Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة
وَيَلِيهِمْ: الْمُرَاؤُونَ بِالتَّوَافِلِ كَأَنْ يَعْتَادَ ذَلِكَ فِيهَا وَحْدَهَا خَوْفَ الإِسْتِنْقَاصِ بِعَدَمِ
فِعْلِهَا فِي الْمَلَا، وَإِيتَارًا لِلْكَسَلِ وَعَدَمِ الرَّغْبَةِ فِي تَوَابِهَا فِي الْخُلْوَةِ.
وَيَلِيهِمْ: الْمُرَاؤُونَ بِأَوْصَافِ الْعِبَادَاتِ كَتَحْسِينِهَا وَإِطَالَةٍ أَرْكَانِهَا، وَإِظْهَارٍ
التَّخَشُّعِ فِيهَا، وَاسْتِكْمَالِ سَائِرٍ مُكَمِّلَاتِهَا فِي الْمَلَاإِ، وَالإِقْتِصَارِ فِي الْخُلْوَةِ عَلَى أَدْنَى
وَاجِبَاتِهَا خَوْفَ إِيثَارٍ مَا ذُكِرَ فِي النَّوَافِلِ، فَهَذَا مَحْطُورٌ أَيْضًا لِأَنَّ فِيهِ كَّذِي قَبْلَهُ تَقْدِيمَ
الْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ، وَقَدْ يَكِيدُ الشَّيْطَانُ فَاعِلَهُ فَيُزَيِّنُ لَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ صِيَانَةً
لَهُمْ عَنِ الْوُقُوعِ فِيهِ، وَلَوْ صَدَقَ لَصَانَ نَفْسَهُ عَنْ فَوَاتِ تِلْكَ الْكِمَالَاتِ بِمَا يَفْعَلُهُ فِي
خَلَوَاتِهِ؛ فَدَلَّتْ قَرَائِنُ أَحْوَالِهِ عَلَى أَنَّ بَاعِثَ ذَلِكَ لَيْسَ إلَّ النَّظَرَ إِلَى الْخَلْقِ رَجَاءَ
تَحْمَدَتِهِمْ لَا صِیَانَتِهِمْ.
وَلِلْمُرَائِي لِأَجْلِهِ دَرَجَاتٌ أَيْضًا، فَأَقْبَحُهَا أَنْ يَقْصِدَ الثَّمَكُنَ مِنْ مَعْصِيَةٍ كَمَنْ
يُظْهِرُ الْوَرَعَ وَالزُّهْدَ حَتَّى يُعْرَفَ بِهِ فَيُوَّى الْمَنَاصِبَ وَالْوَصَايَا، وَتُودَعَ عِنْدَهُ الْأَمْوَالُ، أَوْ
يُفَوَّضَ إِلَيْهِ تَفْرِقَةُ الصَّدَقَاتِ وَقَصْدُهُ بِكُلِّ ذَلِكَ الْخِيَانَةُ فِيهِ، وَكَمَنْ يُذَكِّرُ أَوْ يَعِظُ أَوْ
يُعَلِّمُ أَوْ يَتَعَلَّمُ لِلَّفَرِ بِامْرَأَةٍ أَوْ غُلَامِ، ثَمَّ فَهَؤُلَاءِ أَقْبَحُ الْمُرَائِينَ عِنْدَ الله تَعَالَى، لِأَنَّهُمْ
جَعَلُوا طَاعَةَ رَبِّهِمْ سُلَّمَا إِلَى مَعْصِيَتِهِ وَوَصْلَةً إلَى فِسْقِهِمْ وَتَسُوءُ عَاقِبَتُهُمْ.
وَيَلِيهَا: مَنْ يُتَّهَمُ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ خِيَانَةٍ فَيُظْهِرُ الطَّاعَةَ وَالصَّدَقَةَ قَصْدًا لِدَفْعِ تِلْكَ
التُّهْمَةِ.
وَيَلِيهَا: أَنْ يَقْصِدَ نَيْلَ حَظّ مُبَاجٍ مِنْ نَحْوِ مَالٍ أَوْ نِكَاجٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ حُظُوظِ
الدُّنْيَا.
وَبَلِيهَا: أَنْ يَقْصِدَ بِإِظْهَارٍ عِبَادَتِهِ وَوَرَعِهِ وَتَخَشُّعِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَنْ لَا يُحْتَقَرَ وَيُنْظَرَ
إِلَيْهِ بِعَيْنِ النَّقْصِ، أَوْ أَنْ يُعَدَّ مِنْ جُمْلَةِ الصَّالِحِينَ وَفِي الْخُلْوَةِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ،
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ إِظْهَارَ النَّظَرِ فِي يَوْمٍ يُسَنُّ صَوْمُهُ خَشْيَةَ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ لَا اعْتِنَاءَ لَهُ
بِالتَّوَافِلِ، فَهَذِهِ أُصُولُ دَرَجَاتِ الرِّيَاءِ وَمَرَاتِبُ أَصْنَافِ الْمُرَائِينَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَجَمِيعُهُمْ تَحْتَ مَقْتِ الله تَعَالَى وَغَضَبِهِ وَهُوَ مِنْ أَشَدِّ الْمُهْلِكَاتِ.

١٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وَمِنْهَا: مَرَّ فِي الْخَبَرِ ((أَنَّ مِن الرِّيَاءِ مَا هُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الثَّمْلِ)).
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَزِلُّ فِيهِ فُحُولُ الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنِ الْعِبَادِ الْجُهَلَاءِ بِآفَاتِ النُّفُوسِ
وَغَوَائِلِ الْقُلُوبِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الرِّيَاءَ إِمَّا جَلِّ وَهُوَ مَا يَحْمِلُ عَلَى الْعَمَلِ وَيَبْعَثُ عَلَيْهِ.
وَإِمَّا خَفِيٍّ وَهُوَ مَا لَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يُخَفِّفُ مَشَقَّتَهُ كَمَنْ يَعْتَادُ التَّهَجُّدَ كُلَّ
لَيْلَةٍ وَيَثْقُلُ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ أَو اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَحَدُ نَشِطَ لَهُ وَخُفِّفَ عَلَيْهِ
وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ إِنَّمَا يَعْمَلُ للهِ، وَلَوْلَا رَجَاءُ الثَّوَابِ لَمَا صَلَّى.
وَأَمَارَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَتَهَجَّدُ، وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدُّ؛ وَأَخْفَى مِنْ هَذَا مَا لَا يَحْمِلُ
عَلَى تَسْهِيلٍ، وَتَخْفِيفٍ، وَمَعَ ذَلِكَ عِنْدَهُ رِيَاءٌ كَامِنَّ فِي قَلْبِهِ كَكُمُونِ النَّارِ فِي الْحَجَرِ لَا
يُمْكِنُ الإِطَلَاعُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْعَلَامَاتِ، وَأَجْلَى عَلَامَاتِهِ أَنَّهُ يَسُرُّهُ اطَّلَاَعُ النَّاسِ عَلَى
طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَرُبَّ عَبْدٍ مُخْلِصِ فِي عَمَلِهِ يَكْرَهُ الرِّيَاءَ وَيَذُمُّهُ فَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْهُ
شَيْءٌ يَحْمِلُ عَلَى الْعَمَلِ ابْتِدَاءً وَلَا دَوَامًا، وَلَكِنَّهُ إِذَا اطَلَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ سَرَّهُ ذَلِكَ وَارْتَاحَ
لَهُ وَرَوَّحَ ذَلِكَ عَنْ قَلْبِهِ شِدَّةَ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا السُّرُورُ يَدُلُّ عَلَى رِبَاءٍ خَفِيٍّ إِذْ لَوْلًا
الْتِفَاتُ الْقَلْبِ لِلنَّاسِ لَمَا ظَهَرَ سُرُورُهُ عِنْدَ اطَلَاعِهِمْ، فَاطّلاعُهُمْ مَعَ عَدَمِ كَرَاهَتِهِ لَهُ
حَرَّكَ مَا كَانَ سَاكِنَا، وَصَارَ غِذَاءً لِلْعِرْقِ الْخَفِيِّ مِنِ الرِّيَاءِ، وَحِينَئِذٍ يَحْمِلُ عَلَى تَكَلُّفِ
سَبَبِ الإِطَلَاعِ عَلَيْهِ وَلَوْ بِالتَّعْرِيضِ أَوْ نَحْوِهِ كَإِظْهَارِ النُّحُولِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ وَيُبْسِ
الشَّفَتَيْنِ وَغَلَبَةِ النُّعَاسِ الدَّالِّ عَلَى طُولِ التَّهَجُّدِ.
وَأَخْفَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَخْتَفِيَ بِحَيْثُ لَا يُرِيدُ الإِطَّلَاعَ عَلَيْهِ وَلَا يَسُرُّهُ، وَلَكِنَّهُ يُحِبُّ
أَنْ يُبْدَأَ بِالسَّلَامِ
وَالتَّعْظِيمِ وَأَنْ يُقَابَلَ بِمَزِيدِ الثَّنَاءِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى حَوَائِهِ وَأَنْ يُسَامَحَ فِي مُعَامَلَتِهِ،
وَأَنْ يُوَسَّعَ لَهُ الْمَكَانُ إِذَا أَقْبَلَ، وَمَتَى قَصَّرَ أَحَدُّ فِي ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى قَلْبِهِ لِعَظَمَةِ طَاعَتِهِ الَّتِي
أَخْفَاهَا عِنْدَ نَفْسِهِ فَكَأَنَّ نَفْسَهُ تَطْلُبُ أَنْ يُحْتَرَمَ فِي مُقَابَلَتِهَا، حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّهَا لَمْ
تَفْعَلْ تِلْكَ الطَّاعَاتِ لَمَا كَانَتْ تَظْلُبُ ذَلِكَ الإِحْتِرَامَ، وَمَهْمَا لَمْ يَكُنْ وُجُودُ الطَّاعَةِ

