Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
عَبْدٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَمَضْجَعِهِ وَأَثَرِهِ وَرِزْقِهِ (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِنَّ اللّهَ وَ فَرَغَ) مرَّ في خبر
الكتابين اللذين خرج بهما * في يديه أن الفراغ محال على الله تعالى، فهو كناية عن
عدم التبديل والتغيير أو من باب التمثيل (إِلَى) هي بمعنى اللام، كهداه لكذا وإلى كذا
(كُلِّ عَبْدٍ مِنْ) للبيان أو التبعيض (خَلْقِهِ) أي: مخلوقة (مِنْ خَمْسٍ) متعلق بفرغ؛ أي:
فرغ لكل عبد هو مخلوق له أو من جملة مخلوقاته من خمسة أشياء لا بد له منها (مِنْ
أَجّلِهِ) بدل بإعادة الجار، وهنا أعاريب أخرى متكلفة أعرضت عنها (وَعَمَلِهِ
وَمَضْجَعِهِ) أي: سكونه (وَأَثَرِهِ) أي: حركته أشار بهما إلى أن جميع حركاته، وسكناته
قُدرت في الأزل وحتمت، فلا يزاد فيها ولا ينقص (وَرِزْقِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ).
١١٤ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ:
((مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأَلْ
عَنْهُ)) (٢). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَن عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالت: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: مَنْ
تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ) وإن قلَّ فما بالك بالكثير من ذلك، ففي الإتيان بشيء الدال على
المبالغة في القلة إشارة واضحة إلى ما يأتي من التبديد (مِن الْقَدَرِ) بحق أو باطل (سُئِلَ
عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كسائر الأقوال والأفعال، وجوزي كلٍ ما يستحقه (وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ
لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ) فإن قلت: لا خصوصية للقدر بذلك فما فائدة هذا؟.
قلت: فائدته الزجر عن الخوض فيه مع أهله، والتهديد لمن فعل ذلك كما مرَّ
أنهم إمَّا معاندون أو ذوو حجج وليس، فيدخلون الشك على من تكلم معهم فيه،
والشك في الاعتقاديات وبما أدى إلى الكفر، ففي الكلام معهم مفاسد اقتضت الزجر
عنهم. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
(١) أخرجه أحمد (٢٢٣٥٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٨٤).

٤٨٧
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
١١٥ - [عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَبِيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي
شَيْءُ مِنَ الْقَدَرِ فَحَدِّثْنِي لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي. فَقَالَ: لَوْ أَنَّ اللّهَ عَذَّبَ أَهْلَ
سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ
أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ
مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ
هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ
حُذَيْفَةَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ مِثْلَ ذَلِكَ(١).
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ ابْنِ الَّيْلَيِيِّ ﴾ قَالَ: أَتَيْتُ أُبِيَ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي
شَيْءٌ) أي: حزازة واضطراب عظيم (مِنْ) بعض شُبه (الْقَدَرِ) التي ربما تؤدي إلى
الشك فيه، واعتقاد أن الإنسان يخلق فعل نفسه كما قالته المعتزلة، أو مجبور على
الفعل كما قالته الجبرية، فكيف يعذب وأنا أريد الخلاص من ذلك (فَحَدِّثْنِي) بحديث
(لَعَلَّ اللهَ أَنْ) إدخالها في حيز لعل تشبيه لها بـ((عسى)) (يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي) عبَّر به بعد
تعسره أولاً بنفسي إشارة إلى تمكن تلك الشبهة منه حتى بمجامع ذاته وقلبه.
(فَقَالَ) متحريًا غاية البيان الشافي والإرشاد الوافي: (لَوْ) فرض (أَنَّ اللهَ وَى
عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ) حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين (عَذَّبَهُمْ
وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ) لأنه المالك الحقيقي المنفرد بالإيجاد والإمداد، المتصرف في ملكه
كيف يشاء، فلا ينطلق عليه اعتراض، ولا إليه ظلم بوجه من الوجوه، وفي هذا إبطال
القاعدة التحسين والتقبيح العقليين التي ضلَّ بها المعتزلة، وبنوا عليها من النقائص
المنافية لجلال الربوبية وغير الألوهية ما أرداهم إلى حضيض الخسار والتقول
والاشتهار.
(١) أخرجه أحمد (٢٢٢١٠)، وأبو داود (٤٧٠١)، وابن ماجه (٨١).

٤٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ) الصالحة؛ إذ هي لا توجبها عليه،
كيف وهي من جملة رحمته بهم، فرحمته إياهم محض فضل منه تعالى عليهم بل لو فرض
أنه عمَّ بها الأولين والآخرين، لكان ذلك لحكمة بالغة يعلمها، وإن خفيت على خلقه.
(وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ) أو أكثر إلى ما لا نهاية، فذكره تمثيل لا تحديد (ذَهَبًا مَا
قَبِل اللّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) الإيمان المشترط لصحة الإيمان بأن تعتقد أن الله
حي قادر مريد باقٍ، أو لكماله بأن تؤمن بأن أفعال العباد كلها بقدر الله وقضائه،
وليس فيها إلا مجرد الكسب ومباشرة الفعل، وهذا هو المراد هنا وسلب القول مع
فقده يؤذن بأن المبتدعة لا تقبل لهم أعمال؛ أي: لا يثابون عليها ماداموا على بدعتهم
(وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ) مما قدره لك أو عليك (لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ) أي: محال أن
يتجاوزك إلى غيرك كما أفاده ما اقترن به من المبالغات، دخول اللام المؤكدة للنفي في
الخبر، وتسليطه على الكينونة المفيدة للمبالغة في نفي الفعل الداخلة عليه؛ ليفيد نفيه
عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار الخبر، فكان النفي مكرر مرتين، وكان ذلك
الفعل مما ترجح عدمه واستحال وجوده، ومن ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُظْلِعَكُمْ عَلَى
الغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
(وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ) أي: تجاوز عنك إلى غيرك؛ لكونه لم يقدر لك ولا عليك (لَمْ
يَكُنْ لِيُصِيبَكَ) أي: محال إصابته لك، واستعمال الخطأ فيما ذكر مجاز؛ إذ حقيقة
العدول عن الجهة أو الوقوع على خلاف المراد، وكذا الصواب؛ إذ هو ضد الخطأ (وَلَوْ
مُتَّ عَلَى غَيْرٍ) اعتقاد (هَذَا) الذي ذكرته لك كله (لَدَخَلْتَ النَّارَ) وخلدت فيها أبدًا إن
اعتقدت مكفرًا، وإلا فلا.
(قَالَ) ابن الديلمي: (ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ
حُذَيْفَةَ [بْنَ الْيَمَانِ)(١) فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ.
(١) سقطت في المشكاة المطبوعة.

