Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب الرقاق/ باب الأمل والحرص
(وَلَّا يَمْلَأُ جَوْفٍ إِبْنِ آدَم) فِي رِوَايَة حَجَّاجِ بْن مُحَمَّد عَن إِبْنِ جُرَيْجِ عِنْد
الْإِسْمَاعِيلِيّ (نَفْس)) بَدَل ((جَوْفٍ)) وَفِي حَدِيث جَابِرِ كَالْأَوَّلِ، وَفِي مُرْسَل جُبَيْرِ بْن نُفَيْر
(وَلَا يُشْبِعِ)) بِضَمِّ أَوَّله ((جَوْفٍ)) وَفِي حَدِيث اِبْنِ الزُّبَيْرِ ((وَلَّا يَسُدّ جَوْفٍ)) وَفِي الرِّوَايَة
الثَّانِيَةِ فِي الْبَابِ ((وَلَا يَمْلَأْ عَيْنِ)) وَفِي حَدِيثِ أَنَس فِيهِ((وَلَا يَمْلَأْ فَاهُ)) وَمِثْلِهِ فِي حَدِيث
أَبِي وَاقِدٍ عِنْدِ أَحْمَدِ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَم ((وَلَا يَمْلَأْ بَظْن)) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَيْسَ
الْمُرَادِ الْحَقِيقَة فِي عُضْو بِعَيْنِهِ بِقَرِينَةٍ عَدَمِ الاِنْحِصَارِ فِي التُّرَابِ إِذْ غَيْرِهِ يَمْلَؤُهُ أَيْضًا، بَلْ
هُوَ كِنَايَةٍ عَنِ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٍ لِلِمْتِلَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَشْبَع مِن الدُّنْيَا حَتَّى
يَمُوت، فَالْغَرَضِ مِن الْعِبَارَاتِ كُلُّهَا وَاحِدٍ وَهِيَ مِن التَّفَنُّ فِي الْعِبَارَةِ. قُلْت: وَهَذَا يَحْسُن
فِيمَا إِذَا اِخْتَلَفَتْ مَخَارِجِ الْحَدِيث، وَأَمَّا إِذَا اَِّحَدَتْ فَهُوَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاةِ، ثُمَّ نِسْبَة
الإِمْتِلَاء لِلْجَوْفِ وَاضِحَة، وَالْبَطْنِ بِمَعْنَاهُ، وَأَمَّا النَّفْسِ فَعَبَّرَ بِهَا عَنِ الذَّاتِ وَأَظْلَقَ
الذَّاتِ وَأَرَادَ الْبَظْنِ مِنْ إِظْلَاقِ الْكُلّ وَإِرَادَةِ الْبَعْضِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَم فَلِكَوْنِهِ
الطَّرِيقِ إِلَى الْوُصُولِ لِلْجَوْفِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونِ الْمُرَاد بِالنَّفْسِ الْعَيْنِ، وَأَمَّا الْعَيْنِ
فَلِأَنَّهَا الْأَصْلِ فِي الطَّلَب ◌ِأَنَّهُ يَرَى مَا يُعْجِبُهُ فَيَظْلُبُهُ لِيَحُوزَهُ إِلَيْهِ، وَخَصَّ الْبَطْنِ فِي
أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّ أَكْثَرِ مَا يُطْلَبِ الْمَالِ لِتَحْصِيلِ الْمُسْتَلَذَّاتِ وَأَكْثَرِهَا يَكُون لِلْأَكْلِ
وَالشُّرْب.
وَقَالَ الطَّيبِيُّ: وَقَعَ قَوْله: ((وَلَا يَمْلَأْ إِلَخْ)) مَوْقِعِ التَّذْبِيل وَالتَّقْرِيرِ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ
كَأَنَّهُ قِيلَ وَلَا يَشْبَع مَنْ خُلِقَ مِن التُّرَابِ إِلَّ بِالتُّرَابِ.
وَيَحْتَمِلِ أَنْ تَكُونِ الْحِكْمَةِ فِي ذِكْرِ التُّرَابِ دُون غَيْرِهِ أَنَّ الْمَرْءِ لَا يَنْقَضِي طَمَعه
حَتَّى يَمُوت، فَإِذَا مَاتَ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُدْفَنِ فَإِذَا دُفِنَ صُبَّ عَلَيْهِ التُّرَابِ فَمَلَأَ جَوْفَهُ
وَفَاهُ وَعَيْنَيْهِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَوْضِعِ يَحْتَاجِ إِلَى تُرَابِ غَيْرهِ. وَأَمَّا النِّسْبَةِ إِلَى الْفَم فَلِكَوْنِهِ
الطَّرِيقِ إِلَى لِلْوُصُولِ لِلْجَوْفِ. [الفتح ٢٥٠/١٨].
٥٢٧٤ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَُّ بِبعضِ جَسَدِي فَقَالَ: ((كُنْ
فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ)). رَوَاهُ

٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
البُخَارِي](١).
(كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيب أَوْ عَابِرِ سَبِيل) قَالَ الطَّيِيُّ: لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ
لِلْتَّخْبِيرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَالْأَحْسَن أَنْ تَكُون بِمَعْنَى بَلْ، فَشَبَّهَ النَّاسِكِ السَّالِكِ بِالْغَرِيبِ
الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسْكَن يَأْوِيهُ وَلَا مَسْكَن يَسْكُنْهُ، ثُمَّ تَرَفَّى وَأَضْرَبَ عَنْهُ إِلَى عَابِر
السَّبِيل ◌ِأَنَّ الْغَرِيبِ قَدْ يَسْكُنِ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ بِخِلَافِ عَابِرِ السَّبِيلِ الْقَاصِد لِبَلَِّ شَاسِع
وَبَيْنِهِمَا أَوْدِيَةٍ مُرْدِيَةٍ وَمَفَاوِزِ مُهْلِكَةٍ وَقُطَّاعٍ طَرِيقٍ فَإِنَّ مَنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يُقِيم ◌َخْظَةٍ وَلَا
يَسْكُن لَمْحَة .. زَادَ عَبْدَةٍ فِي رِوَايَتِه عَن إِبْنِ عُمَر: ((أُعْبُد الله كَأَنَّك تَرَاهُ وَكُنْ فِي الدُّنْيَا))
الْحَدِيث، وَزَادَ لَيْثِ فِي رِوَايَته (وَعُدَّ نَفْسِك فِي أَهْلِ الْقُبُورِ)) وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْنِ مَنْصُور
((وَگأَنَّك عَاپِر سَپِیل)).
وَقَالَ إِبْنِ بَطَّالٍ: لَمَّا كَانَ الْغَرِيبِ قَلِيلِ الاِنْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ بَلْ هُوَ مُسْتَوْحِش
مِنْهُمْ إِذْ لَا يَكَاد يَمُرّ بِمَنْ يَعْرِفُهُ مُسْتَأْنِسَ بِهِ فَهُوَ ذَلِيل فِي نَفْسِه خَائِفٍ، وَكَذَلِكَ عَابِر
السَّبِيلِ لَا يَنْفُذ فِي سَفَره إِلَّا بِقُوَّتِهِ عَلَيْهِ وَتَخْفِيفِه مِن الْأَثْقَالِ غَيْرِ مُتَثَبِّت بِمَا يَمْنَعهُ
مِنْ قَطْعِ سَفَره مَعَهُ زَاده وَرَاحِلَته يُبَلِّغَانِهِ إِلَى بُغْيَتِه مِنْ قَصْده شَبَّهَهُ بِهِمَا، وَفِي ذَلِكَ
إِشَارَةٍ إِلَى إِيثَارِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَأَخْذِ الْبُلْغَة مِنْهَا وَالْكَفَافِ، فَكَمَا لَا يَحْتَاجِ الْمُسَافِرِ إِلَى
أَكْثَر مِمَّا يُبَلِّغْهُ إِلَى غَايَة سَفَرِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَحْتَاجِ الْمُؤْمِن فِي الدُّنْيَا إِلَى أَكْثَر مِمَّا يُبَلِّغْهُ
الْمَحَلّ. وَقَالَ غَيْرهِ: هَذَا الْحَدِيث أَصْلِ فِي الْحَتّ عَلَى الْفَرَاغْ عَنِ الدُّنْيَا وَالزُّهْدِ فِيهَا
وَالإِحْتِقَارِ لَهَا وَالْقَنَاعَةِ فِيهَا بِالْبُلْغَةِ.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَى الْحَدِيث لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا تَتَّخِذهَا وَطَنَّا
وَلَا تُحَدِّث نَفْسِك بِالْبَقَاءِ فِيهَا وَلَا تَتَعَلَّقِ مِنْهَا بِمَا لَا يَتَعَلَّقِ بِهِ الْغَرِيبِ فِي غَيْرِ
وطنه.
وَقَالَ غَيْرِهِ: عَابِرِ السَّبِيلِ هُوَ الْمَارّ عَلَى الطَّرِيقِ طَالِبًا وَطَنِهِ، فَالْمَرْءِ فِي الدُّنْيَا
كَعَبْدٍ أَرْسَلَهُ سَيِّده فِي حَاجَةٍ إِلَى غَيْرِ بَلَده، فَشَأْنِهِ أَنْ يُبَادِرِ بِفِعْلِ مَا أُرْسِلَ فِيهِ ثُمَّ يَعُود
(١) أخرجه البخاري (٦٠٥٣)، وابن حبان (٦٩٨)، والبيهقي (٦٣٠٤).

٦٣
كتاب الرقاق / باب الأمل والحرص
إِلَى وَطَنِه وَلَا يَتَعَلَّقِ بِشَيْءٍ غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ.
وَقَالَ غَيْرِهِ: الْمُرَادِ أَنْ يُنَزِّلِ الْمُؤْمِنِ نَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا مَنْزِلَةِ الْغَرِيبِ فَلَا يَعْلَقِ قَلْبه
بِشَيْءٍ مِنْ بَلَدِ الْغُرْبَةِ، بَلْ قَلْبِه مُتَعَلِّق بِوَطَنِهِ الَّذِي يَرْجِعِ إِلَيْهِ، وَيَجْعَل إِقَامَته فِي الدُّنْيَا
لِيَقْضِيَ حَاجَتِه وَجِهَازه لِلرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِه، وَهَذَا شَأْنِ الْغَرِيب. أَوْ يَكُون كَالْمُسَافِرِلَا
يَسْتَقِرّ فِي مَكَان بِعَيْنِهِ بَلْ هُوَ دَائِمِ السَّيْرِ إِلَى بَلَد الْإِقَامَةِ. وَاسْتَشْكَلَ عَظْف عَابِرِ السَّبِيل
عَلَى الْغَرِيبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابِ الطَّيِيِّ، وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ مِنْ عَظْفِ الْعَامّ عَلَى
الْخَاصّ، وَفِيهِ نَوْعِ مِن التَّرَقِّ لِأَنَّ تَعَلُّقَاته أَقَلْ مِنْ تَعَلَّقَات الْغَرِيبِ الْمُقِيم. [الفتح ١٨/
٢٢٤].
الفصل الثاني
٥٢٧٥ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنٍ عَمْرٍو، قَالَ: مَرَّ بِنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَنَا وَأُّي نُطَيِّنُ
شَيْئًا، فَقَالَ: (مَا هَذَا يَا عَبْدَ الله؟)) قُلْتُ: شَيْءُ نُصْلِحُهُ، قَالَ: ((الأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ)).
رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّزْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُّ غَرِيْبُ](١).
٥٢٧٦ - [وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ يَخْرُجُ يُهْرِيقُ الْمَاءَ، فَيَتَيَمَّمُ
بِالتَُّابِ، فَأَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْمَاءَ مِنْكَ قَرِيبٌ، يَقُولُ: ((مَا يُدْرِينِي لَعَلِّ لا أَبْلُغُهُ)).
رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)) وَابْنِ الجَوْزِي فِي كِتَابِ ((الوَفَاء))](٢).
٥٢٧٧ - [وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: ((هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ)) وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ
قَفَاهُ ثُمَّ بَسَطَ، فَقَالَ: ((وَثَمَّ أَمَلُهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٣).
٥٢٧٨ - [وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ غَرَزَ عُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ إِلَى
جَنْبِهِ، وَآخَرَ أَبْعَدَ مِنْهُ، فَقَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((هَذَا
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد)) (٤٥٦)، وأبو داود (٥٢٣٥)، وأحمد (٦٥٠٢)، وابن حبان
(٢٩٩٦) ولم أقف عليه عند الترمذي.
(٢) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (١٩٩/٧).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٥٠٥).

٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
الإِنْسَانُ، وَهَذَا الأَجَلُ)) أَرَاهُ قَالَ: ((وَهَذَا الأَمَلُ، فَيَتَعَالَى الأَمَلَ فَلَحِقَهُ الأَجَلُ دُونَ
الأَمَلِ)) رَوَاهُ فِي ((شَرْجِ السُّنَّةِ)](١).
٥٢٧٩ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّنَّهِ قَالَ: ((عُمُرُ أُمَّتِي مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى
سَبْعِينَ)). رَوَاهُ التَّْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَرِيْبٌ](٢).
٥٢٨٠ - [وعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّقِّينَ إِلَى
السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وابْنِ مَاجَه](٣).
وَذُكِرَ حَدِيْث عَبْد الله بْنِ الشُّخَيْرِ فِي: ((بَابَ عِيَادَةِ المَرِيْضِ)).
الفصل الثالث
٥٢٨١ - [عَنْ عَمْرِو بْن شُعَيْب، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ قَالَ: «أُوَّلُ
صَلاح هَذِهِ الأمَّة بِاليَقِيْنِ وَالزُّهْدِ، وَأَوَّل فَسَادِهَا بِالبُخْلِ وَالأَمَلِ)). رَوَاهُ البَيْهَقِي فِي:
(شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٤).
٥٢٨٢ - [وَعَنْ سُفْيَانِ الثَّوْرِي قَالَ: ((لَيْسَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا بِلِبْسِ الخَشِنِ وَلا
أَكْلِ الْجَشَبِ، إِنَّمَا الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا قِصَرِ الأُمَلِ)). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))] (٥).
٥٢٨٣ - [وَعَنْ زَيْد بْن الْحُسَيْن قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا، وَسُئِلَ: أَيُّ شَيْءٍ الُّهْدُ فِي
الدُّنْيَا؟ قَالَ: ((طِيْبُ الكَسْبِ، وَقِصَرُ الأَمَلِ)). رَوَاهُ البَيْهَقِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٦).
(١) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٢٢٨/٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٣١)، وأبو يعلى (٦٦٥٦)، والديلمي (٤١٥٠).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٥٥٠) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٤٢٣٦)، وابن حبان (٢٩٨٠)،
والبيهقي (٦٣١٤)، والطبراني في «الأوسط)) (٥٨٧٢)، والحاكم (٣٥٩٨) وقال: صحيح على شرط
مسلم، وأبو يعلى (٥٩٩٠)، وأبو بكر الإسماعيلي في ((معجم شيوخه)) (١٥١)، وأبو الشيخ في
((طبقات المحدثين بأصبهان)) (٣٠٤/٤)، والديلمي (١٦٦٨).
(٤) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٤٢٩).
(٥) لم أقف عليه عند البغوي.
(٦) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٣٧٠).

٦٥
كتاب الرقاق / باب الأمل والحرص
(الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا) الزهد في اللغة: ضد الرغبة، تقول: زَهِدَ فيه وزَهِد عنه وزهد
أيضًا، وزَهَدَ يَزْهَد بالفتح فيهما زهدًا وزهادة بالفتح لغة فيه، والتزهّد: التعبّد. وقال ابن
منظور في ((لسان العرب»: والزهد ضد الرغبة والحرص على الدنيا، والزّهادة في الأشياء
كلها ضد الرغبة، وزَهِد وزَهَد، وهي أعلى يزهد فيهما زُهدًا وزَهدًا الفتح عن سيبويه،
وزاد ثعلب: زَهُد أيضًا. والتزهيد في الشيء وعن الشيء خلاف الترغيب فيه، وزهده
في الأمر رغبةً عنه، وقوله : ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] قال ثعلب:
اشتروه علی زُهدٍ فیه.
وقال أحمد بن قدامة: اعلم أن الزهد في الدنيا مقامُّ شريفٌّ من مقامات
السالكين، والزهد عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خيرٌ منه، وشرط
المرغوب عنه أن يكون مرغوبًا فيه بوجهٍ من الوجوه، فمن رغب عن شيءٍ ليس
مرغوبًا فيه ولا مطلوبًا في نفسه لم يسمّ زاهدًا، كمن ترك التراب لا يسمى زاهدًا. وقد
جرت العادة بتخصيص اسم الزاهد بمن ترك الدنيا، ومن زهد في كل شيءٍ سوى الله
تعالى فهو الزاهد الكامل. واعلم أنه ليس من الزهد ترك المال وبذله على سبيل السخاء
والقوة واستمالة القلوب، وإنما الزهد أن يترك الدنيا للعلم بحقارتها بالنسبة إلى نفاسة
الآخرة.
الزهد في الاصطلاح: قال الشيخ عبد الرزاق القاشاني: هو إسقاط الرغبة في
الشيء بالكلية، وهذا التعرف المذكور للزهد هو ما تشير إليه الطائفة.
وقال غيره: الزهد إمساك النفس عن اشتغالها بملاذ البدن وقواها إلا بحسب
ضرورةٍ تامّةٍ.
وإنما عدلت الطائفة عن هذه العبارة لأنهم لا يعدّون مجرد الترك زهدًا، لأن
التارك للشيء عندما يتركه بجوارحه ربما كان مشغوفًا به بقلبه، فلا يكون ممن
سقطت رغبته فيه بالكلية، وهي على كلٍّ من التفسيرين، فإن الزهد يزيد على القناعة
بترك كثيرٍ من الكفاية، لكون القناعة وقوفًا عند الكفاية، أو وقوفًا مع ما حضر.

٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وقال الرئيس ابن سينا في ((الإشارات)): «هو الإعراض عن متاع الدنيا وطيباتها)).
يخص باسم الزهد، ثم قسّم هذا الإعراض على قسمين، وقال: ((بعض المعرضين
إنما أعرض معاملة ما، كأنه يشتري بمتاع الدنيا متاع الآخرة. قال: وهذا هو الغرض
من الزهد عند غير العارف)).
وأما القسم الثاني: فهو زهد العارفين، وهو أن العارف لا يكون إعراضه عن
متاع الدنيا وطيباتها لذلك الغرض الذي نحاه غيره، بل لغرضين آخرين:
أحدهما: في حالة التوجه إلى ربه.
وثانيهما: عند رجوعه من عنده. أما ما هو له عندما يتوجه إلى الحق فإنه يعرض
عن كل ما سواه تنزيهًا لسرّه عن الاشتغال بغير ربّه. وأما ما هو له عندما يرجع من
الحق إلى الخلق فهو أنه يعرض عمّا سوى الحقّ من جهة أنه تكبّر بالحق على الباطل.
زهد العامة: التنزه عن الشبهات بعد ترك الحرام حذرًا عن المعتبة، وأنفةً عن
الغصّة كراهة مساواة الفساق.
زهد أهل الإرادة: النزاهة عن الفضول بترك ما زاد عما يحصل به المسكة،
وبقاء الرمق بقدر البلاغ من القوت اغتنامًا للفراغ إلى عمارة الوقت، والحلي بحلية
الأنبياء والصّدّیقین.
وقال الشيخ ضياء الدين الكمشخانوي: الزهد صورته في البدايات ترك
الشواغل وقطع العلائق ودفع العوائد، وأصله في الأبواب الرغبة في الشيء بالكلية،
ودرجته في المعاملات الزهد في الفضول والاقتصار على الحقوق ليتفرغ إلى عمارة
الوقت بالحضور وقطع الاضطراب في التوجّه، وفي الأخلاق الجرد عن الميل إلى الفاني
ليتعود بالإيثار ويتحرّز عن وصمة الشحّ ورقّ الكون ليكون من الأحرار، وفي الأصول
تجنيب ما دون الحق عن طريق القصد ولزوم الفقر لغنى القلب بالحق، وفي الأدوية
تصفية الباطن عن ظلمة الكون وانحياز البصيرة إلى نور القدس، وفي الأحوال
الإعراض عمَّا سوى المحبوب والوحشة عن غير ما أنس به من نور تجلي المطلوب، وفي