١٠٣
كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة
كَعَدَمِهَا فِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَلْقِ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَنِعَ بِعِلْمِ اللّه تَعَالَى، وَلَمْ يَكُنْ خَالِيًّا عَنْ
شَوْبٍ خَفِيٍّ مِن الرِّيَاءِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الثَّمْلِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَكُلُّ ذَلِكَ يُوشِكُ أَنْ يُحْبِطَ الْأَجْرَ وَلَا يَسْلَمُ مِنْهُ إِلَّ الصِّدِّيقُونَ.
وَعَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللّه وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الله ◌َ يَقُولُ لِلْقُرَّاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَلَمْ
يَكُنْ يُرَخَّصُ عَلَيْكُم السِّعْرُ أَلَمْ تَكُونُوا تُبْدَؤُونَ بِالسَّلَامِ أَلَمْ تَكُنْ تُقْضَى لَكُم
الْحَوَائِجُ؟ وَفِي الْحَدِيثِ: (لَا أَجْرَ لَكُمْ قَدِ اسْتَوْفَيْتُمْ أَجُورَكُمْ) وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَزَل
الْمُخْلِصُونَ خَائِفِينَ مِنِ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ يَشْهَدُونَ ذَلِكَ فِي مُخَادَعَةِ النَّاسِ عَنْ أَعْمَالِهِم
الصَّالِحَةِ يَخْرِصُونَ عَلَى إِخْفَائِهَا أَعْظَمَ مَا يَخْرِصُ النَّاسُ عَلَى إِخْفَاءِ فَوَاحِشِهِمْ.
كُلُّ ذَلِكَ رَجَاءُ أَنْ يَخْلُصَ عَمَلُهُمْ فَيُجَازِيَهُمْ الله فِي الْقِيَامَةِ عَلَى مَلَاٍ مِن الْخُلَائِقِ
إِذْ عَلِمُوا أَنَّ الله تَعَالَى لَا يَقْبَلُ فِي الْقِيَامَةِ إلَّا الْخَالِصَ، وَعَلِمُوا شِدَّةَ حَاجَتِهِمْ وَفَاقَتِهِمْ
فِي الْقِيَامَةِ وَأَنْ لَا يَنْفَعَ مَالُّ وَلَا بَنُونَ إلَّا مَنْ أَنَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَلَا يَجْزِي وَالدُّ عَنْ
وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودُ عَنْ وَالِدِهِ، وَيَشْتَغِلُ الصِّدِّيقُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: نَفْسِي
نَفْسِي، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ، وَكُلُّ مَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَرْقًا بَيْنَ اطَّلَاعِ الصَّغَارِ، وَالْمَجَانِينِ
وَاطِّلَاعِ غَيْرِهِمْ عَلَى عِبَادَاتِهِ فَعِنْدَهُ شَوْبٌ مِنِ الرِّيَاءِ؛ إذْ لَوْ عَلِمَ أَنَّ اللّه هُوَ النَّافِعُ الضَّارُّ
الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَغَيْرَهُ هُوَ الْعَاجِزُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لَاسْتَوَى عِنْدَهُ الصِّغَارُ وَغَيْرُهُمْ،
وَلَمْ تَتَأَثَّرْ نَفْسُهُ بِحُضُورٍ كَبِيرِهِمْ وَلَا صَغِيرِهِمْ، وَلَيْسَ كُلُّ شَوْبٍ مِن الرِّيَاءِ مُفْسِدًا
لِلْعَمَلِ وَمُخْبِطَا لَهُ، بَلِ السُّرُورُ إِمَّا مَحْمُودُ بِأَنْ يَشْهَدَ أَنَّ اللّه أَظْلَعَهُمْ عَلَيْهِ إِظْهَارًا لِجَمِيلٍ
أَحْوَالِهِ وَلُظْفِهِ بِهِ، فَإِنَّهُ فِي نَفْسِهِ يَسْتُرُ طَاعَتَهُ وَمَعْصِيَتَهُ، ثُمَّ الله تَعَالَى يَسْتُرُ مَعْصِيَتَهُ
وَيُظْهِرُ طَاعَتَهُ وَلَا لُظْفَ أَعْظَمَ مِنْ سَتْرِ الْقَبِيحِ، وَإِظْهَارِ الْجَمِيلِ فَيَكُونُ فَرَحُهُ بِجَمِيلٍ
نَظَرِ الله وَلُطْفِهِ بِهِ لَا بِحَمْدِ النَّاسِ وَقِيَامِ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِهِمْ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].
أَوْ يَشْهَدَ أَنَّهُ لَمَّا سَتَرَ قَبِيحَهُ وَأَظْهَرَ جَمِيلَهُ فِي الدُّنْيَا فَكَذَلِكَ يَفْعَلُ مَعَهُ فِي الْآخِرَةِ.
◌ِخَبَرِ: ((مَا سَتَرَ الله عَلَى عَبْدٍ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا إِلَّ سَتَرَهُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ) أَوْ بِأَنْ يَظُنَّ

١٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
رَغْبَةَ الْمُطَّلِعِينَ عَلَى الإِقْتِدَاءِ بِهِ فِي الطَّاعَةِ فَيَتَضَاعَفَ بِذَلِكَ أَجْرُهُ فَيَكُونَ لَهُ أَجْرُ
الْعَلَانِيَةِ بِمَا ظَهَرَ آخِرًا وَأَجْرُ السِّرِّ بِمَا قَصَدَهُ أَوَّلًا؛ إذْ مَن أُقْتُدِيَ بِهِ فِي طَاعَةٍ لَهُ مِثْلُ
أَجْرِ الْمُقْتَدِينَ بِهِ مِنْ غَيْرٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَتَوَقُّعُ ذَلِكَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَنْشَأَ
عَنْهُ السُّرُورُ، فَإِنَّ ظُهُورَ مَخَابِلِ الرَّبْحِ لَذِيذُ يُوجِبُ السُّرُورَ لَا مَحَالَةَ، أَوْ بِأَنْ يَفْرَحَ
بِكَوْنِهِ - تَعَالَى - وَفَّقَهُ إِلَى سَبَبٍ يَحْمَدُونَهُ عَلَيْهِ وَيُحِبُّونَهُ لِأَجْلِهِ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ كَجَمَاعَةٍ
آخَرِينَ مُذْنِبِينَ يَهْزَنُونَ بِالْمُطِيعِينَ وَيُؤْذُّونَهُمْ، وَعَلَامَةُ هَذَا الْفَرَجِ أَنْ يَكُونَ فَرَحُهُ
بِحَمْدِهِمْ غَيْرَهُ كَفَرَحِهِ بِحَمْدِهِمْ لَهُ.
وَإِمَّا مَذْمُومُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فَرَحُهُ لِقِيَامِ مَنْزِلَتِهِ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى يُعَظِّمُوهُ
وَيُكْرِمُوهُ وَيَقُومُوا لَهُ بِقَضَاءِ حَوَائِهِ وَهَذَا مَكْرُوهُ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ فِي كَتْمِ الْعَمَلِ
فَائِدَةَ الْإِخْلَاصِ وَالنَّجَاةَ مِن الرِّيَاءِ وَفِي إِظْهَارِهِ فَائِدَةَ الإِقْتِدَاءِ وَتَرْغِيبَ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ
وَلَكِنْ فِيهِ آفَةُ الرِّيَاءِ، وَقَدْ أَثْنَى الله عَلَى الْقِسْمَيْنِ فَقَالَ - عَزَّ قَائِلًا: ﴿إِنْ تُبْدُوا
الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] لَكِنَّهُ
مَدَحَ الْإِسْرَارَ لِسَلَامَتِهِ مِنْ تِلْكَ الْآَقَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي قَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهَا.
وَقَدْ يُمْدَحُ الْإِظْهَارُ فِيمَا يَتَعَذَّرُ الْإِسْرَارُ فِيهِ كَالْغَزْوِ وَالْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛
فَالْإِظْهَارُ الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهِ، وَإِظْهَارُ الرَّغْبَةِ فِيهِ لِلتَّحْرِيضِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شَائِبَةُ
ڕِیَاءٍ.
وَالْخَاصِلُ: أَنَّهُ مَتَى خَلَصَ الْعَمَلُ مِنْ تِلْكَ الشَّوَائِبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي إِظْهَارِهِ إِيذَاءُ
◌ِأَحَدٍ فَإِنْ كَانَ فِيهِ حَمْلٌ لِلنَّاسِ عَلَى الإِقْتِدَاءِ وَالتَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ الْخَيْرَ وَالْمُبَادَرَةِ
إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ مِن الْعُلَمَاءِ أَو الصُّلَحَاءِ الَّذِينَ تُبَادِرُ الْكَافَّةُ إِلَى الإِقْتِدَاءِ بِهِمْ؛ فَالْإِظْهَارُ
أَفْضَلُ لِأَنَّهُ مَقَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَوُرَّائِهِمْ وَلَا يُخَصُّونَ إِلَّا بِالْأَكْمَلٍ، وَلِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ وَلِقَوْلِهِ
وَ﴿: (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وَإِن اخْتَلَّ
شَرْطُ مِنْ ذَلِكَ فَالْإِسْرَارُ أَفْضَلُ.
وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ إِظْلَاقُ مَنْ أَظْلَقَ أَفْضَلِيَّةَ الْإِسْرَارِ.

