Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ومن ثم قال ◌َ﴾ لأبي سعيد لما رقى سيد الحي بالفاتحة على ثلاثين شاة، ثم
أخذوها وجاءوا بها إليه وَي: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله، كلوا واضربوا
لي معكم بسهم))(١).
وخبر: ((لا رقية إلا من عين أو حمة))(٢) معناه: لا رقية أنفع وأولى إلا من هذين
لعظيم ضررهما، والثانية محمولة على ما إذا كانت الرقية بغير ما ذكر أو بغير اللسان
العربي ما لم يعلم له معنى صحيح ممن يعتمد عليه، وبتحريم الرقية بغير العربي
صرحت أئمة المذاهب الأربعة أو مع اعتقاد أنها نافعة لا محالة فيتكل عليها، ومن ثم
قال ◌َله: «ما توكل من استرقى)»(٣).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه).
٩٨ - [وَعَنْ أَّبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَتَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي
الْقَدَرِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِيئَ فِي وَجْنَتَيْهِ حَبُّ الرُّمَّانُ، فَقَالَ: أَبِهَذَا
أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأُمْرِ
عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تَتَنَازَعُوا فِيهِ(٤). رَوَاهُ التِّرْمِنِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: خَرَجَ عَليْنَا رَسُولُ اللهِ ﴿ وَشَحْنُ نَتَنَازَعُ) أي: نتناظر
ونتخاصم (في) شأن (الْقَدَرِ) كأن يقول أحدهم: إذا كان جميع ما يجري في العالم
بقدر الله الذي لا يمكن تغيره فالعباد مجبورون، فلِم عوقبوا على معاصيهم؟ فيقول
خصمه: لأن فيه نوع اختيار كسبًا لا إيجادًا، فيقول الأول: فمن أوجد ذلك الاختيار
والكسب وأقدرهم عليه؟
(١) أخرجه البخاري (٥٤٠٥)، وابن حبان (٥١٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥٣٧٨)، ومسلم (٢٢٠)، وأحمد (١٩٩٢٢)، وأبو داود (٣٨٨٤)، والترمذي
(٢٠٥٧)، والطبراني (٥٨٧)، والبيهقي (١٩٣٧٣)، والبزار (٣٥٩٧).
(٣) أخرجه أحمد (١٨٦٧٢)، والطيالسي (٦٩٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٦٦).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٢٨٠)، وأبو يعلى (٦٠٤٥).
٤٦٧
کتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
(فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ) غاية احمرار حتى صار من شدة حمرته (كَأَنَّمَا فُقِىَ)
أي: عُصِرِ (فِي وَجْنَتِيه حَبُّ الرُّمَّانِ) فهو كناية عن مزيد حمرة وجهه المنبئة عن مزيد
غضبه؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي استأثر بها، فالبحث فيه لا يفيد
كشفها بل ربما صار الشيء المذعن المفوض قدر ما يرى أن العبد يخلق أفعال نفسه
كما زعمته المعتزلة، أو خبر ما يرى أنه مجبور لا وجه لتكليفه.
فمن ثم أمر العباد بقبول ما أمر به الشرع من غير أن يطلبوا كشف ما لا يجوز
كشفه (فَقَالَ) بيانًا لمزيد غضبه؛ إذ خاضوا فيما لم يؤمروا به بل نهوا عنه، ومبالغة في
الإنكار عليهم (أَبِهَذَا) الذي فعلتموه من التخاصم في القدر، وقدَّمه على عامله، وهو
(أُمِرْتُمْ؟) لمزيد الاهتمام بشأن المشار إليه، وكونه منكرًا حدًّا (أَمْ) منعطفة، وهمزته
للإنكار أيضًا ترقيًا من إنكار أهون إلى إنكار أغلظ (بِهَذَا) قدَّمه لما مرَّ (أُرْسِلْتُ
إِلَيْكُمْ؟).
ولما أوهم هذا سؤالاً مقدرًا هو ما وجه هذا الإنكار البليغ استأنف بقوله:
(إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) من الأمم (حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ) الذي هو القدر،
فذلك الإنكار البليغ إنما هو للخوف من وقوع نظير ذلك الهلاك الفظيع للمتنازعين
في القدر.
ووجه فظاعته أنهم استؤصلوا بهلاكهم عن آخرهم عقب التنازع فيه كما دلَّ
عليه لفظ الخبر (عَزَمْتُ) أي: أقسمت ملقيًا لليمين أو مؤكدًا بها (عَلَيْكُمْ أَلا
تَنَازَعُوا) أي: تتنازعوا (فِيهِ) أي: القدر خشية من وقوع نظير ذلك الهلاك المقطع
بكم (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
٩٩ - [وَرَوَى ابْن مَاجَه تَحْوهُ عَنْ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيه عَنْ جِدِّه].
(وَرَوَى ابْن مَاجَه تَحْوَهُ عَنْ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيه عَنْ جِدِّه).
١٠٠ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَقُولُ: إِنَّ اللّهَ تَعَالَى خَلَقَ
آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ؛ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ
٤٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالظَّيِّبُ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو
دَاوُد وَالتِّرْمِنِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ)
ابتدائية متعلقة بـ((خلق)) أو بيانية حال من ((آدم)) (قَبْضَةٍ قَبَضَهَا) أي: أمر الملك
بقبضها (مِنْ جَميع الأرْضِ) وهو ما يضم عليه الكف من كل شيء، قال تعالى بيانًا
لتصور عظمته وجلال قدرته، وأن المكنونات كلها منقادة لإرادته مسخرات بأمره،
والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة (فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ) أي: على طبْق
ألوانها (منهم الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ) هذه الثلاثة هي أصول الألوان، وما عداها
مركب منها، وهو المراد بقوله: (وَبَيْنَ ذَلِكَ) وهذه الأربعة على حقيقتها في الإنسان
والأرض.