٦٧
كتاب الرقاق / باب الأمل والحرص
الولايات الاستيحاش عمَّا ينطلق عليه اسم الغير والاسترواح إلى من يرى منه كل
خيرٍ، وفي الحقائق رفع محاسن الصفات عن مزاحمة شهود جمال الذات، وفي النهايات
نفي البقية بمحق رسم الاثنينية.
قال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا لبس
العباء.
وقال الجنيد: سمعت سريًّا يقول: إن الله بك سلب الدنيا عن أوليائه، وحماها
عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده، لأنه لم يرضها لهم.
وقال: الزهد في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ
وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود، ولا
يأسف منها على مفقودٍ.
وقال: الزهد خلو القلب ممَّا خلت منه اليد. وقال الإمام أحمد: الزهد في الدنيا
قصر الأمل.
وفي رواية عنه: عدم فرحه بإقبالها ولا حزنه على إدبارها؛ فإنه سئل عن الرجل
يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدًا، فقال: نعم، على شريطة ألا يفرح إذا زادت،
ولا يحزن إذا نقصت.
وقال رجل ليحيى بن معاذ: متى أدخل حانوت التوكل وألبس رداء الزاهدين،
وأقعد معهم؟ فقال: إذا صرت من رياضتك لنفسك إلى حد لو قطع الله الرزق عنك
ثلاثة أيام لم تضعف نفسك، فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فجلوسك على بساط
الزاهدين جهل، ثم لا آمن عليك أن تفتضح.
وقال الحسن: الزاهد الذي إذا رأى أحدًا قال هو أزهد مني. وقال يونس بن
ميسرة: ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، وإنما الزهادة في الدنيا
أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن يكون حالك في المصيبة وحالك
إذا لم تُصَبْ بها سواء، وأن يكون مادحك وذامُك في الحق سواء. وقال الفضيل: أصل

٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
الزهد الرضا عن الله . وقال: القنوع هو الزاهد وهو الغني.
درجات الزهد: قال ابن قدامة رحمه الله: من الناس من يزهد في الدنيا وهو لها
مشتهٍ، لكنه يجاهد نفسه، وهذا يسمى المتزهد، وهو مبدأ الزهد.
الدرجة الثانية: أن يزهد في الدنیا طوعًا، لا يكلف نفسه ذلك، لکنه یری زهده
ويلتفت إليه فيكاد يعجب بنفسه ويرى أنه قد ترك شيئًا له قدر لما هو أعظم قدرًا منه،
كما يترك درهمًا لأخذ درهمین، وهذا أيضًا نقصان.
الدرجة الثالثة: وهي العليا أن يزهد طوعًا، ويزهد في زهده، فلا يرى أنه ترك
شيئًا، لأنه عرف أن الدنيا ليست بشيءٍ فيكون كمن ترك خزفة وأخذ جوهرة، فلا
يرى ذلك معاوضة، فإن الدنيا بالإضافة إلى نعيم الآخرة أخس من خزفة بالإضافة إلى
جوهرة، فهذا هو الكمال في الزهد.
واعلم أن مثل من ترك الدنيا مثل من منعه عن باب الملك كلب على بابه فألقى
إليه لقمة من خبز فشغله بذلك، ودخل فقرب من الملك أفتراه يرى لنفسه يدًا عند
الملك بلقمة ألقاها إلى كلبه في مقابلة ما قد ناله. فالشيطان كلب على باب الله وشك يمنع
الناس من الدخول، مع أن الباب مفتوحُ والحجاب مرفوعٌ، والدنيا كلقمة فمن تركها
لينال عز الملك فكيف يلتفت إليها!، ثم إن نسبتها أعني ما سلم لكل شخص منها ولو
عَمَّر ألف سنةٍ بالإضافة إلى نعيم الآخرة أقل من لقمة بالإضافة إلى ملك الدنيا، لأن
الفاني لا نسبة له إلى الباقي كيف ومدة العمر قصيرة ولذات الدنيا مكدرة.

باب استحباب المال والعمر للطاعة
الفصل الأول
٥٢٨٤ - [عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ
الْخَفِيَّ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
وَذُكِرَ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَر: ((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ)) فِي «بَابٍ فَضَائِلِ القُرْآنِ».
(إِنَّ اللّه يُحِبّ الْعَبْدِ الثَّقِيّ الْغَنِيِّ الْخَفِيّ) الْمُرَادِ بِـ((الْغِنَى)) غِنَى النَّفْسِ، هَذَا هُوَ
الْغِنَى الْمَحْبُوبِ لِقَوْلِهِ وَهِ: ((وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْس)) وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّ الْمُرَاد
الْغِنَى بِالْمَالِ. وَأَمَّا (الْخَفِيّ) فَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، هَذَا هُوَ الْمَوْجُودِ فِي النُّسَخِ، وَالْمَعْرُوف في
الرِّوَايَات، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ بَعْض رُوَاة مُسْلِمٍ رَوَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ، فَمَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ الْحَامِل
الْمُنْقَطِعِ إِلَى الْعِبَادَةِ وَالإِشْتِغَالِ بِأُمُورِ نَفْسِه، وَمَعْنَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ الْوُصُول لِلرَّحِمِ، اللَّطِيف
بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِن الضُّعَفَاءِ، وَالصَّحِيحِ بِالْمُعْجَمَةِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّةٍ لِمَنْ يَقُول: الإِعْتِزَالِ أَفْضَل مِن الإِخْتِلَاط، وَمَنْ قَالَ
بِالتَّفْضِيلِ لِلإِخْتِلَاطِ قَدْ يُتَأَوَّلِ هَذَا عَلَى الإِعْتِزَالِ وَقْتِ الْفِتْنَةِ وَنَحْوِهَا. [النووي ٣٥١/٩].
الفصل الثاني
٥٢٨٥ [عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ رَجُلاً، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ
طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) قَالَ: فَأَُّّ النَّاسِ شَرَّ؟ قَالَ: ((مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ)). رَوَاهُ
أَحْمَدِ وَالتِّرْمِذِي وَالدَّارِمي](٢).
٥٢٨٦ - [وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ آخَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ
(١) أخرجه مسلم (٢٩٦٥)، وأحمد (١٤٤١)، وأبو يعلى (٧٣٧)، والدورقي في ((مسند سعد)) (١٨).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٣٠) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٠٤٣١)، والبيهقي (٦٣١٧)، والطبراني في
(«الأوسط)) (٥٤٤٩) وفي ((الصغير)) (٨١٨)، والدارمي (٢٧٤٢)، والحاكم (١٢٥٦) وقال: صحيح على
شرط مسلم، والطيالسي (٨٦٤)، وابن أبي شيبة (٣٤٤٢٤) والبزار (٣٦٢٣).
٦٩

٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
مَاتَ الآخَرُ بَعْدَهُ بِجُمْعَةٍ فَصَلَّوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((مَا قُلْتُمْ؟)) قَالُوا: دَعَوْنَا اللّهَ أَنْ
يَغْفِرَ لَهُ وَيَرْحَمَهُ وَيُلْحِقَهُ بِصَاحِبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: (فَأَيْنَ صَلاتُهُ بَعْدَ صَلاتِهِ، وَعَمَلُهُ
بَعْدَ عَمَلِهِ؟)) أَوْ قَالَ: ((صِيَامُهُ بَعْدَ صِيَامِهِ لَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالنَّسَائِي)](١).
٥٢٨٧ - [وعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ◌ََّ يَقُولُ: («ثَلَاثَةُ أُقْسِمُ
عَلَيْهِنَّ وَأَحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: الَّذِي أَقْسِم عليْهُنَّ فَإِنَّهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ
صَدَقَّةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدَ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزَّ، وَلَا فَتَحَ عَبْدُّ بَابَ
مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ) وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ فَاحْفَظُوهُ فَقَالَ: ((إِنَّمَا الدُّنْيَا
لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْمَلَ لله
فِيهِ بِحَقِّهِ فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ التّيَّةِ
يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءُ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وَلَمْ
يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَتَخْبَّطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرٍ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا
يَعْمَلَ فِيهِ بَحَقٍّ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللّهُ مَالاً وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ:
لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وَوِزْرُهُمَا سَوَاء)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ:
هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيحٌ](٤).
٥٢٨٨ - [وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َقَالَ: «إِنَّ اللّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا
اسْتَعْمَلَهُ)) فَقِيلَ: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((يُوَفِّقُهُ لِعَمَلِ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٣).
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٢٤) وأحمد (١٦١١٨) والنسائي (١٩٨٥) والبيهقي (٦٣٢١) والطيالسي
(١١٩١)، وابن أبي شيبة (٣٤٤٢٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٢٥) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٨٠٦٠).
(٣) أخرجه الترمذي (٢١٤٢) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٢٠٥٥)، وابن حبان (٣٤١)، وابن أبي
عاصم (٣٩٧)، والحاكم (١٢٥٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأبو يعلى (٣٨٤٠).

٧١
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
٥٢٨٩ - [وعَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ
نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى الله)). رَوَاهُ
التّْمِذِي وابْنِ مَاجَه](١).
الفصل الثالث
٥٢٩٠ - [عَنْ رّجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسِ فَطَلَعَ عَلَيْنَا
رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرَاكَ طَيِّبَ النَّفْسِ، قَالَ: ((أَجَلْ))
قَالَ: ثُمَّ خَاضَ الْقَوْمُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى، فَقَالَ رّسُولُ الله ◌ِ: ((لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنْ اتَّقَى الله
وَكَ، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خَيْرٌ مِن الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِن الثَّعِيمِ)). رَوَاهُ أَحْمَد](٤).
٥٢٩١ - [وَعَنْ سُفْيَانِ الثَّوْرِي، قَالَ: كَانَ المَالُ فِيْمَا مَضَى يُكْرَه، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَهُوَ
تُرْسُ المُؤْمِن، وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الدَّنَانِيْرِ لَتَمَنْدَلَ بِنَا هَؤلاءِ الملوكُ، وَقَالَ: مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ
مِنْ هَذِهِ شَيءٍ فَلْيُصْلِحْهُ فَإِنَّهُ زَمَانَّ إِن احْتَاجَ كَانَ أوَّلُ مَنْ يَبْذِلُ دِيْنَهُ، وَقَالَ: الْحَلالُ
لَا يَخْتَمِلُ السَّرْفَ رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)](٣).
٥٢٩٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَيْنَ أَبْنَاءُ السِّقِّينَ؟)) وَهُوَ الْعُمْرُ الَّذِي قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ
مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. رَوَاهُ البَيْهَقِي فِي ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٤).
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وقال: حسن، وأحمد (١٧١٦٤)، وابن ماجه (٤٢٦٠)، والبيهقي (٦٣٠٦)،
والطبراني (٧١٤١)، وابن المبارك (١٧١)، والطيالسي (١١٢٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٧/١)،
والحاكم (١٩١) وقال: صحيح على شرط البخاري، والبزار (٣٤٨٩)، والقضاعي (١٨٥)، وابن
أبي عاصم في «الزهد)) (٣٨/١)، والديلمي (٤٩٣٠).
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٢٠٦)، وابن ماجه (٢١٤١)، والحكيم (٢١٢/١)، والحاكم (٢١٣١) وقال: صحيح
الإسناد، وابن أبي عاصم (٢٥٦٦).
(٣) لم أقف عليه عند البغوي.
(٤) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (١٠٢٥٤)، وفي (السنن الكبرى)) (٦٣١٣)، والطبراني في
(الكبير)) (١١٤١٥) وفي ((الأوسط)) (٧٩٢٥)، والحكيم (١٥٦/٢)، وابن جرير في ((تفسيره)) (١٤١/٢٢)،
=

٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
٥٢٩٣ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: إنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ثَلَاثَةً أَتَوُا النَّبِيَّ
وَلَةٍ فَأَسْلَمُوا، قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (مَنْ يَكْفِنِيهِمْ؟)) قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَكَانُوا عِنْدَه، فَبَعَثَ
النَّبِيُّ ◌َ بَعْتًا فَخَرَجَ فِيهِ أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْئًا فَخَرَجَ فِيهِ الآخَرُ
فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ هَؤُلَاءِ الثَّلاثَةَ فِي الْجَنَّةِ،
وَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ، وَلَّذِي اسْتُشْهِدَ آخِرًا يَلِيِهِ وَأَوَلَهُمْ يَلِيهِ، فَدَخَلَنِي مِنْ
ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ وَ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟ لَيْسَ أَحَدُّ أَفْضَلَ
عِنْدَ الله مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمِّرُ فِي الإِسْلَامِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ))](١).
٥٢٩٤ - [وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُول الله ◌َ - قَالَ:
((إِنَّ عَبْدًا لَوْخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمٍ وُلِدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا فِي طَاعَةِ الله؛ لَقَّرَهُ فِي ذَلِكَ
الْيَوْمَ وَلَوَّدَّ أَنَّهُ رُدَّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِن الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ)). رَوَاهُمَا أَحْمَد](٤).
وابن أبي حاتم كما في ((تفسير ابن كثير)) (٥٦٠/٣)، والرامهر مزي (٢٧).
(١) أخرجه أحمد (١٤١٧).
(٢) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٥/١، ترجمة ٥ محمد بن أبي عميرة)، وأحمد (١٧٦٨٧)،
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٦٨)، والطبراني (٥٦٢)، وابن المبارك في ((الزهد)) (٣٤)، وأبو نعيم
في ((الحلية» (١٣٣/٥).

