كان ذلك مائةٌ، زدْ عليها عدد الدال بأربعةٍ يحصل مائةٌ وأربعةُ، وهي
عدد الكتب المنزَّلة، فصحف شيث خمسون على روايتها تُؤخذ من التنوين، وصحف
إبراهيم الكليه ثلاثون تؤخذ من ضرب حروفه الخمسة من غير التنوين في الستة باعتبار
التنوين يحصل ثلاثون، هذا على رواية أنه نزل عليه ثلاثون صحيفةً، ويُؤخذ عدد
أيام رمضان، وأما على رواية أنه نزل عليه عشرون فيؤخذ من حروف الاسم بالجُمَّل
الصغير، وصحف موسى الكليه عشرةً غير التوراة، وصحف آدم الكريهة على رواية أنها

٣٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
نزلت عليه عشرةً، فتُؤخذ من الدال أو من الميم باعتبار الجمل الصغير، ويؤخذ منه
أسماء الله الحسنى التسعة وتسعون؛ وذلك بأن تأخذ ميمًا واحدةً وتنطق بها تجد عدد
حروفه الرسميَّة إلى عدد اللفظيَّة يحصل تسعةً، فضمَّها إلى التسعين يحصل ما رُوي:
((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ
الْوِتْرَ)(١) وهي مشهورٌ.
ويُؤخذ من الاسم عدد أركان الصلاة عند الإمام الشافعيّ، وذلك أن الحاء
بثمانيةٍ، والحروف الرسمية أربعةٌ، والحروف النطقية ستَّةٌ؛ فذلك ثمانية عشر، وهي
عدد أركانها في قولٍ لبعض أصحابه، وإذا نطقت بالحاء كانت بتسعةٍ، وإذا ضممت إليها
الدال ذلك ثلاثة عشر، وهي عدد أركانها عند المحققين من أصحابه، وإذا مددت الحاء
كانت بعشرةٍ كما تقدَّم، فإذا زدت عليها الدال كانت أربعة عشر، وهي عدَّتها على قولٍ
لبعض أصحابه، وإذا اعتبرت الحروف بالجُمِّل الصغير: فالميم الأولى بأربعةٍ، والحاء
بثمانيةٍ، والميم الثانية بأربعةٍ، وذلك عشرون، وهي عدَّتها على قولٍ لبعض أصحابه.
ويُؤخذ من ذلك عدد الصفات الواجبة له تعالى؛ فهي عشرون صفةً، وهي:
الوجود، والقِدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، وقيامه تعالى بنفسه، والوحدانيَّة والقدرة
والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام وكونه قادرًا ومريدًا وعالمًا وسميعًا
وبصيرًا ومتكلِّمًا؛ فالصفة الأولى من العشرين نفسيةٌ، والخمسة بعدها سلبيَّةُ، والسبعة
بعدها معانٍ، والسبعة الباقية معنويَّةٌ.
ويؤخذ منه أيضًا عدد المستحيلات العشرين، وهي: أضداد لتلك، وهي: العدم،
والحدوث، وطروء العدم، والمماثلة للحوادث، وألا يكون قائمًا بنفسه، وألا يكون
واحدًا، والعجز، وإيجاد شيءٍ من العالم مع كراهيته لوجوده: أي عدم إرادته له،
والجهل، والموت، والصمم، والعمى، والبكم، وكونه عاجزًا.
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٦٩٨٦).

٣٢٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي صل﴾ وصفاته
ويُؤخذ منه أيضًا عدد السنن التابعة للفرائض؛ فإنها عشرون، وعدد ركعات
التراويح، وعدد صلاة الأوَّابين؛ فإن أقصاها عشرون، وإذا ضربت الحروف الرسميَّة في
النطقيَّة باعتبار التنوين كان الحاصل ثلاثين، أسقط الثلاثة عشر السابقة يبقى سبعة
عشر، وهي عددها على ما في الروضة، وإذا سقطت من الثلاثين التسعة السابقة بقي
أحد وعشرون، وهي عدَّتها على قولٍ حكاه أصحابه.
فإن قلت: هل يمكن أخذ كلِّ واحدٍ من الخمس وعدد الأركان جملةً؟
قلت: يمكن؛ وذلك أن الميم الأولى بأربعةٍ، وهي الظهر، وفيه مناسبةٌ أخرى،
وهي أن الظهر أول صلاةٍ ظهرت، كما أن الميم أول حرفٍ عند النطق، والميم الثانية
بأربعةٍ، وهي العصر، وفيه مناسبةٌ أخرى، وهي أن العصر الصلاة الوسطى على الراجح،
كذلك الميم وسط الحروف لا باعتبار التنوين، والدال بأربعةٍ، وهي العشاء، وفيه
مناسبةٌ أخرى، وهي أن العشاء آخر الصلوات المفروضة في اليوم والليلة، كذلك الدال
آخر حروف الكلمة، وبقي المغرب والصبح، فأما الصبح فتُؤخذ من قسمة الحاء بثمانيةٍ
علی الدال مثلاً يخرج اثنان، وهما عدد ركعتيھا، وکذا کل صلاةٍ هي ركعتان من سائر
السنن، وأما المغرب فبأن تأخذ من الاسم الحاء يبقى فيه ثلاثة أحرفٍ باعتبار الرسم،
تنطق بالحاء يحصل تسعةٌ، اقسمها على ما بقي من حروف الاسم يخرج ثلاثةٌ، وهي عدد
ركعات المغرب، وقد عُلم من ذلك عدد الركعات تفصيلاً.
فأما إجمالاً فهو على وزان ما تقدَّم في أركان الصلاة عند الشافعيّ على قول أنها
سبعة عشر.
وهاهنا فائدةُ جليلةٌ، وهي أن حروف الاسم خمسةُ، وهي عدد الصلوات الخمس،
وغيرها كما مرَّ، وليس هذا هو المراد هنا، إنما المراد أن التنوين اللاحق لهذا الاسم
بخمسين، وهي عدد أصل الصلوات؛ فإنها فُرضت خمسين، فكما أن التنوين غير لازم
لهذا الاسم كذلك الصلوات الخمسون لم تكن لازمةً لنا وإنما اللازم لنا الخمس، كما
أن حروف الاسم الخمسة لازمةً له.