(و) منهم (السَّهْلُ) هو فيها ما يسهل المرور عليه بألّا يكون فيه مؤذٍ، وفيه
الأخلاق الكريمة والشيم المستقيمة المبنية على غاية من الرفق والليونة المطلوبين
للشارع ◌َ﴾ (وَالُحَزْنُ) هو فيهما ضد ما ذكر في السهولة (وَالْخَبِيثُ) هو فيها السبخ
الذي لا ينبت شيئًا، وفيه الكافر؛ لأنه ضرر كله وخسار في الدارين (وَالطَّيِّبُ) هو فيها
العذبة المنبتة لمحاسن الزروع والأزهار والثمار، وفيه المؤمن الكامل الباطن والظاهر
الذي هو نفع کله.
قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا
نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] والذي سيق له الكلام في الخبر هو هذه الأمور الباطنة؛ لأنها
داخلة في حديث القدر خيره وشره، وأمَّا الأمور الظاهرة من الألوان فهي وإن كانت
مقدرة، فليست مرادة هنا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد).
(١) أخرجه أحمد (١٩٦٥٩)، وأبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥) وقال: حسن صحيح. والحاكم
(٣٠٣٧) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (١٧٤٨٦)، وابن سعد (٢٦/١)، وعبد بن حميد (٥٤٩)،
والبزار (٣٠٢٦)، والروياني (٥٤٧)، وابن حبان (٦١٦٠)، وأبو الشيخ (١٠٠٢١).
٤٦٩
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
١٠١ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ
خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ
ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ الله(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: سمعت رَسُولَ اللهِ وَهُ
يَقُولُ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقَهُ) أي: الثقلين الإنس والجن حال كونهما كائنين ([مِنْ](٢)
ظُلْمَةٍ) نشأت من نفوسهم الأمَّارة بالسوء، المملوءة بالشهوات المردية والأهوية المظلمة،
ومن ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد.٤].
(فَأَلْقَى) أي: طرح (عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ) المعنوي الواصل إليهم مما نصبه لهم من
الشواهد والحجج، وما أنزل إليهم من الآيات والنذر (فَمَنْ أَصَابَهُ) شيء (مِنْ ذَلِكَ
النُّورِ) بأن فتح الله له بصر بصيرته حتى تمكن منها، ورسخ فيها (اهْتَدَى) فسلك
الطريق الأقوم والصراط الأعظم، وإلى هذا المعنى يشير قوله عز قائلاً: ﴿اللّهُ نُورُ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] أي: هدايته
فيصيبه ذلك النور الإلهي، فيخلص من تلك الظلم، ويتحلى بسوابغ المنن والكرم.
(وَمَنْ أَخْطَأَهُ) ذلك النور؛ أي: جاوزه وتعداه بأن لم يشأ الله هدايته (ضَلَّ) عن
الصراط المستقيم، وبقي في ظلمة أوهامه متحيرًا كالأنعام بل أضل سبيلاً لامتلاء
نفسه بشهواتها الحاجبة لها عن كل كمال، وقلبه بإرادته المانعة له من شهود کل جمال.
قيل: ويمكن أن يحمل قوله: ((خلق خلقه)) على خلق الذر المستخرج في الأزل
من صلب آدم الكفيها، فعبَّر بالنور عن الألطاف التي هي تباشر صبح الهداية وإشراق
لمعان برق العناية، ثم أشار بقوله: ((أصاب)) و((أخطأ)) إلى ظهور تلك العناية في الآزال
(١) أخرجه أحمد (٦٦٤٤)، والترمذي (٢٦٤٢) وقال: حسن. والحاكم (٨٣) وقال: صحيح.
والبيهقي (١٧٤٨٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٤٣)، وابن حبان (٦١٦٩)، والطبراني في مسند
الشاميين (٥٣٢)، والديلمي (٦٣٤).
(٢) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: في.
٤٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
من هداية بعض وضلال بعض. انتهى.
قال شارح: وفي الحديث تنبيه على أن الإنسان مخلوق من الظلمة إلا من أصابه
من ذلك النور، ولا ينافيه الخبر السابق: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة)(١) لما مرَّ ثم
إن العالم إمَّا عالم غيب أو عالم شهادة، فما هنا من عالم الغيب، وما هناك من عالم
الشهادة.
وأجيب أيضًا بأن الإنسان مركب من روحانية مستعدة لقبول فيضان نور الله
الهادي، ومهيأة للتحلي بحلية الدين، ومن نفسانية مائلة للخلود إلى أرض الشهوات
المردية والانهماك فيها، فروعيت هذه هنا؛ لأن الكلام مسوق في القدر.
ومن ثم عقب ما سبق بقوله: (فَلِذَلِكَ) أي: فلأجل عدم تغير ما قدر في الأزل
من إيمان وطاعة، أو كفر ومعصية (أَقُول: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ الله) أي: مضى
الأمر وانبرم على ما علمه الله من خلقه مما قدره عليهم. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ).
١٠٢ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ،
ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟
قَالَ: (نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللّه يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ(٩). رَوَاهُ
التّرْمِنِيُّ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَنَس ◌َلَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلَِّ الْقُلُوبِ
ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) الحق الذي هو دين الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ﴾
[آل عمران:١٩] (فَقُلْتُ: يَا نَبِي الله آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟) مع ذلك
(قَالَ: نَعَمْ) لما مرَّ ((إِن منكم من يعمل بعمل أهل الجنة ... )(٣).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أحمد (١٢٤٣٦)، والترمذي (٢٢٩٠)، وابن ماجه (٣٩٦٦).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٣٦)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأحمد (٣٦٢٤)، وأبو داود (٤٧٠٨)، والترمذي
(٢١٣٧) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (٧٦).
٤٧١
کتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
(إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الله) مَّ في خبر مسلم: ((من أصابع
الرحمن))(١) والفرق أنه ابتدأ به ثم ((والرحمة سبقت الغضب))(9) فناسب ذكر الرحمن،
وهنا وقع تأييدًا للخوف عليهم، فكان المقام مقام هيبة وإجلال، فناسب ذكر مقام
الإلهية المقتضية؛ لأن ما يخص من شاء بما شاء من هداية أو إضلال.
(يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ) وقدَّم هنا الدعاء، وخصه بنفسه، وبذكر التثبت والدين
بخلافه في ذلك؛ لأن الكلام هنا سبق للتعريض بأصحابه، والخوف على دينهم كما دلَّ
علیه قول أنس: ((فقلت ... إلى آخره)) فأراد ێ أن ینبّه كلاً منهم على حدته باستشعار
مقام الخوف دائمًا، وإكثاره لهذا الدعاء.
وأمَّا ما تَمَّ فمسبوق لبيان القدر، وأمَّا الدعاء فإنما وقع بطريق الاستطراد
والشفقة على الأمة بإدراجهم معه في سلكه في ذلك الدعاء. (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ
مَاجَە).
١٠٣ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ
فَلَاةٍ تُقَلِّبُها الرّياحُ ظَهْرًا لِبَظْنِ (٣). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ) أي: صفته
العجيبة الشأن عند ورود دواعيه عن عالم الغيب عليه، وشرعه تقلبه بسببها كصفة
ريشة، وخصت لمزيد ما فيها من الخفة والطيش لا سيما مع هبوب الرياح عليها
(بِأَرْضِ فَلاةٍ) أي: واسعة لا عمران فيها، ولا مانع من وصول الرياح إلى تلك الريشة،
والإضافة هنا بيانية وهذا أظهر مما قيل: لفظ الأرض معجم؛ لأن الفلاة تغني عنها،
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٤)، وأحمد (٦٥٦٩)، والدارقطني في الصفات (٢٩)، وابن أبي عاصم في السنة
(٢٢٢).
(٢) أخرجه أحمد (٧٥٢٠)، وإسحاق بن راهويه (٤٥٩)، والبخاري (٦٩٦٩)، ومسلم (٢٧٥١)، وأبو
نعيم في الحلية (٨٧/٧)، والديلمي (٥٢٨٧).
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٢٨٨).
٤٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
فهو كنظرت بعيني تقريرًا ورفعًا للتجوز والتوهم، وذلك لا يُسلك إلا في أمر خطير.
انتهى.
(تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِيَظْنٍ) أي: إليه، وهذا بدل بعض من مفعول («تقلبها)) أو
مفعول مطلق؛ أي: يقلبها تقليبًا مختلفًا، أو حال؛ أي: يقلبها حال كونها مختلفة، فكلما
هبَّ إلى آخره قلبها إلى خلاف ما هي عليه من ظهر أو بطن، ومن ثم جمع الرياح؛ لأن
الريح للواحدة لا يظهر فيها من تقليبها ظهرا لبطن ما يظهر في الرياح المختلفة، ولهذا
الاختلاف والتقلب سمي القلب قلبًا، وقد يُعبر بالقلب عن المعاني المختصة به من
نحو الروح والعلم والشجاعة. (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
١٠٤ - [وَعَنْ عَلِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ:
يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ وَأَنِي مُحَمَّدُ رَسُولُ اللهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ، وَبِالْبَعْثِ
بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ].
(وَعَنْ علي ◌َّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: لَا يُؤْمِنُ عَبْدُ) إيمانًا صحيحًا؛ أي: لا
يعتبر ما عنده من التصديق القلبي (حَتَّى) يتمكن من ذلك التصديق إلى أن (يُؤْمِنَ)
أي يصدق (بِأُرْبَع) فحتى للتدريج كما في خبر: ((إن الرجل ليصدق حتى يكتب
صديقًا))(٢).
(يَشْهَد) أي: يعلم ويتيقن (أَن لَا إِلَه إِلََّّ اللّهُ وَأَنِي رَسُولُ الله) إلى الإنس والجن
كافة (بَعَثَنِي) إِليهم (بِالْحَقٌّ) الناسخ لجميع الأديان المشتمل على جميع الكمالات
الظاهرة والباطنة الذي لم يجعل الله فيه مرجوح، ولا إصر من الآصار التي كانت على
من سبق من الأمم، وهذه الجملة إمَّا بيان لما قبلها أو حال مؤكدة أو خبر بعد خبر أو
(١) أخرجه أحمد (٧٥٨)، والترمذي (٢١٤٥)، وابن ماجه (٨١)، والحاكم (٩٢)، والطيالسي (١٠٦)
وأبو يعلى (٥٨٣).
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٤٣)، ومسلم (٢٦٠٧)، وأبو يعلى (٥١٣٨)، وابن حبان (٢٧٣)، والبيهقي
(٢٠٩٢٧).
٤٧٣
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
استئناف كأنه قيل: لم نشهد بذلك؟ فقال: لأن الله بعثني بالحق، ثم يحتمل أن غير
الاستئناف أولى منه؛ إذ لا بد من الشهادة بذلك البعث المتضمن للشهادة بالرسالة،
ويحتمل أن الاستئناف أولى لإفادته أن الشهادة بالرسالة لا يحتاج معها إلى التصريح
بالشهادة بالبعث بالحق كما هو المقرر في الفروع.
ثم هذا وقع منه وله حكاية لمعنى قول الشاهد لا لفظه؛ إذ هو أن محمدًا
رسول الله بعثه بالحق (وَيُؤمِن) أي: يصدق (بِالمُؤْتِ) أي: بفناء الدنيا وأهلها لا كما
يزعمه دهرية الفلاسفة أن العالم قديم باقٍ، أو بأن الموت يحصل بأمر الله تعالى لا
بالطبيعة كما يزعمه الطبيعيون منهم أنه يحصل بفساد المزاج (وَ) بوقوع (البَعْثِ بَعْدَ
المؤْتِ) أي: الحشر من القبور إلى الموقف الأعظم للحساب، فإمَّا إلى الجنة إن زادت
الحسنات، وإِمَّا إلى النار إن زادت السيئات ما لم يرد الله العفو عن المسلم، وإمَّا إلى
الأعراف إن استويا كما في حديث، ثم إلى الجنة كما أخذه ابن عباس - رضي الله
عنهما - من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦].