٤٨٩
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
مِثْلَ ذَلِكَ).
وفي اتفاق هؤلاء الصحابة * على ذلك، وأن لفظ النبوة دليل على أن الإجماع
المستند للنص الجلي منعقد على اعتقاد أهل السنة، وحاكم على أن من خالفهم في
شيء من ذلك بالعناوة والعناد والمكابرة والفساد، وفي قوله تعالى إلى آخره على الخطاب
العام أبلغ حث على التوكل والرضاء ونفي الحول والقوة للعبد، والتفصيل في دين الله مع
الأعداء، وملازمة القناعة والصبر على المصائب، وإن حلت وإلزام النفس بأقوم
الأخلاق والأعمال حتى يخرج عن طبعها إلى معاوج الشهوة ومقام الإحسان. (رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه).
١١٦ - [وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلاً أَنَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ،
فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ فَلَا تُقْرِثْهُ مِنِّي السَّلَامَ؛ فَإِي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِوَ﴿ يَقُولُ: ((يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ وَمَسْخُ أَوْ قَذْفُّ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ))(١)].
(وَعَنْ نَافِعٍ ﴿ أَنَ رَجُلاً أَنَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، فَقَالَ:
إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ) أي: الشأن، وتفسيره الخبر، وهو (قَدْ أُحدَثَ) في الدين ما ليس منه، وهو
التكذيب بالقدر (فَإِنْ كَانَ) ما بلغني صحيحًا، وهو أنه (قَدْ أَحْدَثَ) ذلك (فَلَا تُقْرِتْهُ
مِنِّ السَّلَامَ) لأننا أمرنا بمهاجرة أهل البدع.
ومن ثم قال العلماء: لا يجب رد سلام الفاسق والمبتدع بل لا يسن زجرًا لهما،
وتنكيلاً وإعلامًا بأنهما خرجا عن سنن المسلمين وحرمتهم، ومن ثم جاز هجرهم
كذلك (فَإِنِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهَ يَقُولُ: يَكُونُ فِي أُمَّتِي أَوْ) شك (فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ
خَسْفٌ [وَ](٢) مَسْخُّ) مرَّ الكلام فيها آنفًا (أَوْ) شك، ويحتمل أنها لتنويع العذاب، ثم
رأيت شارحًا صرح به (قَذْفٌ) أي: ربي بحجارة كقوم لوط (في أَهْلِ الْقَدَرِ) بدل بعض
من ((في أمتي)) بإعادة حرف الجر. ([رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدْ وَابْنُ مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٠٥)، وابن ماجه (٤١٨٩).
(٢) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: أو.

٤٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ](١)).
١١٧ - [عَنْ عَلِّ ◌َ﴾ قَالَ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ◌َ عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿: ((هُمَا فِي النَّارِ)) قَالَ: فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ: ((لَوْ رَأَيْتِ
مَكَانَهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا)) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَلَدِي مِنْكَ؟ قَالَ: (فِي الْجَنَّةِ)). ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ».
ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١](٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ).
(وَعَنْ عَلِي ﴾ قَالَ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ ◌َ عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أهما
في الجنة أو النار؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: هُمَا فِي النَّارِ) ينافي البالغ على ما مرَّ في أهل
الفترة، وفي غيره على ما مرَّ في أولاد المشركين.
(قَالَ) علي: (فَلَمَّا رَأَى) وَ (الكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا) حزنًا عليهما (قَالَ) تسلية لها:
(لَوْ رَأَيْتِ) ببصرك أو لو علمت (مَكَانَهُمّا) وهو جهنم، وما هما فيه من الذلِّ والبعد مما
نظر الله تعالى (لَأَبْغَضْتِهِمَا) وزالت هذه الكراهة عنك، بل وتبرأت منهما تبرأ إبراهيم
من أبيه في الدنيا، لما بان له أنه عدو الله في الآخرة لما رآه بصورة ذبح ملطخ، وفي هذا
بتقدير أنه الحق الواقع في نفس الأمر دليل على أن الأولاد إنما يتبعون في المنازل
آباءهم دون أمهاتهم، ويوافقه قوله وَ له: ((هم من آبائهم))(٣).
(قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّه فَوَلَدِي مِنْكَ؟ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: إِنَّ
الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ) وهذا لا خلاف فيه يعتد به كما مرَّ (وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ
وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ) مرَّ الجواب عنه من جهة المحققين القائلين بما دلَّ عليه خبر
البخاري لا الأصح من هذا أنهم في الجنة.
(ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله) وَلِّ استشهادًا لقوله: إن المؤمنين ... إلخ: (﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا
(١) سقطت في الأصل.
(٢) أخرجه أحمد (١١٣١)، وابن أبي عاصم في السنة (٢١٣).
(٣) أخرجه النسائي (٨٦٢٣)، والحاكم (٦٦٩٩)، والطبراني (٣٧١٩).

