Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول أو خاصة الخاصة: وهي وقايتها عن النظر لما سوى الله. والعلم بالله: إمَّا لصفاته: وهو في أصول الدين. أو فروع أحكامه: وهو الفقه. أو بكلامه: وهو علم القرآن ومتعلقًا به. أو بأفعاله: وهو علم حقائق العالم، وهو ير جمع غاية التقوى وسائر أنواع العلوم مع زيادات لا تحصى، فكان أتقى الخلق وأعلمهم، وجمع بين كمال العلم وكمال العمل، فلا يتهيأ لأحد أن يزيد عمله على علمه بل، ولا يساويه؛ لأن من جملة العمل عمل القلب وأشرف أعماله العلم والخشية والتقوى، وله ◌َ له من كل أحد من هذه الثلاثة أعلاه. ١٤٦ . [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: صَنَعَ النَّبِيُّ ◌َّ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌ََّ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامِ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ، فَوَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللهِ وَأَشَدُهُمْ لَهُ خَشْيَةً))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عَائِشَة - رضي الله عنها - قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللهِلهَ شَيْئًا) من المباحات، وآثرت (صنع)) على ((فعل))؛ لأن صنع يدل على إجازة الفعل وأحكامه، ومن ثم يقال للحيوان: فعل الأصنع (فَرَخَّصَ) للأمة (فِيهِ) بفعله، وبيَّن لهم ألا حرج عليهم في فعله خلاف ما قد يظن من امتناعه (فَتَنَزََّ) أي: تباعد وتحرز و(عَنْهُ قَوْمٌ) من الصحابة - رضوان الله عليهم - فلم يفعلوه ظنًا منهم أن فعله ينافي الكمال، وأنه وَّلتر إنما فعله لبيان جوازه لا غير. (فَبَلَغَ ذَلِكَ) التنزه الصادر منهم (رَسُولَ الله ﴿ ﴿ فَخَطَبَ) جريًا على عادته الكريمة أنه كان كثيرًا ما يعرض بما يبلغه، ولا يواجه به من بلغه سترًا على الفاعل (١) أخرجه البخاري (٥٧٥٠)، ومسلم (٢٣٥٦)، وأحمد (٢٥٥٢١). ٥٤٧ كتاب الإيمان / باب ورحمة به (فَحَمِدَ الله) بيان لخطب، فلا يحتاج إلى تأويل شارح لخطب بأراد أن يخطب. (ثُمَّ) بعد مزيد إطناب في الثناء على الله (قَالَ: مَا بَالُ) أي: حال (أَقْوَامِ) أي: أي حال لهم من الأحوال والأوصاف على أنهم (يَتَنَزَّهُونَ) فهو صفة ((أقوام)) وقع موقع الحال في نحو مالك فإنما ﴿مَا لَكُمْ لَّا تَرْجُونَ لِلهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. (عَنِ الشَّيْءِ) الذي (أَصْنَعُهُ) ظنًا منهم أن كمال في فعله، أو أنهم يخشون عذاب الله إن فعلوه، و((أل)) في ((الشيء)) للعهد الذكري السابق في قولها: ((شيئًا)، فـ(أصنعه)) حال، ويجوز على بعد كونه نظرًا إلى أن ((أل)) في (الشيء)) للجنس. (فَوَاللهِ إِنِّ لأَعْلَمُهُمْ) وقع موقع ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤] الحال من فاعل ((ترجون)»، والمقرر لجهة الإشكال؛ أي: ما لكم غير آملين لله وقارًا، والحال أنه خلقكم في أطوار يدل على عظم قدرته وبداعة خلقته، والتقدير هنا: ما حالهم يتنزهون عمَّا أفعله مع أني المحجة البيضاء والقدوة الكبرى لكل الخلق، فكان ينبغي لهم أن يجعلوا المبادرة إلى الفعل مسببًا عن عملي خلاف ما عكسوا من جعلهم التنزه مسببًا عن عملي، وهذا غير سديد (بِاللهِ) أي: بعذابه وغضبه وما يرضيه من الأعمال، فلا يصدر مني شيء إلا وهو على غاية وجوه الكمال والاستقامة. (وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً) إذ الخوف على قدر العلم، فكل ما زاد العلم بحقائق ما عنده تعالى وصفاته وما يليق به، زاد الخوف من قهره وتعززه وسطوته وكبرياؤه وجلاله وجبروته، فأنا أولى من قام بما يمكن من القيام بحقوقه، ومن تنزه عمَّن لا يليق بخدمته، فكيف يظنون ذلك، وأثر ذلك علي وأخشاهم له السابق في الحديث قبله؛ لأن هذا فيما نحن فيه من المبالغة ما ليس في ذلك على حد: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه من تأكيد الحث على الاتباع والمجانبة لكل ابتداع ما يحمل كل كامل يا عاقل على ألا تخترع ولا تبتدع، وأن تعلم أن الخير كله فيما كان عليه وَّة، ٥٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول وأن من ظنَّ أنه ارتقى إلى حال أرفع وأكمل من حاله وَليّة، فقد باء بالخزي العظيم والوبال الجسيم. ١٤٧ - [وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللهِ ﴿ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُؤْبِّرُونَ النَّخْلَ فَقَالَ: ((مَا تَصْنَعُونَ)) قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ. قَالَ: ((لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا». فَتَرَكُوهُ فَنَقَصَتْ. قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرُّ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأَبِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرُ))(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ عَ﴾ قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللّهِ وَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ) أي: أهلها (يُؤْبِّرُونَ النَّخْلَ) أي: يشققون طلع الإناث، ويذرون فيه طلع الذكور ليجني تمرة جيدًا؛ إذ النخلة خلقت من قطعة طينة آدم كما ورد، فلا بد عادة في صلاح نتاجها من الاجتماع طلع الذكر مع طلع الأنثى، كما أنه لا بد عادة في تخلق ابن آدم من اجتماع مني الذكر والأنثى. (فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ؟) لهذا التأبير، وأي حاصل لكم عليه؟ (فَقَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ) أي: هو دأبنا وعادتنا، وإلا لم يأتِ لنا تمر جيد (قَالَ: لَعَلَّكُمْ لَوْلَمْ تَفْعَلُوا) ذلك التأبير (كَانَ خَيْرًا) لكم لاستراحتكم من التعب، فما لا يعني شيئًا من القدر فيما أظن، ومن ثم جاء في رواية: ((لا أظن ذلك يغني شيئً)(٢). (فَتَرَكُوهُ فَنَقَصَتْ) الثمرة، ولم يأتِ منها شيء صالح (قَالَ) أبو رافع: (فَذَكَرُوا له ذَلِكَ) وَه (فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) فليس لي اطلاع على المغيبات، وإنما ذلك شيء قلته بحسب الظن لشهودي؛ إذ ذاك مسبب الأسباب، واستغراقي في عجائب قدرته وباهر قوته التي لا تتوقف على سبب، لكنه تعالى قضى ليظهر حكمته الباهرة، وتتفاوت شهود عباده في الدنيا والآخرة بأن دائرة الأسباب لا بد من مراعاتها، ومباشرة المتاعب المنبئة عن مشاق التكليف والاحتياج لا بد من الدخول في ورطتها. (١) أخرجه مسلم (٦٢٧٦)، والطبراني (٤٢٩٨). (٢) أخرجه أحمد (١٤١١)، وابن ماجه (٢٥٦٤)، وعبد بن حميد (١٠٣)، وأبو يعلى (٦١٤). ٥٤٩ کتاب الإیمان/ باب (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ) ما ينفعكم في أَمْرِ (دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ) على غاية من المبادرة إليه وطمأنينة النفس به، فإني إنما نطقت به عن الوحي الإلهامي أو الملكي (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأيِي) المتعلق بأمور الدنيا التي لا ارتباط لها بالدين (فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) مثلكم فيه، فمن شاء فعله ومن شاء تركه؛ لأن ما هذا شأنه قد يوافق الظن فيه الواقع، وقد لا وبما قررته من أن هذا هو الجزاء اندفع ما قيل: ((إن الجزاء فلا تستبعدوه فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب)) كما جاء في رواية أحمد ((والظن يخطئ ویصیب))(١). (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وفيه غاية المنقبة العلية له وَله وهي أنه لم يلتفت إلى الدنيا في أمر من أمورها وإن قلَّ، وإنما كان نظره والتفاته واستغراقه مقصورًا على الأمور الأخروية، وشهود المعاني الربانية والمواهب الرحمانية والكمالات الإتقانية والمعارف الفردانية. ١٤٨ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَنَى قَوْمًا فَقَالَ: يَا قَومُ، إِّ رَأَيْتُ الْخَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنَّ أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ. فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُم، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا حِثْتُ بِهِ مِنَ الْحَقّ))(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ) بفتح أولى كل منهما (مَا بَعَثَنِي اللّهُ بِهِ كَمَثَلٍ) أي: صفتي العجيبة الشأن، وصفة ما أرسلت به كصفة (رَجُلِ أَنَى قَوْمًا) لينذرهم بقرب عدوهم منهم، وأنه لا قدرة لهم على لقائه، وإنما الذي ینجیهم منه أنهم یھربون عنه. (يَا قَوْمٍ إِنِّ رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ) اثنتين معًا إشارة إلى تحققه لرؤيته تحقيقًا ينفي (١) أخرجه أحمد (١٣٩٥)، وابن ماجه (٢٤٧٠). (٢) أخرجه البخاري (٦٨٥٤)، ومسلم (٢٢٨٣). ٥٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول كل شك وريبة، فلا يقال: لم ذكروا مع أن الرؤية لا تكون إلا بهما (وَإِنِّ أَنَا الَّذِيرُ الْعُرْيَانُ) مَثل مشهور يضرب لشدة الأمر ودنو المحذور وبراءة المحذر من القصة، وأصله: إن الرجل إذا رأى العدو قد هجم على قومه، ولم يبقَ زمن يعدوا فيه إليهم تجرد عن ثوبه وجعله على مرتفع كالراية، وصاح ليتهيؤوا قبل أن يبغتوهم على حين غفلة من وقت الصباح (فَالنَّجَاءَ [النَّجَاءَ] (١) بالمد، ويجوز القصر، وإن لم يكرر كما هنا؛ أي: السرعة بالفرار من نجا أسرع، فنصبه على المصدر؛ أي: أنجوا النجاء وتصح على الأعداء. (فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا) بتشديد الدال؛ أي: أكثروا السير في الدلجة؛ أي: الظلمة، وقد يخص بالسير آخر الليل، وعلى كل فخصت بالذكر؛ لأن سير الليل أهون وأبرك بل جاء في الحديث: ((إن لله ملائكة يطوون الأرض للمتأخرين بالليل كطي القراطيس فعليكم بالدلجة))(٢) واختلفوا في ذلك الطي، والقاعدة عند المحققين: إن كل لفظ ورد في الكتاب والسنة ولم يستحل ظاهره يحمل عليه ما لم يرد ما یصرفه عنه. (فَانْطَلَقُوا) بعد تلك السرعة التي يعدونها عن العدو (عَلَى مَهَلِهِمْ) بفتح أوليه؛ أي: هنيتهم، وبالسكون: الإمهال، وفي نسخ مسلم: ((مهلتهم)) بضم فسكون ثم فوقية بعد اللام والمعنى واحد (فَنَجَوْا) بواسطة ذلك التصديق لذلك