والقياس بضده فإبرازه للاهتمام بشأن الموت، ومن ثم أكَّد بمؤكدات مع أنه لا
خلاف في وقوعه دون البعث المختلف فيه في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ *
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٥ - ١٦] ولا نظر إلى أن البعث متضمن للحياة،
والموت متضمن للفساد والتغير؛ لأنه السبب في تلك الحياة، ومن ثم قُدِّم عليها في قوله
تعالى: ﴿خَلَقَ المَوْتَ وَالْخَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] تنبيهًا على أنه يتوصل منه إلى الحياة الحقيقية
والنعيم الأبدي، فنقص السنة وفسادها إنما هو لإعادتها على وجه أشرف.
ألا ترى أن النوى والبذر لا ينموان إلا بعد تعقبهما وفساد جوهرهما، وكذلك
نحو البرلا يتهيأ للأكل إلا بعد ذلك، فكان ذلك الفساد ظاهرًا هو عين الصلاح باطنًا،
فرضا النفس بالبقاء في هذه الدار إنما هو لقذارتها، ورضاها بالأعراض الدنية كما
رضي الجعل بالانغماس في العذرة دائمًا بل قيل: إنه إذا شمَّ المسك مات لوقته.
(وَيُؤْمِن بِالقَدَرِ) فيعتقد أن جميع ما يجري في العالم بقضاء الله وقدره لا مقدم
٤٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
لما أخر، ولا مؤخر لما قدم، ولا مانع لمن أعطى، ولا معطي لما منع يفعل ما يشاء،
ويحكم ما يريد لا تتحرك أو تسكن ذرة في الكون ماضيًا أو حالاً أو استقبالاً إلا
بإرادته ومشيئته، لكن ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] وإن أراده، ويؤخذ من
تعبيره وَّ بـ(تشهد)) ثم بـ((يؤمن)) مكررًا مع أن الكل تفصيل لـ((يؤمن)) الأولى أنه لا بد
في صحة الإيمان من تلفظ القادر بالشهادتين، وهو ما حكي عليه الإجماع كما مرَّ مع
ما فيه بخلاف الثلاثة الباقية يكفي اعتقادها.
ولا يشترط التلفظ بها ومن جعله ليتشهد من تفعيل يؤمن الأول أن النطق
بالشهادتين لا يكفي إلا إذا انضم إليه التصديق القلبي بمعناهما لكن بالتشبه
للأحكام الأخروية دون الدنيوية؛ لإناطتها بمجرد النطق بهما دون البحث عمَّا في
القلب. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجِه).
١٠٥ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّ: صِنْفَانِ
مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ نَصِيبُ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثُ غَرِيبُ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَاس - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: صِنْفَانٍ) أي:
نوعان (مِنْ أُمَّتي) أي: أمة الدعوة بالنسبة لمن يكفره من ذينك الصنفين، أو أمة
الإجابة بالنسبة لمن يكفره منهما (لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَام نَصِيب) أي: أصلاً أو كامل
على التفصيل المذكور، فمن أطلق تكفير الفريقين أخذًا بظاهر هذا الخبر، فقد
استروح بل الصفات عند الأكثرين من علماء السلف والخلف أنَّا لا نكفر أهل
البدع والأهواء إلا إن أتوا بمكفر صريح لا استلزامي؛ لأن الأصح أن لازم المذهب
ليس بلازم.
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١٣٣/٤) والترمذي (٢١٤٩) وقال: غريب حسن صحيح.
وابن ماجه (٦٢) وابن عدي (١٩٤/٥) وعبد بن حميد (٥٧٩) وعبد الله بن أحمد في السنة
(٦٦٦).
٤٧٥
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
ومن ثم لم يزل العلماء يعاملونهم معاملة المسلمين في نكاحهم وإنكاحهم،
والصلاة على موتاهم، ودفنهم في مقابرهم؛ لأنهم وإن كانوا مخطئين غير معذورين
حقَّت عليهم كلمة الفسق والضلال إلا أنهم لم يقصدوا بما قالوه اختيار الكفر، وإنما
بذلوا وسعهم في إصابة الحق فلم يحصل لهم لكن لتقصيرهم بتحكيم عقولهم
وأهوايتهم، وإعراضهم عن صرائح السنة والآيات من غير تأويل سائغ، وبهذا فارقوا
مجتهدي الفروع، فإن خطأهم إنما هو لعذرهم بقيام دليل آخر عندهم مقاوم لدليل
غيرهم، ومن جنسه فلم يقصروا، ومن ثم أثيبوا على اجتهادهم.
(المُرْجِئَة) بالهمز وتركه من الإرجاء، وهو التأخر، وهم الزاعمون أن الإيمان
قول بلا عمل، فأخروا اعتبار العمل هذا هو المشهور فيهم، ونازع فيهم شارح بل زعم
أنه غلط قال: لأنَّا وجدنا أكثر الذاكرين لأصحاب الملل ذكروا أن المرجئة هم الجبرية
الذين يقولون: إن إضافة العبد كإضافته للجماد؛ فأخروا أمر الله ونهيه عن الإعتداد
بهما، وارتكبوا الكبائر إفراطًا وجهلاً.
وهؤلاء ضد القدرية المذكورين في قوله: (الْقَدَرِيَّة) لأنهم ينسبون للعبد قدرة
يوجد بها أفعال نفسه من الكفر والمعصية على حسب إرادته، ويخرجون أفعاله عن
قدرة الله وإرادته تفريطًا منهم وحمقًا، وزعم بعضهم أن القدرية هم أهل السنة.
قال: لأنهم الذين يثبتون القدر ونحن ننفيه، وهو جهل منهم؛ لأنهم يثبتونه
للعبد منهم قدرته بهذا الاعتبار، على أن أهل السنة لم يسموهم بذلك من عند أنفسهم
حتى يقابلوهم بمثله زاعمين أنه في مقابلة الفاسد بالفاسد، وإنما أخذوه من النصوص
الآتية المفيدة أن القدرية الوارد ذمهم في الأحاديث التي لا تحصى هم المكذبون
بقدر الله، وهؤلاء هم أولئك الفرقة الضالة دون أهل السنة. (رَواهُ [الْبُخَارِيّ)](١) وَقَالَ:
هَذَا حَدِيث غَرِيب).