٣٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وأيضًا هنا فائدةً أخرى، وهي أن حروف الاسم إما خمسةٌ بلا تنوينٍ، أو ستَّةُ به؟
ولهذا أجري خلافٌّ في أن الأحكام التكليفيَّة هي خمسةُ بإسقاط خلاف الأولى، أو ستَّةُ
به؛ فهي مأخوذةً من الاسم على الرائين، وهي: الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه،
والمباح، أو يُزاد عليها خلاف الأولى.
ويُؤخذ منه أيضًا الأحكام الوضعيَّة، وهي: السبب، والشرط، والمانع، والصحة،
والفساد، وإذا تتبعت غالب أبواب الفقه عندنا وجدت أركان الباب إما خمسةٌ أو ستةٌ
أو أربعةٌ، والباب يدور على أركانه، وبالله التوفيق.
وإذا ضممت الحاء مع الدال كان الحاصل اثني عشر، وهي عدد شهور السنة
وعدد ساعات اليوم أو الليلة غير مستويَّةٍ، وعدد بروج السماء؛ فإنها اثنا عشر
برجًّا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾
[الحجر: ١٦] والدال بأربعةٍ، وهي عدد الأشهر الحُرم، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ
الشُّهُورِ عِنْدَ الله اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّه يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا
أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
وكذلك مدة مرضه وَل﴾ فإنها كانت اثني عشر يومًا على قولٍ، وكذلك عدد ما
مضى من الشهر الذي مات فيه؛ فإنه ◌َ لو مات في ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلةً خلت
منه، وإذا أخذت الحاء وهي بثمانيةٍ وهي أعداد أبواب الجنَّة وعدد حملة العرش؛ لقوله
تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].
وعدد ما تجب فيه الزكاة من الأموال؛ فإنها ثمانيةً: الإبل، والبقر، والغنم،
والذهب، والفضة، والزرع، والثمار وهي شيئان: التمر، والزبيب، وعدد أصناف
المستحقين لها؛ فإنهم ثمانيةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ
وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ
السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠].
وعدد ركعات الضحى؛ فإنها ثمانيةً على ما هو الراجح عند الشافعيَّة، وأما الوتر

٣٢٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي وَّهُ وصفاته
يُتَّخذ منه بأن تأخذ الحاء بثمانيةٍ، يبقى معك في الكلمة ثلاثة أحرفٍ باعتبار الرسم،
زدها عليها تحصل إحدى عشرة، هي عدد ركعات الوتر.
وفيما يُؤخذ منه باعتبار التركيب من الكلمات المستجارات؛ وذلك إذا أخذت
حروف (محمدٍ) وحللتها ونطقت بها هکذا: (م ي م ح ا م ي م د ا ل ن ون) باعتبار
التنوين، ورَكَبت منها أسماءً وأفعالاً تجدها كلّها دالةٌ على الشرف والحمد والرفعة
والمجد، منها: أحمد وحامد ومحمود.
وفيه بحثٌّ، وهو أن محمدًا أبلغ من محمود كما لا يخفى، فهلا كان الأمر
بالعكس؟!
الجواب عن ذلك أن المبالغة في أسمائه تعالى لا تقع مرادًا منها المعنى الأصليّ لها؛
لاستحالته؛ إذ هي إثبات زيادةٍ على ما يستحقُّه الموصوف؛ ولهذا إذا وقعت في أسمائه
تعالى احتاج الأئمة في صرفها عن ظاهرها إلى الجواب.
فإن قلت: فما وجه المبالغة في محمدٍ؟
قلت: وجوهُ:
منها: أنه تعالى أتى بهذا الاسم على صيغة المبالغة فيه؛ طلبًا منه تعالى لنا زيادة
إذعانٍ ومحبَّةٍ له وَّه؛ ففي الحديث: «لنْ يُؤْمنَ أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه
ومالِهِ وولدِه والنَّاسِ أجمعين».
ومنها: أن المبالغة من الله تعالى في إكرامه وَ ل﴾؛ ففيه إشارةً لطيفةٌ إلى أني بالغت
في اسمه الدال عليه، كما أني بالغت في أوصافه الحميدة الفائقة.
ومنها: أن العرب للمبالغة عندهم وقعٌ عظيمٌ و((ماح)): أي دين الشرك وعبادة
الأصنام، وما كان عليه الجاهلية من الخيالات والأوهام، و((حليم): أي بالمؤمنين،
و((حامي)): أي دين الإسلام وأهله، من أن تلحق الإسلام شبهة معاندٍ أو مخالفٍ، أو
يلحق أهله بلاء أو خسفُ أو محقٍّ أو غير ذلك مما كان يصيب الأمم السابقة،
و((أُحبي)): أي الأرض ومن عليها بالتوحيد، والعدل والماحي فيه ما تقدَّم، و(المحبي)):

٣٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
أي دين الإسلام وأهله، و(داحي): أي الأرض منه دحيت؛ إذ هو أصلها، و(دامي)): أي
أهل الشرك بسفك دمائهم، و((حامل)): أي لواء العزِّ والمجد والشرف والرفعة، و((إمام):
أي مقدَّمُ على كلِّ مخلوقٍ؛ فهو أفضل الخلق حتى من الملائكة وذلك بإجماع ولا ننظر
إلى ما ذكر الزمخشري من المقالة الشنيعة، بل قال بعضهم: إن ذلك جهلُ منه بمذهبه؟
لأن رأي المعتزلة تفضيل الملائكة على الأنبياء: أي غير نبينا كما هو المنقول عنهم،
ودالٍ: أي على كل خيرٍ، وبيده زمام كلِّ خيرٍ، فهو قطب العالم، وعليه مداره، وميمون
ويمن ويمون إما من اليمن: أي البركة، أو من المؤنة: فعل الخير في ساحة جوده وطلعة
سعوده، و((ممنون)) أي: ممنون به على الخلق، فهو المَّة العظمى، وهذا مما يدل على شرفه
ويُؤخذ من ذلك أسماء الله تعالى: حيُّ، ومحبي، ودائم، والدائم، والحيُّ، والمحي،
ويا دائم، ولو أمعنا النظر لأخذنا أكثر من ذلك، هذا بالنظر إلى تلك الحروف.
وأما حروف (محمد) فقط فهي أنك إذا أخذت الحاء مع الميم صار ذلك (حما)
وفيه ما تقدَّم، وإذا أخذت الميم الثانية مع الدال صار (مد) مع التضعيف، ومعناه مد
دين الإسلام وأظهره، ومد كل خيرٍ، وإذا أخذت الحاء مع الدال صار ذلك (حد) ،
ومعناه حدّ حدود الله تعالى وأظهرها، وإذا أخذت الحاء مع الميم والدال ورگبت منها
كلمةً كانت (حمد)، ويكون معناه حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وإذا أخذت الميم
والدال والحاء وركَّبت كلمةً كانت (مدحًا) وإذا أخذت الميم الوسطى مع الحاء والميم
والدال وركّبت منها كلمةً كانت (محمد): أي مكانًا للحمد، فأنعم بهذا الاسم ما أحسنه
وألذَّه في قلوب عباده المؤمنين؛ فكلُّ ما تصرفت فيه لا تجده إلا دالا على الكمال.
إلهنا لك الحمد على ما أوليتنا وخصصتنا به من بين كريمٍ ونبيٍّ وسيِّدٍ عظيمٍ،
کیف لا وهو خیار من خیارٍ من خیارٍ.
ويؤخذ منه أيضًا أسماء بعض الأنبياء، فمن ذلك آدم الكيها.
إذا قلت: آدم حمد محمدًا كان مقلوبه عين الأول، وهذا نوعٌ من الجناس المسمَّى

