Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول القرينة، أمّا عند وجودها فيتعين ما عنيته اتفاقًا وهي هنا المملوك، ثم تخصيصها للمشترك ببعض معانيه لا يصيره مجازًا فيه؛ لأن قرينة المجاز هي الصارفة للفظ من مدلوله الأصلي إلى مدلول فرعي وهذه ليست كذلك. وجمع الموالي لازال في العبد للجنس فلكل عند التوزيع مولى، أو للإشارة إلى أنه لو كان مشتركًا بين جماعة فلا بد أن يؤدي حقوق جميعهم، فيعلم المنفرد بالأولى ولا يلزم من تضعيف أجره فضله على سيده مطلقًا وبتقديره فلا محذور، نعم الصحابي الكتابي ليس أفضل من أكابر الصحابة إجماعًا؛ إذ وجود الآخرين من جهة لا تقتضي التفضيل مطلقًا. (وَرَجُل كَانَتْ عِنْدهُ أَمَة يَطؤهًا) وكان القياس: توطأ كيوحل، لكن لما كان نظيره لازمًا ولا يسع إفرادًا - أعني: يطأ ويسع عن نظائرهما - قيل: وليس المراد وقوع الوطء بالفعل بل بالقوة، ويؤيده إسقاطه من رواية للبخاري وهي: ((إِذَا أَذَّبَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، كَانَ لَهُ أَجْرَانِ))(١). (فَأَذَّبَهَا) أي: علمها الآداب المتعلقة بالمروءات وغيرها من الأمور الدنيوية ما أحسنت به أفعالها وأحوالها وأخلاقها بأن كانت لا تأتي بشيء منها إلا على القانون العرفي المستحسن عند ذوي العقول السليمة، فأحسن تأديبها بأن أدبها بلطف من غیر عنف ولا ضرب من غیر موجب. (وَعَلَّمها) من أمور عباداتها ومعاملاتها ما يجب عليه ویسن له تعليمه، وما يجب عليها ويسن له تعلمه (فَأَحْسَنَ تَعْلِيمِهَا) بأن (أَدَّبَهَا) وسع لها خلقه، وكرر عليها ذلك إلى أن أتقنته وعرفته على غاية ما يمكنها بها الإحاطة به على وجهه. (ثُمَّ) بعد ذلك كله (أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ) أي: الرجل الأخير، وقيل: لكل مما قبله أيضًا (أَجْرَانِ) أجر على عتقه، وأجر على تزوجه، كذا قالوه، ويحتمل أن يقال: أجر (١) أخرجه البخاري (٣٤٤٦)، وابن حبان (٣٦٠). ٢٦٧ كتاب الإيمان على تأديبه وما بعده، ويكون هذا هو فائدة العطف بـ(ثم)) إشارة إلى بُعد ما بين المرتبتين وعظمة ما ترتب عليهما من ذينك الأجرين. وعلى الأول فإنما لم يخص التأديب والتعلم بشيء وإن كان فيهما أجران عظيمان أيضًا؛ لأن المراد النص على ما يختص بهما، وهما الأولان دون الآخرين؛ لأنهما موجبان للأجر في الأولاد وسائر الناس أيضًا وذُكرا؛ لأنهما موجبان لتأهلهما للعتق والتزوج كما أفاده العطف بـ(ثم)) ولكمال الأجر؛ إذ متزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة وأقرب إلى أن تعين زوجها على دينه، نعم أفادت، ثم أيضًا أن ذينك أفضل وأعلى رتبة؛ إذ هما المقصودان من التعليم والتأديب. واستفيد من قوله: ((فأحسن)) أن شرط ذينك الأخيرين على ذينك السببين إحسان مقدمتهما بخلاف التأديب والتعليم لا مع إحسانهما أو بالعنف فإنه يوجب كمال ذلك الأجر، كما أن الوطء بدون العتق أو التأديب لا يوجبه، ولما كان التأديب وما بعده يقعان عقب الوطء لمبادرة النفس إليه، فمن اشتراها لقصده قبل غيره فلا يضر تقدم التأديب والتعليم عليه في بعض الأحوال؛ لوجوبهما على السيد عقب الملك، عطفها بالفاء بخلاف العتق فإنه لا يقع عادة إلا بعد كمالها، وهو يستدعي مهلة وتراخيًا، هذا عطفه بـ(ثم)) وقيل: عطف بها لبعد ما بين الرق