٤٩١
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم﴾﴾ أي: وأكرمنا الذين آمنوا، وهو مبتدأ ﴿بِإِيمَانٍ﴾ للتعظيم أي
بسبب إيمان إلا بالعظم القدر الرفيع المحل ﴿أُلْحَقْنَا بِهِمْ﴾ درجاتهم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾(١) وإن
لم يتأهلوا لها تفضلاً على الآباء ليكمل سرورهم ويتم نعيمهم وإلا لينقص عليهم كل
نعيم. (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
١١٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ مَسَحَ
ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ
عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟
قَالَ: ذُرِّيَّتُكَ. فَرَأَى رَجُلاً مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَذَا؟
فَقَالَ: دَاوُدُ. فَقَالَ: رَبِّ، كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: أَيْ رَبِّ، زِدْهُ مِنْ
عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: فَلَمَّا انْقَضَى عُمْرُ آدَمَ إِلَّا أَرْبَعِينَ جَاءَهُ مَلَكُ
الْمَوْتِ فَقَالَ آدَمٍ: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَّةً؟ قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟
فَجَحَدَ آدَمُ، فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ آدَمُ فَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ
فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ)(٢)].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: لَمَّا خَلَقَ اللّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ)
أي: أمر الملك بمسحه؛ لتعاليه تعالى عن الجسم ولوازمه (فَسَقَطَ عَنْ) أي: من (ظَهْرِهِ
كُلُّ فَسَمَةٍ) أي: كل ذي روح، وقيل: كل ذي نفس مأخوذ من النسيم (هُوَ) تعالى
(خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ) صفة لـ((نسمة)، وذُكرت؛ ليتعلق بها (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَجَعَلَ بَيْنَ)
ثاني مفعول جعل؛ أي: جعل ذلك الوبيص(٣) علامة بين العينين أو ظرف له أن أول
(١) الطور:٢١.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٥٦)، وابن سعد (٢٨/١)، وأبو يعلى (٦٣٧٧)، والحاكم (٣٢٥٧) وقال:
صحيح على شرط مسلم.
(٣) الْوَبِيصُ: الْبَرِيقُ وَاللَّمَعَانُ، يُقَالُ: وَبَصَ وَبِيصًا إذَا لَمَعَ، وَمِنْهُ: كُنْتُ أَرَى وَبِيصَ الْمِسْكِ عَلَى
مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ:﴿ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: كَأَنِّي
-

٤٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
يخلق (كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا) أي: بريقًا ولمعانًا (مِنْ نُورٍ) في هذا تأييد لما مرَّ عن
الرازي وغيره في حديث عمر أوائل الفصل الثاني: إن إخراج الذرية كان أمرًا حقيقيًّا،
وإفادة أن الذرية كانت في صورة إنسان على مقدار الذر، والوبيص إشارة إلى الخبر
السابق: ((كل مولود يولد على الفطرة)»(١) أي: السليمة الأصلية.
(ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلاً مِنْهُمْ
فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ [أَيْ](٩) رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: دَاوُدُ) في زيادة وبيصه حتى
أعجب آدم دون غيره؛ لإظهار كرامة لداود، فلا ينافي تفصيل كثيرين من الأنبياء
عليه؛ لأن المفضول قد يكون له مزية بل مزايا ليست في الفاضل.
(فَقَالَ: [أَيْ)(٣) رَبِّ كَمْ) مفعول لما بعده، وقُدم؛ لأن له الصدر؛ أي: كم سنة
(جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: أَيْ رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ) ثاني مفعول (زد))
وقد يستعمل لازمًا كزاد الماء، ومتعديًا لواحد كزاد المال درهمًا (سَنَةً).
(قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: فَلَمَّا انْقَضَى عُمْرُ آدَمَ إِلَّا أَرْبَعِين) سنة آثره علي، فلما بقي
من عمره أربعون؛ لأن هذا ليس نصًا في بقاء الأربعين كلها، إذ يحتمل أكثرها، ثم
احتيج للتأكيد بـ(كل)) لرفع هذا الاحتمال، وذلك نص في بقائها كلها ومثله، فلبث
فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا (جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ آدَم: أ) تجيء الآن (وَلَمْ يَبْقَ
مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً).
(قَالَ) له ملك الموت: (أ) تقول ذلك (وَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ فَجَحَدَ آدَمُ) ذلك؟
لأنه كان في عالم الذر، فلم يستحضره حالة مجيء ملك الموت له (فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ
=
أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطَّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ مِنْ إِحْرَامِهِ المغرب (٣٠٦/٥).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) سقط في الأصل.
(٣) سقط في الأصل.

٤٩٣
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
وَفُسِّيَ آدَمُ فَأَكَلَ مِن الشَّجَرَةِ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَخَطِئَ وَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ. [رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ](١)).
وذكر ذريته في ذلك كله استطراد؛ لبيان أنها مجبولة من أصل خلقها على الجحد
والنسيان والخطأ إلا من حفظه الله بتوفيقه، فينبغي الجد في تطهير النفس من تلك
النقائص، فإن ما جبل عليه الإنسان يعسر تنقيه منه إلا بعد مزيد مجاهدة ومكابدة
حتى تنقلع عروق تلك الأخلاق من طينته، وتتبدل بالأخلاق الحسنة، وليس لأحد
أن يقول: لي أسوة بأبي آدم في ذلك؛ لأن آدم عصمه الله تعالى من الذنب، فلم يكن في
شيء من جحده ونسيانه وخطأه ذنب، وإنما كان فيه خلو عن الكمال الذي لا يناسب
مقامه العلي، فوقع العتب عليه من ربه من هذه الخبيثة تطهيرًا له عمَّا لا يليق بمقامه
الأ کبر.
وأمَّا ذريته غير الأنبياء، فهم عرضة للذنب وملعبة للشيطان، فإن لم يكونوا
على قدم المجاهدة لنفوسهم المطبوعة عن تلك النقائص وأشباهها، وإلا ظفر منهم
الشيطان بكل ما يريد من الإضلال والإغواء.
١١٩ - [عَنْ أَّبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ: خَلَقَ اللهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ فَضَرَبَ
كَتِفَهُ الْيُمْنَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ، وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً
سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ: ((إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا أَبَاِي)) وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَتِفِهِ
الْيُسْرَى: ((إِلَى النَّارِ وَلَا أَبَالِ))(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ◌َ﴾، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: خَلَقَ اللهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ) ظرف
لقوله: (فَضَرَبَ) أي: أمر لما مرَّ في ((مسح))، وللتوسع في الظرف لم يمنع، فالتعقيب عمل
ما بعدها فيه، ومن ثم تعلق ﴿الإِيلَافٍ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] بـ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ [قريش:٣]
ولم يمنعه، فالشرط المقدر؛ أي: أمَّا لا فليعبدوا، فقول العرب: افعل هذا أما لا؛ أي: إن
(١) سقط في الأصل.
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٥٢٨)، وابن عساكر (٣٩٧/٧)، والديلمي (٥٢٩٠).