٣٢٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي رَّ وصفاته
عندهم بجناس العكس والقلب، نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣]
﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:٣] فآدم يحمده، وهذا معنى قول بعض العارفين: أنا كنت مع
آدمَ في كذا، أنا كنت مع نوج في السفينة، أنا كنت مع إبراهيمَ، فحيث وقعت هذه
العبارة للعارفين في كلامهم إنما هي حكاية عن لسانه وله.
واعلم أن محمدًا صالحً لأن يكون اسم مفعولٍ، أو اسم زمانٍ، أو اسم مكانٍ، أو
مصدرًا ميميًّ، قبل جعله علمًا، وأما بعده فهو علمُّ على الذات الشريفة، أما كونه اسم
مفعولٍ فهو باعتبار وقوع المحامد كلّها عليه، وأما اسم الزمان فهو اسمُ لزمان الحمد،
وأما اسم المكان فهو اسمُ لمكان الحمد، وأما كونه مصدرًا فيحتمل أن يكون علمًا على
ماهية الحمد المطلقة، أو لملاحظة الوجود في الذهن، فيكون اسم جنسٍ أو علم جنسٍ،
ويكون من المصادر التي جاءت أعلامًا، ويحتمل أن يكون باقيًا على معناه
المصدريِّ، ففي ذلك إشارةً إلى أن كلَّ عبدٍ هو دالُّ عليه.
وفي أخذ أسمائه الشريفة من هذا الاسم ممكنُّ، لكن نقتصر على بعضها؛
القياس عليه غيره، وإنما لم ننصّ على كلِّ واحدٍ بخصوصه خوفًا من التطويل، فإني لما
شرعت في تأليفها اطّلع عليها بعض الإخوان فطلب مني الاختصار ما أمكن، وإلا
كان مرادي فيها التطويل.
فمن ذلك (أحمد) هو بثلاثةٍ وخمسين، يُؤخذ منه باعتبار الحروف كما مرَّ
وباعتبار الجمل، فيُؤخذ منه الميم والحاء والدال وذلك اثنان وخمسون، يبقى واحدٌ، وبقي
معك میمٌّ، زدها باعتبار ذاتها يحصل ما ذكر.
و(آمين) يؤخذ منه باعتبار الحروف السابقة، وباعتبار الجمل هو مائةً وواحدٌ،
يُؤخذ من ضرب الحاء عند النطق بها وهي تسعةً في نفسها يحصل واحد وثمانون،
وحروف الاسم بالجمل الصغير عشرون، يحصل مائةً وواحدٌ وهي عدد آمين، و(هادي)
بعشرين، هي عدد الحروف بالجمل الصغير، و(مهدي) سبعة وخمسين، يُؤخذ من
التنوين، فهو بخمسين، والحاء بتسعةٍ إذا نطقت بها، فهذه تسعةٌ وخمسون، وحليم

٣٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
بثمانيةٍ وثمانين، فيُؤخذ من اليمين والحاء.
وقسّ على ذلك ما كان من الأوصاف الحميدة مثل: (حياء) بعشرين باعتبار
الهمزة، يؤخذ من حروف الاسم بالجمل الصغير، و(عليم) بمائةٍ وأربعين، يُؤخذ منه
ميمٌّ بأربعين، يبقى معنا من الاسم ميمُ ودالُ وحاءً، هي بثمانيةٍ، ردَّ عليها الميم والدال
يحصل عشرةً، اضربها في نفسها تحصل مائةً، ردَّها على الأربعين يحصل ما ذكر، ومثل:
(حلم) وهكذا باقي الأوصاف الحميدة.
وفي أخذ أسماء الله تعالى منه يؤخذ أسماء الله كل واحدٍ على انفراده مثل ستة
وستين يؤخذ من ضرب الدال والميم باعتبار الجمل الصغير، وهما بثمانية في نفسها
بأربعة وستين، زد على ذلك الحرفين الباقيين وهما الحاء والميم يحصل ما ذكر، وأما
إجمالا بأن تجمع اسمين أو ثلاثة أو أربعة فيمكن أيضًا مثلاً: محمد بتمامه باثنين
وتسعين، ونحو أول دائم، وكذلك حي وهاب واجد ولي. [سر الأسرار - بتحقيقنا].
(وَأَنَا أَحْمَدُ) قال الحرالي: اعلم أن الحمد معنَّى لا يبين لمختصِّ النظر بجهةٍ في
الكون حتى يحيط بنظره، فیری موقع المتقابلات في حكمة الله کمالاً، فحينئذٍ یصیر
منقسمها إلى المدح والذم حمدًا، فإذا الحمد ظهور حكمة الله بما أحاطت به على وجهٍ
لا عيب فيه، ولا مذمَّة تلحقه، ولا نقض يتطرق إليه، لذلك كان ◌َلّ لا يعيب شيئًا ما
عاب ذواتًا قط، فإذا تحقَّق معنى الحمد في كل ذاتٍ من حيث موقعه في حكمة الله ففي
كل ذاتٍ ما جعله الله أعلى فيه، وما جعله الله أدنى فيها، فأحمديَّة كلِّ شيءٍ أعلاه
بالنظر إلى شمول الحكمة لمتقابليه، وتمام الآية بكليَّته.
ولما كان النور الأول قال: «أنا الذي خلق الله أوَّل كلِّ شيءٍ من نوري، فسجد،
فبقي في سجوده سبعمائة عامٍ)) وكان كلَّ شيءٍ من نوره من النيرات اللطائف، أو من غير
ذلك من الكتائف، كما قال: ((إنَّ الله خلق العرش من نوري، والکرسيَّ من نوري،
واللَّوح من نوري، والشمس والقمر من نوري، والعقل الذي في رؤوس الخلائق من
نوري، ونور الإيمان من نوري، ونور المعرفة التي في قلوب المؤمنين من نوري)) فهذه