التدبر. (وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ، فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ) أي: استأصلهم فلم يبقَ منهم أحد، وهذا فائدة الجمع بينهما، والجائحة: الهلاك، وتوصف بها الآفة؛ لأنها مهلكة، (فَذَلِكَ) القسم الأول (مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي) کتصدیقه لي فيما جئت به کما أشار إليه في مقابله بقوله: «وکذب ما جئت به)). (فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ) فإنه بواسطة ذلك يهلك أفظع الهلاك، ويعذب أشد (١) سقطت من الأصل. (٢) أخرجه بنحوه الطبراني في الأوسط (٥٩٦٥). ٥٥١ کتاب الإیمان/ باب العذاب الدائم المستمر عليه إلى ما لا نهاية له، خالدين فيها ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥]. ([وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ](١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) والتشبيه فيه من الشبهات المغرقة على حد قول امرئ القيس: كَأَنَّ قُلوبَ الطَّيرِ رَطبًا وَيَابِسًّا لَدِى وَكَرِها العُنّابُ وَالحَشَفُ البالي شبَّه القلوب الرطبة بالعناب، واليابسة بالحشف على التفريق كذلك هنا شبَّه ذاته ◌َّيه بالرجل، وما أرسل به من إنذار الأمة بعذاب الله القريب المهلك المستأصل بإنذار الرجل، فقومه بالجيش المصبح المهلك المستأصل. وشبَّه من أطاعه من أمته فنجا من ذلك العذاب بمن أطاع ذلك المنذر بالجيش، فأسرع في الهرب منه حتى نجا، ومن عصاه فتخلف حتى هلك وخلد في عذاب الله بمن کذب ذلك المنذر، فلم یفُز حتى استأصله ذلك الجيش. وشبَّه اجتهاده و چل10 في بذله سائر أسباب النصيحة لأمته، فلم يدخر عنهم منها شيئًا بذلك النذير العُريان المجتهد في غاية ما أمكنه من نصح قومه كما أشار لذلك بأنواع من التأكيدات؛ قوله: (بعيني)) مع أن الرؤية لا تكون إلا بهما، وقوله: ((إني أنا»، وقوله: ((العريان)) الدال على بلوغ النهاية في قرب العدو. وشبَّه تحققه رقمالور لجميع ما أخبر به من غير أن يخالطه شك ولا ريبة بمن رأى شيئًا بعينه رؤية لا يمتري فيها ولا يشك، وصدقه في تحريضه لهم من العذاب الذي لا يشك أحد فيه بصدق ذلك العريان عند العرب، فإنهم لا يشكون في أن إنذاره وتحريضه لهم من الهلاك صدق لا شبهة فيه. ١٤٩. [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ سِ: (مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلِ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، (١) سقطت من الأصل. ٥٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول فَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا)». هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيّ، وَمِثْلَهَا لِمُسْلِمٍ وَقَالَ فِي آخِرْهَا: ((وَذَلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذُّ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي مُقَحَمُونَ فِيهَا))(١). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ رَسُولُ الله ◌ِلهُ: مَثَلي) أي: شأني العجيب معكم أيها الأمة، فلا التفات في قوله الآتي: ((بحجزكم)) خلافًا لمن زعمه بناء على تقديره هنا: مثلي مع الناس (كَمَثَلِ رَجُلِ اسْتَوْقَدَ) أي: أوقدت، وزيدت السين للتأكيد (نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ) أي: قويت إنارتها من الضوء، وهو ما انتشر من الأجسام النيرة (مَا حَوْلَهَا) أي: النار هذه رواية مسلم. ورواية البخاري: ((حَوْلَهُ))(٢) كالآية؛ أي: المستوقد، وأضاء يتعدى فلاما حولها)) مفعول به؛ أي: ملأت الجوانب المحيطة بها أو به ضوء، أو لا يتعدى فهو فاعل؛ أي: امتلأت تلك الجوانب ضوءًا، والفاعل ضمير النار و((ما حولها)» ظرف جعل حصول إشراق النار في جوانبها بمنزلة حصولها فيها مبالغة، ووجه تشبيهه مثله بهذا المستوقد أن حدود الله التي نصَّ على أن من تعداها ظالم محارمه ونواهيه، كما ورد: ((ألا إن حمى الله محارمه))(٣) ورأس المحارم حب الدنيا وشهواتها، فشبَّه إظهاره وَّ تلك الحدود ببيانه الكافي الشافي باستيقاد الرجل النار، وشبَّه فُشُو ذلك الكشف في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار وما حولها وحول مستوقدها. (جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ) أنَّتَه نظرًا لخبره، أو لكون الفراش اسم جنس على حد: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ [النحل: ٦٨]. (١) أخرجه البخاري (٦١١٨)، ومسلم (٦٠٩٧)، وأحمد (٨١٠٢)، والترمذي (٢٨٧٤) وقال: حسن صحیح. (٢) أخرجه البخاري (٦٤٨٣)، وأحمد (٧٥٢٣). (٣) أخرجه مسلم (١٠٧)، وابن حبان (٤٩٧)، والبيهقي (١٠٧٠٣). ٥٥٣ کتاب الإیمان/ باب (الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي الثَّارِ) تفسير للفراش بما فيه بيان لتحقيرها على حدٍّ قوله: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾ [المدثر: ٣١] وسميت دواب على خلاف العرف تسجيلًا عليها بمزيد الغباوة، والجهل المفرط على حد: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ الله الصُُّّ البُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]. (يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ) ذلك المستوقد (يَحْجُزُهُنَّ) أي: يمنعهن من الوقوع فيها (وَيَغْلِبْنَهُ) على الوقوع عليها (فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا) من التقحم، وهو الإقدام والمبادرة إلى الوقوع في الأمور الشاقة من غیر تثبت. (فَأَنَا) فصيحة؛ أي: إذا صح هذا التمثيل، فكنت كالمستوقد وأنتم كالفراش فيما ذكرنا فأنا (آخُذُ) اسم فاعل، وهو الأشهر أو فعل مضارع (بِحُجَزِكُمْ) جمع: حجزة، وهي معقد الإزار (عَنِ الثَّارِ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ) أي: تتقحمون (فِيهَا). شبَّه الناس في حقارتهم وجهلهم، وتهالكهم على الدنيا لنيل شهواتها، وتعديهم لحدود الله غير مبالين ببيانه ولير الذي ملأ الوجود، ومنعه إياهم عن ذلك التعدي المهلك بأبلغ وجوه المنع والزجر، المكني عنه بأخذ الحجز المبني عن تشبيه حاله وَله في ذلك المنع بحال من أخذ بحجزة صاحبه؛ لئلا يقع في بئر مهلكة بفراش يبادر إلى الوقوع في النار، ولا يمنع عنها بمنع المستوقد له عنها. وشبَّه كون قصده وَله من ذلك البيان اهتداء الأمة وحمايتها عن كل مهلك، وما يؤدي إليه فجعله الناس لجهلهم شؤم تلك المهلكات سببًا لهلاكهم، فصاروا يتهافتون على الوقوع فيها يكون المستوقد قصد بالإيقاد انتفاع الخلق به من الاهتداء والاستهداء وغيرهما، فجعلته الفراش سببًا لهلاكها لجهلها بما يعقبه التقحم فيها من الإحراق والهلاك. (هَذِه روَايَة الُْخَارِيّ، وَلَمُسْلِم ((مثلها) (١)، وَقَالَ فِي آخرِهَا: وَذَلِك مَثَلي (١) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: نحوها. ٥٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول وَمَثَلُكُمْ) تأكيد احتيج إليه لطول الكلام، وإلا فهو معلوم من أوله كقوله: (أَنَا آَخِذُّ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ) قائلاً لكم: (هَلُمَّ) أصله عند الخليل: لُمَّ أَيْ ضُمَّ نَفْسك إلينا بالقرب منَّا، والهاء للتنبيه حذفت ألفها لكثرة الاستعمال، وصارا كلمة واحدة يستوي فيها الواحد والمذكر، وضدهما في لغة الحجازيين وبها جاء القرآن. (عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي) بإدغام نون الرفع في نون التوكيد، وفاؤه للسببية المعكوسة كاللام في: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] على قوم (مقحمون) أي: تتقحمون (فِيهَا) بدل مما قبله؛ أي: أنا آخذ بحجزكم لأخلصڪم، فعكستم وجعلتم غلبة وقوعكم فيها مسببة عن أخذي لحجزكم. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه فوائد منها: إن الإنسان لطبعه على إيثار الحظوظ العاجلة، وتهاونه في الآجلة ﴿كَلَا بَلْ تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢١] أحوج إلى النذارة منه إلى البشارة حتى تنقلع منه تلك الحظوظ والمخالفات، ويتطهر من سائر الأهوية والشهوات؛ ليتمكن من فعل ما يقربه إلى بارئه ويمنحه ما يرتضيه، ومن ثم قالوا: لا تحلية إلا بعد تخلية. ومنها: إظهار رأفته وَّر على الأمة، وعظيم حرصه على نجاتهم، واجتهاده في خلاصهم من الآفات والمهالك، قال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ١٥٠ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، وَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَتَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَرَعَوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانَ، لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلاَّ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللّهُ بِهِ، فَعَلِمَ ٥٥٥ کتاب الإیمان/ باب وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي مُوسَى ظُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َِّ: مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللّهُ بِهِ) أي: صفته العجيبة الشأن (مِنَ الْهُدَى) هو الدلالة على الخير بلطف، ومنه: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] أو الإيصال إليه، ومنه: ﴿إِنَّكَ لَّا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. (وَالْعِلْمِ) هو صفة توجب تميزًا لا يحتمل النقيض، وعُطِف على (الهدى)) إما لرجوعه للنفس ورجوع الهدى للغير، أو لأن الهدى الدلالة والعلم المدلول، أو المراد الطريقة والعمل، ومن ثم ورد: ((من ازداد علمًا ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدًا))(٢). (كَمَثَلِ الْغَيْثِ) آثره على بقية أسماء المطر؛ لأن الإغاثة تشعر بالاضطرار، ومن ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] ولا شك أن القلوب لموتها قبل بعثته وي ليه كانت في غاية الاضطرار ولهداه وعلمه؛ ليحبي بهما من موت الغفلة والجهل، فللإحياء الذي تقرر للغيث والهدى والعلم شبههما به، وكنى بذلك عن تشبه أصحاب أولئك القلوب في حال فقدهم الوحي إلى أن تداركهم الله بغيثه وغوثه، ثم كان حظ كل فريق من تلك الرحمة على ما يأتي من الأمثلة والنظائر (الْكَثِيرِ) في حال كونه (أَصَابَ أَرْضًا) صالحة لكنها منقسمة إلى قسمين. (فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ) أي: قطعة (طَيِّبَةٌ) لخلوصها وسلامتها من أن يخالطها ملح أو نحوه مما يفسد الماء أو الزرع، ورواية البخاري(٣): (نَقِيَّةُ)) بنون مفتوحة فقاف مکسورة فتحتية مشددة، وهي بمعنى طيبة، وروي غير ذلك مما لا يصح هنا. (١) أخرجه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٣)، وابن حبان (٣)، والبزار (٣١٦٩). (٢) ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة (١٣٢/١). (٣) أخرجه البخاري (٧٩). ٥٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول (قَبِلَتِ الْمَاءَ) أي: تشربه أجزاؤها، فألقحها كما يلقح الفحل الأنثى بمائه، وروايته بالتحتية المشددة قيل: تصحيف، وقيل: صحيحة، ومعناه: شربت من القيل، وهو شرب بعض النهار (وَأَنْبَتَتِ الْكَلاَّ) بالهمز يشمل الرطب واليابس (وَالْعُشْبَ) يختص بالرطب، وفائدة عطفه الاهتمام به لشرفه، ومثله الحلي بالقصر، وأما الحشيش فيختص باليابس (الْكَثِيرَ). (وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ) بالجيم والدال المهملة، وهي الأرض التي إذا نزل عليها ماء (أَمْسَكَتِ الْمَاءَ) لشدة صلابتها، فلا يسرع إليها النضوب، ولا ينبت لصلابتها جمع: جدب على غير قياس من الجدب، وهو القحط لقلة المطر ونحوه. وروي: ((أجاذب)) بجيم ومعجمة ومعناها قريب من الأول، و((أَخَاذَات)) بمعجمتين وألف بينهما جمع: إخاذة بكسر الهمزة، وهي الغدير الذي يمسك الماء وصوبه بعضهم، وفيه روايات أخرى مردودة. (فَنَفَعَ اللهُ بِهِ النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا) ويجوز: ((اسقوا)، وقيل: ((سقاه)) ناوله، و(أسقاه)) جعل له سقيًا، (وَرَعَوْا) من الرعي، ورواية: ((وَزَرَعُوا))(١) قيل: تصحيف، وأجيب بأن المراد زرعوا به غير تلك الأرض، وفي هذا بناء على رواية ((رعوا)) تشويش النشر؛ لأن الشرب والسقي للقسم الثاني، والرعي للقسم الأول. (وَأَصَابَ مِنْهَا) أي: الأرض (طَائِفَةً أُخْرَى) فاسدة (إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ) بكسر القاف جمع: قاع، وهو المستوى الواسع في وطاء من الأرض، وقيل: الأرض الملساء، وقيل: ما لا نبات بها (لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلاَّ فَذَلِكَ) أي: القسم الأول من أقسام الأرض الثلاثة، وهو أفضلها وأطيبها؛ لإنباتها ما انتفعت به عموم الناس (مَثَلُ مَنْ فَقُّهَ) بضم القاف في الأجود؛ لدلالته على أن الفقه الشرعي صار سجية له، وروي بكسرها (في دِينِ الله) فاستنبط الأحكام باجتهاده المستجمع لشروط الاجتهاد البالغ (١) أخرجه البخاري (٧٩). ٥٥٧ کتاب الإيمان/ باب فيه غاية الاستقامة والرشاد، فأخذها الناس عنه فانتفع هو والناس بها. وهذا القسم أفضل الأمة؛ لأنهم في الحقيقة هم المتحققون بكمال الوراثة المحمدية والخلافة المصطفوية، ومن ثم أعلن ◌َله بفخرهم فجعل للمصيب منهم أجرين وفي رواية: ((عشرة أجور))(١) وللمخطئ منهم أجرًا واحدًا على اجتهاده، ورفع عنه المؤاخذة على خطئه لعذره؛ لكمال أدوات الاجتهاد فيه، وإفراغ الوسع في طلب الحق وإن لم يظفر به بناء على المشهور أن المصيب من المجتهدين واحد فقط. القسم الثاني من أقسام الأرض وهو دون الأول في الفضل؛ لأنه ليس له أفضلية إمساك الماء إلى وقت احتياج الناس إليه، فهو حافظ وأمين فقط مثل من حمل من المقربين والمحدثين، ونحوهما كتاب الله وسنتي وحفظهما على مجتهدي الأمة؛ ليستنبطوا منهما الأحكام دونه؛ لأنه لم يحصل له ملكة الاستنباط فيه، ولكنه مع ذلك قد (نَفَعَهُ مَا) حمله وحفظه مما (بَعَثَنِي اللهُ بِهِ) لأنه أوصله للناس عند احتياجهم إليه على أنه لم يقتصر على مجرد الحفظ الخالي عن الفهم والتعليم، بل اعتنى بمحفوظه (فَعَلِمَ) من معانيه وطرقه، والأثر ما لا بد منه (وَعَلَّمَ) ذلك كله للناس، فهو أيضًا قد نفع وانتفع لكن دون نفع المجتهدين وانتفاعهم بكثير؛ إذ شتان بين من يجوز الألفاظ والمعاني، ويتصرف فيها بما يستخرج به منها ما يعلم به أحكام التكاليف المتوقف عليها قيام الدين ودوام الشريعة على ما كانت عليه في زمنه ◌َ﴾، ومن يجوز الألفاظ وينقلها إلى غيره من غير أن يتأهل للتصرف فيها بوجه كما أنه شتان بين أرض تقبل الماء، ثم تنبت ذلك الزرع المحبي للناس من الهلاك، وأرض لا تنبت شيئًا من ذلك، وإنما تحفظ ما فيها من الماء إلى أن يأتي من يأخذه لسقي أو رعي أو زرع. (و) القسم الثالث: الخسيس الذي لا يعول عليه، ولا يلتفت إليه من الأرض؛ لأنه لا ينفع ولا يُنفع بل يفسد ما أصابه (مَثَلُ) القسم الثالث من الناس، وهم (مَنْ) (١) أخرجه أحمد (١٧٨٥٩)، والدار قطني (٢٠٣/٤)، والروياني (٢٧١). ٥٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول غلب عليه الجهل والإعراض عمَّا جاء به وَّ حتى صار (لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ) الهدى والعلم (رَأْسًا) كناية عن تكبره وعدم التفاته، يقال لمن يرفع رأسه بهذا؛ أي: لم يلتفت إليه من عظم تكبره. (وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى الله) اكتفى به عن ذكر العظم لشموله كما