(١) في المشكاة المطبوعة: الترمذي.
٤٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
١٠٦ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُولُ:
يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ وَمَسْخُ، وَذَلِكَ فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
والقِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: سمعت رَسُولَ اللهِ وَلَهَ يَقُولُ)
يَكُونُ (فِي أَمَّتِي خَسْفٌ) من خسف المكان: غاب في الأرض (وَمَسْخُ) وهو تحويل
الصورة إلى ما هو أقبح منها (وَذَلِكَ) واقع (فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ) لفسقهم بل كفرهم
إن أفضت بهم معصيتهم إلى تكذيب النصوص الواردة في القدر، أو إلى تكفير من
خالفهم لدینھم.
قيل: أو يحمل هذا كالذي قبله على التغليظ والتشديد زجرًا أو ردعًا، والتقدير:
إن يكن خسف ومسخ يكونا في أولئك، أو على المكذب به إذا أتاه من البيان ما
ینقطع العذر دونه. انتهى.
ويرد الأولان بأنه جاء من النصوص ما كان أن يتواتر أنه لا بد من وقوع مسخ
أو خسف في هذه الآية، وهذا الحديث عيَّن من يقع بهم ذلك فيحمل على حقيقته كما
قاله الخطابي وغيره، غاية الأمر أنه لا يحمل على مطلق المكذبين بالقدر بل على من
يكفره منهم هذا إن لم يجز وقوع مسخ أو خسف بمسلم، ومثل ذلك لا بد فيه من
توقيف، وإلا فأي مانع من وقوعهما بالفسقة أيضًا! نعم تفارق هذه الأمة غيرها، فإنهما
لا يقعان فيهم على جهة العموم والاستئصال بخلاف بقية الأمم.
ويرد الثالث بأن ظاهر كلام الأئمة: أنَّا لا نكفرهم وإن أتاهم من البيان ذلك
لما مرَّ أنهم مولون مخطئون غير معذورين. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَى التَّرْمِذِيُّ تَحَوهِ).
١٠٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا
تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد].
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٠٦)، ولم أقف علیه عند أبي داود.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٩١)، والحاكم (٢٨٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي
=
٤٧٧
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأَمَّةِ) لإحداثهم في
الإسلام مذهبًا يشبه مذهب المجوس، من وجه هو أنهم يضيفون الكائنات أعيانًا
وأحداثًا إلى الإلهين؛ أحدهما: لا يصدر عنه إلا ما هو خبر يشبه ذلك لكن في
الأحداث لا الأعيان؛ لإضافتهم الخير إلى الله والشر إلى النفس كذا قاله الخطابي،
ولعله مذهب فرقة من المعتزلة، وإلا فالمشهور عنهم ما صرح به الزمخشري منهم، وهو
أن الحسنة التي هي الخصب والصحة، والسيئة التي هي القحط والمرض من الله تعالى.
وأمَّا الطاعة فمن العبد لكن الله تعالى قد لطف به في أدائها وبعثه عليها،
وكذلك المعصية منه أيضًا والله تعالى برئ منها، وعلى هذا فوجه تسميتهم مجوسًا أنه
يلزم على قولهم هذا تعدد الإله أيضًا؛ لأن الباعث على الطاعة غير الباعث على
المعصية عندهم كما تقرر.
والإشارة بهذه تفيد تعظيم المشار إليهم وتقبيح القدرية والتعجيب منهم؛ أي:
انظروا إلى هؤلاء كيف امتازوا عن هذه الأمة المكرمة بهذا الوصف القبيح الذي
أنزلهم من أوج السعادة إلى حضيض الشقاوة، ومرَّ في أول الفصل الأول في عصفور
من عصافير الجنة ما يفيد أن هذا ليس من باب الاستعارة بل من باب الادعاء على
حد العلم أحد اللسانين.
(إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ) خُصَّا؛ لأنه إذا قطع فيهما مع
أنه حينئذ في غاية الافتقار لا سيما في الدعاء له، فالصحة في الأول والمغفرة في الثاني،
ففي غيرهما أولى على أنه نص في كفرهم؛ إذ الفاسق لا منع ولا كراهة في شهود
جنازته بخلاف المريض فضلاً عن كفره يقتضي النهي عن عبادته. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو
دَاوُد).
(٢٠٦٥٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٣٨) وابن جرير الطبري في صريح السنة (٢١)، والديلمي
(٤٧٠٥)، ولم أقف عليه عند أحمد.
٤٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
١٠٨ - {وَعَنْ عُمَرَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: لَا تُّجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا
تُفَاتِحُوهُمْ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عُمَرِ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ) مجالسة تأنيس
وتعظيم لهم؛ لأنهم إمَّا أن يدعوكم إلى بدعتهم بما زينه لهم شيطانهم من الحجج
المموهة والأدلة المزخرفة التي تجلب من لم يتمكن في العلوم والمعارف إليهم ببادئ
الرأي، وإمّا أن يعود عليكم من نقصهم وسوء عملهم ما يؤثر في قلوبكم
وأعمالكم؛ إذ مجالسة الأغيار تجر إلى غاية الوبال والبوار.
فإن قلت: قوله ظاهر هذا قد يخالف قوله تعالى في حق المنافقين: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا
مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذَا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] فلم ينهِ عن
مجالستهم مطلقًا بل إذا خاضوا في الكفر والاستهزاء بالمؤمنين، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:
٦٨].
قلت: لا مخالفة بل يحمل الخبر على من لم يأمن على نفسه منهم فيمنع من
مجالستهم، والآية الأولى على من أمن فلا حرج عليه في مجالسته لهم؛ لغير التأنيس
والتعظيم ماداموا لم يخوضوا في كفر أو بدعة، وكذا إذا خاضوا وقصد الرد عليهم
وتسفيه أدلتهم، وهذا كله ظاهر معلوم من أدلة أخرى، ولم أرَ من ذكر شيئًا.
(وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ) من الفتاحة بضم أوله أو كسره؛ أي: الحكم، ومنه: ﴿رَبَّنَا
افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: لا تحاكموهم إلى أحد في بدعتهم،
فإنهم أهل عناد ومكابرة أو لا تبحثوا معهم عن الاعتقاد، فإنهم يوقعونكم في الشك،
وإن لم تجالسوهم فيهما، فهو عطف مغاير، وقيل: عطف خاص؛ لأن المجالسة تشتمل
على المواكلة والمؤانسة والمحادثة وغيرها، وفتح الكلام في القدر أخص من ذلك. (رَوَاهُ
(١) أخرجه أحمد (٢٠٦)، وأبو داود (٤٧١٠)، وأبو يعلى (٢٤٥)، وابن حبان (٧٩)، والحاكم (٢٨٧)،
والبيهقي (٢٠٦٦٢)، والضياء (٣٠١) وقال: إسناده ضعيف. وابن أبي عاصم (٣٣٠).
٤٧٩
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
أَبُو دَاوُد).
١٠٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِيِّ مُجَابُ: الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللّهِ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ
بِالْجَبَرُوتِ؛ لِيُعِزَّ بِذَلِكَ مَنْ أَذَلَّهُ اللهُ، وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللهُ، وَالْمُسْتَحِلُّ لِخِرَمِ الله،
وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللهُ، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي(١). رَوَاهُ البِيهَقِي فِي ((المدخل))،
وَرَزِین فِي کتَابِهِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُ: سِتَّةُ) من الفرق
(لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ) إن شاء للدعاء عليهم، فقوله: (وَكُلَّ نَبِيِّ ◌ُجَابٌ) دعاؤه جملة حالية
من الفاء؛ أي: ودعائي مجاب كسائر الأنبياء أو إخبار استئناف كأنه قيل: لِمَ لعنتهم؟
فأجاب بأن الله لعنهم وكل نبي، فهو عطف على الجلالة، ومجاب صفة كأسفه لا مفهوم
لها، فاندفع ما قيل مجاب خبر فلا يصح عطفه؛ لأنه جملة، وهي لا تعطف على مفرد لا
صفة لإبهامه أن بعض الأنبياء لا يجاب، وبُني على هذا الوهم إفساد رواية ((مجاب))
بالجر، وکله ليس في محله لما علمت.
(الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللّه) لفظة لم يتواتر عن النبي وَّ زاعمًا قرآنيتها لحرمة
القراءة بالشواذ، وإن صحت عنه ولم؛ لأنها حينئذ في حكم الخبر لا القرآن، فلا
يذكر إلا لبيان تفسير أو زيادة حكم، فمن أتى بها على أنها قرآن مع اعترافه بأن
القرآن لا يثبت إلا بالتواتر كما عليه عامة العلماء، صدق عليه أنه زاد في كتاب الله،
فيشمله اللعن لفسقه بل كفره إن استباح مطلق الزيادة في القرآن، أو حكمًا نشأ
عن تأويله لفظ القرآن بما يأباه مع مخالفته لبقية الآيات المحكمة أو للأحاديث
الصحيحة كما فعلت اليهود بالتوراة والنصارى بالإنجيل، وهذا بدعة بل كفران
اقترن به كفر.
(١) أخرجه الترمذي (٢١٥٤) والحاكم (٣٩٤١) والطبراني (٢٨٨٣) والبيهقي في شعب الإيمان
(٤٠١١).
٤٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ الله) لإثباته القدرة للعبد على الطاعة والمعصية، وهم
المعتزلة على ما مرَّ آنفًا، (و) الإنسان (وَالْمُتَسَلِّطُ [بِالْجَبَرُوتِ)(١)) أي: المتقوي على
الناس الناشئ عن شوكة أو ولاية، فعلوت من الجبریات بخبر نقیصته، ورد الله بادعاء
كثير وتعالى لا يستحقه أو بتولية المناصب من لا يستحقها، ومنعها من يستحقها؛
(لِيُعِزَّ) اللام فيه للمعاقبة مثلها في: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].
(لدوا للموت وابنوا للخراب))(٢)، لا للعلة لإبهامه؛ لأن التسلط بالجبروت لغير
ذلك لا یوجب هذا اللعن، ولیس مرادًا.
(مَنْ أَذَلَّه اللهُ) لفسقه أو كفره بأن يرفع مرتبته على المسلمين، أو بحكمه فيهم
كما فعل كثير من حكام الحرر يرفع اليهود والنصارى على كثير من المسلمين، والفسقة
على العدول المبرزين (وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللهُ) بأن يخفض مراتب العلماء والصلحاء
ونحوهم.
(وَالْمُسْتَحِلُّ لِحُرُمِ الله) بضم الحاء، وهذا كافر؛ إذ يدخل تحت هذا العموم من
استباح محرمًا بالإجماع معلومًا من الدين بالضرورة، وهذا كفر بل قال كثيرون: لا
يُشترط علمه ضرورة، وبفتحها وهو: حرم مكة، بأن فعل فيها ما حرم على أهله تعظيمًا
له من نحو اصطياد وقطع شجر، ولفي هذا الكل من لم يحكم بكفره ممن مرَّ ويأتي.
قيل: تغليظ عليه، وليس كذلك بل يصح إرادة حقيقة اللعن للقاضي
بنصّ قوله تعالى في الملاعن: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ﴾
[النور: ٧] فكذبه ليس بكفر ومع ذلك لُعِن.
(وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ) إيذاء (عِثْرَنِي) بالفوقية؛ أي: قرابتي، وهم أولاد فاطمة
وذراريهم # (مَا حَرَّمَ اللهُ) عليه، وهم في هذا وإن كانوا كغيرهم لكن حرمتهم أشد
وأعظم، ومن ثم قرنهم بحرم الله بناء على فتح الحالين عظيم شرفهما بنسبة أحدهما
(١) سقطت في الأصل.
(٢) أخرجه بنحوه البيهقي في شعب الإيمان (١٠٧٣١)، والديلمي (٦١٦٢).
٤٨١
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
إلى الله، والآخر إلى رسول الله وَله.