٤٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
كنت لا تفعل غيره فافعله.
قيل: تقديم الظرف مع وجود فاء التعقيب للدلالة على أن الإخراج لم يتخلف
عن خلقه الله. انتهى.
وفيه نظر؛ لأن هذه الدلالة حاصلة، وإن تأخر الظرف.
(كَتِفَهُ الْيُمْنَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُم الذَّرُّ) الأبيض بدليل مقابله الآتي،
وفي نسخة معتمدة ((الذر)) بضم المهملة وهو أوضح، (وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى) ذكر هذين
حقيقة لا تمثيل لإمكانها (فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَأَنَّهُم الْحُمَمُ) جمع: حممة، وهي:
الفحمة، فإن قلت: هذا ينافي ما قبله المقتضي الاستواء الكل، وإنهم إنما يتأمرون
بالبريق الذي بين أعينهم، وأيضًا فظاهر هذا أنه لا بريق للفرقة الثانية.
قلت: يحمل على أن الإخراج يكرر على صفات مختلفة.
(فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ) أي: كتفه اليمنى بدليل (في كتفه اليسرى)) الآتي هؤلاء
وأنتم لكن على تقديرها، ولا يكون اللام لام العلة؛ أي: لأجلهم، أو بمعنى ((عن))
كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾
[الأحقاف: ١١] إذ لولا ذلك لقال: سبقتمونا أصيرهم أو أصيركم (إِلَى الْجَنَّةِ وَ) الحال أني
(لَا أُبَالِي) بأحد كيف، وأنا الفعَّال لما أُريد.
(وَقَالَ: لِلَّذِي فِي كَتِفَهِ الْيُسْرَى) هؤلاء أو أنتم أصيرهم أو أصيركم (إِلَى النَّارِ وَلَا
أَبَالِي) وفيه أبلغ رد على المبتدعة المخالفين في ذلك، وأنه تعالى علم بأنهم سيخالفون
ذلك، فردَّ عليهم بنفسه مبالغة في تحقيرهم وتسفيه آرائهم، وأنهم كالهباء الذي لا يبالي
أحد به وإن فعل ما فعل. (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
١٢٠ - [عَنْ أَبِي نَضْرَةَ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َهِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُبَيدَة دَخَلَ
عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
(خُذْ مِنْ شَارِبِكَ، ثُمَّ أَقِرَّهُ حَتَّى تَلْقَانِ)) قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهَ يَقُولُ:
((إِنَّ اللّهَ وَ قَبَضَ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً وَأُخْرَى بِالْيَدِ الأُخْرَى، وَقَالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ وَهَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا

٤٩٥
کتاب الإیمان/ باب الإيمان بالقدر
أُبَالِيِ) فَلَا أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا(١) رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أَبِي نَصْرَةَ ﴾، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَ يُقَالُ لَهُ: [أبو عبيدة](٢)
دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ وَهُوَ يَبْكِي فَقَالُوا لَّهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله ◌ِهِ:
خُذْ مِنْ شَارِبِكَ) أي: قصّه (ثُمَّ أَقِرَّهُ) على هذا الذي أعلمتك به، ودُمْ عليه المرة بعد
المرة (حين تَلْقَانِي) في المحشر فأدخلك الجنة، وحينئذ فاستفهامهم من بكائه؛
للتقرير والتعجب كما أفاده دخول همزته على حرف النفي؛ أي: كيف تبكي خوفًا مما
فرط منك، وقد تقرر أن رسول الله وَ﴾ أخبرك بأنه يلقاك في المحشر لا محالة، ومَنْ
لقيه راضيًا عند تلك لا خوف عليه؟
(قَالَ: بَلَى) أخبرني بذلك، وفيه إشارة إلى أن قص الشارب من السنن المتأكدة،
وأن المداومة عليه توصل لهذه المرتبة السنية، وهي ملاقاته وَلير المتضمنة للأمن من
ذلك الفزع الأكبر، وأن من ترك سنة حُرم خیرًا کثیرًا، فکیف بترك سائرها! ومن ثم
كان مؤذنًا بسقوط الهمة ودناءة المروءة، ولهذا قال أئمتنا: لا تقبل شهادته.
(وَلَكِنِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﴿ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ وََّتْ قَبَضَ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً وَ) قبض
(أُخْرَى بِالْيَدِ الْأُخْرَى) لم يقل: بيساره أدبًا، ومن ثم قال ◌َ ◌ّ في حديث آخر: «وكلتا
يدي الرحمن يمين))(٣) وفي هذا تصوير لجلال الله وعظمته؛ لتعاليه تعالى عن الجسم
ولوازمه کما مرَّ.
(وَقَالَ: هَذِهِ) أي: التي قبضتها باليمنى (لِهَذِهِ) أي: الجنة (وَهَذِهِ) أي: التي
قبضها (لِهَذِهِ) أي: النار (وَلَا أَبَالِي لَا أُدْرِي فِي) وفي نسخ ((من)) (أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا)
فحقَّ لي الخوف، وإن أخبرني النبي وَ له بما مرَّ؛ لأنه مشروط بموتي على الإسلام، ولا
أدري هل أموت عليه أولا، واستلزامه للموت عليه لا ينظر إليه من غلب عليه مقام
(١) أخرجه أحمد (١٨٠٥٩).
(٢) ورد في المشكاة المطبوعة بلفظ: أبو عبد الله.
(٣) تقدم تخريجه.