علم مما مرَّ (الَّذِي أَرْسِلْتُ بِهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ولا يخفى على ذي مسكة وتأمل ما اشتمل عليه من بديع للتقسيم، وحسن تشبيه كل قسم من الناس في إجابته وله بقسم من أقسام الأرض، إذا نزل بها الغيث ثم تشبيه الهدى والعلم بالغيث من تشبيه معقول بمحسوس، وتشبيه الناس بالأرض من تشبيه محسوس بمحسوس، ويحتمل كما قاله بعضهم: أن يكون تشبيهًا واحدًا من باب التمثيل شبه صفة الواصل لناس من حيث اعتبار النفع وعدمه بالمطر المطيب أنواع الأرض. وقوله: ((فذلك ... إلى آخره)) تشبيه آخر قرر به الأول، وبيَّن به المقصود به، وفي الحديث إشارة إلى أن الاستعدادات لا يحصلها محض الكسب، وإنما هي مواهب ربانية يختص بها تعالى من يشاء، وإلى أن كمالها إنما يتحقق بما يفيضه الله تعالى عليها من المشكاة النبوية، وإلى أن الابتداع علامة على أن صاحبه لم يرد خير، وإن فرض أن له استعدادًا؛ لأنه صوري لا يعبأ به، وأن الفقيه بالحقيقة من عَلِم وعمل ثم عَلَّم حتى عمَّ الانتفاع بعلمه، وأن من اقتصر على العمل دون العلم أو عكسه لا يُقتدى به، ولا يلتفت إليه كأرض بها عشب؛ لأنها معه وإن من منحهما ثم منعهما الناس كان ظالمًا كأرض بها ماء وعشب منعها ظالم عن مستحقي رعيها. (تنبيه): ما سلكته في تقرير هذا الحديث من اشتماله على بيان الأقسام الثلاثة من الناس، ومطابقتها للأقسام الثلاثة من الأرض، وأنه لا حذف ولا عكس في النشر هو ما ظهر لي فيه وهو أولى وأنسب لفن البلاغة عند من تأمله مما يسلكه الشارحون فيه من تباين آراء، واختلاف تقرير في كل منهما تكلف وتعسف. منها: قول جمع المصرح به: في الأرض ثلاثة وفي الناس قسمان؛ من فقه كالأرض ٥٥٩ کتاب الإيمان/ باب الطيبة تنبت فتنفع وتنتفع، ومن حمل الفقه فقط نفع ولم ينتفع كالأرض الصلبة تمسك الماء، وهذا القسم من الناس هو المتروك في الحديث، وهو في الأرض مذكور، ومن لم يتفقه ولم يحمل فهو كقيعان لا تمسك الماء ولا تنبت. ومنها: إن الأول مثال من أفتى ودرس، والثاني مثال من تعلم ولم يُعلم، والثالث مثال من لم يتعلم أصلاً. جعل الخطابي القسمة ثنائية بجعل الفقهاء والحملة قسمًا، ومن انتفيا عنه قسمًا، ويؤيده قول النووي: دلالة اللفظ على كون الناس ثلاثة أنواع غير ظاهرة. وقول الطيبي: القسمة الثنائية هي المتصورة، وقرره بما فيه تكلف، وحاصله أنه ذكر في الناس الطرف العالي في الاهتداء والعالي في الضلال، وأسقط الوسط وهو قسمان من انتفع بالعلم نفسه فحسب، وهذا ليس له شبه من الأرض وإن اقتضته القسمة العقلية، وهو موجود في الناس، والثاني عكسه وهو من لم ينفع نفسه وإنما نفع غیره. انتهى. ومنها: جعل الكرماني أقسام الناس ثلاثة كالأرض لكنه طبقها على الحديث بما اقتضى أن فيه لفًّا ونشرًا غير مرتب، وبما أوجب لغيره الاعتراض عليه في حمله فقه على من نقل الفقه، ولم يتفقه فيه بأنه خلاف اللغة والعرف. ١٥١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ثَلَا رَسُولُ الله ◌ِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتُ مُحْكَمَاتُ﴾ وَقَرَأَ إِلَى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((فَإِذَا رَأَيْتَ - وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: ((رَأَيْتُمُ)) - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُم اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ثَلاَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَّلَ (١) أخرجه البخاري (٤٢٧٣)، ومسلم (٢٦٦٥)، وأحمد (٢٤٢٥٦)، وأبو داود (٤٥٩٨)، والترمذي (٢٩٩٤) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (٤٧). ٥٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ تُحْكَمَاتٌ﴾ وَقَرَأَ إِلَى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَا أُوْلُوا الَأَلْبَابِ﴾(١)) سميت المحكمات أم الكتاب؛ لأنها بينت في نفسها مبينة لغيرها المتشابه، فهي كالأصل له ثم المراد بالمحكم في الآية كما دلَّ عليه جعله قسمًا للمتشابه: ما اتضح معناه بأن يكون اللفظ نصًّا فيه لا يحتمل غيره، أو ظاهرًا يحتمل غيره لكن بمرجوحیة. وبالمتشابه ما يشمل المحمل: وهو ما احتمل معنيين فأكثر على السواء. والمؤول: وهو ما احتمل معنيين راجح ومرجوح، واستعمل في المرجوح من غير قرينة وحكمة، ونوع المتشابه فيه إعلام العقول بقصورها؛ لتستسلم لبارئها وتعترف بعجزها، ويتم انقيادها له حتى لا يحملها طيش العلم على التكبر والتعزز. ومن ثم كثر من المصنفين التعمية في تصانيفهم؛ لتذل لهم تلامذتهم عند تحيرهم في فهم ذلك، ولقد وقع لكثيرين أنهم تعززوا على أساتذتهم فوقعوا في غويصات ألجمتهم، فرجعوا على غاية من الذلة لهم. (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: فَإِذَا رَأَيْتَ) بفتح التاء على الخطاب العام لكل من يحصل منه ذلك، ويؤيده قوله: (وَعِنْدَ مُسْلِم: رَأَيْتُمْ) وروي بكسرها خطابًا لعائشة، وعليه فقوله: (فاحذروهم)) الآتي على حد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] كما يقال لرئيس القوم: يا فلان افعلوا كذا. إظهارًا لشرفه