Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﴾: «مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)) قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَتْتَنِي بِهِ فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيِيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لِإِسْتِي قَالَ: ارْجِعْ. فَقَالَ لَّهُ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((يَا عُمَرُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟)) قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأَتِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ مَنْ لَقِي يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ. قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِّ أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللهِوَّ: (فَخَلِّهِمْ)(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ وَِّ مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي) جملة (نَفَرٍ) من الصحابة - رضوان الله عليهم - وفائدة ذكر ذلك: بيان حفظه للواقعة واستيفائه لها على وجهها؛ ليكون ذلك أدعى إلى حفظ السامعين منه واعتنائهم لمروءته أکثر من غيره. (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا) أي: بيننا، فالأظهر مزيد للتأكيد، ومثله: بين ظهرينا وظهرانينا بفتح النون (فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ) أي: أن يصاب بمكروه أو غيره حال كونه (دُونَنَا) أي: متجاوزًا عنا ومفارقًا لنا. وفي ((الكشاف)) معنى دون أدنى مكان من الشيء، ومنه الشيء الدون، واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب، فقيل: زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ثم اتسع فيه واستعمل في کل تجاوز حد إلى حد. (وَفَزِعْنَا) وفي نسخة: ففزعنا، قيل: هو من عطف أحد المترادفين على الآخر لإرادة الاستمرار، مثل: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر:٩] أي: كذبوه تكذیبًا عن تكذیب. انتهى. ويحتمل أنه لا ترادف، وأن الفزع مترتب على تلك الخشية فهي سبب له، ولعل هذا أظهر؛ أي: فزعنا لأجل ذلك؛ لأنه أمر مقطع لكثرة الأعداء له ثم المتآمرين على (١) أخرجه مسلم (٥٦)، وابن حِبَّان (٤٥٤٣). ٣٤٧ كتاب الإيمان قتله، ومن ثم كان ◌َيُّ يحرس كل ليلة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فإن قلت: بفرض تقدم الآية على هذه الواقعة ما وجه الفزع؟ قلت: لأن الذي فيها الحفظ من الناس لا مطلقًا، فسبب الخشية باق (فَكُنْتُ) لشدة خشيتي لا لكوني أولى بذلك من أبي بكر وعمر وأمثالهما (أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ الله ◌ِهِ) وأتبع أثره لأعلم حقيقة ما أبطأه (حَتَّى أَتَيْثُ حَائِطًا) أي: بستانًا (لِلأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ) خاص بعد عام (فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعُ) هي للمفاجأة؛ أي: فاجأ عدم وجودي للباب رؤية نهر صغير (يَدْخُلُ فِي جَوْفٍ حَائِطٍ) أي: حدًّا، ولذلك الحائط فهو مشترك مستمد ذلك النهر (مِنْ بِثٍْ) بالتنوين (خَارِجَةٍ) عن ذلك الحائط ليستقي له منها في ذلك النهر للداخل إليه، وفي رواية: ((خارجه)) بهاء الضمير؛ أي: خارج ذلك الحائط، وفي أخرى: بالإضافة، فخارجة اسم رجل (وَالرَّبِيعُ: الْجَدْوَلُ) أي: النهر الصغير. (قَالَ) أبو هريرة (فَاحْتَفَوْتُ) بالزاي؛ أي: تضاممت ليسعني ذلك الجدار، وروايته بالراء مردودة (فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللّه ◌َاز) لم يحتج في دخوله لاستئذان مالكه؛ لعلمه برضاه أو ظنه، وقد قال أصحابنا وغيرهم من جماهير السلف والخلف: لمن ظن رضا غيره بأخذه شيء من ماله أن يأخذه، وقول ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لا يتجاوز الطعام ونحوه إلى الدراهم والدنانير وأشباهها. قال النووي: لعله في دراهم كثيرة يشك في الرضا بها. (فَقَالَ) أَأنت (أَبُو هُرَيْرَةَ) والاستفهام المقدر إمَّا على حقيقته؛ لاحتمال أنه وَيه كان غائبًا عن بشريته؛ بسبب إيحاء هذه البشارة إليه، أو للتقرير وهو ظاهر، أو لتعجبه من دخوله عليه والطرق مسدودة. (فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: مَا شَأُنُكَ) الذي حملك على هذا الإتيان؟ (قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا فَفَزِعْنَا) لذلك وتسارعنا إلى تعرف الخير (فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَرِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ) ٣٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول الذي أنت فيه (فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ مِنْ وَرَائِي) منتظرون علم ما وقع لك. (فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ) فائدة إعطائهما: تأكيد صدقه، وإلا فخبره مقبول بدونهما، وتحضيضها إمَّا لفقد غيرهما، وإمَّا إشارة لما في بعثته وقدومه على أمته من التيسير والتسهيل، ورفع الآصار التي كانت على من قبلهم من الأمم؛ لكونه رحمة مهداة لهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أو إلى أن لهم قدم صدق عند ربهم هو محمد والر كما قاله بعض المفسرين، ويؤيده قوله وَ الر: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْخَوْضِ))(١) والفرط السابق المهيئ لمصالح من يأتي بعده، أو إلى ثباتهم على دينهم وبذلهم الجهد في السعي إليه بأقدامهم، أو إلى الاستقامة الجامعة لمحاسن العقائد والأعمال والأخلاق. (فَقَالَ) كرره؛ لزيادة الاعتناء بذلك القول والتأكيد في شأنه (اذْهَبْ بِنَعْنَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ) وأن محمدًا رسول الله، كما علم من الأحاديث السابقة، ومن الإجماع على أن إحدى الكلمتين بدون الأخری لا تفید شيئًا. (مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرُهُ بِالْجَنَّةِ) أي: بدخولها أولاً مع الناجين إن مات تائبًا طائعًا أو عفي عنه، وإلا فبعد ما يريده الله من عذابه كما مرَّ بسط ذلك مرارًا. (فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ) من الناس (عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ التَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانٍ نَعْلَا رَسُولِ اللّه ◌َهَ بَعَثَنِي بِهِمَا) وأمرني بأن (مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ) أي: بأن أخبرني أن هذه صفته وإلا فأبو هريرة لا يعلم الاستيقان لا عدمه بدون إخبار، وذكر القلب للتوكيد؛ إذ الاستيقان لا يكون إلا به، كرأيت بعيني، وأستفيد منه أنه لا ينفع إيمان بدون لفظ (١) أخرجه البخاري (٦٢١٧)، ومسلم (٢٢٨٩)، وأحمد (١٨٨٣٠)، وابن حبان (٦٤٤٥). ٣٤٩ كتاب الإيمان من قادر عليه، ولا لفظ بدون إيمان إجماعًا. (بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بيده بَيْنَ ثَدْفِيَّ فَخَرَرْتُ لِإسْتِي) أي: على مقعدتي من شدة الضربة، وكان وجه استباحة عمر لذلك أنه لأبي هريرة بمنزلة الشيخ والمعلم، وللشيخ والمعلم أن يؤدب المتعلم بمثل ذلك إذا رأى منه خلاف الأدب، وهو هنا المبادرة إلى إشاعة هذا الخبر قبل تفهم المراد من النبي ◌ّير مع إشكاله، وما يترتب عليه من اتكال الناس وإعراضهم عن الأعمال، وكان حقه إذ أمر بتبليغه أن يتفهم المراد بهم؛ ليورده في موارده دون غيرها، فاقتضى جهاد عمر أن إخلاله بذلك مقتض لتأديبه فأدبه بذلك، ويحتمل أن عمر استبعد صدور هذا العموم منه 5 4* بدليل قوله الآتي: ((أبعثت ... إلى آخره))، ونسبه إلى تصرف أبي هريرة فأدبه لذلك. (فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) وراجع رسول الله وَليه في تبليغه، لعله أن تظهر له المصلحة في كتمه؛ لئلا تغتر الناس به ويتكلوا، فليس في فعل عمر شيء من رد أمر النبي ◌َّ - حاشاه الله من ذلك - وإنما غاية الأمر أنه رأى الكتم أصلح فتوصل إليه بما أمكنه. (فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ فَأَجْهَشْتُ) وفي رواية: ((فجهشت)) وهما صحيحتان، من: جهش فزع إلى من يلجأ إليه، ويتحير مما يخافه كما يفزع الصبي إلى أمه (بُكَاءً) هي للمصاحبة؛ أي: صحب فزعي البكاء من شدة تلك الضربة، أو من جهة استخفاف عمر بحقه وعدم احترامه. (وَرَكِبَنِي عُمَرُ) من: ركبته الديون: أثقلته؛ أي: أثقلني مجيئه خلفي سرعة؛ خوفًا منه أن يلحقني فيضربني ثانيًا (فَإِذَا) للمفاجأة (هُوَ عَلَى أَثَّرِي) بفتح أوله أو بكسر فسكون؛ أي: فاجأه وصولي وصوله على عقبي لإسراعي في لحوقي. (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَا لَكَ) أي: أيّ شيء رجع بك على هذه الحالة المنكرة (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)) قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْبِيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ) من شدتها (الإِسْتِي قَالَ: ارْجِعْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَُّ: يَا عُمَرُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى ٣٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله) فديتك أو أنت مفدى، حذفوه؛ لكثرة الاستعمال (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي) فيه جواز قول هذا الخبر سواء كان المفدى به حيًّا أو ميتًا، مسلمًا أو كافرًا. (أَبَعَنْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ) وأمرته بأن (مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنَّا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِّ أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: فَخَلَّهِمْ) يعملون، وهذا على منوال ما مر أنهم كانوا إلى الآن لم يرسخ ميثاق التكليف في نفوسهم، فخشي عمر تزلزلهم وميلهم إلى ما جبلوا عليه من الراحة، فعرض بين يدي رسول الله وسلم هذه الخشية فقبلها، ورجع إلى ما رآه عمر من أن الكتم الآن أصلح، ثم بعد ذلك تتابعت الأدلة الآمرة بالتبليغ والمحذرة من تركه، فأخبر به أبو هريرة؛ لزوال ذلك المعنى الذي خشي منه عمر. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ومنه غير ما مرَّ اعتناء الأتباع بحقوق متبوعهم، والمبادرة التامة إلى تحصيل مصالحه ودفع المكاره عنه وإن نالوا في جنب ذلك غاية المشقة، قلت: وفيه أيضًا رجوع المتبوع لبعض تابعيه إذا ظهرت له المصلحة في قوله، وأن للأفاضل من الأتباع تأديب من دونهم إذا كانوا له بمنزلة التلامذة، وأن قول التابع لمتبوعه: لا تفعل فإني أخشى كذا لا ينافي الأدب معه، وأن للشيخ أن يؤدب تلميذه. ونقل جواز ذلك عن بعض أئمتنا وأنه ينبغي لمن شكا لأستاذه أن يبادر إلى إعلامه؛ لئلا يتغير عليه فيحصل له الضرر منه، وأنه ينبغي للأستاذ إذا رأى في وجه تلميذه غيظًا أو حزنًا أن يسأله عن سببه، ثم يسأل من قيل له: إنه فعل موجب ذلك عن السبب الحامل له؛ لاحتمال أنه محق فيما فعل كما وقع لعمر هنا، فإنه وقلّ قبل ما أشار إليه عمر من عذره بقوله: («فإني أخشى ... إلى آخره)) ولم ينكر عليه ضربه لأبي هريرة. ٤٠ - [وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ ٣٥١ كتاب الإيمان لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ) شبه الشهادة بالمفاتيح بجامع أن كلا سبب للدخول، ثم حذف أداة التشبيه، وقلته زيادة في تحقيق معنى المشبه والمبالغة فيه، واستشكل الإخبار بالمفرد عن الجمع، ويجاب بأن لفظ ((شهادة)) لشموله القليل والكثير يخبر به عن الجمع وغيره نظير ما سبق في قوله: ((وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَقٌّ))(٤) وأجيب أيضًا بأن الشهادة لما كانت مستتبعة للأعمال الصالحة التي هي كأسنان المفاتيح جعل كل جزء منها بمنزلة مفتاح واحد. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وفيه الاستغناء بأحد المتلازمين عن الآخر؛ إذ لا يعتد بإحدى الشهادتين إلا مع الأخرى، وأبلغ حث على إدامة الذكر بهما بالقلب واللسان؛ إذ لا غنى لكل أحد إرادة دخول محل نفيس محفوظ لا يمكن دخوله بغير مفتاح عن أن يكون معه مفاتيحه، وإلا حجب عنه وزاد تحسره على فوات نعيمه. ٤١ - [وَعَنْ عُثْمَانَ ﴿ أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌ََّ حِينَ تُؤُنَّ الشَّبِيُّ عَلَ الله وسلم حَزِنُوا عَلَيْهِ حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يُوَسْوَسُ. قَالَ عُثْمَانُ: وَكُنْتُ مِنْهُمْ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسُ فِي ظِلِّ أُظُمٍ مِنَ الآظَامِ مَرَّ عَلَّ عُمَرُ فَسَلَّمَ عَلَّ فَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ فَاشتَكَى عُمَرُ إِلى أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنهما - ثُمَّ أَقْبَلا حَتَّى سَلَّمَا عَلَّ جَمِيعًا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَلَّا تَرُّدَّ عَلَى أَخِيكَ عُمَرَ سَلامَهُ؟ قُلْتُ: مَا فَعَلْتُ. فَقَالَ عُمَرُ: بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتَ قَالَ: قُلْتُ: مَا شَعَرْتُ أَنَّكَ مَرَرْتَ وَلَا سَلَّمْتَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ عُثْمَانُ، قَدْ شَغَلَكَ عَنْ ذَلِكَ أَمْرُ. فَقُلْتُ: أَجَلْ. قَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: تَوَّ نَبِيُّ الله ◌َّهِ قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ تَجَاةِ هَذَا الأَمْرٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: بِأَبِ أَنْتَ وَأُمّي، أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ما تَجَاةُ هَذَا الأَمْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴾: «مَنْ قَبِلَ مِنِّ الْكَلِمَةَ عَرَضْتُ عَلَى عَمِّ فَرَدَّهَا (١) أخرجه أحمد (٢٢١٥٥)، والبزار (٢٦٦٠). (٢) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٥٢/١). ٣٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول فَهِيَ النَّجَاةُ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (وَعَنْ عُثْمَانَ ﴾، أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَِّ حِينَ تُوُلِّ حَزِئُوا عَلَيْهِ حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يُوَسْوَسُ) بالكسر والفتح لحن، وهو لازم؛ أي: يقع في نفسه انقضاء هذا الدين وانطفاء أنوار تلك الشريعة الغراء بموته ويل﴾، وخطور هذا بنفس كاملة مهلك لها. (قَالَ عُثْمَانُ: وَكُنْتُ مِنْهُمْ) أي: مما اشتد حزنه حتى كاد أن يوسوس ويذهل عن حسه (فَبَيْنَا أَنَا جَالِسُ مَرَّ عَلَّ عُمَرُ فَسَلَّمَ فَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ) لشدة ما اعتراني من ذلك الذهول (فَاشتَكَى عُمَرُ إِلى أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنهما - ثُمَّ أَقْبَلا حَتَّى سَلَّمَا عَلَّ جَمِيعًا فَقَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَلَّا تَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ) فيه تلطف به، ويستحيل عليه بتقدر تعمده ترك الرد؛ إذ شأن الأخ ألَّا يفعل معه مثل ذلك (عُمَرَ سَلامَهُ؟ قُلْتُ: مَا فَعَلْتُ. فَقَالَ عُمَرُ: بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتَ قَالَ: قُلْتُ: مَا شَعَرْتُ أَنَّكَ مَرَرْتَ وَلَا سَلَّمْتَ) تأكيد؛ لأنه يلزم انتفاؤه من انتفاء ما قبله، أو تأسيس؛ أي: ما نظرت شخصك ولا سمعت صوتك، وهذان غیر متلازمین. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ عُثْمَانُ) كأنه علم منه ذلك بقرائن ظهرت له منه، وإلا فالمرجح لحلفه على حلف عمر، ويؤيد ذلك القرائن ما ظهر له أيضًا من حاله حتى قال له: (قَدْ شَغَلَكَ عَنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عظيم (فَقُلْتُ: أَجَلْ) أي: نعم. (قَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: تَوَّ نَبِيَّ اللّهِ وَيِّ قَبْلَ أَنْ فَسْأَلَهُ عَنْ تَجَاةِ هَذَا الأَمْرِ) أي: الشأن الهالك، بل المهلك؛ أي: عما ينجينا من ورطات نفوسنا وحظوظها، أو عما ينجي الناس من غرور الشيطان وحب الدنيا، والتهالك في شهواتها، وركوب المعاصي وتبعاتها، ويصح أن يراد بالأمر: الدين؛ أي: عن الخصلة المنجية من النار لو اقتصر عليها من بين خصال هذا الدين. (١) أخرجه أحمد (٢٠). ٣٥٣ كتاب الإيمان (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ) فديتك، أو فداؤك (بِأَبِي أَنْتَ وَأُّ، أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا) أي: بالسبق إلى هذه الفائدة الجليلة، والبحث فيه الاعتراف لذوي الفضائل، بل بفضائلهم، والإعلان بالثناء عليهم (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تَجَاةُ هَذَا الأَمْرِ؟) أي: ما المنجي من النفس أو الشيطان؟ أو ما الخصلة المنجية من النار من بين خصال هذا الدین؟ (فَقَالَ رََّ: مَنْ قَبِلَ مِنِّ الْكَلِمَةَ عَرَضْتُ) ها (عَلَى عَمِّي) أبي طالب (فَرَدَّهَا) وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله (فَهِيَ النَّجَاةُ) من كل هلكة ونقص؛ إذ هي كلمة التقوى المؤثرة في النفس اليقظة والانتباه من الغفلة، وفي القلب حلاوة الإيمان والصدق وجلاء كل غش وعيب، وفي السر محو كل شهود للسّوى وميل الهوى، ولا يتحقق بكمال ذلك ويعقله إلا السائرون إلى الله تعالى بالجد والصدق، ومن ثم لزموها وداموا عليها أكثر من سائر الأذكار، وكانوا أحق بها وأهلها، جعلنا الله من عدادهم، وأدام علينا سوابغ إمدادهم. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وفيه عائشة. التفخيم لهذه الكلمة؛ إذ بقدرة النجاة في الكلمة التي عرضتها على من مضى له في الكفر نحو ستين سنة ولم يصدر عنه لمحة توحيد، ولو قالها مرة كانت سببًا لخلاصه ونجاته من سخط الله وعقابه، فكيف بالمسلم المختلط بلحمه ودمه قليل منها من أراد تلك النجاة، فإنها المنجية المدرة رضا الله وقربه. ويستنبط منه أيضًا: إنه ينبغي لمن رأى من صديقه صورة جفاء أن يسأله عن سببه ولو بواسطة من هو أكبر منهما، بأن يشكو إليه ذلك الأمر حتى يكون سببًا لجلائه، وأنه لا بأس بالحلف في الاعتذار، لا سيما عند حلف من يراد الاستعذار له، وأنه لا حرج في اليمين على غلبة الظن، فإن عمر حلف على ما تبينت براءة عثمان منه؛ إذ الظاهر من حلفه أنه أراد بـ((فعلت)): تعمدت، لا مجرد الترك عن غير تعمد وإلا لم يلمه، فإن فرض أنه أراد هذا كان بارًّا؛ لأنه لم يفعل وإن عذر. ٣٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول ٤٢ - [وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَ لَهِ يَقُولُ: لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ كَلِمَةَ الإِسْلَامِ بِعِزٌّ عَزِيزٍ وَبِذُلِّ ذَلِيلٍ إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ إِلَيهَا(١). قُلْتُ: فَيكونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (وَعَنِ الْمِقْدَادِ ﴿ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ) أي: أرض بلاد المغرب وما قرب منها، فلا ينافي ما قيل: إن وراء الصين قومًا لم تبلغهم إلى الآن بعثته وَّ﴾ (بَيْتُ مَدَرٍ) جمع مدرة، وهي: اللبنة، وكنَّى به عن أهل القرى والمدن (وَلَّا) بيت (وَبَرِ) أي: للإبل، وغلبه على الشعر؛ لغلبة اتخاذهم لبيوتهم مدر، وكنى به عن أهل البوادي؛ أي: لا يبقى شيء من حاضرة ولا بادية (إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ) وحذف؛ للعلم به على أنه مذكور في نسخ (كَلِمَةَ الإِسْلَامِ) أي: علمها أو الإذعان، وهي: الشهادتان حال كونها ملتبسة (بِعِزٌّ) شخص (عَزِيزٍ) يعزه الله بها لمبادرته إليها من غير سبي ولا قتال (وَبِذُلِّ) شخص (ذَلِيلٍ) يذله الله بسبي أو قتال حتى ينقاد إليها كررها، أو يذعن لها ببذل الجزية كما أفاد ذينك قوله هنا لذلك الإجمال. (إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا) باختيارهم وطواعية نفوسهم من غير أن يسلط عليهم رسوله والمؤمنين (أَوْ يُذِلَّهُمْ) إليها بالسبي أو الرعب أو القتال (فَيَدِينُونَ) أي: يذلون ويطيعون (إِلَيْهَا) ومعلوم أن إسلام الحربي مكرهًا خشية السيف صحيح (قُلْتُ) إذا كان الأمر كذلك (فَيكونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ) أي: الغلبة لدينه طوعًا أو كرهًا. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهِ المُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩] (رَوَاهُ أَحْمَدُ). ٤٣ - [وَعَنْ وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهِ قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ مِفْتَاحَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَّى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحُ إِلَّا لَهُ أَسْنَانَ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاجٍ لَهُ أَسْنَانُ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ (١) أخرجه أحمد (٢٣٨٦٥)، والطبراني (٦٠١)، والحاكم (٨٣٢٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (١٨٣٩٩)، وابن حبان (٦٦٩٩). ٣٥٥ كتاب الإيمان لَكَ (١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمِةِ بابٍ]. (وَعَنْ وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهِ) أنه (قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: محمد رسول الله كما مر (مِفْتَاحَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى) أقول بموجب ذلك، وأنها مفتاحها كما جاء في الحديث السابق (وَلَكِنْ) لا يغتر أحد بذلك، ويظن أنه بمجرد تلفظه بتلك الكلمة التي هي المفتاح تفتح له الجنة حتى يدخلها مع الناجز وإن لم يعمل بعملهم؛ لأنه وإن أتى بالمفتاح هو غير نافع له؛ إذ (لَيْسَ مِفْتَاحُ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ) هي: الفاتحة في الحقيقة، وكنى بها عن الأعمال الصالحة المتضمنة لتجنب الأعمال السببية. وقيل: إنما كني بها عن أركان الإسلام الأربعة السابقة: الصلاة والزكاة والصوم والحج (فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاجٍ لَهُ أَسْنَانُ فُتِحَ لَكَ) أولاً، ودخلت مع الناجز (وَإِلَّا) يكن له أسنان، بل لو فقدت منه سن واحدة (لَمْ يُفْتَحْ لَكَ) ابتداء، بل يتأخر إلى أن يعفو الله عنك، أو يعذبك على ذنوبك (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمةِ بابٍ) على جهة التعليق، فيكون صحیحًا عنده. ٤٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللهَ (٢) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) أي: أتى به على قانونه الشرعي بأن آمن بظاهره وباطنه إيمانًا جازمًا خاليًا عن كل شك وريبة، بجميع ما جاء به محمد وَلّر مما علم من دينه بالضرورة إجمالاً في الإجمالي وتفصيلاً في التفصيلي، وهذا مستمد من قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ تُحْسِنْ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] وخرج بذلك من لم يحسن إسلامه كالمنافق، (١) أخرجه البخاري في صحيحه (١). (٢) أخرجه البخاري (٤٢)، ومسلم (١٢٩)، وأحمد (٨٢٠١)، وأبو عوانة (٢٤٠)، وابن حبان (٢٢٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٠٤٦). ٣٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول فلا ثواب له أصلاً (فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) إلى أكثر من ذلك. قال تعالى: ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وصح: صلاة واحدة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في مسجد رسول الله صل﴾، وأخذت من هذا كأحاديث أخبر أنها بمائة ألف ألف ألف صلاة كما يأتي، فالعشر لا نقص عنها، والزيادة لا منتهى لها، وما بين العشر إلى السبعمائة فأكثر درجات بحسب كمال الأعمال وما يصحبها من الإخلاص وغيره، والضعف: المثل، والأضعاف: الأمثال. (وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا) فلا زيادة فيها على الواحد فضلاً منه تعالى وتكرمًا واسعًا لا نهاية له على هذه الأمة المرحومة بواسطة عظيم كرم نبيها على ربه، ويستمر ما ذكر لكل عامل أحسن إسلامه (حَتَّى يَلْقَى اللهَ) عدل إليه عن تلقى لتحقق وقوعه كـ﴿أَتَى أَمْرُ اللّهَ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٤٥ - [وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ ﴾ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ﴾: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنْ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا الإِثْمُ؟ قَالَ: ((إِذَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ). (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَ﴿ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّه) فقال: يا رسول الله (مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ) الإيمان التصديق، لكن له أمارات هي أحق بالتنبيه عليها منه؛ لظهوره وخفاء تلك الأمارات، فلذا عدل عن الجواب المطابق إلى قوله: (إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ) أي: فرحت بما وفقك الله له من فعل الحسنات لعملك بثواب الله الجزيل وتصديقك بوعده به ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]. (وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ) أي: حزنت على ما فرط منك من تسور سور المعاصي الذي (١) أخرجه أحمد (٢٢٨٢٣). ٣٥٧ كتاب الإيمان سده الله عليك؛ لعلمك بعظيم عقابه وخوفك من شديد انتقامه، وسطوته ((أَنَا عَنْد الْمُنْكَسِرَة قُلُوبِهِمْ مِنْ أَجْلِ))(١). (فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ) حقًّا بالله واليوم الآخر؛ لأنه وجد عندك من أمارات الإيمان ما اقتضى أنك متحقق بحقيقته، مستحضر لفوائده وثمرته (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا الإِثْمُ؟) المذكور في الآيات والأحاديث (قَالَ) الإثم المعصية، وهذا ظاهر لا يحتاج للسؤال عنه، وإنما له علامة خفية هي أولى بأن ينبه عليها منه، وهي: إن كل شيء أثر في نفسك المصفاة عن كل كدر وعيب شكًا وريبًا أنه على خلاف الحق؛ لأمارات انقدحت في نفسك بذلك ظاهرة أو خفية فهو إثم أو من داليه. فالورع مجانبته ما أمكن؛ لئلا يقع في الإثم على احتمال، فحينئذ (إِذَا) أردت الورع الذي هو الأحوط الأسلم لكل ذي دين ومروءة فكل ما (حَاكَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ) أي: أثر فيها ما ذكر (فَدَعْه) لتسلم من تبعيته في الدنيا والآخرة، فعلم أن العدول فيهما عن الجواب المطابق إنما هو لما هو أولى منه بالذكر والتنبيه عليه، وهذا هو عين البلاغة العليا من مراعاة مقتضى ظاهر حال السائل وذكر ما يناسبه، وتنبيهه على أنه كان الأحق به أن يسأل عنه (رَوَاهُ أَحْمَدُ) ومنه من بديع بلاغته ◌َّ ما أشرت إليك، فتدبره. ٤٦ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: أَتَيْثُ رَسُولَ اللهِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الأَمْرِ؟ قَالَ: حُرُّ وَعَبْدُ. قُلْتُ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: طِيبُ الْكَلَامِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ. قُلْتُ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ. قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ. قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الإِيمَانِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: خُلُقُّ حَسَنُّ. قَالَ: قُلْتُ: أَّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ. قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ رَّ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَُّّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأَهَرِيقَ (١) ذكره العجلوني في ((كشف الخفاء)) (٢٠٣/١). ٣٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول دَمُهُ. قَالَ: قُلْتُ: أَُّ السَّاعَاتِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ الله ◌َ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الأَمْرِ؟) أي: من يتبعك أو يوافقك على ما جئت به من هذه الشريعة المشتملة على معالي الأمور، المنزهة عن سفسافها، وذلك لا يطيقه الناس (قَالَ) لا تستبعد ذلك، فإن الله وعدني بأن يدين لي الناس كلهم بعز عزيز وذل ذليل كما سبق (حٌُّ) منهم (وَعَبْدُ) فيصح أن يراد: قال معي عليه أصحابي الذين نصر الله بهم الإسلام حرهم وعبدهم. (قُلْتُ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ) الإسلام: الانقياد، وهو ظاهر، ولكن له جزئيات من أخفاها الأحق بأن ينبه عليه لتضمنه باقيها (طِيبُ الْكَلَامِ) بألّا ينطق بإثم ولا عيب، بل بكل ما فيه مصلحة وثواب (وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ) للأقارب والأباعد، لا سيما المحتاجين لوجه الله لا لإرادة جزاء أو شكر، وهذان محصلان لجميع مكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف؛ أي: ما الإسلام الكامل إلا ذلك، وفي هذا آكد حث لذلك السائل، وغيره التحق بتلك المكارم؛ لأنه يستلزم التحقق بجميع خصال الإسلام. (قُلْتُ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ) حقيقته ظاهرة، ولكن له شعب كثيرة تنيف على السبعين، أفضلها: المحصل لباقيها والأحق بأن يعتني به فيسأل عنه وينبه عليه (الصَّبْرُ) أي: حبس النفس عن كل معصية وحملها على كل طاعة (وَالسَّمَاحَةُ) أي: بذل كل ما فضل عن حاجتك وحاجة معولك، وقد يفسر بأنها: بذل كل ما قدرت عليه من فعل كل حسن، وترك كل قبيح، وبهذا يعلم أن هذا من عطف الرديف تأكيدًا، أو الأخص تنبيهًا على أفضل أنواع الصبر. (قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ) خصلتي (الإِسْلَامِ) اللتين أشرت إلى ما عداهما من بقية خصاله لهما، وهما طيب الكلام وإطعام الطعام (أَفْضَلُ؟ قَالَ) أفضلها الأولى؛ لأن (مَنْ) (١) أخرجه أحمد (١٩٩٦٣). ٣٥٩ كتاب الإيمان تحلى بها فقد (سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ) وأهل الذمة (مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) إذ من طاب كلامه طاب فعله، فلم يصدر عنه إيذاء ممتنع لأحد بقول ولا فعل، وقد اتفقوا على أن ما فيه درء المفاسد مقدم على ما فيه جلب المصالح، ولا شك أن طيب الكلام من الأول وإطعام الطعام - أي: لغير المضطرين - من الثاني. (قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ) خصلتي (الإِيمَانِ) الصبر والسماحة المنبه بهما على ما عداهما من بقية شعبه (أَفْضَلُ؟ قَالَ) لا تفاضل بينهما؛ لترادفهما أو تداخلهما كما مرَّ، لكن يجمعهما (خُلُقُ حَسَنُ) لأنه لا يتحقق إلا بهما، فهو إذن أفضل الشعب، ومن ثم قال تعالى لحبيبه مبينًا أعظم صفاته وخصوصياته: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقالت عائشة في مدحه بأبلغ وصف وأكمله وأخصره: ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ))(١) أي: يأتمر ويتحلى بكل ما فيه، وينتهي عن كل ما نهي عنه من خلاف ذلك. ومن أعظم حامل على الصبر والسماحة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] أي: إذا أصابتك سيئة من أحد، فإن أردت أدنى مراتب الكمال فادفعها بحسنة العفو والتجاوز، أو إعلاء تلك المراتب، فادفعها بتلك الحسنة مع ما هو أحسن منها، وهو أن ينعم عليه بعد العفو عنه، ثم بيَّن تعالى أنه لا يوفق لهذه المرتبة الكاملة إلا من صبر وعظم حظه عنده، فقال: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ [فصلت: ٣٥] أي: هذه السجية ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّ ذُو حَظٌّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. (قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ) أركان (الصَّلَاةِ) التي هي من أركان الإسلام المشار إليها بما مر (أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ) أي: القيام، ومنه أخذ أئمتنا أن القيام أفضل أركانها وإن صح في السجود قوله تعالى: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللهِ إِذَا كَانَ سَاجِدًا))(٢) لأنه يجوز أن يكون في المفصول مزية، هي أنه لما بلغ العبد فيه غاية التواضع موضع أشرف (١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٠٨)، وأحمد (٢٥٣٣٨). (٢) أخرجه البزار (١٥٢٤)، والطبراني (١٠٠١٤). ٣٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول ما فيه من الجبهة على مواطئ الأقدام والنعال استحق تلك إلا قرينة للمتكلفة بإجابة الدعاء، ومن ثم عقب ◌َلّ ذلك بقوله: ((فَأَكْثِرُوا فيه الدُّعَاءَ)(١) فمن أي حقيق أن یستجاب لكم. (قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ) أنواع (الْهِجْرَةِ) الشاملة للانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهجر كل معصية وإثم (أَفْضَلُ؟ قَالَ) كل أنواعها مستوية في وجوب هجرها، فلا تفاضل بينها، ولكن ضابطها الشامل لسائر أقسامها (أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ) المعاصي التي من جملتها للإقامة بدار الحرب مع القدرة على الخروج منها. (قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ) أنواع (الْجِهَادِ) الشامل لكل ما فيه فعل مشتق من التكاليف، وكان حكمة زيادة الفاء هنا في ((فقلت)) وفي ((فأي)): إن الهجرة فيها جهاد؛ أي: جهاد في الصورة الظاهرة، فرتب للسؤال عنها (أَفْضَلُ؟ قَالَ) جهاد (مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأَهَرِيقَ) أصله: أريق، كما يأتي في باب الاعتصام (دَمُّهُ) في سبيل الله؛ لأنه لا أشق من هذا على الإطلاق، والأسقية يستلزم الأفضلية غالبًا. (قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ السَّاعَاتِ) أي: من الليل كما دلَّ عليه السياق لا مطلقًا؛ لأن ساعة الإجابة يوم الجمعة ويوم عرفة أفضل من سائر ساعات الليل (أَفْضَلُ؟) ليكون العمل فيها أفضل منه في غيرها. (قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِر) أي: سدسه الرابع والخامس أن قسمه أسداسًا للخبر الصحيح: ((أَحَبُّ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُد))(٢) أي: أفضل أوقاتها أوقات صلاته، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه وثلثه الأوسط أن قسمه أثلاثًا، ونصفه الأخير (١) أخرجه مسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥) والنسائي (١١٣٧) وأحمد (٩٤٤٢) وابن حبان (١٩٢٨)، والبيهقي (٢٥١٧). (٢) أخرجه البخاري (٣٢٣٨) ومسلم (١١٥٩) وأحمد (٦٤٩١) وأبو داود (٢٤٤٨) والنسائي (١٦٣٠) وابن ماجه (١٧١٢) والحميدي (٥٨٩) والدارمي (١٧٥٢) والبزار (٢٣٦٤) وابن خزيمة (١١٤٥) وابن حبان (٢٥٩٠) والبيهقي (٤٤٣٢). ٣٦١ کتاب الإيمان أن قسمه أيضًا، فلو اختص الأخير بذلك؛ لأن فيه ساعة تجليه تعالى على عباده بأوسع صفات الكرم والحلم، فيقول: ((هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيب لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأَعْطِيَهُ؟» (١) وخبر: ((إن الله تعالى يتجلى كذلك في كل ثلث من أثلاث اللیل»، لا يقاوم خبر اختصاص التجلي بالأخیر. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وفيه من بدائع الفصاحة ومعجز البلاغة ما لا يخفى على من تدبر ما قررته فيه من العدول عن مقتضى الظاهر إلى غيره ليصح النظم، ويتضح المراد. ٤٧ - [وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقُولُ: مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَيُصَلِّ الْخَمْسَ وَيَصُومُ رَمَضَانَ غُفِرَ لَهُ. قُلْتُ: أَفَلَا أَبَشِّرُهُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: دَعْهُمْ يَعْمَلُوا(٢)]. (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَهُ يَقُولُ: مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) ظاهرًا أو خفيًّا (وَيُصَلِّ الْخَمْسَ) المكتوبات في كل يوم وليلة (وَيَصُومُ رَمَضَانَ) في كل سنة (غُفِرَ لَهُ) ماعدا الكبائر والتبعات على ما مرَّ بسطه آخر الفصل الأول. (قُلْتُ) أذكرت ذلك (أَفَلَا أُبَشِّرُهُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: دَعْهُمْ يَعْمَلُوا) فإنك إن بشرتهم اتكلوا على ذلك وتركوا العمل، ثم حث رسول الله ودليل على تبليغ كل ما سمع منه وحذر من كتمه، فلما علم معاذ ذلك مع فهمه إنما كان لكون التكليفات لم تطمئن إليها نفوسهم كمال الطمأنينة، ولم تحل لهم غاية الحلاوة، أخبر به خوف إثم الكتم كما مرَّ. ٤٨ - [وَعَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ النبيّ ◌َِّ عَنْ أَفْضَلِ الإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُحِبَّ للهِ، وَتُبْغِضَ اللهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللهِ. قَالَ: وَمَاذَا أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ (١) أخرجه أحمد (١٦٧٩٣)، والنسائي في الكبرى (١٠٣٢١)، والدارمي (١٤٨٠)، والطبراني (١٥٦٦)، وابن أبي عاصم (٥٠٧)، والبزار (٣٤٣٩). (٢) أخرجه أحمد (٢٢٠٨١). ٣٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَةَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ - بَابُ الكَبائِرِ وَعَلامَاتِ النّفَاقِ]. (وَعَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ النّبِيَّ ◌َ عَنْ أَفْضَلٍ) شعب (الإِيمَانِ قَالَ: أَنْ تُحِبَّ) من طلبت محبته شرعًا، لكن (للهِ) تعالى لا لغرض آخر وحده، أو مع انضمامه للأول (وَ) أن (تُبْغِضَ) كل من طلب بغضه شرعًا، لكن (للهِ) لا لغرض آخر كذلك (وَ) أن (تُعْمِلَ لسانك في ذِکْرِ الله) بألا یزال رطبًا به كما في حديث. (قَالَ: وَمَاذَا) أي: أي شيء (أُصنَعُ) بعد ذلك (يَا رَسُولَ الله؟) فـ((أصنع)) خبر ((ماذا)) أو عامل فيه للنصب (قَالَ) أن تدوم على ما ذكرت لك (وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ) مثل (مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ) من خير وملائم للنفس (وَتَكْرَهَ لَهُمْ) مثل (مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ) من كل شر وغير ملائم للنفس؛ أي: أن يكون فيك ملكة مقتضية لذلك الحب والكره باعتبار أصل الحصول لا غايته، فلا ينافي ذلك ما جبلت عليه النفوس من محبة التقدم على الغير في كل خير وملائم (رَوَاهُ أَحْمَدُ). (١) أخرجه أحمد (٢٢١٨٣)، والطبراني (٤٢٥) والبيهقي في شعب الإيمان (٥٧٩). (بَابُ الكَبائِرِ وَعَلامَاتِ النِّفَاقِ) اعلم أن العلماء اختلفوا في حدِّ الكبيرة والصغيرة اختلافًا كثيرًا حررته أتم تحرير، وبينت ما في كل قول في كتابي ((الزواجر عن افتراق الكبائر))(١) وهو كتاب حافل (١) قال الشيخ المصنف: ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) (٦/١): الْقَائِلُونَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ، وَلِأَصْحَابِنَا فِي حَدِّهَا وُجُوهُ. أَحَدُهَا: أَنَّهَا مَا لَحِقَ صَاحِبَهَا عَلَيْهَا بِخُصُوصِهَا وَعِيدُ شَدِيدُ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. هَذِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَغَيْرِهِمَا، وَحَذَفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَقْيِيدَ الْوَعِيدِ بِكَوْنِهِ شَدِيدًا، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى أَنَّ كُلَّ وَعِيدٍ مِنِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ إِلَّا شَدِيدًا فَهُوَ مِن الْوَصْفِ اللَّازِمِ، وَخَرَجَ بِالْخُصُوصِ مَا انْدَرَجَ تَحْتَ عُمُومٍ فَلَا يَكْفِي ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ كَبِيرَةً بِخُصُوصِهِ، قِيلَ: وَلِكَوْنِ الْوَعِيدِ لَا يَكُونُ إلَّ فِي الْكِتَابِ أَو السُّنَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى النَّصْرِيحِ بِذَلِكَ فِي الحَدِّ. انْتَهَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُصَرِّحُ بِذَلِكَ. ثَانِهَا: أَنَّهَا كُلُّ مَعْصِيَةٍ أَوْجَبَتِ الْحَدَّ، وَبِهِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لَهُمْ وَهُمْ إِلَى تَرْجِيجِ هَذَا أَمْيَلُ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْقَقُ بِمَا ذَكَرُوهُ فِي تَفْصِيلِ الْكَبَائِرِ: أَيْ لِأَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى كُبَائِرَ كَثِيرَةٍ وَلَا حَدَّ فِيهَا؛ كَاكِلِ الرِّبَا وَمَالِ الْيَقِيمِ وَالْعُقُوقِ وَقَطْعِ الرَّحِمِ وَالسِّحْرِ وَالنَّمِيمَةِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالسِّعَايَةِ وَالْقِوَادَةِ وَالدِّيَائَةِ وَغَيْرِهَا. وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْحَدَّ الْأَوَّلَ أَصَحُ مِن الْحَدِّ الثَّانِ، وَإِنْ قَالَ الرَّافِعِيُّ إِنَّهُمْ إِلَى تَرْجِيحِهِ أَمْيَلُ، وَأَخَذَ مِنْهُ صَاحِبُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ الرَّاجِحُ فَجَزَمَ بِهِ، ثُمَّ رَأَيْتِ الْأَذْرَعِيَّ صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْتِه فَقَالَ: عَجِيبُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ إِنَّ الْأَصْحَابَ إلَى القَّانِي أَمْيَلُ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ انْتَهَى. لَكِنْ إِذَا أُوَّلَ عَلَى أَنَّ مُرَادَ قَائِلِهِ مَا عَدَا الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدُّ خَفَّ بُعْدُهُ وَانْدَفَعَ الْإِيرَادُ عَلَيْهِ بِأَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ تَسْمِيَةَ الْعُقُوقِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ كَبِيرَتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِمَا عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا بَعْضُ مَا يَأْتِي مِمَّا عُلِمَ أَنَّهُ كَبِيرَةً وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ، وَسَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ذِكْرُ أَنْوَاعٍ مِن الْكَبَائِرِ اتَّفَاقًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصُّ بِذَلِكَ. ثَالِثُهَا: أَنَّهَا كُلُّ مَا نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، أَوْ وَجَبَ فِي جِئْسِهِ حَدٌّ، وَتَرْكُ فَرِيضَةٍ تَجِبُ فَوْرًا، وَالْكَذِبُ فِي الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَالْيَمِينِ، زَادَ الْهَرَوِيُّ فِي إِشْرَافِهِ وَشُرَيْعٌ فِي رَوْضَتِهِ: وَكُلُّ قَوْلٍ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ الْعَامَّ رَابِعُهَا: قَالَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ: كُلُّ جَرِيمَةٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ، وَعِبَارَةُ إِرْشَادِهِ جَرِيرَةٍ وَهِيَ = - ٣٦٣ - ٣٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول = بِمَعْنَاهَا تُؤْذِنُ: أَيْ تُعْلِمُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاتٍ: أَي اعْتِنَاءِ مُرْتَكِهَا بِالدِّينِ، وَرِقَّةُ الدِّيَانَةِ مُبْطِلَةٌ لِلْعَدَالَةِ، وَكُلُّ جَرِيمَةٍ أَوْ جَرِيرَةٍ لَا تُؤْذِنُ بِذَلِكَ بَلْ يَبْقَى حُسْنُ الظَّنِّ ظَاهِرًا بِصَاحِبِهَا لَا تُحِيطُ الْعَدّالَةَ، قَالَ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُمَيِّزُ بِهِ أَحَدُ الصِّدَّيْنِ عَنِ الْآخَرِ انْتَهَى. وَلِهَذَا تَابَعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي الْمُرْشِدِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ فِي نِهَايَتِهِ: الصَّادِرُ مِنِ الشَّخْصِ إِنْ دَلَّ عَلَى الإِسْتِهَانَةِ لَا بِالدِّينِ وَلَكِنْ بِغَلَبَةِ التَّقْوَى وَتَمْرِينٍ غَلَبَةِ رَجَاءٍ الْعَفْوِ فَهُوَ كَبِيرَةُ، وَإِنْ صَدَرَ عَنْ فَلْتَةٍ خَاطِرٍ أَوْ لَفْتَةِ نَاظِرٍ فَصَغِيرَةٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِلَا بِالدِّينِ: أَيْ لَا بِأَصْلِهِ فَإِنَّ الإِسْتِهَائَةَ بِأَصْلِهِ كُفْرًّ، وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ فِي الْأُولَى بِقِلَّةِ الإِكْتِرَاثِ وَلَمْ يَقُلْ بِعَدَمِ الإِكْتِرَاثِ، وَالْكُفْرُ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ فَالْمُرَادُ تَفْسِيرُ غَيْرِهِ مِمَّ يَصْدُرُ مِن الْمُسْلِمِ. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَرَجَّعَ الْمُتَأَخِّرُونَ مَقَالَةَ الْإِمَامِ الْحَسَنِ: الضَّبْطَ بِهَا وَلَعَلَّهَا وَافِيَةٌ بِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ تَفْصِيلِ الْكَبَائِرِ الْآَتِي بَيَانُهَا وَمَا أُلْحِقَ بِهَا قِيَاسًا انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ مُنَازَعَةَ الْأَذْرَعِيِّ فِيمَا قَالَّهُ الْإِمَامُ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا تَأَمَّلْتِ بَعْضَ مَا عُدَّ مِن الصَّغَائِرِ تَوَقَّفْت فِيمَا أَظْلَقَهُ انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنِ اعْتِرَاضِ ابْنِ أَبِي الدَّمِ ضَابِطَ النَّهَايَةِ بِأَنَّهُ مَدْخُولٌ، وَبَيَّنَهُ بِمَا بَسَطَهُ عَنْهُ فِي الْخَادِمِ. عَلَى أَنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ كَلَامَ الْإِمَامِ الْأَوَّلَ ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حَدًّا لِلْكَبِيرَةِ خِلافًا لِمَنْ فَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَشْمَلُ صَغَائِرَ الْخِسَّةِ وَلَيْسَتْ بِكَبَائِرَ، وَإِنَّمَا ضَبْطُهُ بِهِ مَا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ مِن الْمَعَاصِي الشَّامِلُ لِصَغَائِرِ الْحِسَّةِ، نَعَمْ هَذَا الْحُدُّ أَشْمَلُ مِن التَّعْرِيفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لِصِدْقِهِ عَلَى سَائِرٍ مُفْرَدَاتٍ الْكَبَائِرِ الْآتِيَةِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ يَشْمَلُ صَغَائِرَ الْحِسَّةِ وَنَحْوَهَا كَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَلِمَا نَقَلَ الْبِرْمَاوِيُّ عَنِ الرَّافِعِيِّ الْأَوْجُهَ السَّابِقَةَ قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ يَنْبَغِي أَنْ تُجْمَعَ هَذِهِ التَّعَارِيفُ كُلُّهَا لِيَحْصُلَ اسْتِيعَابُ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصَةِ وَالْمَقِيسَةِ لِأَنَّ بَعْضَهَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذَا وَبَعْضَهَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْآخَرُ. قُلْت: لَكِنَّ تَعْرِيفَ الْإِمَامِ لَا يَكَادُ تَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْهَا لِمَنْ تَأَمَّلَهُ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْخَادِمِ بَعْدَ إِيرَادِهِ مَا مَرَّ عَنِ الرَّافِعِيِّ: التَّحْقِيقُ أَنَّ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ أَنْوَاعِ الْكَبِيرَةِ، وَأَنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ تَحْصُلُ بِهِ ضَابِطُ الْكَبِيرَةِ انْتَهَى، وَلِهَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْكَبِيرَةُ: مَا أَوْجَبَ الْحَدَّ أَوْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْوَعِيدُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كُلُّ مَا وَجَبَ فِيهِ حَدُّ أَوْ وَرَدَ فِيهِ تَوَعُدُّ بِالنَّارِ أَوْ جَاءَتْ فِيهِ لَعْنَةٌ، وَسَيَأْتِي نَحْوُ ذَلِكَ عَن ابْنِ الصَّلَاَجِ وَغَيْرِهِ. وَاعْتُرِضَ قَوْلُ الْإِمَامِ كُلُّ جَرِيمَةٍ لَا تُؤْذِنُ بِذَلِكَ انتهى. بِأَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى غَصْبٍ مَا دُونَ نِصَابِ السَّرِقَةِ أَنَّى بِصَغِيرَةٍ وَلَا يَحْسُنُ فِي نُفُوسِ النَّاسِ الظَّنُّ فَكَانَ الْقِيَاسُ، أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً، وَكَذَلِكَ قُبْلَةُ الْأَجْنَبِيَّةِ صَغِيرَةٌ، وَلَا يَحْسُنُ فِي نُفُوسِ النَّاسِ الظَّنُّ بِفَاعِلِهَا. وَيُجَابُ بِأَنَّ كَوْنَ هَذَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ جَمْعِ كَمَا يَأْتِي فِيهِمَا، وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ الْآَتِي أَنَّهُمَا - ٣٦٥ كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق كَبِيرَتَانِ فَلَا اغْتِرَاضَ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ أَنْ لَوَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا صَغِيرَةً وَأَنَّهَا مِمَّا يَسُوءُ ظَنُّ أَكْثَرٍ النَّاسِ بِفَاعِلِهَا. خَامِسُهَا: أَنَّهَا مَا أَوْجَبَ الْحَدَّ أَوْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْوَعِيدُ، وَالصَّغِيرَةُ مَا قَلَّ فِيهِ الْإِثْمُ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي حَاوِيِهِ. سَادِسُهَا: أَنَّهَا كُلُّ مُحَرَّمِ لِعَيْنِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِمَعْنَى فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَجْمَعُ وَجْهَيْنِ أَوْ وُجُوهًا مِنِ التَّحْرِيمِ كَانَ فَاحِشَةً؛ فَالزَّنَا كَبِيرَةُ، وَبِحَلِيلَةِ الْجَارِ فَاحِشَةٌ، وَالصَّغِيرَةُ تَعَاطِي مَا تَنْقُصُ رُثْبَتُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ تَعَاطِيهِ عَلَى وَجْهٍ دُونَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَعَاطَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَجْمَعُ وَجْهَيْنِ أَوْ وُجُوهًا مِن التَّحْرِيمِ كَانَ كَبِيرَةً، فَالْقُبْلَةُ وَاللَّمْسُ وَالْمُفَاخَذَةُ صَغِيرَةً وَمَعَ حَلِيلَةِ الْجَارِ كَبِيرَةُ، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الرَّفْعَةِ وَغَيْرُهُ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ عَن الْحْلِيمِيِّ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ عِبَارَتِهِ فِي مَحَلَّهَا وَأَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ مَا مِنْ ذَنْبٍ إلَّا وَفِيهِ صَغِيرَةُ وَكَبِيرَةً وَقَدْ تَنْقَلِبُ الصَّغِيرَةُ كَبِيرَةً بِقَرِينَةٍ تُضَمُّ إِلَيْهَا، وَتَنْقَلِبُ الْكَبِيرَةُ فَاحِشَةً بِقَرِينَةٍ تُضَمُّ إِلَيْهَا إلَّا الْكُفْرَ بِاللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ أَفْحَشُ الْكَبَائِرِ وَلَيْسَ مِنْ نَوْعِهِ صَغِيرَةٌ، ثُمَّ مَثَّلَ لِذَلِكَ بِأَمْثِلَةٍ تَأْتِي فِي ◌َخَلَّهَا مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا. سَابِعُهَا: أَنَّهَا كُلُّ فِعْلٍ نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ: أَيْ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَكْلُ لَمِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ، وَمَالِ الْيَتِيمِ وَتَحْوِهِ، وَالْفِرَارُ مِن الزَّحْفِ، وَرُدَّ بِمَنْع الْحَصْرِ فِي الْأَرْبَعَةِ. ثَامِنُهَا: أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهَا بِحَصْرِهَا يَعْرِفُهُ الْعِبَادُ وَاعْتَمَدَهُ الْوَاحِدِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي بَسِيطِهِ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَيْسَ لَهَا حَدٌّ يَعْرِفُهَا الْعِبَادُ بِهِ، وَإِلَّ لَاقْتَحَمَ النَّاسُ الصَّغَائِرّ وَاسْتَبَاحُوهَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْفَى ذَلِكَ عَنِ الْعِبَادِ لِيَجْتَهِدُوا فِي اجْتِنَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ رَجَاءَ أَنْ تُجْتَنَبَ الْكَبَائِرُ، وَنَظَائِرُهُ إِخْفَاءُ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَسَاعَةِ الْإِجَابَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ لَهَا حَدَّا مَعْلُومًا كَمَا مَرَّ؛ ثُمَّ رَأَيْتِ بَعْضَهُمْ نَقَلَ عَنْهُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَخِفُّ بِهِ الإِعْتِرَاضُ عَلَيْهِ فَقَالَ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: الْكَبَائِرُ كُلُّهَا لَا تُعْرَفُ: أَيْ لَا تَنْحَصِرُ، قَالُوا: لِأَنَّهُ وَرَدَ وَصْفُ أَنْوَاعِ مِن الْمَعَاصِي بِأَنَّهَا كَبَائِرُ، وَأَنْوَاعِ أَنَّهَا صَغَائِرُ، وَأَنْوَاعٍ لَمْ تُوصَفْ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنَّهَا مَعْرُوفَةُ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُعْرَفُ بِحَدٍّ وَضَابِطٍ أَوْ بِالْعَدِّ؟ انْتَهَى. وَوَرَاءَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْأَصْحَابِ عِبَارَاتٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ: مِنْهَا: قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ: كُلُّ ذَنْبٍ أُوْعِدَ فَاعِلُهُ بِالنَّارِ. وَمِنْهَا: قَوْلُ الْغَزَالِيّ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ يُقْدِمُ الْمَرْءُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِشْعَارٍ خَوْفٍ وَوِجْدَانِ نَدَمٍ تَهَاوُنَّا وَاسْتِجْرَاءً عَلَيْهَا فَهِيَ كَبِيرَةٌ، وَمَا يُحْمَلُ عَلَى فَلَتَاتِ النَّفْسِ وَلَا يَنْفَكُ عَنْ نَدَمٍ يَمْتَزِجُ بِهَا وَيُنَقِّصُ التَّذُّذَّ بِهَا فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ. وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: وَلَا مَظْمَعَ فِي مَعْرِفَةِ الْكَبَائِرِ مَعَ الْحَصْرِ، إِذْلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا بِالسَّمْعِ وَلَمْ يَرِدْ. وَاعْتَرَضَ الْعَلَائِيُّ مَا قَالَهُ أَوَّلَّا بِأَنَّهُ بَسْطٌ لِعِبَارَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ مُشْكِلُّ جِدًّا إِنْ كَانَ ضَابِطًا لِلْكَبِيرَةِ مِنْ حَيْثُ -