٣٢٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّ وصفاته
السبعة الأنوار الجامعة للملك والملكوت والقلوب والأعين إنما هي من نوره، فكلُّ منیرٍ
منه، فأنوار ذلك المنير أحمديته في كلِّ ذاتٍ منها مسرى وموقع يبدو في أتَمِّه، ويضيء في
قلبه؛ إذ لكلِّ شيءٍ قلبُ، وكما أن جميع النيران ظاهرها وباطنها من نوره فأحمديته كائنةٌ
فيها، قائمةٌ عليها، داعيةً لها إليها، فهو رسولٌ لها منها، يجدها كلُّ شيءٍ منها في وجوده،
ويسمع بما منه فيه عند تبليغه في ظاهر يوم ختمه، فلذلك سائر الموجودات ناشئةً من
نوره، بما أن كلَّ شيءٍ من المواليد والأركان من الماء، الذي هو من الدرة، التي هي من
الضبابة، التي أُنشئت من نوره، كما قال: «آدم من ترابٍ، والتراب من الزبد، والزبد من
الموج، والموج من الماء، والماء من الدرة، والدرة من الضبابة، والضبابة أُنشئت من نور
محمد)) ففي كلِّ كائنٍ كثيفٍ أو لطيفٍ نوريته، فأتمها في ذات كلُّ شيءٍ هو أحمديته، التي
هي قائم ذلك الشيء وقلبه، يجدها كلّ شيءٍ في ذاته، ويسمع منه بما فيه من أحمديته
يوم تبليغه في يوم فتحه، فمجيبُ بحكم تلك الأحمدية قابلُ ومصروفُّ بخفاء تلك
الأحمدية، آبٍ إلى حين ظهورها ورفع حجابها، وإبراء داء غشاوتها وفكٌّ طابعها، قال:
((ما بين السماء والأرض شيءٌ إلا يعلم أني رسول الله غير عاصي الجن والأنس»، وكل
ذلك مضمون قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] بفتح
الفاء؛ إشارة إلى الأحمدية التي في كل شيءٍ حين هو رسولُ لكل شيءٍ، قال: ((إنِّي لأعلم
حجرًا كان يسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث)) وحنَّ إليه الجذع، كما استرزقت منه الوحوش،
واستأذنته الجنُّ في مساكنها من الأرض، وأتَمَّت به الملائكة، وكلُّ شيءٍ فله وجهةً إليه
بما هو حبيب الله، الذي لم يشاركه في كماله سواه بما كل ما سواه؛ فهو منه بما وضح
أن كل كائنٍ من نوره كثيفه ولطيفه، وعلى مشهور القرءاة: (من أنفُسكم) بضم الفاء؛
إنباءُ بمطلق وجود حقيقة من له الحمد في كلِّ شيءٍ، وله الحمد في السماوات والأرض،
فهو من نفس ما بُعث إليه، ومن أنفس ما بُعث إليه، ولما كانت الأحمدية علوًّا للذات
كانت بمنزلة السماء في موجود الدنيا، فكان لذلك اسمه في السماء (أحمد) كما ورد،
ولما كان الإنجيل كتابًا باطنًا أعلن فيه باسمه (أحمد) فقال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ

٣٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] ولما كان مدلول السماء مطلق العلوِّ تحقَّق اسمه
بالأحمديَّة في علوّ السماء إلى غيب العُلا، وكان أحقّ بمعنى السموّ الغائب لما تشير إليه
زيادته التي هي الهمزة المشيرة للألف الذي يشير إلى مطلق الأمر من وراء كلِّ حدٍّ
وغيبٍ، فكان اسمه فيما إلى الغيب والإطلاق أحمد، وهو بما هو غيبُ سارٍ في كلّ غيبٍ؛
إذ غيب كلِّ شيءٍ وباطنه سماءً، وبذلك يكون ظاهره زمنه، فلذلك عمَّت نبوته
وشملت دعوته، وكان رسول الله لكلِّ ما ربُّه الله، والله ربُّ كلِّ شيءٍ، فأحمد رسولٌ لكلّ
شيءٍ، وبذلك ينبئ عن التمام، الكونُ به في وجده العليّ في قوله: ((وكلنا لك عبدً))
يستتبع في وصله هذا؛ لتكون الجامعة لعبدانيته كل شيءٍ هو منه، ومنه كل شيءٍ،
وبذلك الأحمدية القائمة على كلِّ شيءٍ في خصوص ذاته، هو حجَّة الله على الخلائق
أجمعين، ومنه مفشى هذا الاسم؛ فنبوته بالأحمدية سابقةُ دائمةٌ، بادئةٌ في الختم، حقيقةٌ
في البدء، وبمعنى منه: كان نبيًّا وآدم بين الماء والطين، فهو بالأحمدية نبيُّ العقل في ذات
العقل، ونبيُّ الروح في ذات روحه، ونبيُّ النفس في ذات نفسها، ونبيُّ الجسم في ذات
جسمه، ونبيُّ الليل في ذات ليله، ونبيُّ النهار في ذات نهاريته، ونبيُّ النور في ذاتية
نوریته، ونُّ كلَّ حجابٍ في ذات حجابیته، ونُّ كلّ شيءٍ في خصوص ذاته، تقوم به
منه عليه حجَّة الرسالة الأحمدية في كلِّ لونٍ، وفى كلِّ عالمٍ، وفى كلِّ ما أنبأ عنه اسم
مجهولُ هو بدؤه، وبأحمديته تتوجه عليه حجَّته، وبمعنَّى منه في مجرى كرم الطّباع،
والجمع لخيرها هو سيِّد ولد آدم في الأحمديه الخاصَّة بالآدميَّة الجامعة المحيطة، فهو
أظهر الأسماء سريانًا بما هو غيبُ خفيُّ باطنُ سماويٌّ، ومعرفته هو مفتاح معرفته،
وعنه مناشئ أوصافه الباطنة، وبه جرت أوصافه على صيغة الأفعل فيما جاء من
أسمائه عليها، واختصَّ من أوصافه بها، نحو اسمه الأتقى، والأخشى، والأعلم، وبما
كان قاب قوسين أو أدنى، وبكلِّ ما ورد من معناه وعلى صيغته قوله تعالى: ﴿إِنَّا
أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ
بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفتح: ٨-٩].