وتقديمه. (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) من صفات الله تعالى التي لا كيفية لها تدرك بها، وأحوال المعاد التي لا يمكن إدراكها بقياس ولا استنباط، ولا غير ذلك مما حجبت عقولنا عنه بالكلية، ومعنى اتباعهم له: قصدهم إلى فهمه وما أريد به بمجرد عقولهم، وذلك مضلة أي مضلة، ومذلة أي مذلة !. (فَأُولَئِكَ ومن ثم زاغت قلوبهم عن الحق الذي هو الإيمان، ولهذا قال : (١) آل عمران:٧. ٥٦١ کتاب الإيمان/ باب الَّذِينَ سَمَّاهم اللهُ) لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَبْغُّ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ [آل عمران: ٧] بناء على ما عليه الجمهور من أن الوقف على هذا؛ ليفيد أن علم المتشابه على حقيقة ما هو عليه مختص بالله تعالى، ولا ينافي هذا جعل ابن عباس وآخرين الوقف على العلم المفيد إن الراسخين فيه يعلمون تأويل المتشابه؛ لأنهم وإن علموه لم يدركوا الحقيقة المرادة لله تعالى منه، وإنما علموه بصرف ظاهره عن الله تعالى؛ لاستحالته بلا خلاف بين الفريقين. ومن ثم اتفق السلف والخلف على تنزيه الله تعالى عن ظواهر المتشابهات المستحالة على الله تعالى، ثم اختلفوا بعد فأمسك أكثر السلف عن الخوض في تعيين المراد من ذلك التشابه، وفوضوا علمه إلى الله تعالى، وهذا أسلم؛ لأن من أوَّل لم يأمن أن يذكر معنى غير مراد له تعالى، فيقع في ورطة التعمين وخطره، وخاض أكثر الخلف في التأويل لكن غير جازمين بأن هذا مراد الله تعالى من تلك النصوص، وإنما قصدوا بذلك صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه، والرد على المبتدعة المتمسكين بأكثر تلك الظواهر الموافقة لاعتقاداتهم الباطلة، وسيأتي في الفصل الثاني من العلم قول الشافعي : ((لا يحل تفسير المتشابه إلا بسنة عن رسول الله وال﴾ أو خبر عن أحد من أصحابه أو إجماع العلماء)). انتهى. ومن ثم حذَّر منهم وََّ (فَاحْذَرُوهُمْ) أي: إياكم واتباعهم فيما انتحلوه من اتباعهم المتشابه، واعتقادهم لظاهر الحال على الله تعالى، فإن ذلك ڪفر عند کثیرین من الأئمة أو بدعة عند الباقيين، وأهل البدعة كلاب أهل النار في النار كما ورد أيضًا: ((أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يتوب من بدعته)(١). وقد بالغ مالك ه في الإبعاد عن التأويل حتى سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) أخرجه ابن ماجه (٥٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٩). ٥٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فإن قلت: كيف قال هذا وهو نفسه أوَّل حديث: ((ينزل ربنا إلى السماء)(١). قلت: ظنَّ هنا من السائل زيغًا مبالغ في زجره، وهناك رأى المصلحة في التأويل من ضرر يترتب على تركه فسلكه، وعلى الوقف على الجلالة يكون في الآية من الأسلوب البديع الجمع مع التفريق والتقسيم، فالجمع قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ تُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأَخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] والتفريق قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] إلى آخره فهو متعلق بالمتشابه. وقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] إلى آخره هذا متعلق بالمحكم، وكأن قضية السياق أن يبدل هذا بأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم، فوضع ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] موضع في قلوبهم استقامة إشارة إلى أن تلك الاستقامة لا تحصل إلا بعد ذلك الرسوخ في العلم للتوقف على إتمام التتبع، وغاية الاجتهاد المبيح لصاحبه الإعلان بالحق والإرشاد للخلق، ووضع ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧] موضع يتبعون المحكم؛ لأنه أدل على الانقياد للحق والتجافي عن حظوظ النفس. ومن ثم ختمت الآية بمدح أرباب العقول الكاملة؛ لأنها الحاملة على كل كمال والزاجرة عن كل زيغ واختلال، ففيه غاية الذم للزائغين والمدح للراسخين، ومن ثم أنتج ذلك قولهم في دعائهم خضوعًا لبارئهم، واستعاذة به من زيغ نفوسهم؛ ليحفهم بعلمه اللدني الناشئ عن سعة رحمته وعظيم هيئته ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِعْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] إلى آخره؛ لأنه لا أخوف من الكامل، ولذلك قال ◌َله: ((أنا أعلمكم بالله وأخوفكم منه))(٢). (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). (١) تقدم تخريجه. (٢) ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة (٥٣/١). ٥٦٣ کتاب الإیمان/ باب ١٥٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَوْمًا، قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ)(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ عَبْد الله بْنِ عَمْرو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: هَجَّرْتُ) أي: سرت في المهاجرة (إِلَى رَسُولِ الله وَلَه يَوْمًا) أي: لاجتمع به، وهو في خلق من الناس لقلتهم في هذا الوقت غالبًا، فأظفر منه بما شئت من الفوائد، وفيه التحريض على