١٠٥
كتاب الرقاق / باب الرياء والسمعة
نَعَمْ، مَرْتَبَةُ الْإِظْهَارِ الْفَاضِلِ مَزَلَّةُ قَدَمٍ لِلْعِبَادِ وَالْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ يَتَشَبَّهُونَ
بِالْأَقْوِيَاءِ فِي الْإِظْهَارِ وَلَا تَقْوَى قُلُوبُهُمْ عَلَى الْإِخْلَاصِ فَتَحْبَطُ أُجُورُهُمْ بِالرِّيَاءِ،
وَالنَّفَظُنُ لِذَلِكَ غَامِضُ وَعَلَامَةُ الْحَقِّ فِيهِ أَنَّ مَنْ قَامَ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّ غَيْرَهُ لَوْ
قَامَ بِهِ مِثْلُهُ مِنْ أَقْرَانِهِ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِهِ كَانَ مُخْلِصًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ كَانَ مُرَائِيًا؛
إِذْ لَوْلًا مُلَاحَظَةُ نَظَرِهِ لِلْخَلْقِ لَمَا آثَرَ نَفْسَهُ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِكِفَايَةٍ غَيْرِهِ، فَلْيَحْذَر
الْعَبْدُ خُدَعَ النَّفْسِ فَإِنَّهَا خَدُوعُ، وَالشَّيْطَانُ مُتَرَصِّدُّ، وَحُبُّ الْجَاهِ عَلَى الْقَلْبِ غَالِبُ
وَقَلَّمَا تَسْلَمُ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ عَنِ الْآفَاتِ وَالْأَخْطَارِ. فَالسَّلَامَةُ الْإِخْفَاءُ، وَمِن الْإِظْهَارِ
التَّحَدُّثُ بِالْعَمَلِ بَعْدَ فَرَاغِهِ، بَلْ هَذَا أَشَدُّ خَطَرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ
زِيَادَةً أَوْ مُبَالَغَةٌ وَلِلنَّفْسِ لَذَّهُ فِي إِظْهَارِ الدَّعَاوَى، وَأَهْوَنُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرِّيَاءَ بِهِ لَا يُحْبِطُ
مَا مَضَى خَالِصًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرِينَ رُبَّمَا يَتْرُكُونَ الطَّاعَاتِ خَوْفَ الرِّيَاءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَحْمُودٍ
مُظْلَقًا، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ إِمَّا لَازِمَةُ لِلْبَدَنِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرِ وَلَا لَدَّةَ فِي عَيْنِهَا كَالصَّلَاةِ
وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ بَاعِثُ الإِبْتِدَاءِ فِيهَا رُؤْيَةَ النَّاسِ وَحْدَهَا فَهَذَا مَخْضُ مَعْصِيَةٍ
فَيَجِبُ تَرْكُهُ وَلَا رُخْصَةَ فِيهَا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ نِيَّةَ التَّقَرُّبِ إِلَى الله
تَعَالَى؛ لَكِنْ عَرَضَ الرِّيَاءُ عِنْدَ عَقْدِهَا شَرَعَ فِيهَا وَجَاهَدَ نَفْسَهُ فِي دَفْعِ ذَلِكَ الْعَارِضِ،
وَكَذَا لَوْ عَرَضَ فِي أَثْنَائِهَا فَيَرُدُّ نَفْسَهُ لِلْإِخْلَاصِ قَهْرًا حَتَّى يُتِمَّهَا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْعُوك
أَوَّلَا إِلَى التَّرْكِ، فَإِذَا عَصَيْتَهُ وَعَزَمْتَ وَشَرَعْتَ دَعَاكِ لِلرِّيّاءِ، فَإِذَا أَعْرَضْتَ عَنْهُ
وَجَاهَدْتَهُ إِلَى أَنْ فَرَغْتَ نَدَمَكَ حِينَئِذٍ، وَقَالَ: لَكَ أَنْتَ مُرَاءٍ، وَلَا يَنْفَعُك الله بِهَذَا
الْعَمَلِ شَيْئًا حَتَّى تَتْرُكَ الْعَوْدَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ فَيَحْصُلَ غَرَضُهُ مِنْكِ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى
حَذَرٍ فَإِنَّهُ لَا أَمْكَرَ مِنْهُ، وَأَلْزِمْ قَلْبَك الْحَيَاءَ مِن الله تَعَالَى إِذْ أَوْجَدَ فِيكِ بَاعِثًا دِينِيًّا عَلَى
الْعَمَلِ فَلَمْ تَتْرُكُهُ بَلْ جَاهَدْتَ نَفْسَك فِي الْإِخْلَاصِ فِيهِ وَلَمْ تَغْتَرَّ بِمَكَائِدِ عَدُوّك وَعَدُوّ
أَبِيك آدَمَ لَليّ.
وَإِمَّا مُتَعَلِّقَةُ بِالْخُلْقِ وَهَذِهِ تَعْظُمُ فِيهَا الْآَفَاتُ وَالْأَخْطَارُ فَأَعْظَمُهَا الْخِلَافَةُ، ثُمّ

١٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
الْقَضَاءُ، ثُمَّ التَّذْكِيرُ وَالتَّدْرِيسُ وَالْإِقْتَاءُ، ثُمَّ إِنْفَاقُ الْمَالِ فَمَنْ لَا تَسْتَمِيلُهُ الدُّنْيَا وَلَا
يَسْتَفِرُّهُ الطَّمَعُ وَلَا تَأْخُذُهُ فِي الله لَوْمَةُ لَائِمٍ وَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا جُمْلَةً وَلَا يَتَحَرَّكُ
إلَّا لِلْحَقِّ وَلَا يَسْكُنُ إلَّا لَهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَآيَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ
وَالْأُخْرَوِيَّةِ، وَمَنْ فُقِدَ فِيهِ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فَالْوِلَايَاتُ بِأَقْسَامِهَا الْمَذْكُورَةِ عَلَيْهِ ضَرَرُّ أَيُّ
ضَرَرٍ فَلْيُمْسِكْ عَنْهَا وَلَا يَغْتَرَّ، فَإِنَّ نَفْسَهُ تُسَوَّلُ لَهُ الْعَدْلَ فِيهَا وَالْقِيَامَ بِحُقُوقِهَا وَعَدَمَ
الْمَيْلِ إِلَى شَوَائِبِ الرِّيَاءِ وَالطَّمَعِ فَإِنَّهَا كَاذِبَةُ فِي ذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا أَلََّّ عِنْدَهَا مِن
الْجَاهِ وَالْوِلَايَاتِ فَرُبَّمَا حَمَلَتْهَا مَحَبَّةُ ذَلِكَ عَلَى هَلَاكِهَا.
وَمِنْ ثَمَّ اسْتَأْذَنَ رَجُلُ عُمَرَ - رَضِيَ الله عَنْهُ - أَنْ يَعِظَ النَّاسَ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ
الصُّبْحِ فَمَنَعَهُ، فَقَالَ: تَمْنَعُنِي مِنْ نُصْحِ النَّاسِ؟ فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ نَنْتَفِخَ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّرَيَّا،
فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَغْتَرَّ الْإِنْسَانُ بِمَا جَاءَ فِي فَضَائِلِ الَّذْكِيرِ بِاللهِ وَالْعِلْمِ لِأَنَّ خَطَرَهُ عَظِيمٌ،
وَلَسْنَا تَأْمُرُ أَحَدًا بِتَرْكِهِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ نَفْسِهِ آفَةً إِنَّمَا الْآَفَهُ فِي إِظْهَارِهِ بِالنَّصَدِّي لَهُ وَعْظًّا،
وَإِقْرَاءً وَإِفْتَاءً وَرِوَايَةً، وَلَا يَتْرُكُ التَّصَدِّي لَهُ مَا دَامَ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ بَاعِثًا دِينِيًّ، وَإِنْ مُزِجَ
بِشَيْءٍ مِنْ رِيَاءٍ بَلْ نَأْمُرُهُ بِهِ مَعَ مُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْ خَطَرَاتِ الرِّيَاءِ
فَضْلًا عَنْ شَوَائِهِ.
فَالْأُمُورُ ثَلَاثَةُ: الْوِلَايَاتُ وَهِيَ أَعْظَمُهَا آفَةً فَلْيَتْرُكْهَا الضُّعَفَاءُ رَأْسًا، وَالصَّلَوَاتُ
وَتَخْوُهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَهَا الضُّعَفَاءُ وَلَا الْأَقْوِيَاءُ، وَلَكِنْ يُجَاهِدُونَ فِي دَفْعِ شَوَائِبٍ
الرِّيَاءِ عَنْهَا، وَالتَّصَدِّي لِلْعُلُومِ، وَهِيَ مَرْتَبَةٌ وُسْطَى بَيْنَ تَيْنِكَ الْمَرْتَبَتَيْنِ لَكِنَّهَا
بِالْوِلَآيَاتِ أَشْبَهُ، وَإِلَى الْآفَاتِ أَقْرَبُ فَالْخُذَرُ مِنْهَا فِي حَقِّ الضَّعِيفِ أَسْلَمُ.
وَبَقِيَتْ مَرْتَبَةُ رَابِعَةٌ وَهِيَ جَمْعُ الْمَالِ، وَإِنْفَاقُهُ، فَمِن الْعُلَمَاءِ مَنْ فَضَّلَهُ عَلَى
الإِشْتِغَالِ بِالذِّكْرِ وَالتَّوَافِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ؛ وَالْحَقُّ أَنَّ فِيهِ آفَاتٍ عَظِيمَةً كُطَلَبٍ
الثَّنَاءِ، وَاسْتِجْلَابِ الْقُلُوبِ وَتَمَيُِّ النَّفْسِ بِالْإِعْطَاءِ، فَمَنْ خَلَصَ مِنْ تِلْكَ الْآَفَاتِ
فَالْجُمْعُ وَالْإِنْفَاقُ لَهُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ وَصْلِ الْمُنْقَطِعِينَ وَكِفَايَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ وَالتَّقَرُّبِ
بِرِّهِمْ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَنْ لَمْ يَخْلُصْ مِنْهَا فَالْأَوْلَى لَهُ مُلَازَمَةُ الْعِبَادَاتِ، وَاسْتِفْرَاغُ

١٠٧
كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة
الْوُسْعِ فِيمَا لَهَا مِن الْأَدَبِ وَالْمُكَمِّلَاتِ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ إِخْلَاصِ الْعَالِمِ فِي عِلْمِهِ: أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ مَنْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ وَعْظًا
وَأَغْزَرُ مِنْهُ عِلْمًا وَالنَّاسُ لَهُ أَشَدُّ قَبُولًا فَرِحَ بِهِ وَلَمْ يَحْسُدْهُ، نَعَمْ لَا بَأْسَ بِالْغِبْطَةِ وَهُوَ
أَنْ يَتَمَنَّى لِنَفْسِهِ مِثْلَ عِلْمِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ الْأَكَابِرُ مَجْلِسَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ كَلَامُهُ بَلْ يَكُونُ
نَاظِرًا لِلْخَلْقِ كُلّهِمْ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ وَأَنْ لَا يُحِبَّ اتِّبَاعَ النَّاسِ لَهُ فِي الصُّرُقَاتِ.
وَمِنْهَا: قَدْ بَانَ لَك بِمَا سَبَقَ مِن الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الرِّيَاءَ مُحْبِطٌ
لِلْأَعْمَالِ، وَسَبَبْ لِلْمَقْتِ عِنْدَ اللهِ، وَاللَّعْنِ وَالطَّرْدِ وَأَنَّهُ مِنْ كَبَائِرِ الْمُهْلِكَاتِ.
وَمَا هَذَا وَصْفُهُ فَجَدِيرٌ بِأَنْ يُشَمِّرَ كُلُّ مُوَقَّقٍ عَنْ سَاقِ الْجِدِّ فِي إِزَالَتِهِ بِالْمُجَاهَدَةِ
وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ الشَّدِيدَةِ وَالْمُكَابَدَةِ لِقُوَّةِ الشَّهَوَاتِ، إِذْلَا يَنْفَكُ أَحَدُّ عَنِ الإِحْتِيَاجِ لِذَلِكَ
إلَّا مَنْ رُزِقَ قَلْبَا سَلِيمًا نَفِيًّا خَالِصًا عَنْ شَوَائِبٍ مُلَاحَظَةِ الْأَغْرَاضِ وَالْمَخْلُوقِينَ،
وَمُسْتَغْرِقًا دَائِمًا فِي شُهُودِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ.
وَإِلَّا فَغَالِبُ الْخُلْقِ إِنَّمَا طُبِعَ عَلَيْهِ؛ إذ الصَّبِيُّ يُخْلَقُ ضَعِيفَ الْعَقْلِ، مُمْتَدَّ الْعَيْنِ
لِلْخَلْقِ، كَثِيرَ الطَّمَعِ فِيهِمْ، فَيَرَى بَعْضَهُمْ يَتَصَنَّعُ لِبَعْضِ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ حُبُّ التَّصَنُّعِ
بِالضَّرُورَةِ وَيَتَرَسَّخُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ؛ فَإِذَا كَمُلَ عَقْلُهُ وَوُفِّقَ لِتِّبَاعِ الْحَقِّ رَأَى ذَلِكَ مَرَضًا
مُهْلِكًا فَاحْتَاجَ إلَى دَوَاءٍ يُزِيلُهُ وَيَقْطَعُ عُرُوقَهُ بِاسْتِثْصَالِ أُصُولِهِ مِنْ حُبِّ لَذَّةِ الْمَحْمَدَةِ
وَالْجَاهِ وَالطَّمَعِ فِيمَا بِأَبْدِي النَّاسِ، وَذَلِكَ الدَّوَاءُ النَّافِعُ هُوَ أَنْ يُعْرِضَ عَنْ رَغْبَتِهِ فِي كُلِّ
ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِن الْمَضَرَّةِ، وَفَوَاتِ صَلَاحِ الْقَلْبِ، وَحِرْمَانِ التَّوْفِيقِ فِي الْحَالِ وَالْمَنْزِلَةِ
الرَّفِيعَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْعِقَابِ الْعَظِيمِ وَالْمَقْتِ الشَّدِيدِ وَالْخِزْيِ الظَّاهِرِ، حَيْثُ يُنَادَى عَلَى
رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ وَيُقَالُ لِلْمُرَائِي: يَا فَاجِرُ، يَا غَادِرُ، يَا مُرَائِي أَمَا اسْتَحْيَيْتَ إِذَا اشْتَرَيْتَ
بِطَاعَةِ الله تَعَالَى عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، رَاقَبْتَ قُلُوبَ الْعِبَادِ وَاسْتَهْزَأَتَ بِنَظَرِ الله تَعَالَى
وَطَاعَتِهِ، وَتَحَبَّبْتَ إلَى الْعِبَادِ بِالتَّبْغِيضِ إِلَى الله - تَعَالَى - وَتَزَبَّنْتَ لَهُمْ بِالشَّيْنِ عِنْدَ الله
تَعَالَى، وَتَقَرَّبْتَ إِلَيْهِمْ بِالْبُعْدِ مِن الله تَعَالَى.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الرِّيَاءِ إلَّا إِحْبَاطُ عِبَادَةٍ وَاحِدَةٍ لَكَفَى فِي شُؤْمِهِ وَضَرَرِهِ، فَقَدْ

١٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ فِي الْآخِرَةِ إلَى عِبَادَةٍ تَرْجَحُ بِهَا كِفَّةُ حَسَنَاتِهِ، وَإِلَّا ذُهِبَ بِهِ إِلَى النَّارِ،
وَمَنْ طَلَبَ رِضَا الْخُلْقِ فِي سَخَطِ الله تَعَالَى سَخِطَ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَهُمْ عَلَيْهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ
رِضَاهُمْ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ وَمَا أَرْضَى قَوْمًا إِلَّا أَغْضَبَ آخَرِينَ، ثُمَّ أَيُّ غَرَضِ لَهُ فِي مَدْحِهِمْ
وَإِيثَارِهِ عَلَى ذَمِّ الله وَغَضَبِهِ مَعَ أَنَّ مَدْحَهُمْ لَا يُفِيدُهُ نَفْعًا وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُ ضُرَّ، وَإِنَّمَا
ذَلِكَ الله وَحْدَهُ فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لَأَنْ يُقْصَدَ وَحْدَهُ إِذْ هُوَ الْمُسَخِّرُ لِلْقُلُوبِ بِالْمَنْعِ
وَالْإِعْطَاءِ فَلَ رَازِقَ وَلَا مُعْطِيَ وَلَا ضَارَّ وَلَا نَافِعَ إِلَّا هُوَ رَكَ وَلَا يَخْلُو الطَّامِعُ فِي الْخَلْقِ
مِن الذُّلِّ وَالْخَيْبَةِ أَوْ مِن الْمِنَّةِ وَالْمَهَانَةِ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ مَا عِنْدَ الله تَعَالَى بِرَجَاءٍ كَاذِبٍ
وَوَهْمٍ فَاسِدٍ قَدْ يُصِيبُ وَقَدْ يُخْطِئُ، عَلَى أَنَّهُمْ لَو اطَّلَعُوا عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ مِن الرِّيَاءِ لَطَرَدُوهُ
وَمَقَّتُوهُ وَذَمُّوهُ وَأَحْرَمُوهُ، وَمَنْ نَظَرَ لِذَلِكَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ فَتَرَتْ رَغْبَتُهُ فِي الْخَلْقِ وَأَقْبَلَ عَلَى
الصِّدْقِ، فَهَذَا دَوَاءُ عِلْمِيٍّ وَثَمَّ دَوَاءُ عَمَلِيُّ وَهُوَ أَنْ يَتَعَوَّدَ إِخْفَاءَ الْعِبَادَاتِ كَإِخْفَاءِ
الْفَوَاحِشِ حَتَّى يَقْنَعَ قَلْبُهُ بِعِلْمِ الله تَعَالَى وَاطِلَاعِهِ عَلَيْهِ وَلَا تُنَازِعَهُ نَفْسُهُ إِلَى طَلَبٍ
عِلْمِ غَيْرِ الله تَعَالَى بِهِ.
وَيُكَلَّفُ الْإِخْفَاءَ كَذَلِكَ، وَإِنْ شَقَّ ابْتِدَاءً، لَكِنْ مَنْ صَبَّرَ عَلَيْهِ مُدَّةً بِالشَّكُلُّفِ سَقَطَ
عَنْهُ ثِقَلُهُ وَأَمَدَّهُ الله تَعَالَى فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِرُقِّهِ ﴿إِنَّ الله لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمِ
حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَمِنِ الْعَبْدِ الْمُجَاهَدَةُ وَقَرْعُ بَابِ الْكَرِيمِ، وَمِن الله
تَعَالَى الْهِدَايَةُ وَالْفَتْحُ ﴿إِنَّ اللّه لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً
يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] [الزواجر ١٠٥/١ - ١٢٤].
٥٣٣٥ - [وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ: «لَوْ أَنَّ رَجُلاً عَمِل
عَمَلاً فِي صَخْرَةٍ لَا بَابِ وَلَا كُوَّة، خَرَجَ عَمَلُهُ إِلى النَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ))](١).
٥٣٣٦ - [وَعَنْ عُثْمَانَ بْن عَقَّان قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((مَنْ كَانَتْ لَّهُ سَرِيْرَة
صَالِحَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ، أَظْهَرَ اللهُ مِنْهَا رِدَاءً يُعْرَفُ بِهِ)](٢).
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٦٨٧).
(٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٦٨٩).

١٠٩
كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة
٥٣٣٧ [وَعَنْ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((إنَّمَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّة
كُلَّ مُنَافِقٍ يَتَكَلَّمْ بِالحِكْمَةِ، وَيَعْمَل بِالْجُورِ)). رَوَى البَيْهَفِي الأَحَادِيْثَ الثَّلاثَة فِي: «شُعَبٍ
الإِئْمَانِ))](١).
٥٣٣٨ [وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (( قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي
لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنِّي أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي
جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًّا لِي وَوَقَارًا وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ)). رَوَاهُ الدَّارِمي](٢).
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٧٧٧)، وعبد بن حميد (١١).
(٢) أخرجه الدارمي (٢٥٢)، وابن النجار في ((ذيل تاريخ بغداد)) (٢٦٩/١).

باب البكاء والخوف
الفصل الأول
٥٣٣٩ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ نَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ
تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً)). رَوَاهُ البُخَارِي)](١).
(لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَم) أي: مِنْ عَظِيمِ قُدْرَة الله وَانْتِقَامِه مِنْ أَهْلِ الْإِجْرَامِ، وَقِيلَ
مَعْنَاهُ لَوْ دَامَ عِلْمِكُمْ كَمَا دَامَ عِلْمِي، لِأَنَّ عِلْمِه مُتَوَاصِل بِخِلافٍ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَوْ
عَلِمْتُمْ مِنْ سَعَة رَحْمَةِ الله وَحِلْمِه وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا أَعْلَمْ لَبَكَيْتُمْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ ذَلِكَ.
(لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً) قِيلَ: مَعْنَى الْقِلَّة هُنَا الْعَدَم، وَالتَّقْدِير لَتَرَكْتُم الضَّحِك وَلَمْ
يَقَع مِنْكُمْ إِلَّا نَادِرًا لِغَلَبَةِ الْخَوْف وَاسْتِيلَاء اُزْن.
وَحَكَّى إِبْنِ بَطَّال عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ سَبَب ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَنْصَارِ مِنْ
مَحَبَّة اللَّهْوِ وَالْغِنَاءِ. وَأَطَالَ فِي تَقْرِير ذَلِكَ بِمَا لَا طَائِل فِيهِ وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ. وَمِنْ أَيْنَ لَهُ
أَنَّ الْمُخَاطَب ◌ِذَلِكَ الْأَنْصَارِ دُون غَيْرِهِمْ؟ وَالْقِصَّة كَانَتْ فِي أَوَاخِرِ زَمَنه ◌َِّ حَيْثُ
إِمْتَلَأَت الْمَدِينَةِ بِأَهْلِ مَكَّةٍ وَوُفُودِ الْعَرَبِ، وَقَدْ بَالَغَ الزَّيْنِ بْنِ الْمُنِيرِ فِي الرَّدّ عَلَيْهِ
وَالتَّشْنِيعِ بِمَا يُسْتَغْنَى عَنْ حِكَايَتِه.
وَفِي الْحَدِيث: تَرْجِيحِ التَّخْوِيف فِي الْخُطْبَة عَلَى التََّسُّعِ فِي التَّرْخِيصِ لِمَا فِي ذِكْر
الرُّخَص مِنْ مُلَاءَمَة النُّفُوس لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن الشَّهْوَةِ، وَالطَّبِيب الْحَاذِقِ يُقَابِلِ الْعِلَّة
بِمَا يُضَادّهَا لَا بِمَا يَزِيدهَا.
وفِيهِ: الزَّجْر عَنْ كَثْرَة الضَّحِكِ، وَالْحَتّ عَلَى كَثْرَة الْبُكَاءِ، وَالتَّحَقُّق بِمَا سَيَصِيرُ
إِلَيْهِ الْمَرْءِ مِن الْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ وَالإِعْتِبَارِ بِآيَاتِ الله.
وَفِيه: بَيَانِ مَا يُخْشَى اِعْتِقَاده عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ، وَاهْتِمَامِ الصَّحَابَة بِنَقْلٍ أَفْعَال
(١) أخرجه البخاري (٦٦٣٧).
- ١١٠ -