والحرية؛ لتضاد أحکامهما غالبًا. وكرر ((فله أجران)) مع الاغتناء منه بعطف الثالث على ما قبله لطول الكلام على حد قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابُ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقُ لِّمَا مَعَهُمْ .. ﴾ [البقرة: ٨٩] فلطول الفصل كرر ((فلما جاءهم)) أو لبيان أن المعتبر من تلك الجهات الأربع أن يكون الأجران في مقابلتهما وإن كان في الأخيرين أيضًا أجران كما مرَّ وجه اعتبار ذينك حتى ذكرا كذلك أن القصد من هذا السياق: الجمع بين الصور التي في كل منهما أمران عظيمان كما يأتي، والعظيمان من تلك الأربعة: الإعتاق ثم التزوج؛ لأن للأول فيه تخليص من قهر الرق وأسره، والثاني فيه الترقي إلى إلحاق المقهور بقاهره. ٢٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول قال تعالى في الزوجات: ﴿وَلَّهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ومن ثم اتجه سياق الشعبي لهذا الحديث ردًّا على من قال: إن المتزوج لعتيقته كالراكب لبدنته؛ أي: فلا أجر له، وكان هذا هو الحاصل لهم على ما مرَّ من تفسيرهم الأجرين بواحد على العتق وآخر على التزوج؛ لأنه به يصير محسنًا إليها إحسانًا أعظم بعد إحسان أعظم بالعتق. قاله الكرماني. ووجه تخصيص هؤلاء الثلاثة مع أن غيرهم مثلهم كمن صلى وصام له أجران، ومن أدى حق الله وحق نحو والده كذلك، إن الفاعل في كل منها جامع بين أمرين بينهما مخالفة عظيمة، فكان الفاعل بهما فاعل للضدين، عامل بالمتنافيين بخلاف غيره. ورد غيره بأنه ليس بشيء، بل الجواب الصحيح: إن التنصيص على اسم الشيء لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وقد يوجه كلام الكرماني: بأنا أو إن سلمنا مقالة الجمهور، وإن مفهوم العدد غير حجة، إلا أن نص الحكم على شيء لا بد له من حكمة؛ إذ هذا هو شأن الفصحاء فضلاً عن أفصحهم، فحينئذٍ حكمه النص على أولئك ما قاله من أن في كل من تلك الثلاث المخالفة العظيمة المؤدية إلى أن فعل أحدهما يمنع من فعل الآخر لمعاندته له، وبيانه أن النفوس لا أشح منها بأديانها، فإذا آمن بعيسى مثلاً ثم آمن بنبينا ◌َّه كان جامعًا بين أمرين خارجًا عن قضية النفس مما تخيله العادة غالبًا. وكذا من جمع بين حقوق الله وحقوق مواليه فإنه جامع بين أمرين تقضي العادة باستحالة اجتماعهما إلا نادرًا، وكذلك الإعتاق ثم التزوج لما مرَّ أنها به تصير حاكمة بعد أن كانت مأسورة، فهذا هو وجه تخصيص هؤلاء الثلاثة بالذكر، وربما لا يوجد حقيقة ذلك في غيرهم، فتم ما قاله الكرماني. وإنما لم يضم إلى هؤلاء الثلاث أمهات المؤمنين مع أن لهم الأجر مرتين كما في سورة الأحزاب؛ لأن ذلك خاص بهن، وما هنا عام الأول في كل من آمن بموسى أو ٢٦٩ كتاب الإيمان عيسى إيمانًا صحيحًا ثم بمحمد رَليه والثاني والثالث في كل من اتصف إلى قيام الساعة كما مرَّ، فمن ادَّعى أن الأول مستمر كالأخيرين يحمل على ما ذكرته، فإن قلت: ينافي ما قاله قول المهلب في الحديث دليل على أن من أحسن في معنيين من أي فعل كان من أفعال البركات له أجره مرتين، قلت: الكرماني منع قياس المهلب وله أن يقول، ولو سلمنا ما قاله فالتخصيص بالثلاثة هنا ليس بمجرد أجرين، بل لأجرين عظيمين أكثر من غيرهما. (مُتَفقٌ عَليهِ) ووجه مناسبته لما قبله ما بينهما من