٣٣١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي وَل وصفاته
وقال الرصاع: أحمد اسم من أسمائه وَل﴾، وردت به الآيات القرآنية، والأحاديث
النبوية، وإجماع الأمة المحمدية.
أما الآيات، فقد قال الله العظيم في كتابه العزيز: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ
بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
وأجمعت الأمة المحمدية على أن المراد بهذه البشرى هو سيد الخلق، وحبيب
الحق رسول الله وله.
أما الأحاديث، فمنها أيضًا ما روي عن كعب الأحبار ﴾ أن الحواريين قالوا
لعيسى الّ: يا رُوح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم أمة محمد حكماء، أبرار، أتقياء
كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله عنهم باليسير
من العمل، ثم قال: من بعدي رسول اسمه أحمد.
وقد ورد ((إن اسمه في السماء ((أحمد)) وفي الأرض (محمد)) وفي البحار ((الماحي))
وفي القيامة ((الحاشر)) وفي الجنة (الناسخ)) وفي النار ((العاقب) ◌َّ.
وقال الرصاع: وأحمد مشتق من الحمد، وهو (أفعل) مبالغة من الحمد، قد قدمنا
أن محمدًا (مُفَعَّل) مبالغة من الحمد فهو ◌َّ أجلُّ مَنْ أحمد، وأعظم مَنْ حُمِد فهو أحمد
المحمودين، وأحمد الحامدين، ولذا أعطاه ربُّه لواء الحمد يوم القيامة، حتى يُتِمَّ له كمال
الحمد، ويشتهر في عرصات يوم القيامة بصفة الحمد، ولذا يبعثه الله يوم القيامة
محمودًا كما وعده ربه سبحانه بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُحْمُودًا﴾
[الإسراء:٧٩] يحمده فيه الأولون والآخرون، وسمى الله أمته الحامدین لله على كل حال.
ومنع سبحانه أن يتسمى بهذا الاسم الكريم أحد من خلق الله؛ بل شقه له من
اسمه تعظيمًا لقدره، وزيادة في علو منصبه، وفي هذا الاسم الكريم غرائب وعجائب
كما تقدم بعضها في اسمه محمد ريين، مما يدل على اعتناء الربوبية بجاهه، وكمال
وجاهته عند ربه؛ ولذا سماه بأحمد في أهل سمائه، وعند أهل حضرته، وسره.
والله أعلم بغيبه أن ملائكة الله سبحانه هم عُمَّار السموات كلها، فما فيه

٣٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
موضع شبر إلا وفيه ملك لله ساجد أو راكع، ليس لهم أكل إلا ذكره، وليس لهم شراب
إلا حُبِّه، وليس لهم مخالفة ولا عصيان؛ بل طاعة وانقياد للملك، جمع الله فيهم أذكار
أوليائه، وتسبيحهم ودعاءهم، وعبادتهم قولاً وفعلاً، وجمعهم علیه فلا يرون إلا هو،
ولا يفترون عن ذكره، کیف وقد صیرهم مولاهم له أهلاً؟
ولما أراد الله سبحانه أن يظهر لعرائس مملكته، ولخاصة أوليائه من قدسية نور
سره الأول، وإنسان عينهم الكامل المكمِّل، وهو النبي المصطفى الطاهر الأمجد، سماه في
أهل السموات باسمه (أحمد) إظهارًا لمنزلته عند ربه، وعلو رفعته عند خالقه فكأنه
يقول لأهل حضرته: لئن ظفرتم بالغُنم في تنزيهي وتقديسي وذكري، فلقد زاد على
حمدكم حبيبي أحمد الذي بالغ في حمدي وشكري، وفوض أمره لأمري، فهو أفضل
من خلقت ومننت علیه بجميع محامدي، وأعظم من رزقته وصیرته إکسیر محامدي.
فالواجب عليكم يا ملائكتي التسليم لعين نظرتي، وإظهار فضائل من
أودعت عنده أسرار شريعتي؛ فإن كنتم بالغتم في طاعتي، وسارعتم إلى كريم خدمتي،
فخدمة هذا النبي الكريم صاحب الخلق العظيم، لم ينلها موجودٌ من أهل الصدق
والكرامة، ولا اتصف بها أحدُّ من أهل الوفاء والسلامة إلى يوم القيامة.
فلو تقربت خواص العباد من الملائكة، والأنبياء، والزهَّاد بسجدة أو ركعة أو
تلاوة أو صلاة؛ لكانت سجدة النبي الكريم أو ركعة صاحب الخلق العظيم، أو تلاوة
الرسول العليم، تزيد على سجدة جميع العالمين، أو ركعة المخلوقين أجمعين من أهل
السموات والأرضين؛ لتمام فضله عند أحكم الحاكمين، وعلو قدره عند أرحم
الراحمين.
وإنما بَشَّر عيسى - عليه السلام - الخلائق به وَّر وسماه باسم أحمد الذي
اشتهر به اسمه عند أهل السمو، وخصّه به ربه عند سائر المخلوقات إشارةً والله أعلم،
إلى أن عيسى - عليه السلام - لما سأله الحواريون كما تقدم، وقالوا له: يا روح الله هل
بعدنا من أمة؟

٣٣٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّ وصفاته
فأجاب بقوله: نعم أمة محمد حكماء أبرار علماء أتقياء، كما ذكرنا.
فالذین بعث الله فيهم من اسمه أحمد في أهل السماء، فلا أفضل منهم عند رب
العرش؛ لفضل نبيهم، ولا أقرب منهم عند الله لقرب حبيبهم وما ذاك، إلا أنهم قد
ميزوا بين الخالق والمخلوق، واعترفوا أن الله سبحانه إله واحد لا شبيه له ولا نظير،
وأنه رازق غير مرزوق.
فكأنه يقول لهم: يا معشر الحواريين إياكم أن تعتقدوا في نبي من أنبياء الله،
أو رسول من رسل الله كما اعتقدت النّصارى في عيسى، إنما أنا عبد الله ورسوله،
كلمتُه وابن أمَتِهِ خَلْقُّ من خَلْقهِ، خلقني سبحانه من غير أب بقدرته، وخلق أمي،
وجعلها صِدِّيقة تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق، وصیرني بقدرته لا نتحرك إلا بإذنه.
يا معشر الحواريين هذا اعتقاد أمة محمد في سائر أنبياء الله أجمعين، وكذا
يعتقدون في نبيِّهم مع علمهم أنه أجَلُّ الحامدين، وأحمد المحمودین.
فأمة محمد علماء، علموا ما يجب لله سبحانه، وما يستحيل عليه، وما يجوز في
فعله، وعلموا ما يجب لنبيه من العبودية، وما يستحيل عليه من الاتصاف بصفة
الربوبية.
أمة محمد فقهاء علماء بما يجب للأنبياء من كمال العصمة، وأنهم لا يعصون،
أبرار تحققوا أن أنبياء الله ورسله يفعلون ما يؤمرون، وبهذا أنطق الله تعالى الأولياء
من هذه الأمة الوارثين للأنبياء، الآخذين عن الأصفياء بلسان الحكمة وبيان ما يجب
من الاعتقاد في سائر الأمة.
(وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِي الْكُفْرَ) قال الحرالي: المحو: ذهاب آثار الكتابة،
والكتاب مبدأ رسم الفتور، والكنايات كلها في الصور، ومداد الصور رسم الكتاب،
ورسم الكتاب مبدأ العدِّ، والعدُّ ناشئُ في الحدِّ، والحدُّ حدُّ الإحاطة، وكلُّ حجابٍ ساتٍ
وكتابٍ محضٍ فهو ◌َّ بما أثبت أحمديته في الباطنات وأبدت محمديته في البادئات ماچ
لكليَّة الثُبُّت منح على مثل الرسم.