١١١
كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف
النَّبِيّ ◌َّةٍ لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهَا. [الفتح ٤٩١/٣] بتصرف.
٥٣٤٠ - [وعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الأَنْصَارِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّمَ: ((والله لَا أَدْرِي،
وَاللهُ لَا أَدْرِي، وَأَنَا رَسُولُ اللهِ، مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ)). رَوَاهُ الْبُخَارِي](١).
(مَا يُفْعَل ◌ِي) مُوَافَقَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَة الْأَحْقَافِ: ﴿قُلْ مَا كُنْت بِدْعًا مِن
الرُّسُل، وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَل بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل نُزُول قَوْله
تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَك اللّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]؛ لِأَنَّ الْأَحْقَاف
مَكِّيَّةٍ، وَسُورَة الْفَتْحِ مَدَنِيَّةٍ بِلَا خِلَاف فِيهِمَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ وَّهِ قَالَ: «أَنَا أَوَّل مَنْ
يَدْخُلِ الْجَنَّة)) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَخْبَارِ الصَّرِيحَةِ فِي مَعْنَاهُ، فَيَحْتَمِلِ أَنْ يُحْمَلِ الْإِثْبَاتِ فِي
ذَلِكَ عَلَى الْعِلْمِ الْمُجْمَلِ، وَالنَّفْي عَلَى الْإِحَاطَةِ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلِ. [الفتح ٢٦٨/٤].
٥٣٤١ - [وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((عُرِضَتْ عَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا
امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا، رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ
خَشَاشِ الأَرْضِ حتَّى مَاتَتْ، وَرَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عمر الخُزَاعِي يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ
أَوَّل مَنْ سَيَّبَ السَّوائِبَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٢).
(فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا، رَبَطَتْهَا) أي: بِسَبَبِ هِرَّة
(تَأْكُلٍ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهِيَ هَوَامّهَا وَحَشَرَاتِهَا، وَقِيلَ: صِغَار
الظَّيْرِ، وَحَكَى الْقَاضِي فَتْح الخَاء وَكَسْرِهَا وَضَمّهَا، وَالْفَتْحِ هُوَ الْمَشْهُور.
قَالَ الْقَاضِي: فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُؤَاخَذَة بِالصَّغَائِرِ.
قَالَ: وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا عُذِّبَتْ عَلَيْهَا بِالنَّارِ.
قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةٍ فَزِيدَ فِي عَذَابِهَا بِذَلِكَ، هَذَا كَلَامِه وَلَيْسَ
بِصَوَابٍ، بَلِ الصَّوَابِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا عُذِّبَتْ بِسَبَبِ الْهِرَّة وَهُوَ كَبِيرَة لِأَنَّهَا
رَبَطَتْهَا وَأَصَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ، وَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغِيرِ يَجْعَلَهَا كَبِيرَةٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّر
(١) أخرجه البخاري (٧٠١٨).
(٢) أخرجه مسلم (٩٠٤)، والطيالسى (١٧٥٤).

١١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي كُفْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ.
(يَجُرّ قُصْبِه فِي النَّار) هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَان الصَّاد وَهِيَ الْأُمْعَاء. [النووي ٣/
٣١٥].
٥٣٤٢ - [وعَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ جَحْشِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا
يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَيْلُّ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرِّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ
وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ)) وَحَلَّقَ بِإِصْبِعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَفَتَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ}(١).
(أَنَهْلِكُ) بِكَسْرِ اللَّام فِي رِوَايَة يَزِيد بْنِ الْأَصَمّ عَنْ مَيْمُونَة عَنْ زَيْنَب بِنْت
جَحْش فِي نَحْوِ هَذَا الْحَدِيث ((فُرِجَ اللَّيْلَة مِنْ رَدْم يَأْجُوج وَمَأْجُوج فُرْجَةٍ، قُلْت: يَا
رَسُول الله أَيُعَذِّبُنَا الله وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟» (وَفِينَا الصَّالِحُونَ) كَأَنَّهَا أَخَذَتْ ذَلِكَ مِنْ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللّه لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] (قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ
الْخَبَثِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُثَلَّئَةٍ، فَسَّرُوهُ بِالزَّنَا وَبِأَوْلَادِ الزَّنَا وَبِالْفُسُوقِ
وَالْفُجُورِ، وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ قَابَلَهُ بِالصَّلَاجِ.
قَالَ إِبْنِ الْعَرَبِيّ: فِيهِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْخَيِّرِ يَهْلِك بِهَلَاكِ الشِّرِّيرِ إِذَا لَمْ يُغَيِّرِ عَلَيْهِ
خُبْتِه، وَكَذَلِكَ إِذَا غَيَّرَ عَلَيْهِ لَكِنْ حَيْثُ لَا يُجْدِي ذَلِكَ وَيُصِرّ الشِّرِّير عَلَى عَمَله
السَّيِّئ؛ وَيَفْشُو ذَلِكَ وَيَكْثُر حَتَّى يَعُمّ الْفَسَاد فَيَهْلِك حِينَئِذٍ الْقَلِيلِ وَالْكَثِیر، ثُمَّ يُحْشَر
كُلّ أَحَد عَلَى نِيَّته. وَكَأَنَّهَا فَهِمَتْ مِنْ فَتْحِ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ مِن الرَّدْم أَنَّ الْأَمْرِ إِنْ
تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ إِنَّسَعَ الْخَرْقِ بِحَيْثُ يَخْرُجُونَ، وَكَانَ عِنْدَهَا عِلْم أَنَّ فِي خُرُوجِهِمْ عَلَى
النَّاس إِهْلَاكًا عَامَّا لَهُمْ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَالهَمْ عِنْدَ خُرُوجهمْ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ مِنْ
حَدِيث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانِ بَعْدَ ذِكْرِ الدَّجَّالِ وَقَتْله عَلَى يَد عِيسَى، قَالَ: ((ثُمَّ يَأْتِيه قَوْم
قَدْ عَصَمَهُم الله مِن الدَّجَّال فَيَمْسَحِ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا
(١) أخرجه البخاري (٣٤٠٣)، ومسلم (٢٨٨٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٣٣٣)، وابن ماجه
(٣٩٥٣)، وابن حبان (٣٢٧)، وابن أبي شيبة (٣٧٢١٤).

١١٣
كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف
هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى الله إِلَى عِيسَى أَنِّي قَدْ أَخْرَجْتِ عِبَادًا لِ لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ
فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الظُّورِ، وَيَبْعَثِ اللهِ يَأْجُوج وَمَأْجُوج فَيَمُرّ أَوَائِلهِمْ عَلَى نَجَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ
فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرّ آخِرِهِمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةِ مَاءِ، وَيَحْصُر عِيسَى نَبِيّ الله
وَأَصْحَابِهِ حَتَّى يَكُون رَأْس الثَّوْر لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَة دِينَارِ، فَيَرْغَب عِيسَى
نَبِيّ الله وَأَصْحَابِه إِلَى اللّه فَيُرْسِل عَلَيْهِم النَّغَف - بِفَتْجِ النُّون وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ
فَاء - فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى، بِفَتْجِ الْفَاء وَسُكُون الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٍ مَقْصُور
كَمَوْتِ نَفْس وَاحِدَة؛ ثُمَّ يَهْبِطِ عِيسَى نَبِيّ الله وَأَصْحَابِه إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي
الْأَرْض مَوْضِعِ شِبْرِ إِلَّا مَلَأَّهُ زَهَمِهِمْ وَنَتْنِهِمْ، فَيَرْغَب نَبِيّ الله عِيسَى وَأَصْحَابِه إِلَى الله،
فَيُرْسِل طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلهُمْ فَتَظْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللهِ، ثُمَّ يُرْسِل الله مَطَرًا
لَا يَكُنُّ مِنْهُ مَدَر وَلَا وَبَرِ، فَيَغْسِل الْأَرْضِ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَال لِلْأَرْضِ
أَنَبْتِي ثَمَرَتِك وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُل الْعِصَابَةِ مِن الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ
تَحْتَهَا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ الله رِيحًا طَيَِّة فَتَأْخُذهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِض
رُوح كُلّ مُؤْمِن وَمُسْلِم، فَيَبْقَى شِرَارِ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُوم
السّاعة)).
قُلْت: وَالزَّلَفَة بِفَتْحِ الزَّاي وَاللََّم وَقِيلَ بِتَسْكِينِهَا وَقِيلَ بِالْقَافِ هِيَ الْمِرْآة
بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَقِيلَ الْمَصْنَعِ الَّذِي يُتَّخَذ ◌ِجِمْعِ الْمَاءِ، وَالْمُرَادِ أَنَّ الْمَاءِ يَعُمّ جَمِيعِ الْأَرْض
فَيُنَظِّفهَا حَتَّى تَصِير بِحَيْثُ يَرَى الرَّائِي وَجْهِه فِيهَا. وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَيْضًا ((فَيَقُولُونَ لَقَدْ
قَتَلْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ
فَيَرُدّهَا الله عَلَيْهِمْ مَخْضُوبَةِ دَمًّا)) وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة
نَحْوه فِي قِصَّة يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَسَنَده صَحِيحٍ، وَعِنْد عَبْد بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ حَدِيث
عَبْد الله بْن عَمْرو ((فَلَا يَمُرُّونَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ)) وَمِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ ((يُفْتَحِ
يَأْجُوجِ وَمَأْجُوج فَيَعُمُّونَ الْأَرْضِ، وَتَنْحَازِ مِنْهُم الْمُسْلِمُونَ فَيَظْهَرُونَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ؛
فَيَقُول قَائِلِهِمْ: هَؤُلَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ قَدْ فَرَغْنَا مِنْهُمْ فَيَهُزّ آخِرِ حَرْبَتْه إِلَى السَّمَاءِ فَتَرْجِع
مُخَضَّبَةٍ بِالدَّمِ، فَيَقُولُونَ قَدْ قَتَلْنَا أَهْلِ السَّمَاءِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ الله عَلَيْهِمْ