التضاد؛ لإفادة ذلك تخليد الجاحد النبوة نبينا وغاية إهانته وإن آمن بنبيه، وهذا إيجابه من ذلك مع عظيم نعيمه وغاية إجلال وتكريمه، وهذا أوضح في المناسبة مما قيل: إن أهل الكتاب أولى للناس بالإيمان به؛ لمعرفتهم حقيقة رسالته لهم ولغيرهم، فإذا كفر به مع ذلك استحقوا مضاعفة العذاب المستفادة من قوله، ثم: ((إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)) (١) كما أبهم إذا آمنوا به استحقوا مضاعفة الثواب نظيره مضاعفة ثواب أمهات المؤمنين وعقابهن بنص: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. ١٢ - [وَعَن ابْنِ عُمَر - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقٌّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله))(٢). مُتَفقُّ عَلِيهِ إِلا أَن مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُر: (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ))]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَر - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ: أَمِرْتُ) أي: أمرني ربي، وأمَّا قول الصحابي: أمرت، فالمراد به: إنه ولي أمره بذلك؛ إذ لا يطلق ذلك على غيره، وبني للمفعول إشارة إلى أن الفاعل متعين وإن لم يذكر؛ إذ لا آمر له وَلـ (١) أخرجه مسلم (١٥٣)، وأحمد (٨٥٩٤)، وأبو عوانة (٣٠٨)، وابن منده (٤٠١). (٢) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢) والطبراني (١١٥) وأحمد (٢٢١٧٥)، وعبد بن حميد (١١٣)، والنسائي (٣٠٩٤) والحاكم (١٤٢٨) وأبو نعيم في الحلية (١٥٩/٢) والبيهقي (١٢٨٩٨). ٢٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول غير الله تعالى، والأمر: طلب الفعل بنحو: افعل، ويسمى هذا أمر أيضًا لدلالته على ذلك. (أَنْ) أوصله بـ((أن)) لكن حذفه هنا مطرد (أَقَاتِلَ) عدل إليه عن أقتل؛ لأن الدين إنما ظهر بالجهاد وهو لا يكون إلا بين اثنين (النَّاسَ) جميعهم، فـ((أل)» للجنس أو الاستغراق، وناس: اسم جمع؛ لأنه مفرد اللفظ مجموع المعنى (حَتَّى) غاية لأمرت أو أقاتل وهو أولى؛ أي: إلى أن يأتوا بأربعة أشياء ما لم يعطوا الجزية إن كانوا من أهلها، أو يعقد لهم أمان أو هدنة إن كانوا من غير أهلها كما استفيد من أدلة أخرى، بل من هذا الحديث كما يأتي، وبهذا تبين لك اندفاع تخصيص كثير من الناس بعبدة الأوثان دون أهل الكتاب والمجوس. قالوا: لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم لا يرفع عنهم السيف حتى يقروا بنبوة محمد ﴾ أو يعطوا الجزية، ولأن ((حتى)) أفادت أن غاية المقابلة الإتيان بتلك الأربعة، وأهل الكتاب يعصمون ببذل الجزية، فيكون ذلك تقيدًا للمطلق، ووجه اندفاع هذين مع ما في ثانيهما من الوهم؛ إذ لا إطلاق هنا ولا تقييد، وإنما الذي هنا عموم وتخصيص ما بان لك من أن الوجه بقاء العموم. وأمَّا العصمة بالجزية أو العهد فهي مستفادة من خبر هذا بناء على فرض تأخر هذا القول عن ضربها، والظاهر خلافه لما يأتي أن هذا من أوائل الهجرة و((براءة» المشتملة على الجزية من آخر ما نزلت، فزعم النسخ لتأخر أخذ الجزية عن الحديث بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ليس في محله؛ لأن النسخ لا يثبت باحتمال التأخر ويفر منه، فهو تخصيص لا نسخ كما لا يذهب على ذي مسکة