٤٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الخوف. (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
١٢١ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: أَخَذَ اللّهُ
الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرٍ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِي: عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا،
فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلاً قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا
يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا
ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالنَّسَائِيّ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ ﴿ قَالَ: أَخَذَ اللهُ الْمِيثَاقَ)
أي: أراد أخذه كما دلَّ عليه قوله: ((فأخرج ... إلى آخره)(٢) (مِنْ ظَهْرِ آدَمَ) أي: من
ذريته (بِنَعْمَانَ) بفتح النون: وادٍ في طريق الطائف يخرج إلى عرفة، فلمجاوزته لها
قال: (يَعْنِي: عَرَفَةَ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ) وهو فقار الظهر (كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا) أي: خلقها
إلى يوم القيامة كما مرَّ آنفًا في حديث آخر: ((من ذرأ الله الخلق))(٣) أوجد أشخاصهم
(فَنَشَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: آدم (كَالذَّرٌ) أي: النمل الصغیر.
(ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلاً) بضم فسكون أو ضم، وبكسر ففتح، وهو خال؛ أي: مقابلة
وعيانًا من غير حجاب، ولا واسطة بينه وبينهم، (قَالَ) لهم، وهو بدل من ((كلمهم)):
(﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾) أنت ربنا.
قال ابن عباس: لو قالوا: نعم كفروا؛ أي: كأنها التقرير النفي، و((بلى» رد له،
(١) أخرجه أحمد (٢٤٩٩)، والنسائي في الكبرى (١١١٩١)، والحاكم (٧٥) وقال: صحيح الإسناد.
والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٣٢٧)، والضياء (٣٦٦).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه نعيم بن حماد (١٤٤٦)، وابن ماجه (٤٠٧٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٢٤٩)،
والروياني (١٢٣٩)، والحاكم (٨٦٢٠) وقال: صحيح على شرط مسلم. والطبراني (٧٦٤٤)، وابن
عساكر (٢٢٣/٢).

٤٩٧
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
ونفي النفي إثبات (﴿شَهِدْنَا﴾) على أنفسنا بذلك، وأقررنا بوحدانيتك، واحتاجوا لهذا
مع أن ((بلى)) يعني: عنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
(﴿أَن﴾) مفعول له؛ أي: فعلنا هذا الأخذ منه كراهة أن ((تَقُولُوا﴾) احتجاجًا
﴿﴿يَوْمَ القِيَامَةِ﴾) حين يحاسبون على كفرهم بالله وبالأنبياء وكتبهم: (﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ
هَذَا غَافِلِينَ﴾(١)) لم ينبهنا أحد عليه ((أَوْ تَقُولُوا﴾) احتجاجًا آخر: (﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ
آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ﴾) مقتدين بأفعالهم مقلدين لهم فيما هم عليه،
فالملام عليهم لا علينا ((أ)) يعلم ذلك (﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ﴾) هؤلاء الآباء
﴿﴿المُبْطِلُونَ﴾(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ [وَالنَّسَائِي)](٣)) وفيه أبلغ رد على ما مرَّ في حديث عمر عن
المعتزلة ومن وافقهم؛ إذ هذا لا يحتمل من التأويل ما يحتمله ذلك، وقد مرَّ فيه بسط
يتعين مراجعته.
فإن قالوا: هذا من جملة الآحاد، فلا يلزمنا أن نترك به ظاهر الكتاب؛ أي: الآتي
عنهم في معنى قولهم: إن تقولوا يوم القيامة إلى آخره.
قلنا لهم: هذا الحديث محكم نص جلي، فليكن مبينًا للآية بنص قوله تعالى:
﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ومن ذا الذي صرح به من الأئمة المعتمد
عليهم بأن الخبر الصحيح لا يعمل به لكونه آحادًا، وقد نقل البيهقي عن الشافعي
ما يفهم أن العمل بالحديث الآحاد مجمع عليه.
قال - أعني: الشافعي -: ومن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارقًا لسبيل
أصحاب رسول الله ◌َّيه وأهل العلم بعدهم، وكان من أهل الجهالة.
وقال: كل ما قلت من قول صحَّ عن النبي قل﴾ خلافه فخذوا به، واضربوا بما
(١) الأعراف:١٧٢.
(٢) الأعراف: ١٧٣.
(٣) غير مذكور في المشكاة المطبوعة.