٣٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
كما قال ◌َل﴿ه حين قيل له: «أين كان الله قبلُ أن يخلق السماوات والأرض؟ فقال:
في عماءٍ ليس فوقه هواءً، وليس تحته هواءً)) فمحا الرسوم ورفع الحدود فكان بذلك وَله
هو الماحي الذي محا ما لم يكن، وأبقى ما لم يزل، ولما كان محو صور الأشياء بمرادها
إلى ما هي منه من الماء فكانت البحار ماحيةً لأدران الأشياء، مستهلكةً لأوصافها،
مقدسة لمجتنباتها بما هي عائدة إليها، وكانت البحار ماحيةً لما دونها كان اسمه وَّ في
البحار الماحي، فهو الماحي لكل ماچ، الناظر للكون بعد كونه بمآ ربه، الناظر إليه قبل
كونه حين هو في عماء، فهو الماحي الأكمل كما هو الأحمد الأتم، والمحمد الأحوط،
وبهذا الاسم الذي هو الماحي هو منتهى العود الذي هو معنى الفتح المبين، الذي يرد من
غاية الإبراء إلى غاية المعاد ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:
٨٥] فكما كان أول البدء الكتب كما قال ◌َ له: ((كان الله ولا شيء معه)».
كان علي - عليه السلام . يقول: ((اللهُمَّ إنْ كنتَ كتبتني في أمّ الكتاب شقيًّا
محرومًا فامحني واكتبني عندك سعيدًا مرزوقًا)) كان ذلك المحو هو وصف هذا الرسول
الجامع، وكان هو رسول المحو كما هو رسول الإبداء والثبت، فكما بدأ نوره أوَّل كلّ
شيءٍ وبدأ كلُّ شيءٍ من نوره فكان فيه عبدًا ورسولاً كذلك كان في محو كتاب كليّة ذلك
الإبداء كله رسوله ماحيًا، فثبت به ما ثبت، وأمحى به ما هو ممج:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلٌ
والتي هي أصدق كلمة قالها الشاعر، فهو ◌َّه رسول المحو الآتي على كلِّ مكتوبٍ
يقينًا، كما هو رسول الإثبات الآخذ بكلِّ علمٍ ثبتًا وعلمًا ما لم تكن تعلم، قال
تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فهو رسول الثبت في الثبت، ورسول المحو في
المحو، فهو الماحي لكليَّة الكفر من بداية كفر الأديان إلى نهاية كفر العِيان،
المضمون في قوله وَلفيه: ((ونترك من يكفرك)) فكان بهذا الجمع للثبت الحمديِّ والإذهاب
المحمدي كما له وَّه المنتهى إلى غايةٍ ليس وراءها نهايةُ ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى﴾
[النجم: ٤٢] فكان في محوه هلاك كلِّ هالكٍ، وفناء كلِّ فانٍ، فكان في جمعه لذلك جلاء

٣٣٥
كتاب الفضائل والشمائل / باب أسماء النبي ◌َل وصفاته
بقاء وجه ربِّه ذي الجلال والإكرام، وتبارك اسم ربِّه كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ
ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨].
(وَأَنَا الْخَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَبي) الحشر: الجمع بكرهٍ، ولما كان ◌َّ
منتهى الإبداء مبعوثًا عند نفس الساعة فكان ظهوره آيةً من آياتها، وعلامةً حاقَّةً من
علاماتها، كان هو السابق جميع الخلق إلى الله تعالى إعادةً وحشرًا فيأتيانه، أتى أمر الله
تعالى كما قال تعالى: ﴿أَقَى أَمْرُ اللّه فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وكان رده الخلق،
فتوجيهه عن المبعث والمهاجر حشرًا، فكان من أول حشره لأهل الكتاب إخراجه لهم
من حصونهم وبلادهم من مهاجرةٍ إلى حيث أذاقهم الله من شدة المحشر ما شاء في
دار الدنيا إلى ما اتصل لهم بذلك في برزخهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] ومن معنى اسمه
الحاشر تنبيه أمته وس* عند اضطراب الأمور في آخر الزمان على الإتيان إلى أرض
المحشر من أرض الشام حين استفتوه، فقالوا: بِمَ تأمرنا يا رسول الله؟ قال: ((ها هنا،
وأشار بيده نحو الشام)).
ومن معنى اسمه الحاشر ما نبَّه عليه من السوابق إلى أرض المحشر، كقوله والآن:
((إن نارًا تخرج من قِبَل المشرق، تحشر الناس إلى المحشر)) ويشكُّ والله أعلم أن هذه
النار نار الحرب، أخرجها بالمعنى كما قال: ((الآن حمي الوطيس)) فهي والله أعلم نار
حرب كفرة الترك، التي ألجأت المسلمين إلى أرض ((الشام)) من أقصى المشارق، حتى
أجازتهم الفرات، وكالنّار التي ذكر أنها تخرج من قعرة ((عدن)) تسوق الناس إلى
المحشر، وكان من حشره جلاءه من ابتدَّ من الملوك من الأقاصرة والأكاسرة عن
بلادهم ومماليكهم، بما أصاب منهم فتحًا، وبما تناوله أمته غنمًا، ولا تزال حقيقة
حشرتيه قائمةً حتى يبتزَّ جميع الملك والأديان والملوك فتعود إلى ملته، فهو الحاشر في
الدنيا لأوّل الحشر في يومه من أوله إلى انتهائه، ثم هو الحاشر لهم، يحشرون على أثره،
وإليه يلجأون في محشرهم؛ فهو لم يحشرهم إلى موقف الحساب حتى يفصل بينهم