من الأصول. وقوله: بدليل أنه متأخر .. إلى آخره، من الواضح أنه لا دلالة فيه لمدعاة من تأخر أخذ الجزية عن الحديث، فإن قلت: هو عام أريد به خاص وليس من العام المخصوص ٢٧١ كتاب الإيمان الرواية النسائي: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ))(١). قلت: المشركون قد يراد بهم مطلق الكفرة بدليل التعبير بدلهم هنا بالناس؛ لئلا يلزم على قصرهم على الوثنيين، وأنه لم يؤمن بمقابلة أهل الكتاب حتى يأتوا بتلك الأربعة، وهو بديهي البطلان لمن تأمل أدلة الكتاب والسنة؛ إذ الذي دلت عليه أنه ﴿﴿ أمر بمقاتلة كل أحد حتى يأتي بتلك الأربعة كما في هذا الحديث، أو حتى يحصل له تأمين بجزية أو عهد بشرطه، وهو ما في أدلة أخرى بها يخص هذا العموم. وعجيب قول بعض الشراح: المراد بالناس: المشركون من غير أهل الكتاب، ثم قال عن الطبري: إنه ◌َّ﴾ قال عند قتاله لأهل الأوثان المتكبرين للتوحيد: ((حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّ الله))(٢) واقتصر عليه، وهو ما رواه البخاري عن أبي هريرة في الجهاد، وقال عند مقاتلته لأهل الكتاب المقرين بالتوحيد، الجاحدين لنبوته عمومًا أو خصوصًا حديث ابن عمر المذكور، وهو ما رواه البخاري هنا، وأمَّا حديث أنس الآتي عقب هذا فقاله فيمن دخل الإسلام ولم يعمل بالصالحات كترك الجمعة، فيقاتل حتى يذعن لذلك. انتهى. فصرح نقلاً مرتضيًا له بأن الحديث الذي نحن فيه في أهل الكتاب مع تخصيصه الناس بالوثنيين، فوقع في التناقض. قيل: ويحتمل أن الغرض من ضرب الجزية: اضطرارهم للإسلام، أو المراد: حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فاكتفى بما هو المقصود الأصلي من الخلق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أو القصد من القتال هو أو ما يقوم مقامه وهو أخذ الجزية، أو من الإسلام هو وما يقوم مقامه نحو: إعطاء الجزية. والمحوج لهذه التأويلات: الإجماع على سقوط المقابلة ببذل الجزية، أو المراد: حتى يعلموا كلمة الله ويقر دينه بأن يكون بعضهم مسلمين وبعضهم باذلي جزية (١) أخرجه النسائي (٣٩٧٦)، والبيهقي (٥٣٤٧)، وأبو داود (٢٦٤٤). (٢) تقدم تخريجه. ٢٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول وبعضهم طالبي أمان وحذف هذين؛ لأنهما تبع للمسلمين؛ أي: وتلك الأربعة أن (يَشْهَدُوا) وفي رواية: ((يقولوا)) (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) المفروضة بأن يؤتوا بشروطها وأركانها المجمع عليها؛ لأن الكلام في صلاة تدفع المقاتلة، وهذه يكفي فيها الإثبات بأركانها وشروطها المجمع عليها. فمن قال هنا: معنى إقامتها تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ ونقص في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود إذا قومه أو الدوام عليها، من: قامت السوق إذا نفقت، أو التجلد والتشمر في أدائها، من: قامت الحرب على ساقها، أو أداؤها تعبيرًا بالجزء عن الكل؛ لأن القيام من أركانها فقد سها عما ذكرته إلا أن يريد تفسير مطلق إقامتها لا خصوص ما نحن فيه. قيل: فيه دليل لمذهبنا أن تارك الصلاة يقتل بشرطه المقرر في الفقه. انتهى. وفيه نظر ظاهر لأن الكلام في المقاتلة لا في القتل. ومقاتلة الإمام لتاركي الصلاة إلى أن يأتوا بها محل وفاق فلا دلالة فيه لذلك، وإنما هي