تحمل المشقة الشديدة كالمشي في شدة الحر إلى المسجد وطلب العلم. (قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ) لأنه كان لا يغضب لنفسه وإنما كان يغضب الله، فيشتد به ذلك الغضب حتى يُرى أثره من حمرة اللون، ونحوه في وجهه الكريم (فَقَالَ) لهما: (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) من الأمم (بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ) الذي جاءهم به رسولهم اختلافًا يؤدي إلى كفر أو بدعة؛ كاختلاف اليهود والنصارى في كتابيهما التوراة والإنجيل حتى حرفوهما، وبدلوا ما شاؤوا منهما ليضلوا به أتباعهم، وينالوا من دنياهم؛ أي: فاحذروا أنتم أيها الأمة من ذلك الاختلاف الواقع في نفس القرآن أو في معنى من معانيه التي لا محال للاجتهاد فيها، أو المؤدي إلى ريب أو فتنة كخصومة، وليس من هذا اختلاف الأئمة في استنباط الفروع الاجتهادية منه، ومناظرة أهل العلم فيه على سبيل الفائدة وإظهار الحق بل ذلك مأمور به كما أجمع عليه الصحابة ومن بعدهم إلى الآن. (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ١٥٣ - [وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ (١) أخرجه مسلم (٦٩٤٧)، وأحمد (٦٩٧٦)، والطبراني (٨٨٠). ٥٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول مَسْأَلَتِهِ)(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي) حق (الْمُسْلِمِينَ) وجهتهم (جُرْمًا) تمييز كما في: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] وأصله: إن أحرم المسلمين، فحول لذلك؛ لأنه أبلغ بجعله نفسه عظيمًا ففخم، ثم فسره بقوله: ((جرمًا)) ليدل على أن الأعظم نفسه حرم. (مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) لاقترانها بتعنت وتكلف غير مأذون فيه؛ كمسألة بني إسرائيل في بيان البقرة، ووجه تلك الأعظمية عموم سريان هذا النظر للمسلمين إلى انقراض العالم. ألا ترى أن القتل وإن كان أكبر الكبائر بعد الشرك ضرره خاص، وکذا سائر الذنوب لا يمكن أن يوجد فيها حرام ينتهي عموم ضرره إلى هذا الحد، وليس منه السؤال في القرآن أو السنة؛ لطلب تبيين ما يحتاج إليه فإنه مأمور به، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل:٤٣] قيل: في قوله: ((لم يحرم فحرم)) دليل لمن قال: أصل الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة حتى يدل دليل على الحظر، وفيه نظر! ومن أين أن عدم تحريمه إنما كان للاستناد للأصل بل يحتمل أن الشارع أحله، فحينئذ تعنت شخص فيه وكانت حرمته زجرًا له. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٥٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ))(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) جماعة على صورة علماء ومشايخ (دَجَّالُونَ) أي: مزورون ملبسون من دجل: موَّه ولَبَّس الباطل (١) أخرجه البخاري (٦٨٥٩)، ومسلم (٢٣٥٨)، وأبو داود (٤٦١٠)، وابن حبان (١١٠)، والشافعي (٢٧٠/١)، وأحمد (١٥٤٥)، والبزار (١٠٨٤)، والشاشي (٩٦). (٢) أخرجه مسلم (٧)، وأحمد (٨٥٨٠). ٥٦٥ کتاب الإیمان/ باب بما يشبه الحق (كَذَّابُونَ) عطف تفسير؛ أي: يدعونكم إلى الدين وهم كاذبون في ذلك. (يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ) المتعلقة بالأحكام والاعتقادات وغيرهما (بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا) عن السلف (أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ) لأنها باطلة كاذبة موضوعة عن النبي ◌َّ (فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ) أي: احذروا أنفسكم عنهم، واحذروهم عن أن يتعرضوا لكم بألا تقبلوا منهم ما يحدثونكم به (لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ) ليس جوابًا للأمر لوجود النون فيه بل هو إما إخبار محض، وكأنه قيل: إذ حذرنا عنهم ماذا يكون بعد الحذر؟ فأجيب: لا يضلونكم، ونظيره عليكم أنفسكم لا يضرونكم من ضلَّ على قراءة الرفع. وإما خبر بمعنى النهي نحو: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةُ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] وهو أبلغ من صريح النهي؛ لاقتضائه وقوع المنهي عنه وعليه، فالمنهي تأكيد للأمر، وكأنه قيل: احذروهم ولا تتعرضوا لهم؛ لأنكم إن تعرضتم لهم أضلوكم. (رَوَاهُ مُسْلِمْ) وأخذ منه النهي عن الخوض في علم الكلام؛ لأن أهله يأتون فيه بما لا يتكلم به الصحابة والتابعون، ومن ثم اتفق علماء السلف من أهل السنة عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام وتعلمه حتى قال الشافعي : لأن ألقى الله بكل ذنب ما خلا الشرك أهون من أن ألقاه بمسألة في علم الكلام. وقال مرة أخرى: لأن يبتلى المرء بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى بالكلام. وقال: رأبي وحكمي في أهله أن يضربوا بالجريد، ويُطاف بهم في الأسواق أو في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واشتغل بالكلام. وقد أمر الثوري لعمر بن عبد العزيز بتركه، ولزوم اعتقاد النساء في البيوت والصبيان في المكتب من الإقرار والعمل. وسماه كلامًا باطلاً وبدعة.