(وَالثَّارِكُ لِسُنَّتِي) استخفافًا بها أو رغبة عنها، أو تهاونًا بها وتكاسلاً، والأولان
كفر، والثالث غير معصية إن أريد بالنية خلاف الفرض، ومعصية إن أريد بها
الطريقة لشمولها للفرض أيضًا.
(رَوَاهُ البِيهَقِي فِي (المدخل)، وَرَزِين في كتَابِهِ) الذي جمع فيه بین الصحاح لكنه
لم يعرف بذلك، فقد ذكره فيه حتى الموضوع كخبر الصلاة ليلة النصف من شعبان أو
الرغائب.
١١٠ - [وَعَنْ مَطَرِ بْنِ عُكَامِسٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِذَا قَضَى اللهُ
لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضِ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ مَطر بِنْ عُكَامِس ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا قَضَى اللهُ لِعَبْدٍ) أي:
عليه، ويصح بقاء اللام على ظاهرها؛ لأن ((الموت تحفة المؤمن))(٤) كما ورد (أَنْ يَمُوتَ
بِأَرْضِ) ليست وطنه (جَعَلَ) الله (لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً) وهذا باعتبار الأمر الغالب أن
الإنسان لا يذهب لأرض إلا لحاجة، وإلا فالمراد أنه لا بد أن يسبب له المسير إليها، ولو
بغير اختياره لغير حاجته حتى يذهب إليها فيقبض، ثم وينفذ قضاؤه تعالى وقدره؛ لأن
ما قدر وحتم لا يمكن تخلفه (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّزْمِذِيُّ).
١١١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَرَارِيُّ
الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: ((مِنْ آبَائِهِمْ)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا
عَامِلِينَ)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: ((مِنْ آبَائِهِمْ)) قُلْتُ: بِلَا عَمَلٍ؟
قَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ))(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(١) أخرجه أحمد (٢٢٠٣٤)، والترمذي (٢١٤٦) وقال: حسن غريب. والطبراني (٨٠٧)، والحاكم
(١٢٥).
(٢) أخرجه الديلمي (٦٧١٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٧١٤).
٤٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(وَعَنْ عَائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالت: قُلْتُ: يَا رَسُول الله، ذَرَارِيُّ
[المؤمِن](١)) أي: ما حكمهم أهم في الجنة أو النار؟ (قَالَ:) هم (مِنْ) تبعيضية
(آبَائِهِمْ) أي: بعضهم، فلهم حكمهم.
وقال شارح: اتصالية كـ((هي) في قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم
مِّنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: هم متصلون بآبائهم، ولا شك أن البعضية أظهر من مجرد
الاتصال والاندراج المذكورين في المقصود الذي سبق له الكلام من أن أحكام الإسلام
تجري عليهم تبعًا لآبائهم.
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله) أيدخلون الجنة (بِلَا عَمَلٍ) والله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ
الجَنَّةُ الَتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢].
(قَالَ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) لو بلغوا، وذلك كناية عن أنهم لا عمل لهم؛
أي: ومع فلا تعجبين من دخولهم الجنة بلا عمل، فإن دخولها لا يتوقف على عمل بل
على كون داخلها من أهل القبضة التي قال تعالى فيها حين قبضها: ((هذه للجنة ولا
أبالي))(٢) وذكر: ﴿بِمَا كَنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥] في الآية إنما هو لتفاوت درجاتها؛
أي: أورثتم منازلها وقصورها بعملكم، ولما كان في هذا إشارة ظاهرة إلى القدر، وإناطة
مثل ذلك به ذكره محبي السنة في باب القدر.
(قُلْتُ: فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ) أيدخلون الجنة أم النار؟ (قَالَ:) هم أيضًا (مِنْ
آبَائِهِمْ) فيجري عليهم أحكام المشركين في الدنيا أو مطلقًا بناء على القول الضعيف:
إنهم في النار (قُلْتُ:) [يا رسول الله](٣) أتجري عليهم هذه الأحكام أو أيدخلون النار
(بِلَا عَمَلٍ؟) أي: كفر صدر منهم؛ لأنهم غير مكلفين (قَالَ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا
عَامِلِينَ) فيه ما مرَّ، فمن كان من أهل قبضة النار عاش حتى عمل الكفر ثم مات
(١) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: المؤمنين.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) سقطت في المشكاة المطبوعة.
٤٨٣
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
عليه، ومن كان من أهل قبضة الجنة قبض صغيرًا أو عاش حتى أسلم.
وفي ((شرح مسلم)) اختلفوا في أطفال المشركين، فقيل: في النار، وقيل: يتوقف
فيهم، والصحيح الذي عليه المحققون إنهم في الجنة؛ لخبر البخاري: ((إنه ◌َّ رأى
إبراهيم الخليل في الجنة، وحوله أولاد الناس قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟
قال: ((وأولاد المشركين))(١) ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾
[الإسراء: ١٥] وهم غير مكلفين فلا حجة عليهم اتفاقًا. انتهى.
ونوزع بأن الحق التوقف؛ لخبر أحمد الآتي قريبًا المصرح بأنهم في النار، ولخبر:
((الوائدة والموؤودة في النار))(٢) والذين بين يدي الخليل من أولاد المشركين هم المشركون
الذين لم يسلموا حينئذ ثم في المآل آمنوا، والآية تحتمل أن يراد بالعذاب فيها
الاستئصال في الدنيا؛ لأن ((حتى)) تقتضي ذلك ظاهرًا. انتهى.
ولك رده بأن التوقف إنما يتجه عند تعارض دليلين متكافئين، وليس الأمر هنا
كذلك؛ لأن حديث البخاري المصرح بأنهم في الجنة أصح وأشهر، فليقدم على القاعدة
الأصولية في ذلك على حديث أحمد المصرح بأنهم في النار، أو بجمع بحمل هذا الثاني
على أنه * قال ذلك فيهم اجتهادًا منه نظرًا إلى كونهم من آبائهم.
ثم اعلم أنهم خرجوا عن القياس فضلاً من الله ورحمة لهم، أو من علم الله
منهم أنهم لو عاشوا وبلغوا أشركوا كما مرَّ في الغلام الذي قتله الخضر أنه طبع كافرًا،
وتأويل خبر البخاري يحمله على من لم يسلموا ثم أسلموا في غاية البعد، فلا يقبل على
أنه تحديق النظر فيه غير صحيح؛ لأن الحكم في الخبر على أولاد المشركين،
وبإسلامهم المتوقف على بلوغهم لم يبقوا أولاد المشركين الذين الكلام فيهم فتأمله.
وخبر: «الوائدة والموؤودة)»(٣) من أين أنه فيمن لم يبلغ، فلا حجة فيه له، وكونهم
(١) أخرجه البخاري (٧٠٤٧)، وأحمد (٢٠٦٢٧)، والطبراني (٦٩٨٤).
(٢) أخرجه الطبراني (٦٣٢٠)، وابن سعد (٣٢٥/١).
(٣) تقدم تخريجه.
٤٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
كانوا يفعلونه بالصغران عقب الولادة غير مطرد لما يأتي قبيل الفصل، وكذا ولدا
خديجة في خبر أحمد الآتي، وحمل الآية على ما ذكره بعيد جدًّا، فلا يقبل؛ لأن معذبين
وقع نكرة في سياق النفي، فيقتضي نفي سائر أنواع العذاب عنهم، وذلك لا يكون في
الدنيا بنصَّ: ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٥] خاصة الدال على أن
عذاب الدنيا قد يعم غير المكلف، فتعين حمل عموم ذلك النفي على عذاب الآخرة هذا،
والحق أيضًا فيمن مات من أهل الفترة أنهم ليسوا في النار.
ثم رأيت في كلام البيضاوي ما ذكرته في الجمع بين خبر البخاري وأحمد، وهو:
وكما أن البالغين منهم شقي وسعيد، فالأطفال منهم من سبق القضاء بأنه سعيد من
أهل الجنة، فهو لو عاش عمل عمل أهلها، ومنهم من جف القلم بأنه من أهل النار،
فهو لو عاش عمل عمل أهلها.
وأما قوله قبل ذلك ليست الجنة والنار متوطنين بالأعمال بل الموجب القدر من
اللطف الرباني والخذلان الإلهي، وهم في أصلاب آبائهم بل والكل في العدم، فوجب
التوقف وأن يوكل حالهم إلى علم الله، فإن الشقاوة والسعادة ليستا معللتين عندنا بل
خلق الله تعالى من شاء سعيد أو من شاء شقيًّا، وعدم الدليل وعدم العلم لابن حيان
عدم المدلول، والعلم بعدمه فيُجاب عنه بأن ما ذكره لا يوجب التوقف إلا لو لم يرد ما
يصرح بأنهم في الجنة، فإن ورد ذلك بل صحَّ في خبر البخاري فلا وجه للتوقف.
غاية الأمر أن خبر أحمد المعارض له إمَّا يعمل به؛ لأن ذاك أصح منه فقُدم
عليه، أو يحمل على ما قدمته الموافق لكلام البيضاوي الأول. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
١١٢ - [وَعَن إِبْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةِ: الْوَائِدَةُ وَالْمَوْؤُودَةُ فِي
النَّارِ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُود ◌ََّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: الْوَائِدَةُ) من وأد يئد؛ أي: دفن
(١) أخرجه أبو داود (٤٧١٧) وابن حبان (٧٤٨٠) والبزار (١٨٢٥) والشاشي (٦٤٨) والطبراني
(١٠٢٣٦).
٤٨٥
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
(وَالْمَوْؤُودَةُ) أي: المدفونة حية كما كانت العرب تفعله في الجاهلية خوفًا من لحوق عار
البنات (في الثَّارِ) أمَّا الوائدة فلكفرها وفعلها، وأمَّا الموؤودة فلكفرها.
ثم إن أريد بذلك ما يعم أهل الفترة كان مبنيًّا على ما نقل عن الأكثرين أنهم
في النار، أو ما يختص بأهل الإسلام كان محمولاً في الموءودة على البالغة على أنه قيل:
يحتمل أن المراد بها الموؤود لها وهي: أم الطفل، وبالوائدة: القابلة؛ إذ كان من ديدنهم أن
المرأة إذا أخذها الطلق حفر لها حفيرة عميقة، فجلست عليها والقابلة وراءها،
فترقب الولد فإن ولدت ذكرًا أمسكته أو أنثى ألقته في الحفيرة وأهالت التراب عليها.
وأمَّا حمله أنه ورد في قضية خاصة أن ابني مليكة سألاه عن أمهما أنها كانت
تئد، فقال: ((الوائدة والموؤودة في النار)) فردَّ بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
نعم روى الدرامي في ((جامع الصحيح)): إن رجلاً قال: يا رسول الله إنَّا كنا أهل
جاهلية وعبادة أوثان فكنا نقتل الأولاد، وكانت عندي ابنة لي، فلما أجابت وكانت
مسرورة بدعائي إذا دعوتها يومًا، فاتبعتني فمررت حتى أتيت بئرًا من أهلي غير بعيد،
فأخذت بيدها فرديت بها في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول: يا أبتاه يا أبتاه، فبكى
وسلم حتى وكف دمع عينيه، فقال له رجل من جلساء النبي ◌َّلهُ: أحزنت رسول الله وَ له
فقال له: ((كف فإنه يسأل عما أهمه)) ثم قال له: ((أعد علي حديثك)) فأعاده فبكى حتى
وكف الدمع من عينيه على لحيته، ثم قال له: ((إن الله قد وضع عن الجاهلية ما عملوا
فاستأنف عمل))(١) فظاهر قوله ما عملوا أن أهل الفترة لا يؤاخذون، وبه يتأيد ما مرَّ
عن المحققين، ويتعين تأويل الوائدة والموؤودة في النار على نحو ما قدمناه. (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد).
(الفصل الثالث)
١١٣ - [عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ اللّهَ وَّنَ فَرَغَ إِلَى كُلِّ
(١) أخرجه الدارمي (٢).