٤٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
قلت عرض الحائط، فإن قالوا: إنما بالغنا في الهرب عن القول في معنى الآية بما
يقتضيه ظاهر الحديث، لكان قوله سبحانه: أن تقولوا يوم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فإنه إن كان إقرار عن اضطرار لمكاشفتهم بحقيقة الأمر
ومشاهدتهم له عيانًا، فلهم يوم القيامة أن يقولوا: شهدنا يومئذ لما كان عندنا من
العلم الضروري، فلما زال ووكلنا إلى رأينا كان منَّ المصيب والمخطئ.
وإن كان عن الاستدلال عصموا عنده من الخطأ، فلهم أن يحتجوا بأنهم أيدوا
حينئذ بتوفيق وعصمة، وحرموهما بعد ولو أمدوهما أبدًا لوافقت شهادتهم بعد
شهادته حال الإقرار، فبان أن الميثاق ليس إلَّا ما ركب الله فيهم من العقول، وأتاهم
من البصائر؛ لأنها هي الحجة الباقية المانعة لهم عن قولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾
[الأعراف: ١٧٢] لأن الله تعالى جعل هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك، كما جعل
بعث الرسل حجة عليهم في الإيمان بما أخبروا به من الغيب.
قلنا لهم: كذبتم لم توكلوا إلى رأيكم، بل جاءتكم الرسل تترى يوقظونكم
عن سنة الغفلة، ويبعثونكم على النظر والاستدلال، فتناسبكم بعد أن أخبركم
الصادق لا تسقط الاحتجاج معكم.
وأمَّا قولكم: أبديًّا يوم الإقرار بتوفيق وعصمة وحرمناهما من بعد، فهو مشترك
الإلزام؛ لأنه إذا قيل لهم: ألم نمنحكم العقول والبصائر؟ قالوا: فإذا حرمنا اللطف
والتوفيق فأي منفعة لنا في العقل والبصيرة؟!
١٢٢ - [عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ الله ثمت: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَاتِهِمْ﴾ قَالَ جَمَعَهُمْ: فَجَعَلَهُمْ أَزْوَاجًّا، ثُمَّ صُوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا، ثُمَّ
أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالوا بَلَى﴾
[الأعراف: ١٧٢] قَالَ: فَإِنِي أَشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ، وَأَشْهِدُ
عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا، اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَّهَ غَيْرِي،
وَلَا رَبَّ غَيْرِي، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، إِي سَأَرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكَّرُونَكُمْ

٤٩٩
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي. قَالُوا: شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبّنَا وَإِلَّهُنَا لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ،
وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ. فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَرَفَعَ عَلَيْهِمْ آدَمَ الَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ،
وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَدُونَ ذَلِكَ، فَقَالَك: رَبِّ لَوْلَا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ. قَالَ: إِنِّ أَحْبَبْتُ أَنْ
أُشْكَرَ، وَرَأَى الأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ مِثْلَ السُّرُجِ عَلَيْهِمُ النُّورُ خُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ فِي الرِّسَالَةِ
وَالثُّبُوَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾
[الأحزاب: ٧] كَانَ فِي تِلْكَ الأَرْوَاجِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ - عَلَيْهَا السَّلام - فَحَدَّثَ عَنْ
أُنِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ فِيهَا(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي) تفسير (قولِ اللّه ◌َثَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾(٢) قَالَ: جَمَعَهُمْ) أي: بعد أن أخرجه من ظهره أو من ظهورهم على ما
مرَّ في حديث عمر من الجمع بينه وبين الآية (فَجَعَلَهُمْ أَزْوَاجًا) أي: أصنافًا وأشباهًا،
فضم كل شبيه إلى شبيهه في نحو: حرفة أو ملة أو كمال، أو غنى أو فقر، أو لون أو
حسن كما يدل عليه قوله الآتي: «فرأى الغنى والفقر ... إلى آخره)» (ثُمَّ صَوَّرَهُمْ) في
صورهم التي يكونون عليها بعد، كما يدل عليه قول آدم الآتي قبل التصوير: سابق
على الجعل؛ فمعناه: أراد جعلهم. انتهى.
والحامل عليه ما مرَّ في أصنافًا؛ إذ هي بذلك المعنى المقرر فيها لا يكون إلا بعد
التصوير، فإن فسرت بأن ضمَّ أهل كل ملة أو نحوها مما لا يتوقف على التصور إلى بقية
أهل ملته، لم يحتج لذاك بأن يكون بعد أن أخرجهم، وقبل أن يصورهم جعل أهل كل
ملة مثلاً صنفًا على حدتهم، ثم صورهم لم يحتج إلى تأويل جعل المذكور وهذا أولى،
وليس في قوله الآتي: ((فرأى الغنى ... إلى آخره) وليس من لازم ذلك أن يكون رؤيته
لهم بهذه الأوصاف هي تلك الأصناف المرادة، فتأمله.
(فَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِم الْعَهْدَ) لئن جاءتهم الرسل ليؤمنن بهم
(١) أخرجه أحمد (٢١٨٣٣).
(٢) الأعراف: ١٧٢.

٥٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(وَالْمِيثَاقَ) أي: الأيمان المؤكدة؛ ليوفون بذلك (﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾﴾ أي: قال
لهم: اشهدوا على أنفسكم (﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾(١)) أنت ربنا.
(قَالَ: فَإِّ أَشْهِدُ عَلَيْكُمْ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ) يحتمل أنه على
حقيقته؛ بأن ركب في هذه عقولاً ثم أشهدها على إقرارهم، وأيمانهم ليشهد
عليهم بذلك إذا أنكروه بعد، وهذا هو الظاهر للقاعدة المقررة ((إن ما لم يستحل
ظاهره يحمل عليه)) ويؤيد قوله تعالى لها: ﴿اثْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾
[فصلت: ١١] فإن الأصح فيه أنه على حقيقته بل قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ
وَالَّأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] على حقيقته أيضًا كقوله وير: ((لا يسمع مدى صوت المؤذن
أحد إلا شهد له يوم القيامة))(٢).
ويحتمل أنه إشارة إلى نصب الدلائل الظاهرة والآيات الباهرة، وخصَّ ذلك
النوعان بالذكر؛ لأنهما أعظمهما، أو لاستتباعهما بقية الآيات؛ لأن أكَّدها في ضمنها.
(وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ) ليذكركم عهدي، ويشهد عليكم بذلك إذا
أنكر تموه، فعلت ذلك خشية أو كراهة (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) عند محاسبتكم على
ما فرط منكم من الشرك وغيره: (لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا) الميثاق الذي أخذته علينا، فلذا لم
یحصل منًّا الوفاء، ولو علمنا به لوفینا به.
فإذا قلتم ذلك كذبتم الشهود الذين شهدوا عليكم بأخذ ذلك الميثاق (اعْلَمُوا)
الآن وتحققوا، واحذروا أن تنسوا هذا الميثاق الذي أكرر عليكم الآن أخذه (أَنَّهُ لَا
إِلَهَ) يعبد بحق (غَيْرِي وَلَا رَبَّ) يقوم بتربيتكم، وإيجادكم وإمدادڪم (غَيْرِي وَلَا
تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا) ظاهرًا ولا خفيًّا (إِنَّ) يحتمل فتح أن فيكون بدل اشتمال مما قبله،
وكسرها فيكون استثناء فالمزيد التأكيد وقطع الحجة (سَأَرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلي
(١) الأعراف: ١٧٢.
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٤)، ومالك (١٥١)، والشافعي (٣٣/١)، وأحمد (١١٤١١)، وعبد بن حميد
(٩٩٣)، والنسائي (٦٤٤)، وابن ماجه (٧٢٣)، وابن حبان (١٦٦١).