٣٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
ويرى سبيلهم، ومن معنى حشره وجمعه نواشئ اسمٍ من أسمائه مما ينبئ عن معنى
سوقه للخلق ورعيه لهم، على حسب ما هم عليه من غتوِّ يحوطهم بعصاه، أو آباءٍ وترد
يحصدهم بسيفه، أو نفارٍ وفرارٍ يرميهم بقوسه، فله من معنى اسمه الحاشر ما يشير إلى
معناه من الأسماء المنبئة عن أوصاف تفاصيل معنى ما سُمِّ به الحاشر، بما هو رادُّ
الخلق إلى خالقهم طوعًا وكرهًا، قال تعالى: ﴿وَاللهُ مِن وَرَائِهِم تُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠].
(وَأَنَّا الْعَاقِبُ) العقب: بالتخفيف الذي منه التعقيب، المضاعف: هو الإتيان
على عقب الشيء، والعقب: آخر القدم؛ فالعاقب آتٍ عقب كلِّ شيءٍ، بتعقبه بما يظهر
خبره ويستوفى حسابه، فما بقي من المتعقب عليه وفَّاه، فالمعقب يحفظ الوافي ويستوفي
الباقي، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَخْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾
[الرعد: ١١] ولأن إنفاذ الأحكام آتية عقيب الأعمال وكان موقع الأحكام في التعقبات
حدودًا وكانت الحدود نارًا مطهّرةً عاجلها في الدنيا وانتهاؤها في البرزخ ومتمِّمها في
المحشر إلى منتهى الجزاء كان اسمه ◌َله في النار العاقب، فهو آتٍ عقب ما استوفيته
النار، فيكون لمحه أكمل تخليصًا وأتَمَّ وفاءً، فيعقبها بالشفاعة فيما أبقى تعقبها، فإذا
جاء العاقب بحرمة شفاعته خمدت وسكنت، كما ورد أن قومًا من حملة القرآن
يدخلون النار فينسيهم ذكر محمد سليم حتى يذكرهم به بإراءتهم جبريل العليا
فيذكرونه، فتخمد عنهم النار وتنزوي عنهم؛ فتتلافاهم شفاعته عقب ما أصابهم
فهو معقّب المعقبات، وعاقب كلِّ آتٍ، في عقبٍ بما هو آخر في الأواخر، كما هو في
الابتداءات أوَّل في الأوائل، ومما هو عقبه نبوة كلِّ نبيٌّ؛ لظهور نبوته عقب كلِّ نبوّةٍ،
فكان بذلك العاقب الذي لا يكون بعده نبيُّ، فهو عاقبُ في كل تتبُّع واستقراءٍ يوفيه
أمره، ویعقب بشرعته وشفاعته وجوده.
وقال الرَّصاع: قال القاضي عياض: والمقفى هو: العاقب، الذي بعثه الله عقب
الأنبياء الكرام، أتى بعدهم وعقبهم وجعله الله تعالى أفضلهم وأكملهم وأعزهم
وأرفعهم وأوجههم وأحسنهم، مع تمام كمالهم وعصمتهم، وعلو قدرهم وشرفهم كلهم.

٣٣٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي 180 وصفاته
فإن الله عز وجل اختار من خلقه الأنبياء وأكمل خَلقهم وخُلقهم، وطهَّرهم
من جميع النقائص في خلقهم وأخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم، وطهّر قلوبهم وجعلها على
كمال الإيمان به، والمعرفة والمحبَّة له، وصيَّرها محلاً لإظهار أنوار معارفه، وصفَّاها من
شوائب الأغيار، وملأها ببدائع الأنوار، وخصَّها بمعادن الأسرار، وجعلهم وسائط بينه
وبين عباده؛ ليطهروهم من خبائث هذه الدار، ويأمروهم بأن يتخلقوا بالأخلاق التي
توصلهم إلى كرامة الله تعالى وجنته دار القرار، وجعلهم مبشرين لأمتهم؛ آخذين
عليهم الميثاق بتصديقهم ببعثة نبي الله، وحبيبه ورسوله، النبي المختار وَعليه وعلى آله
الأبرار.
فما زال كل رسولٍ من رسل الله - صلَّى الله عليهم أجمعين - معظمًا قدر نبينا
وَي* معلمًا بأنه قطب هذا العالم وواسطته، وعليه يدور مبدؤه ومنتهاه فاتحته وخاتمته؛
ولذا سمَّاه ربه: الفاتح الخاتم، حين أبرز فيها سبحانه سره المكنون، وحبيبه المعصوم
المصون، وأنه الذي لأجله خلق الوجود، وسمَّاه بـ((إكسير المحامد)) وزين به العالم.
فكان حبيبًا للملك المعبود، وأشرق العالم العلوي والسفلي بنور بروزه ليلة
ولادته، وتزخرفت الأرض وافتخرت السموات بقدومه وطهّر الله لأمته الأرض
لفرحها بطهارته، وانخرقت فيه العادات وأظهر الله لأمّه آمنة عجائب وآيات، وظهرت
البُشرى عند ملائكة الأرضين والسموات، وزَها الوجود كله وعمَّت فيه البركات،
فكانت ولادته وليه في أشرف الليالي والأيام، وفي خير زمان وليلة ومكان، إذ هو أشرف
مَنْ خلق الله تعالى مِن الأنام، كيف لا تكون تلك الليلة هي أبرك الليالي وأفضلها؟!
وكيف لا يُنسب إليها أنها أشرف الساعات وأيمنها؟!
وقد خصَّ الله تعالى وقت ولادة من شرف الأكوان والأزمان بوجوده وحلوله
فيها، فكل ما خلقه الله مولانا جلَّ جلاله من فضائل وكرامات، وأمكنة وبقاع وأزمنة
أنزل فيه البركات، فهو كله إكرام لسيد المخلوقات.
وإنما شرَّفها الله تعالى من أجله، وإكرامًا له ولأمته، فيوم الجمعة جعله الله