١١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
دَوَابٌ كَنَغَفِ الْجَرَادِ فَتَأْخُذ بِأَعْنَاقِهِمْ فَيَمُوتُونَ مَوْتِ الْجَرَادِ يَرْكَب بَعْضهمْ بَعْضًا».
[الفتح ٤٨/٢٠].
٥٣٤٣ - [وَعَن أَبِي عَامِرٍ - أَوْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهـ
يَقُولُ: (لَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامُ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ
أَقْوَامُ إِلَى جَنْبٍ عَلَمِ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ رَجُل ◌ِحَاجَةٍ فَيَقُولُون: ارْجِعْ
إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)).
رَوَاهُ البُخَارِي، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ ((المَصَابِيْحِ)) الْحَرّ: بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ
تَصْحِيْفٌّ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْخَاءِ وَالزَّيِ المُعْجَمَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْحُمَيْدِي وَابْنِ الأَثِيْرِ فِي هَذَا
الحَدِيْثِ وَفِي كِتَابِ الْحُمَيْدِي عَنِ البُخَارِيِّ، وَكَذَا شَرْحَهُ للخَطَّابِي: «تَرُوحِ عَلَيْهِم
سَارِحَة لَهُم تَأْتِيَهُم لَحَاجَةٍ)](١).
قال الحافظ: قَدْ طَعَنَ إِبْنِ حَزْم وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث، وَقَالُوا: لَا يَصِحّ، لِأَنَّهُ
مُنْقَطِع لَمْ يَذْكُر الْبُخَارِيّ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ((وَقَالَ هِشَامِ بْنِ عَمَّار)) وَهَذَا الْقَدْحِ
بَاطِل مِنْ وُجُوه.
أَحَدِهَا: أَنَّ الْبُخَارِيّ قَدْ لَقِيَ هِشَامِ بْن عَمَّار وَسَمِعَ مِنْهُ، فَإِذَا رَوَى عَنْهُ مُعَنْعِنًا
◌ُلَ عَلَى الإِتِّصَالِ إِنَّفَاقًا ◌ِخُصُولِ الْمُعَاصَرَةِ وَالسَّمَاعِ، فَإِذَا قَالَ (قَالَ هِشَام)) لَمْ يَكُنْ
فَرْق بَيْنه وَبَیْن قَوْله «عَنْ هِشَام)) أَضْلًا.
الثَّانِيِ: أَنَّ الثَّقَاتِ الْأَثْبَاتِ قَدْ رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ مَوْصُولًا، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ في
صَحِيحه: أَخْبَرَنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا هِشَامِ بْن عَمَّار بِإِسْنَادِهِ وَمَثْنه، وَالْحَسَن هُوَ إِبْن
سُفْيَان.
الثَّالِثِ: أَنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنْ غَيْرِ حَدِيث هِشَامٍ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي الصَّحِيحِ: حَدَّثَنَا
الْحَسَنِ حَدَّثَنَا عَبْدِ الرَّحْمَن بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا بِشْرِ حَدَّثَنَا إِبْنِ جَابِرِ عَنْ عَطِيَّة بْن
(١) أخرجه البخاري (٥٢٦٨)، وأبو داود (٤٠٣٩)، وابن حبان (٦٧٥٤)، والبيهقي (٥٨٩٥)، والطبراني
(٣٤١٧).

١١٥
كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف
قَيْس قَالَ: قَامَ رَبِيعَة الْجُرَشِيّ فِي النَّاسِ، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ طُول قَالَ: فَإِذَا
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن غَنْمِ، فَقَالَ: يَمِينًا حَلَفْت عَلَيْهَا، حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِك
الْأَشْعَرِيّ، والله يَمِينًا أُخْرَى: حَدَّثَنِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول الله ◌َّه يَقُول: ((لَيَكُونَنّ فِي أُمَّتِي
قَوْمٍ يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْر)) وَفِي حَدِيث هِشَامِ ((الْخَمِيرِ وَالْحَرِير)) وَفِي حَدِيث دُحَيْم: «الْخَرّ
وَالْحَرِيرِ وَالْخَمْرِ وَالْمَعَازِفِ)) فَذَكَرَ الْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ عُثْمَانِ بْنِ أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا زَيْد بْن
الْحَابِ قَالَ أَخْبَرَبِي مُعَاوِيَة بْنِ صَالِحِ حَدَّثَنِي حَاتِمِ بْنِ حُرَيْث عَنْ مَالِك بْنِ أَبِي مَرْيَم
قَالَ: (تَذَاكَرْنَا الظَّلَاقِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَالِك
الْأَشْعَرِيّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول الله ◌ِ)) فَذَكَرَ الْحَدِيث بِلَفْظِهِ.
الرَّابِعِ: أَنَّ الْبُخَارِيّ لَوْ لَمْ يَلْقَ هِشَامًا وَلَمْ يَسْمَع مِنْهُ فَإِذْخَاله هَذَا الْحَدِيثِ فِي
صَحِيحِه وَجَزْمِه بِهِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ ثَابِت عِنْدَه عَنْ هِشَامٍ، فَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاسِطَةِ بَيْنِه وَبَيْنِه:
إِمَّا لِشُهْرَتِهِمْ وَإِمَّا لِكَثْرَتِهِمْ فَهُوَ مَعْرُوفٍ مَشْهُور عَنْ هِشَامِ، تُغْنِي شُهْرَته بِهِ عَنْ ذِكْرِ
الْوَاسِطَةِ.
الْخَامِس: أَنَّ الْبُخَارِيّ لَهُ عَادَة صَحِيحَة فِي تَعْلِيقه وَهِيَ حِرْصِه عَلَى إِضَافَته
الْحَدِيث إِلَى مَنْ عَقَلَهُ عَنْهُ إِذَا كَانَ صَحِيحًا عِنْده، فَيَقُول ((وَقَالَ فُلَان)» وَ«قَالَ
رَسُول الله ◌ِ ل﴿) وَإِنْ كَانَ فِيهِ عِلَّة قَالَ وَيُذْكَر عَنْ فُلَان أَوْ وَيُذْكَرِ عَنْ رَسُول اللّهَِّـ
وَمَن إِسْتَقْرَأْ كِتَابِه عَلِمَ ذَلِكَ، وَهُنَا قَدْ جَزَمَ بِإِضَافَةِ الْحَدِيثِ إِلَى هِشَامٍ، فَهُوَ صَحِيح
عِنْده.
السَّادِسِ: أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُ مُحْتَجًّا بِهِ مُدْخِلًا لَهُ فِي كِتَابِه الصَّحِيحِ أَصْلًا لَا إِسْتِشْهَادًا
فَالْحَدِيث صَحِيحِ بِلَا رَيْب. [الفتح ٦١/١٦].
٥٣٤٤ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((إِذَا أَنْزَلَ اللّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا،
أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ)) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(١) أخرجه البخاري (٦٦٩١)، ومسلم (٢٨٧٩)، وأحمد (٥٨٩٠)، وابن حبان (٧٣١٥)، وأبو يعلى
(٥٥٨٢).