باب التوكل والصبر
الفصل الأول
٥٢٩٥ [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي
سَبْعُونَ أَلْفًّا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَلُونَ)).
مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ)(١).
(وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ) قال أبو علي الدقاق: التوكل ثلاث درجات: التوكل ثم
التسليم ثم التفويض؛ فالمتوكل يسكن إلى وعده، والمسلم يكتفي بعلمه، وصاحب
التفويض يرضى بحكمه، وهذا إشارة إلى تفاوت درجات نظره بالإضافة إلى المنظور إليه،
فإن العلم هو الأصل، والوعد يتبعه، والحكم يتبع الوعد، ولا يبعد أن يكون الغالب
على قلب المتوكل ملاحظة شيء من ذلك، وللشيوخ في التوكل أقاويل سوى ما ذكرناه،
فلا نطول بها فإن الكشف أنفع من الرواية والنقل، فهذا ما يتعلق بحال التوكل، والله
الموفق برحمته ولطفه. [إحياء علوم الدين (٣٦١/٣)].
وقال سيدي عبد الكريم الجيلي: التوكل، هو إرجاعك أمرك إلى الله تعالى، وهو
مقام.
فمنهم: من يكون توكله على الله ليكفيه الله، كما قال الله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ
عَلَى اللّه فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وهذه رتبة العوام في التوكل.
ومنهم: من يتوكل ليفعل الله به ما يريده، فهو متكل لا لغرض، بل عبودية، وهذا
مرتبة السالكين.
ومنهم: من يتوكل عليه تصحيحًا لإيمانه؛ لقوله: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَلُوا إِن كُنتُم
مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].
(١) أخرجه البخاري (٥٤٢٠)، ومسلم (٢٢٠)، والترمذي (٢٤٤٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد
(٢٤٤٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٦٠٤)، وابن حبان (٦٤٣٠).
- ٧٣ -

٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
ومنهم: من يكون توكله صرف نظره من الأكوان إلى نظره إلى صنع الرحمن.
ومنهم: من يكون توكله إرجاع عمله إلى الحق، فإذا عمل عملاً صالحًا رآه
فعل الله؛ لأنه ما فعله إلا بقدرة الله، فلا يدعي إذ ذاك عملاً ولا جزاء.
ومنهم: من يكون توكله إرجاعه أمر الوجود بأسره إلى الله، فيكل أمر الثقلين
إليه، فلا يشهد في العالم متصرفًا سوى الله، ويستصحب هذا العلم في كل خطرة
ونظرة، وكلمة وحالة.
ومنهم: من يكون توكله إرجاع أمر صفاته إلى الله تعالى؛ لأنه يتحقق أن
اللطيفة السامعة إنما تسمع بالله، واللطيفة الباصرة إنما تبصر بالله، واللطيفة العالمة
إنما تعلم وتدرك بالله تعالى، فيتحقق له من هذا أن سمعه منسوب إلى الله وبصره؛
ولذلك باقي صفاته النفسية من الحياة والقدرة والإرادة، فيحيل أمر هذه الصفات إلى
من هي له حقيقة، ويرجع عن دعوى التصرف بها، فيكل الأمر فيها إلى صاحبه، فتكون
حياته وعلمه، وقدرته وإرادته، وسمعه وبصره وكلامه منسوبًا إلى الله تعالى.
ومنهم: من يكون توكله من حيث التجليات الإلهية، فلا يتعلق بتجل
مخصوص، بل يصرف أمرها إلى الله تعالى، فيشهده مع الشؤون على اختلاف
التجليات، وهذا العارفين. [غنية أرباب السماع ص ٢٣٠] بتحقيقنا.
٥٢٩٦ - [وعَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَوْمًا فَقَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ
يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالتَّبِيُّ ومَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ
أَحَدُّ، فَرَأَيْثُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فٍ
قَوْمِهِ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا،
فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًّا قَدَّامَهُم
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَّلُونَ) فَقَامَ عُكَّشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ
اجْعَلَهُ مِنْهُمْ)) ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللّه أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)).

٧٥
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(سَبَقَك بِهَا عُكَّاشَة) ◌ِتَّفَقَ جُمْهُورِ الرُّوَاة عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا وَقْعَ عِنْدِ إِبْنِ أَبِي شَيْبَة
وَالْبَزَّارِ وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ فَزَادَ: فَقَامَ رَجُلٍ آخَرِ فَقَالَ أُدْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلِنِي
مِنْهُمْ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: سَبَقَك بِهَا عُكَّشَةٍ وَصَاحِبِهِ، أَمَا لَوْ قُلْتُمْ لَقُلْت وَلَوْ قُلْت لَوَجَبَتْ
(وَفِي سَنَده عَطِيَّةٍ وَهُوَ ضَعِيف. وَقَد اِخْتَلَفَتْ أَجْوِبَةِ الْعُلَمَاءِ فِي الْحِكْمَةِ قَوْله: ((سَبَقَك
بِهَا عُكَّشَة)) فَأَخْرَجَ إِبْنِ الْجُوْزِيّ في ((كَشْف الْمُشْكِل)) مِنْ طَرِيقٍ أَبِي عُمَرِ الزَّاهِدِ أَنَّهُ
سَأَلَ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنِ يَحْتَى الْمَعْرُوفِ بِتَعْلَبٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَانَ مُنَافِقًا، وَكَذَا نَقَلَهُ
الدَّارَقُظْنِيُّ عَنِ الْقَاضِي أَبِيِ الْعَبَّاسِ الْبِرْتِيّ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الرَّاءِ بَعْدِهَا مُثَنَّة
فَقَالَ: كَانَ الثَّانِي مُنَافِقًا، وَكَانَ وَِّلَا يُسْأَلِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَعْطَاهُ، فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ. وَنَقَلَ إِبْن
عَبْد الْبَرّ عَنْ بَعْض أَهْلِ الْعِلْمِ نَحْوَ قَوْل ثَعْلَب، وَقَالَ إِبْنِ نَاصِر: قَوْل ثَعْلَب أَوْلَى مِنْ
رِوَايَة مُجَاهِدٍ لِأَنَّ سَنَدهَا وَاٍ وَاسْتَبْعَدَ السُّهَيْلِيُّ قَوْل ثَعْلَب بِمَا وَقَعَ فِي ((مُسْنَدِ الْبَزَّار)):
مِنْ وَجْه آخَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ (فَقَامَ رَجُل مِنْ خِيَارِ الْمُهَاجِرِينَ)) وَسَنَده ضَعِيف جِدًّا مَعَ
كَوْنِه مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ مِن الْأَنْصَارِ.
وَقَالَ اِبْنِ بَطَّال: مَعْنَى قَوْله: ((سَبَقَك)) أي: إِلَى إِحْرَازِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَهِيَ التَّوَّكُّل
وَعَدَم التَّطَيُّر وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ، وَعَدَلَ عَنْ قَوْله: (لَسْت مِنْهُمْ أَوْ لَسْت عَلَى أَخْلَاقهِمْ)) تَلَظُفًا
بِأَصْحَابِهِ ﴿ وَحُسْنِ أَدَبهِ مَعَهُمْ.
وَقَالَ إِبْنِ الْجُوْزِيّ: يَظْهَرِ لِي أَنَّ الْأَوَّلِ سَأَلَ عَنْ صِدْقِ قَلْب فَأُجِيبَ، وَأَمَّا الثَّانِي
فَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون أُرِيدَ بِهِ حَسْمُ الْمَادَّةِ، فَلَوْ قَالَ لِلِثَّانِي نَعَمْ لَّأَوْشَكَ أَنْ يَقُومِ ثَالِث
وَرَابِعِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةٍ لَهُ وَلَيْسَ كُلّ النَّاس يَصْلُح ◌ِذَلِكَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَمْ يَكُنْ عِنْدِ الثَّانِي مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ مَا كَانَ عِنْد عُكَّاشَة،
فَلِذَلِكَ لَمْ يُجَبْ إِذْ لَوْ أَجَابَهُ لَجَازَ أَنْ يَظْلُب ذَلِكَ كُلّ مَنْ كَانَ حَاضِرًا فَيَتَسَلْسَل، فَسَدَّ
(١) أخرجه البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٥٥٠).

٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
الْبَابِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ كَانَ مُنَافِقًا لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدِهمَا أَنَّ الْأَصْلِ فِي الصَّحَابَةِ عَدَمِ النَّفَاقِ فَلَا يَثْبُت مَا يُخَالِفِ ذَلِكَ إِلَّا بِنَقْلِ
صَحِیچ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَصْدُرِ مِثْلِ هَذَا السُّؤَال ◌ِلّ عَنْ قَصْد صَحِيحٍ وَيَقِين بِتَصْدِيقِ
الرَّسُولِ، كَيْف صَدَرَ ذَلِكَ مِنْ مُنَافِقِ؟ وَإِلَى هَذَا جَنَعَ إِبْنِ تَيْمِيَّةَ. وَصَحَّعَ النَّوَوِيّ أَنَّ
النَِّيّ ◌َ﴿ عَلِمَ بِالْوَحْيٍ أَنَّهُ يُجَابٍ فِي عُكَّاشَة وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي حَقّ الْآخَر.
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: الَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّهَا كَانَتْ سَاعَةِ إِجَابَةٍ عَلِمَهَا ◌َلَ وَاتَّفَقَ أَنَّ
الرَّجُلِ قَالَ بَعْدَمَا اِنْقَضَتْ، وَيُبَيِّنْهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد (ثُمَّ جَلَسُوا سَاعَة
يَتَحَدَّقُونَ)) وَفِي رِوَايَة إِبْن إِسْحَاقِ بَعْد قَوْله: ((سَبَقَك بِهَا عُكَّاشَةٍ، وَبَرَدَت الدَّعْوَة)) أي:
إِنْقَضَى وَقْتهَا.
قُلْت: فَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ عَلَى خَمْسَةِ أَجْوِبَة وَالْعِلْمِ عِنْد الله
تَعَالَى.
ثُمَّ وَجَدْت لِقَوْلِ ثَعْلَب وَمَنْ وَافَقَهُ مُسْتَنَدًا وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَمُحَمَّد بْن
سَنْجَرِ فِي (مُسْنَده) وَعُمَر بْنِ شَيْبَةٍ فِي ((أَخْبَارِ الْمَدِينَة): مِنْ طَرِيق نَافِعِ مَوْلَى حَمْنَةَ عَنْ
أُمّ قَيْس بِنْت مِحْصَن وَهِيَ أُخْتِ عُكَّاشَةٍ أَنَّهَا ((خَرَجَتْ مَعَ النَّبِيّ ◌َهَ إِلَى الْبَقِيعِ فَقَالَ:
يُحْشَر مِنْ هَذِهِ الْمَقْبَرَةِ سَبْعُونَ أَلْفًّا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَابٍ كَأَنَّ وُجُوههم الْقَمَر
لَيْلَة الْبَدْرِ، فَقَامَ رَجُل فَقَالَ: يَا رَسُول الله، وَأَنَا؟ قَالَ وَأَنْتَ. فَقَامَ آخَرِ فَقَالَ أَنَا؟ قَالَ:
سَبَقَك بِهَا عُكَّاشَةٍ قَالَ قُلْت لَهَا: لِمَ لَمْ يَقُلْ لِلْآخَرِ؟ فَقَالَتْ: أَرَاهُ كَانَ مُنَافِقًا)) فَإِنْ كَانَ
هَذَا أَصْلِ مَا جَزَمَ بِهِ مَنْ قَالَ كَانَ مُنَافِقًا فَلَا يَدْفَع تَأْوِيل غَيْرهِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّ الظَّنّ.
[الفتح ٣٨٩/١٨].
٥٢٩٧ - [وعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((عَجَبًا لَأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ
كُلَّهُ لَهُ خَيْرٍ، وَلَيْسَ ذَلكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكّرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ

٧٧
كتاب الرقاق / باب التوكل والصبر
أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَّرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
(وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) قال الشيخ عبد الكريم الجيلي: الصبر
هو السكون عند نزول البلاء. وله علامتان:
الأولى: عدم الشكوى من المبتلَى.
الثانية: عدم الملل من دوام البلاء.
والصابرون على مراتب:
فمنهم: من صبره احتسابًا لله، طلبًا لجزيل الثواب، وسكونًا إلى صادق وعد من
لا يخلف الميعاد، وهذا هو صبر العباد، وكافة أهل النسك، وهو صبر معلول.
ومنهم: من صبره الله لا من أجل الثواب، فيحمل أعباء البلاء لأجل المبتلى رضًا
بقضائه وقدره، وهذا صبر السالکین.
ومنهم: من صبره في الله؛ يعني: في حب الله، فلا يجد مرارة الصبر، بل لا يجد
مشقة البلاء، ثم ينتهي في هذا المعنى إلى أن يلتذ بالعذاب كما يلتذ بالنعيم نظرًا إلى
فعل المحبوب، كما قال سلطان المحبين، وقدوة العاشقين، الشيخ شرف الدين عمر بن
الفارض :
وتعذيبُكُمْ عذبٌّ لِدَيّ وجَورُكم عليّ بما يقضي الهوى لَكُمُ عدل
ومنهم: من صبره على الله، وهو صبر المريدين، فيصبر على حمل أعباء دوام
التعلق بالله، فيضبط الإحساس، ويعد الأنفاس، ولا يشتغل أبدًا إلا بالله، فلو اشتغل
بشغل ما لكان مشتغلاً بالله في ذلك الشغل عن شغله، كما قيل:
جَرَى حُبّها مجرَى دمي في مفاصِلي فأصبَحَ لي عن كلّ شُغْلٍ بها شغل
ومنهم: من صبره مع الله، فلا يخطر به خاطر في غير الله، كما قال بعض
الشيوخ: ((كنت بواب قلبي ثلاثين سنة)) يعني: صبرت مع الله فيها، وما تركت القلب
(١) أخرجه مسلم (٧٦٩٢).

٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
يسرح و[يرتع] (١) في شيء سواه، وهذا الصبر هو صبر العارفين.
ومنهم: من صبره عن الله، لكن بالله، وذلك أن العبد إذا وصل إلى الله تعالى،
وتحقق بمقام البقاء في حضرة: ((كنت سمعه وبصره) قد يرجعه الله إلى الخلق؛ لتكميله
أو لتكميل غيره على يده، فيرسل دونه حجابًا رقيقًا، فيقف العبد خلف ذلك الحجاب،
وقد تأدب لكل مقام بما يلزمه من الآداب، فصبره في هذه المرتبة عن الكمالات الإلهية
هو الذي يسمى بـ((الصبر عن الله)) وهو أشقّ الصبر وأمرَّه وأصعبه، ولكنه صبر
المحققين. [غتية أرباب السماع - بتحقيقنا].
٥٢٩٨ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ
إِلَى الله مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلِ خَيْرً، احْرِضْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا
تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ
وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ)) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢).
(فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحِ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قَالَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: هَذَا
التَّهْي إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَالَهُ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ حَتْمًّا، وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تُصِبْهُ قَطْعًا، فَأَمَّا مَنْ رَدَّ
ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَة الله تَعَالَى بِأَنَّهُ لَنْ يُصِيبِهُ إِلَّا مَا شَاءَ اللهِ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا، وَاسْتَدَلَّ
بِقَوْلِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ الله عَنْهُ - فِي الْغَارِ: (لَوْ أَنَّ أَحَدِهمْ رَفَعَ رَأْسِه لَرَآنَا».
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا لَا حُجَّةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ مُسْتَقْبَل، وَلَيْسَ فِيهِ دَعْوَى
لِرَدِّ قَدَر بَعْد وُقُوعه. قَالَ: وَكَذَا جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي بَابِ (مَا يَجُوز مِن اللَّ)
كَحَدِيثِ: «لَوْلَا حِدْثَان عَهْدِ قَوْمك بِالْكُفْرِ لَأَتْمَمْتِ الْبَيْت عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم وَلَوْ
كُنْتِ رَاجِمًا بِغَيْرٍ بَيِّنَة لَرَجَمْتِ هَذِهِ وَلَوْلًا أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتِهِمْ بِالسِّوَاكِ)) وَشِبْه
(١) في (ف): يزيغ.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٤) وأحمد (٨٧٧٧) والنسائي في (الكبرى)) (١٠٤٥٧) وابن ماجه (٤١٦٨) وابن
حبان (٥٧٢١) والبيهقي (١٩٩٦٠) والحميدي (١١١٤) وأبو يعلى (٦٢٥١) والحكيم (٤٠٤/١)،
والديلمي (٥٨٠).

٧٩
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
ذَلِكَ، فَكُلّهِ مُسْتَقْبَل لَا إِعْتِرَاض فِيهِ عَلَى قَدَرِ، فَلَا كَرَاهَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَن
إِعْتِقَاده فِيمَا كَانَ يَفْعَل لَوْلَا الْمَانِعِ، وَعَمَّا هُوَ فِي قُدْرَتِهِ، فَأَمَّا مَا ذَهَبَ فَلَيْسَ فِي
قُدْرَته.
قَالَ الْقَاضِي: فَالَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْي عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومه؛
لَكِنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهِ، وَبَدُلّ عَلَيْهِ قَوْلِهِ وَّه: (فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحِ عَمَلِ الشَّيْطَان) أي: يُلْقِي فِي
الْقَلْبِ مُعَارَضَةِ الْقَدَرِ، وَبُوَسْوِسِ بِهِ الشَّيْطَانِ. هَذَا كَلَام الْقَاضِي.
قُلْت: وَقَدْ جَاءَ مِن إِسْتِعْمَال (لَوْ) فِي الْمَاضِي قَوْله ◌ََّ: ((لَو ◌ِسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي
مَا إِسْتَدْبَرْت مَا سُقْتِ الْهَدْي)) وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَالظَّاهِرِ أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَنْ إِظْلَاق ذَلِكَ
فِيمَا لَا فَائِدَة فِيهِ، فَيَكُون نَهْي تَنْزِيه لَا تَحْرِيمٍ. فَأَمَّا مَنْ قَالَهُ تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ
طَاعَةِ اللّه تَعَالَى، أَوْ مَا هُوَ مُتَعَذَّر عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَحْوِ هَذَا، فَلَا بَأْس بِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل
أَكْثَرِ الإِسْتِعْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَحَادِيث، والله أَعْلَم. [النووي ١٩/٩].
الفصل الثاني
٥٢٩٩ - [عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ وَيهِ يَقُولُ: ((لَوْ أَنَّكُمْ
تَتَوَّكَّلُونَ عَلَى اللّه حَقَّ تَوَكُلِهِ؛ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِي وَابْن مَاجَه](١).
(لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللّه حَقَّ تَوَّلِهِ): بالاعتماد على الله ◌َك دون غيره في
استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، مع الإيمان بأنه لا يعطي ولا
يمنع ولا ينفع سوى الله تعالى (تَغْدُو خِمَاصًا) ضامرة البطون من الجوع (وَتَرُوحُ):
ترجع آخر النهار. (بِطَانًا): ممتلئة البطون.
ففيه: فضيلة التوكل، وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق.
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٤٤) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٠٥)، وابن ماجه (٤١٦٤)، وابن حبان
(٧٣٠)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (١١٨٢) وابن المبارك في ((الزهد)) (٥٥٩)، والطيالسي (٥١)،
وأبو يعلى (٢٤٧)، والحاكم (٧٨٩٤) وقال: صحيح الإسناد، والضياء (٢٢٧).

٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وفيه: إن التوكل لا ينافي النظر إلى الأسباب، فإنه أخبر أن التوكل الحقيقي لا
يضاده الغدو والرواح في طلب الرزق؛ ولهذا سئل الإمام أحمد عن رجل جلس في بيته،
أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي، قال أحمد: هذا رجل جهل العلم،
واستدل بهذا الحديث.
٥٣٠٠ - [عَن ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَِّ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ
يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يُقَرِّبُكُمْ
مِنَ النَّارِ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلاَ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ - وَفِي رِوَايَةٍ:
وَإِنَّ رَوْحَ القُدْسِ - نَفَثَ فِي رُوعِي، أَنَّ نَفْسًا لنْ تَمُوتَ حَقَّى تَسْتَكْمِل رِزْقَهَا، ألا
فَاتَّقُوا الله، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبٍ، وَلا يَحْيِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي الله،
فَإِنَّهُ لا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللهِ إِلا بِطَاعَتِهِ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) وَالبَيْهَِي فِي («شُعَبِ
الإِيْمَانِ)) إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ((وَإِنَّ رَوْحَ القُدْسِ))](١).
٥٣٠١ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ عَنِ الثَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ
الْخَلَّالِ وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا أَلَّا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ بِمَّا
فِي يَدِ اللهِ، وَأَنْ تَكُونَ فِي تَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ
لَكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وابْن مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثُّ غَرِيْبُ وَعَمْرِو بْنِ وَاقِد
الرَّاوِي مُنْكَر الْحَدِيْث](٢).
٥٣٠٢ - [وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَ يَوْمًا فَقَالَ: ((يَا
غُلَامُ، احْفَظِ اللّهَ يَخْفَظْكَ، احْفَظِ اللّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللّهَ، وَإِذَا
اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ
إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ
(١) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (١٠٣٧٦)، وابن أبي شيبة (٣٤٣٣٢)، وهناد في ((الزهد))
(٤٩٤)، والدارقطني في ((العلل)) (٨٧٥)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٤٢/٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٤٠) وقال: غريب، وابن ماجه (٤١٠٠)، والديلمي (٥٢٢٨).