في غيره. ثم رأيت ابن دقيق العيد رده بنحو ما ذكرته، ويؤيده قول الشافعي ﴾ كما حكاه عنه البيهقي: ليس القتال من القتل بسبيل، فقد يحل قتال الرجال ولا يحمل قتله، وقد يجاب بأنا علمنا من الحديث إهدار دمه أن أقاتل في الصلاة والزكاة، ثم نظرنا لمن لم يقاتل فيهما، فرأينا إمكان التخلص من تارك الزكاة بالأخذ منه قهرًا فمنعنا قتله؛ إذ لا ضرورة، بل ولا حد إليه بخلاف تارك الصلاة، فإنه لا يمكن إجباره على أدائها، فاقتضت الضرورة إباحة فعله لعله ينزجر ويتوب بقوله: أصلي، على أنه قد يؤخذ قتله من الآية الآتية، فإنه تعالى شرط فيها لتخلية السبيل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم يقمها لم يخل سبيله، ويلزم من عدم تخلية سبيله قتله؛ إذ المراد بتخليته منع قتله كما يصرح به سياق الآية. وإنما لم يقل بذلك في تارك الزكاة؛ لما تقرر من ظهور الفرق بينهما، فتأمل حسن ٢٧٣ كتاب الإيمان هذا الاستدلال وظهوره ليعلم به حقية قتله دون غيره، وسيأتي قريبًا لذلك بقية سيما في حديث: ((مَنْ صَلَّ صَلَاتَنَ)(١). (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) وهي كما يكون إلا مفروضة فيه دليل لقتال مانعيها ولا نزاع فيه، ومن ثم قاتلهم الصديق وأجمع عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - وخُصا بالذكر؛ لأنهما إمَّا العبادات البدنية والمالية والعيار على غيرهما والعنوان له، ولذلك سمى الصلاة: عماد الدين، والزكاة: قنطرة الإيمان، وأكثر الله ود من ذكرهما مقترنين في كتابه، فنبه بذكر الصلاة؛ لكونها شاقة على النفس من حيث تكررهما ووجوبها ولو مع السفر والمرض على سائر العبادات البدنية، وبذكر الزكاة لتعلقها بالمال الذي يسمح الإنسان بهلاك نفسه في تحصيله على سائر العبادات المالية. ومن ثم قيل: كان حق الظاهر الاكتفاء عنهما بالاستثناء؛ إذ هما من حقه، لكنهما ذكرا؛ تعظيمًا لهما وإشعارًا بأنهما في حكم الشهادة، أو المراد: ترك القتال تركًا مستمرًا إلا بالنسبة للحال فقط؛ لأنه يعود بتركهما، وذلك لا يحصل إلا بالإتيان بتلك الأربعة وما في معناها، ثم عطفا على الشهادتين وجعلا بمنزلتهما في كونهما أيضًا غاية للمقاتلة، وحذفا في رواية؛ استغناءً عنهما بالشهادتين؛ لأنهما الأصل مع تضمنهما لهما کغیرهما. قيل: ولأن فرائض الدين كانت تشرع شيئًا بعد شيء، فهذه قبل وجوبهما وتلك بعده. انتهى ويحتاج الدلیل. فالوجه ما ذكرته (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) المذكور من الشهادتين وما بعدهما، ويسمى القول: فعلاً؛ لأنه عمل اللسان أو تقليبًا (عَصَمُوا) أي: حفظوا ومنعوا (مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) أي: استباحتها فلا أتعرض لهما؛ إذ لا يجوز لأحد إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب (إلا) استثناء مفرغ لتضمن العصمة للنفي كما قدرته (١) أخرجه البخاري (٣٨٤)، والنسائي (٤٩٩٧)، والبيهقي (٢٠٣٠)، والطبراني (١٦٦٩). ٢٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول (بِحَقٌّ الإِسْلَامِ) أي: حق له أو منه أو فيه من قتل قودًا أو حدًا لنحو زنا محصن وقطع طريق، وقطع لنحو سرقة، وضرب لنحو قذف أو شرب مسكر، وتغريم مال لنحو إتلاف مال الغير المحترم، وغير ذلك كإطعام الجائع وكسوة العاري، فعلم