١١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
٥٣٤٥ - [وعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ
عَلَيْهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١).
31-(١)
الفصل الثاني
٥٣٤٦ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: «مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ
هَارِبُهَا، وَلَّا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٢).
٥٣٤٧ - [وعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنِّيّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا
لَا تَسْمَعُونَ، أَظَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِّظَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بَيَدِهِ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِة
أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكُ وَاضِعُ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا للهِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ
قَلِيلاً وَلَبَّكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِاتِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ
تَجْأَّرُونَ إِلَى الله )) قَالَ أَبُو ذَرّ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ)). رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِي وابْن
مَاجَە](٣).
٥٣٤٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ
بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ الله الْجَنَّةُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٤).
٥٣٤٩ - [وعَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّنَ قَالَ: «يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ
مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا، أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ)). رَوَاهُ التَّْمِذِي، وَالبَيْهَقِي فِي كِتَابٍ: ((الْبَعْثِ
(١) أخرجه مسلم (٢٨٧٨)، وأحمد (١٤٥٨٣)، وابن حبان (٧٣١٩)، وعبد بن حميد (١٠١٣)،
والحاكم (٣٦٨٨).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٠١) وقال: هذا حديث إنما نعرفه من حديث يحيى بن عبيد الله،
ويحيى بن عبيد الله ضعيف عند أكثر أهل الحديث تكلم فيه شعبة، والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) (٣٨٨)، وابن المبارك (٢٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٨/٨).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٣١٢) وقال: حسن غريب، وأحمد (٢١٥٥٥)، وابن ماجه (٤١٩٠)، والحاكم
(٣٨٨٣) وقال: صحيح الإسناد، وأبو الشيخ في ((العظمة)) (٥٠٧).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٤٥٠) وقال: حسن غريب، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٨١)،
والرامهرمزي (٨٣)، والحاكم (٧٨٥١) وقال: صحيح الإسناد، وعبد بن حميد (١٤٦٠).

١١٧
كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف
وَالنُّشُورِ))](١).
٥٣٥٠ - [وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ
يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ﴾ [المؤمنون:٦٠] أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟
قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ
أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وابْنِ مَاجَهِ](٢).
٥٣٥١ - [وَعَنِ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّنَّهِ إِذَا ذَهَبَ تُلْنَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اذْكُرُوا اللهَ، اذْكُرُوا اللهَ، جَاءَتِ الرَّاحِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا
فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٣).
٥٣٥٢ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َ لِصَلاةٍ فَرَّأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ
يَكْتَشِرُونَ، قَالَ: ((أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى المَوْت،
فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمُ إِلَّا تَكَلَّمَ فِيهِ»
فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ، وَإِذَا دُفِنَ
الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلاً، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي
إِلَيْ؛ فَإِذْ وُلِّيْتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ، قَالَ: ((فَيَتَّسِعُ لَهُ مَذَّ بَصَرِهٍ، وَيُفْتَحُ
لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ) وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوِ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلاً،
أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ؛ فَإِذْ وُلِّيْتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَّ فَسَتَرَى
صَنِيعِي بِكَ، قَالَ: فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ
بِأَصَابِعِهِ، فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفٍ بَعْضٍ قَالَ: ((وَيُقَيِّضُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّيِنًا لَوْ أَنَّ وَاحِدًا
(١) أخرجه الترمذي (٢٥٩٤) وقال: حسن غريب، والحاكم (٢٣٤) وقال: صحيح الإسناد، وابن
أبي عاصم (٨٣٣)، ولم أقف عليه عند البيهقي.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٤٧٥)، ابن ماجه (٤٣٣٨).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٤٥٧) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢١٢٧٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٥١٧)، وعبد بن حميد (١٧٠)، والحاكم (٣٥٧٨) وقال: صحيح الإسناد.

١١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ
إِلَى الْحِسَابِ)) قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةً
مِنْ حُفَرِ النَّارِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](١).
٥٣٥٣ - [وعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ شِبْتَ، قَالَ: ((شَيَّبَتْنِي
سُوْرة هُودٍ وَأَخَوَاتُها)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٩).
(شَيَّبَتْنِي سُوْرةٍ هُودٍ وَأَخَوَاتُها) قال الشيخ ابن حجر الهيتمي: قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَعَلَّ
ذَلِكَ لِمَا فِيهِنَّ مِن التَّحْوِيفِ الْفَطِيعِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِاغْتِبَارِ اشْتِمَالِهِنَّ مَعَ قِصَرِهِنَّ
عَلَى حِكَايَةِ أَحْوَالِ الْآخِرَةِ وَعَجَائِهَا وَفَظَائِعِهَا، وَأَحْوَالِ الْهَالِكِينَ وَالْمُعَذَّبِينَ مَعَ مَا
اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هُودُّ مِن الْأَمْرِ بِالإِسْتِقَامَةِ كَمَا أُمِرَ، وَهَذَا مِنْ أَصْعَبِ الْمَقَامَاتِ الَّذِي لَا
يَتَأَهَّلُ لِلْقِيَامِ بِهِ إِلَّ هُوَ رٍَّ، وَهُوَ كَمَقَامِ الشُّكْرِ إِذْ هُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ وَنَفَسٍ
جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ الله بِهِ عَلَيْهِ مِنْ حَوَاسِّهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ مِنْ
عِبَادَةِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ بِمَا يُنَاسِبُ كُلَّ جَارِحَةٍ مِنْ جَوَارِحِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ. [الزواجر
٤٧/١].
٥٣٥٤ - [وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ شِبْتَ، قَالَ:
(شَيَّبَتْنِي ((هُودُّ)) وَ(«الْوَاقِعَةُ)) وَ(الْمُرْسَلَاتُ)) وَ((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)) وَإِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِي](٣).
وَذُكِرَ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةٍ: (لَا يَلِجُ الَّارِ)) فِي كِتَابِ الْجِهَاد.
الفصل الثالث
٥٣٥٥ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاً هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ
الشَّعَرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ مِن الْمُوبِقَاتِ، يَعْنِي: الْمُهْلِكَاتِ. رَوَاهُ
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٦٠).
(٢) لم أقف عليه عند الترمذي.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٦٠٩).

١١٩
كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف
البُخَارِي](١).
(كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللّهِ وَّهِ مِن الْمُوبِقَاتِ، يَعْنِ: الْمُهْلِكَاتِ) قال ابن
بطال: إنما كانوا يعدون الصغائر من الموبقات لشدة خشيتهم لله، وإن لم تكن لهم
کبائر.
والمحقرات إذا كثرت صارت كبائر بالإصرار عليها والتمادي فيها، وقد روى
ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران أنه
سمع أبا أيوب يقول: إن الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها ويغشى المحقرات، فيلقى الله
يوم القيامة وقد أحاطت به خطيئته، وإن الرجل ليعمل السيئة، فما يزال منها مشفقًا
حذرًا حتى يلقى الله يوم القيامة آمنًا.
٥٣٥٦ - [وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َهْ قَالَ: «يَا عَائِشة، إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ،
فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللهِ طَالِبًا)). رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارِمِي وَالْبَيْهَقِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ)](٢).
٥٣٥٧ - [وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: هَلْ تَدْرِي
مَا قَالَ أَبِي لأَّبِيكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّ أَبِي قَالَ لأَبِيكَ: يَا أَبَا مُوسَى، هَلْ يَسُرُكَ أنَّ
إِسْلَامَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ لَه وَهِجْرَتَنَا مَعَهُ، وَجِهَادَنَا مَعَهُ، وَعَمَلَنَا كُلَّهُ مَعَهُ بَرَدَ لَنَا، وَأَنَّ
كُلّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسِ؟ فَقَالَ أَبُوكَ لأَبِي: لَا وَاللهِ، قَدْ
جَاهَدْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِوَل﴿ وَصَلَّيْنَا وَصُمْنَا وَعَمِلْنَا خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينَا بَشَرُ
كَثِيرً، وَإِنَّا لَنَرْجُو ذَلِكَ، قَالَ أَبِى: ولَكِنِّي أَنَا، وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ بَرَدَ
لَنَا، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسِ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَاكَ وَالله كَانَ
خَيْرًا مِنْ أَبِي رَوَاهُ البُخَارِي](٣).
٥٣٥٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (أَمَرَنِي رَبِي بِتِسْعٍ: خَشْيَةِ الله
(١) أخرجه البخاري (٦٤٩٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٣٨٤) والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٧٢٦١) والدارمي (٢٧٨٢).
(٣) أخرجه البخاري (٣٩١٥).

١٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَّةِ، وَكَلِمَة العَدْلِ فِي الغَضَبِ وَالرِّضَى، وَالقَصْدِ فِي الفَقْرِ وَالغِنَى، وَأَنْ
أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وَأَعْطِي مَنْ حَرَمَنِي، وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وَأَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْرًا،
وَنُطْقِي ذِكْرًا، وَنَظَرِي عِبْرَةً، وَآمرُ بِالعُرْفِ)) وَقِيْلَ: (بِالمَعْرُوفِ)). رَوَاهُ رَزِيْن)](١).
٥٣٥٩ - [وعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «مَا مِنْ
عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنِهِ دُمُوعُ، وَلَوْ كَانَ مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ، مِنْ خَشْيَةِ الله إِلا
حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ)). رَوَاهُ ابْن مَاجَهِ](٢).
(١) ذكره ابن الأثير في ((جامع الأصول من أحاديث الرسول)) (٩٣١٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤١٩٧) والطبراني (٩٧٩٩) وقال البوصيري (٢٣٥/٤) هذا إسناد ضعيف.