٣٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
لسيد الأنام، ويوم عرفة أعطاه الله وَّل، وليلة القدر شرَّفها الله تعالى بإنزال كتابه
العزيز إلى سماء الدنيا، كما أنزل تعالى ملائكته الكرام، أنزلها إلى الأرض اعتناءً به
وبأمته چ
ومن آداب مَن علِم أنه العاقب ◌َل﴾، وأن الله سبحانه أوجده عقب الأنبياء؛
فليكثر من مطالعة ميلاده، ويعتنٍ بحفظ تاريخه، ويتعلم نسبه الكريم، وما حفظه
مولاه سبحانه به في صغره، وكيف أنبته نباتًا حسنًا، ربه الكريم العليم.
ويتذكر ما ظهر في ميلاده من الآيات والعجائب والغرائب والفوائد؛ لكي
ينشرح بذلك صدره، ويزداد محبة إلى محبته، ويتقوى إيمانه، ويهتدي بسنته وطريقته.
قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله: من الآيات التي ظهرت عند مولده،
والعجائب، ما حكته أمه في كونه رافعًا رأسه عندما وضعته، شاخصًا ببصره نحو
السماء، وما رأته من النور الذي خرج معه عند ولادته، وما رأته إذ ذاك أمُّ عثمان بن
أبي العاص من تدلي النجوم، وظهور النور تلك الليلة، حتى لم ترَ إلا النور، وقول
الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف: إنه لما سقط وَلو على يدي واستهل سمعت قائلاً
يقول: رحمك الله، وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب، حتى نظرت إلى قصور الروم، وما
تعرفت حليمة وزوجها من بركته، ودرور لبنها له، ولبن شارفها، وخصب غنمها، ومن
حسن نشأته، وسرعة شبابه، وما جرى من العجائب ليلة مولده من: ارتجاج إيوان
كسرى وسقوط شرفاته، وغيض ماء بحيرة ساوة، وخمود نار فارس، وكان لها ألف عام لم
تخمد، ومن ذلك أنه كان ﴿ ﴿ إذا أكل مع عمه أبي طالب وآله وهو صغيرٌ شبعوا ورووا،
وإذا أكلوا ولم يكن معهم لم يشبعوا، وكان سائر ولد أبي طالب يصبحون شُعقًا،
ويصبح وَل﴾ صقيلاً دهينًا كحيلاً.
قالت أم أيمن حاضنته - رضي الله عنها -: ما رأيته وَاله شكا جوعًا ولا عطشًا
صغيرًا ولا كبيرًا، ومنها أن الله سبحانه حرس السماء بالشهب، وقطع رصد
الشياطين من أجله، وجعله من أول نشأته باغضًا للأصنام، عفيفًا عن أمور الجاهلية.

٣٣٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي صل# وصفاته
وما زالت خوارق العادات، وظهور الآيات، حافة بنبينا وَّة؛ إكرامًا له من
مولاه، وتعظيمًا لمقامه الشريف، وتثبيتًا لنبوءته ورسالته، وأنه رسول الله حقًّا حتى
أظهر الله الحق، وأزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا.
وقد ذكر غير صاحب ((الشفا)) خوارق وآيات وعناية به من رب السموات،
وألّف في ذلك تأليفًا حسنًا في ولادته، وفي عجائب تلك الليلة الدالة على بركته، فقال:
من ذلك أن أمَّه رأت حين قُرْب الولادة حُورًا أحدقن بها، وسمعت وجبة عظيمة
أفزعت قلبها، فإذا بطائر مسح فؤادها بجناحه فذهب ما بها من الروع.
ومن آيات الله أنها: رأت ماء أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، فشربته،
فخرج منها نور ساطعٌ رائحته أذكى من المسك. [تذكرة المحبين للرصاع
- عقد الزبرجد للأحمدي - إبداء الخفا للحرالي - سر الأسرار للخليلي - جميعها
بتحقیقنا].
٥٧٧٧ - [وعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ
أَسْمَاءً فَقَالَ: ((أَنَا مُحَمَّدْ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّي وَالْخَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ)). رَوَاهُ
مُسْلِمْ)(١).
(وَالْمُقَفِّي) التقفية: الإتيان عند قفي آتٍ متقدِّم من ظاهر أمدٍ وعلوٍّ في مقابلة
التعقيب الآتي، عقب آتٍ متقدِّمٍ في دنوٌّ أمرٍ، ولما كان العقب أدنى القامة وكانت النار
أدنى الدانيات كان اسمه وال* في النار العاقب، جاء عقب ما دنا، كمن وجودٍ وأمرٍ في
ذات الخلق والأمر، جاء مقفيًا ما علا، فهو يعقب الآثار والأعقاب بما يقيمها، ويقفي
الأمور العُلا بما ينزلها، فيُعلي ما دنا تعقيبًا، ويُنزل ما علا تقفيةً؛ ليقع سواءً ما بين
القفا والعقب في ختم أمره، فيعقبه من مد غيب الثرى، ويعقبه من مد غيب
العلا، وهما أتمُّ اسمين من أسمائه في الإشارة إلى سرِّ ختمه وسواء أمره، فقفَّى الله
بالرسل تنزيلاً لأمره العليّ، وكان أحلا تقفيةٍ تقفيته بعيسى ابن مريم، الذي هو روحه
(١) أخرجه مسلم (٦٢٥٤).

٣٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وكلمته، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾
[الحديد: ٢٧] ففصل بين التقفيتين؛ لتفاوتهما في العلوِّ، فكانت تقفية محمد والي من
وراء تقفية الروح والكلمة، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ﴾
[الجاثية: ١٨] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا
الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى الله
تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] فكانت تقفيته وتعقيبه من سرِّ ذلك المصير إل
ى الله الذي قام به ختم الأمر وإخراج الخبء، حتى جمعت شريعته حكم الطهارة
تقفيةً، كسائر الأنبياء وحكم التتمُّم تعقيبًا خصوصًا به ◌ٍَّ، وكلُّ معنَى فيه علوُّ
في معنى أسمائه فهو من تقفيته، ومن تقفيته نباء ما أظهره الله عليه في إسرائه
من ذكره ما انفهقت به العلا من سدرة المنتهى وجنة المأوى وشجرة طوبى قال تعالى:
﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦] وذكر الحجب: الدُّنى، كلُّ ذلك مما قفى به
مورد ما تقدَّم من الكتب المنزلة من دون ما أبداه تقفيته علوًّا على كلِّ ذلك وإحاطةً
به.
(وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ) لما كانت النبوّة قوامًا في ذات النبيّ وفيما بينه وبين ربِّه اختصاصًا
جرت في الأمور الباطنة والأمور المتسعة أكثر من الرسالة وجرت الرسالة فيما هو من
نسبه ما بين النبيِّ والأمة التي أُرسل إليها، فكانت أخصَّ في أمر النبيِّ، وأعمَّ في أمر
الأمة، وأظهر في معانيه، فكأن الرسالة أولى بما هو تبليغٌّ إليهم، وكانت النبوَّة أولى بما
هو مردٌّ لهم إلى ما هو فيه النبيُّ وَِّ من مرجعه إلى ربِّه، واختصاصه بما خُصَّ به،
فكانت التوبة أعلق بأن تكون من أمر النبوّة، فلم يكن للاسم رسول التوبة، وكان
للاسم نبيُّ التوبة، والتوبة مرجع العبد إلى الله تعالى من حد بعده في أسفل سافلين إلى
أعلى عليين، مما يبدو عليه ظاهرًا من فعله وقوله وحاله، فبنبوته وج ير عاد الخلق إلى
ربهم فيما اختلفت فيه أعمالهم ومختلفات أحوالهم؛ لأن كلَّ مزدوجين من أحوال
الخلق وأعمالهم وأقوالهم صنفٌّ منهم للحوبة وصنفُ منهم للتوبة، فما منه مبعدُ فهو