٥٠١
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي) هذا الذي أخذته عليكم الآن في هذه الحالة (وَأُنْزِلُ
عَلَيْكُمْ كُتُبِي) بذلك أيضًا.
(قَالُوا: شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبُّنَا (وَإِلَهُنَا)(١) وَأَنَّ لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ وَلَا إِلَه لَنَا غَيْرُكَ) كان
وجه تقديمهم هنا مقام الربوبية أن شهود تربية الحق حامل؛ أي: حامل على الإيمان
بألوهيته، فكان أحق بالتقديم هنا، وإنما عكس ذلك في كلامه تعالى؛ لأن مقام
الألوهية هو أحق بأن ينبه عليه؛ لأنه الأصل وما عداه وسيلة له كما تقرر.
(فَأَفَرُّوا بِذَلِكَ وَرَفَعَ عَلَيْهِمْ آدَمَ الَيْها) أي: أشرف عليهم حال كونهم (يَنْظُرُ
إِلَيْهِمْ) أو لأجل أن ينظر إليهم (فَرَأَى) منهم (الغنَى وَالفَقرَ وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَدُونَ
ذَلِكَ) في الحسن أو غير ذلك من الأصناف (فَقَالَ: رَبِّ لَوْلًا) أي: هلا (سَوَّيْتَ بَيْنَ
عِبَادِكَ) لم يقصد بذلك إلا أن يبين له حكم المخالفة بينهم، فـ(قَالَ) تعالى له بيانًا
لهذه الحكمة: (إِنِّ أَحْبَبْتُ أَنْ أَشْكَرَ) لأن الغني يرى عظيم نعمة الغنى، والفقیر یری
عظيم نعمة المعافاة من نكد الدنيا وكدرها وتعبها الذي لا حاصل له عن طول
الحساب وترادف المحن، وحسن الصورة يرى ما منحه من ذلك الجمال الظاهر الدال
على الجمال الباطن غالبًا، وغيره يرى أن عدم الجمال أدفع للفتنة وأسلم من المحنة،
فكل هؤلاء يرون بذلك النعم عليهم، فيشكرون عليها ولو تساووا في وصف واحد لم
يتيقظوا لذلك.
(وَرَأَى الْأَنْبِیاءَ) الشاملین للرسل حال کونھم (فِيهِمْ) أي: مندرجین في حكمهم
(مِثْلُ السُّرُجِ عَلَيْهِم النُّورُ) كأنه بيان لوجه تشبيههم بالسراج (خُصُّوا) استئناف أو
صفة للأنبياء (بِمِيثَاقٍ آخَرَ) أخذ عليهم بخصوصهم (في) شأن (الرِّسَالَةِ وَالتُّبُوَّةِ)
ليقومن بحقوقهما، ويصبرون على تربية الخلق، ودعائهم إلى الله غاية الجد، والشهير
بتلك القيام في المراتب الرفيعة (وَهُوَ) أي: هذا الميثاق (قَوْلُهُ [تَبَارَكَ وَتَعَالَى)(٢)) أي:
(١) سقطت في الأصل.
(٢) سقطت في الأصل.

٥٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
المراد من قوله: (﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ التَِّّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾(١)).
ثم بيَّن أن فائدة نفيسة: هي أن عيسى مع كونه لا أب له (كَانَ فِي تِلْكَ الْأَرْوَاجِ)
المخرجة المصورة على ما مرَّ (فَأَرْسَلَهُ) أي: أرسل الله روح عيسى، والمراد روحه،
وتذكير الروح جائز (إِلَى مَرْيَمَ عَلِيهَا السَّلام) مع جبريل الَّْ كما مرَّ ذلك مبسوطًا
في آخر کتاب الإيمان.
(فَحَدَّثَ عَنْ أَبِيِّ أَنَّهُ) قال: إن الروح (دَخَلَ) إلى جوفها ثم رحمها (مِنْ فِيهَا) أي:
فمها ینفخ جبريل لتلك الروح في فمها.
ومن ثم قال آخر: إنه إنما ينفخ في جيب درعها، ويجمع بينهما بفرض ثبوتهما
بأن بعض تلك النفخة دخلت من جيبها، وبعضها من فيها، ولا يعارض ذينك قوله
تعالى: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] لأن النفخ من
الفم أو الجيب وصل إلى الفرج - أي: الرحم - بواسطة قوة تلك النفخة، ويؤيد ذلك
القراءة الشاذة هنا الموافقة لما في سورة الأنبياء: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ [الأنبياء:
٩١] أي: مريم، وفي هذا كقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] التسفيه للنصارى،
والتسجيل عليهم بفساد قلوبهم وعقولهم، كيف من هذا حاله اتخذته إلهًا من
دون الله!
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) وفيه أوضح تأييد وأقوى دلالة لما مرَّ في شرح حديث عمر ◌ّه
فتأمل ذلك فإنه مهم، ولا تصنع لما وقع فيه من بعض الشارحين مما يميل لما نحته
المعتزلة المحكمون لعقولهم الفاسدة في النصوص الواضحة بصرفها عن ظواهرها لغير
موجب يعول عليه.
١٢٣ - [عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَلْ نَتَذَاكَرُ مَا
يَكُونُ إِذْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ:((إِذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلٍ زَالَ عَنْ مَكَانِهِ فَصَدِّقُوا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ
(١) الأحزاب: ٧.

٥٠٣
کتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
بِرَجُلٍ تَغَيَّرَ عَنْ خُلُقِهِ فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ، وَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ)(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَيْ نَتَذَاكَرُ) مع
رسول الله ( أو مع بعضنا بحضرته وهو يسمع، وعلى هذا التقدير يؤخذ منه أنه ينبغي
للعالم أن يتذاكر أصحابه بحضرته؛ ليعلم ما عند كل منهم من العلم (مَا يَكُونُ) أي:
يتجدد من الحوادث الطارئة على الخلق، أهو شيء مقضي فرغ منه فيوحد تلك
الحوادث على طبقة، أو شيء يوجد من غير سبق قضائه.
(إِذْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلٍ زَالَ عَنْ مَكَانِهِ فَصَدِّقُوه) أي: يخبر عن
جبل بذلك فصدقوا بذلك الخبر، فإنه أمر ممكن بل واقع كما حكي عن بعض جبال
المغرب أنه سار عن محله مسافة طويلة، (وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَجُلٍ تَغَيَّرَ عَنْ خُلُقِهِ) بضم
أوله (فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ) أي: بالخبر عنه بذلك (فَإِنَّهُ يَصِيرُ) في كل ما يفعله ويحدثه (إِلَى
مَا) أي: الخلق الذي (جُبِلَ) أي: خُلق وطُبع (عَلَيْهِ) مما سبق به القضاء والقدر الذي
لا يمكن أن يُغير ولا يُبدل، فالكيس مثلاً لا يصير بليدًا، والسخي لا يصير بخيلاً،
والشجاع لا يصير جبانًا وعكسها، وهذا مثال تقريبي باعتبار استبعاد العادة لزوال
الجبل عن مكانه استبعادًا يلحقه بالمحال العقلي، وحينئذ فلا يقدح في ذلك إمكان
زوال الجبل عن مكانه دون الخلق المقدر عما قُدر عليه.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) وفيه إشارة إلى أنه ينبغي استحضار هذا في النظر للخلق بعد وقوع
الأفعال منهم، حتى يقام إعذارهم في كثير من أحوالهم التي لا يترتب على إقامتها فيها
محذورًا، وإن كلاًّ يجري في تيار ما قُدر له لا يخرج عنه مقدار ذرة في حركاته وسكناته.
١٢٤ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا يَزَالُ يُصِيبُكَ
كُلّ عَامِ وَجَعُّ مِنَ الشّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أَكَلْتَ. فَقَالَ: ((مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّ وَهُوَ
مَكْتُوبُ عَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ(٩). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(١) أخرجه أحمد (٢٨٢٦٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٦٧٥).

٥٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله لَا يَزَالُ يُصِيبُكَ فِي كُلِّ
عَامٍ وَجَعُّ مِن الشّاةِ الْمَسْمُومَةِ) بالسم الذي بالغ اليهود في اصطناعه وإتقانه؛ ليقتل
وقته (الَّتِي أَكَلْتَ) بخيبر، فـ(قَالَ: مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ) أي: وجع ونحوه، ولذا عدل عن
قولها (وجع)) إلى شيء أعم منه (مِنْهَا) أي: تلك الشاة (إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبُ) أي: مقدر
(عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِيئَتِهِ) أي: قبل خلقي، فهو بيان القدر السابق لا تحديد لكون التقدير
وقع حينئذ، فإن كون آدم في طينته من جملة المقدر في الأزل أيضًا، ومثله قوله تعالى:
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨] أي: أبدًا، وإنما عنى بذلك؛ لأنه أبعد
غاية يعبر بها الناس في كلامهم، ونحوه: ((ما أقام ثبير)) و((ما لاح كوكب)) ونحوهما مما
يؤبدون به. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).

(باب إثبات عذاب القبر)
(الفصل الأول)
١٢٥ - [عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ
الثَّابِتِ فِي الْخَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وَفِي رِوَايَةٍ عَن النَّبِيّ ◌ََّ قَالَ:
﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، يُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِيَ اللهُ،
وَدِينِ دِينُ مُحَمَّدٍ ◌َِ﴾(١)].
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴿ عَنِ الَّبِيِ وَ قَالَ: الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ) عن ربه
ونبيه ودينه (يَشْهَدُ) عقب سؤاله يبديها من غير تحير، ولا تلعثم كما أفاده، وجعل
((إذا)) ظرفًا ليشهد، وعبر بـ(يشهد)) الذي لا يصدر إلا عن صميم القلب، ووضوح
يقينه إشارة إلى ثباته على التوحيد في الدنيا ورسوخه في قلبه (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّه فَذَلِكَ) الجواب المشتمل على ما ذكر الواقع على غاية من السرعة
والمبادرة، هو التثبيت الذي أشار إليه (قَوْلُهُ) تعالى: ((يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ﴾)
أي: بسبب النطق بالشهادتين (﴿الثَّابِتِ﴾) أي: المتمكن في القلب مع طمأنينته به
واعتقاده لحقيقته، وهذا مقتبس من قوله تعالى: ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] أي:
شهادة ((أن لا إله إلا الله)) كما جاء عن ابن عباس وغيره ﴿ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتُ
وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤].
(﴿فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾) متعلق (يثبت)) فلا يزجرهم عنه فتنة وإن ألقوا في النار،
ولا يرتابوا الشبهة وإن موهت وزخرفت (﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾(٢)) في البرزخ عند سؤال
(١) أخرجه البخاري (٤٦٩٩)، ومسلم (٧٣٨٩)، والنسائي (٢٠٥٦)، وابن ماجه (٤٤١٠).
(٢) إبراهيم: ٢٧.
٠ ٥٠٥ -