أن الحق المتعلق بالدم القود والرجم ونحوهما، وبالمال الضمان ونحوه، وعجيب من قول الشراح مع هذا الاستثناء قضية الحديث أن الآتي بتلك الأربعة لا يقاتل وإن كفر بسائر ما جاء به محمد ﴾﴾. وجوابه: إن الشهادة برسالته تتضمن التصديق بما جاء به مع أنه يحتمل أنه ما جاء بغير هذه الأربعة إلا بعد ذكر هذا الحديث أو علم ذلك من دليل آخر خارجي. انتهی وکله ليس في محله. انتهى. ثم رأيت بعض محققيهم لما ذكرته، فقال بعد ذلك الجواب: مع أن نص الحديث وهو قوله: ((إلا بحق الإسلام)) يدخل فيه جميع ذلك، ومن قول بعضهم أو ظنًا إذا شهدوا وعصموا وإن لم يقيموا ويؤتوا؛ إذ بالشهادة يترك قتالهم حالاً ولا ينتظر إقامة ولا غیرها. (وَحِسَابُهُمْ) بعد ذلك هو مستأنف أو عطف على عصموا (عَلَى الله) فيما يسرون به من الكفر والمعاصي؛ أي: إن مؤاخذتنا لهم بحقوق الإيمان إنما هي بحساب ما يقتضيه ظاهر حالهم، وأمَّا بواطنهم فالمطلع عليها هو الله وحده، فيتولى مجازاتهم عليها من إثابة على الإخلاص ونحوه، وعقاب على النفاق وكذا الفسق ما لم يعف عنه، وقيل: معناه أن القتال والعصمة إنما هما في الأحكام الدنيوية؛ لتعلقها بنا، وأمَّا الأمور الأخروية من الثواب والعقاب وكميتهما وكنيتهما فهو مفوض إلى الله، لا دخل لنا فيه. انتهى. وقد نرجع للأول، وفيه حجة لقول الشافعي: وأكثر العلماء بقبول توبة الزنديق، وهو: من يظهر الإسلام ويخفي الكفر، ويعلم ذلك بأن يقرأ ويطلع منه على كفر كان يخفيه، وقيل: لا يقبل ويتحتم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعته في الآخرة، وقيل: ٢٧٥ کتاب الإيمان يقبل منه مرة فقط، وقيل: ما لم يكن تحت السيف، وقيل: ما لم يكن داعية للضلال وعلى المشعرة بالإيجاب عرفًا لمزيد التخويف للعصاة والرحماء لغيرهم، والحساب كالواجب في تحقق الوقوع. قيل: أو هو واجب شرعًا بحسب وعده تعالى به فيجب أن يقع لا أنه تعالى يجب عليه شيء، فلا حجة فيه للمعتزلة في زعمهم وجوبه على الله تعالى عقلاً (مُتَفقُّ عَليهِ إِلا أَن مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُر) فيه: (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ) لكنه مراد منه، وهذا الحديث موافق؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا﴾ [التوبة:٥] أي: أتوا بالشهادتين ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] أي: لعصمة دمائهم وأموالهم إلا بحق. وفيهما أبلغ رد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال، وإنما عبرت بموافق دون مفسر الذي ادعاه بعضهم؛ لأنه جاء في رواية أنها: ((آخِرُ مَا نَزَلَ))(١) ولا شك أن أمره وليه بذلك كان في ابتداء هجرته والمتقدم لا يكون مفسرًا للمتأخر، وفيه أيضًا دليل على اشتراط التلفظ بكلمة الشهادتين في صحة الإسلام، وعلى أنه لا بد في صحته أيضًا من لفظ ((أشهد)) وعليه جماعة. وقال آخرون: لا يشترط لرواية ((حتى يقولوا)) وعلى أنه لا ينكف عن قتالهم إلا بالنطق بهما، وعلى أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضًا، ومعاملة النبي ◌َّ وخلفائه الراشدين والأئمة بعدهم إنما يناط بظواهر أحوالهم دون بواطنها، وعلى أن من أظهر الإسلام أجرى عليه حكمه من غير بحث عن باطن أمره، ومن ثم قال ◌َله: ((إِنِي لَمْ أُؤْمِن أَنْ أَشِقَّ عَلَى قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا عَنْ بُطُونِهِمْ .. »(٢) جوابًا لقول خالد : ألا أضرب عنقه؟ فقال ◌َ له: (لَعَلَّهُ يُصَلِّ))(٣) فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! (١) أخرجه البخاري (٤٥٩٠). (٢) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٢/٥). (٣) أخرجه ابن حبان (٢٥)، وأبو يعلى في مسنده (٥٤/٢). ٢٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول وكإظهار الإسلام ما لو قامت قرينة عليه ككونه بدار الإسلام، وإن وجدت قرينة تخالف ذلك ككونه أعطف مقتولاً بين قتل عدل، نعم يعزل عنهم في المدفن كما في عكسه، وعلى وجوب قتال الكفار وتاركي الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج، واختص تارك الصلاة بأنه يقتل عندنا كالجمهور حدًّا؛ لما قدمته، لتميزها عن غيرها بأحكام وتشديدات وتأكيدات لا تحصى. ويفارق تارك الزكاة بأنه يمكن أخذها منه من غير قتل، فإن انتهى إلى نصب القتال ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق #ه مانعي الزكاة ولم ينقل أنه قتل أحدًا منهم، وتارك الصوم به يمكن إلجاؤه إليه بأن يحبس ويمنع الطعام والشراب نهارًا، فإنه إذا علم ذلك صام. وتارك الحج بأن يوسع عليه أصالة وإن فرض تضيقه بنحو ندر أو خوف غضب فهو عارض، وقال أحمد: يقتل تارك الصلاة كفرًا الأحاديث الصحيحة في ذلك، لكن أولها الأكثرون على المستحيل، وعند أبي حنيفة: يحبس ولا يقتل ولا يكفر، وكأنه قاسه على ترك الصوم، وقد ظهر الفرق بينهما بأن الحبس فيه يؤدي لفعله وفيها لا يؤدي لفعلها، وعلى صحة إيمان المقلد، وأن الاعتقاد الجازم كافٍ في النجاة. قال النووي: وعليه تظاهرت الأحاديث الصحيحة التي يحصل من مجموعها العلم القطعي بأنه يكفي، وقال كثير من المعتزلة وبعد المتكلمين أن تعلم الأدلة شرط في صحة الإسلام. قال بعضهم: اختلفوا في وجوب المعرفة على الأعيان، فذهب قوم إلى وجوبها وقوم إلى عدمه، وادعى كل الإجماع على ما قاله وعلى عدم تكفير أهل البدع من أهل القبلة المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، ونوزع في صحة الحديث بأنه لو كان عند ابن عمر - رضي الله عنهما - لما ترك أباه ينازع أبا بكر - رضي الله عنهما - لما أراد قتال مانعي الزكاة، فإنه اعترض بالخبر المرتب للعصمة على الشهادتين، وأجاب أبو بكر بقياس الزكاة على الصلاة؛ لأنها قرينتها في القرآن، فلو كان عندهما حديث ابن عمر ٢٧٧ كتاب الإيمان المذکور لما تنازعا کذلك، ولو كان عنده لم يتركهما يتنازعان. وأجيب بأنه يحتمل أنه لم يستحضره حينئذ أو لم يحضر المناظرة، أو أخبر به بعد على أن أبا بكر لم يقتصر على القياس بل استدل بخبر: (حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ))(١) فقال: والزكاة من حق الإسلام، ولم ينفرد ابن عمر بذلك بل رواه غيره كأبي هريرة * وفي ذلك دليل على أن بعض آحاد الصحابة قد يحفظ ما خفي على أكابرهم ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال: کیف خفي ذلك على فلان. ١٣ - [وَعَن أَنس ◌َ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللهَ فِي ذِمَّتِهِ»(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنِ أَنْس ◌ِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا) أي: صلاة مثل صلاتنا الشرعية من سائر الوجوه، ويلزم من ذلك الاعتراف بتوحيد الله تعالى وبرسالة نبينا وَلي وعمومها، وبجميع ما جاء به عن الله تعالى، ولذا لم يحتج للتصريح بالشهادتين في هذه الرواية وغيرهما مما مرَّ في خبر جبريل، واتضح جعل الصلاة علمًا على الإسلام. (وَاسْتَقْبَلَ قِيْلَتَنَا) صرح به مع دخوله فيما قبله، وهو من شروط الصلاة تلميحًا بقضيته: ﴿فَلَنُوَلِّيَّنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] المتضمنة للرد على اليهود - لعنهم الله - في نزاعهم فيه بقولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. [البقرة: ١٤٢]. قيل: ولأن القبلة أعرف من الصلاة؛ إذ كل أحد يعرف قبلته وإن كان لا يعرف صلاته، ولأن استقبال قبلتنا هو أظهر مميز بين صلاتنا وصلاة بقية الأمم. (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه البخاري (٣٨٤)، والنسائي (٤٩٩٧)، والبيهقي (٢٠٣٠)، والطبراني (١٦٦٩)، والروياني (٩٧٣). ٢٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول (وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا) عطف مغاير؛ لأن الأولين من محض العبادة وهذا عبادة وعادة، فأفاد أنه لا بد من تميز المسلم التميز الكامل من فعل العبادة والعادة المختصة بالمسلمين، أو عطف خاص أيضًا بأن يراد الذبيحة المستوفية لشرائط الذبح في ملتنا والإعراض عن غيرها، وهذا من محض العبادات المستفادة من الصلاة لما مر من تضمنها للإيمان بجميع ما جاء به نبينا ولار. وفائدته: الرد على اليهود ونحوهم في ذبحهم لغير الله وامتناعهم من أكل ذبائحنا زاعمين غاية التشنع علينا بأكلها؛ أي: من صلى صلاتنا المستلزمة للإيمان بجميع شرائعنا وترك المنازعة في أمر قبلتنا التي هي أظهر مميز لصلاتنا، ودل لجميع عزائمنا ورخصنا حتى لم يمتنع من أكل ذبيحتنا المستوفية لشرائط ملتنا، وإنما امتنع من أكل غيرها (فَذَلِكَ) هو (الْمُسْلِمُ الذِي لَهُ) دون غيره (ذِمَّةُ الله) تعالى (وَذِمَّةُ رَسُولِهِ) وَ أي: عهدهما وأمانهما وحفظهما مما يفعل بالكفار من نحو القتل والسبي وضرب الجزية، وكرر لفظ ((ذمة)) إشارة إلى أن كل من الذمتين مقصود وإن كان الأصل هو الأولى، ولذلك اقتصر عليهما فیما یأتي. (فَلَا تُخْفِرُوا) بالضم من الرباعي؛ أي: لا تغدروا، يقال: أخفرت إذا غدرت، وخفرت إذا حميت، ويقال: إن الهمزة في أخفرت للإزالة؛ أي: تركت حمايته، والغدر هنا بمعنى الخيانة؛ أي: لا تخونوا (الله) أفرد هنا؛ لبيان أن خيانة نبيه خيانة له، وأن المقصود بالذات وغيره إنما هو بطريق الواسطة، ثم رأيت بعضهم أجاب بنحو ذلك فقال: حذف رسوله؛ لدلالة السياق عليه أو لاستلزام المذكور المحذوف (في ذِمَّتِهِ) أي: لا تعاملوه معاملة الغادر الخائن في بعض عهده وإضرار من دخل في أمانه وحفظه، وفي مفهومه دليل لنا على قتل تارك الصلاة. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وفيه أن أمور الناس محمولة على الظاهر، فمن أجريت عليه أحكام الدين أجریت علیه أحکام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك، ووجه مناسبته لما قبله: إن ذلك مقول في الكفار، وأنهم يقاتلون حتى يأتوا بتلك الأربعة، وهذا مقول في ٢٧٩ كتاب الإيمان المسلمين وليفيد أن من أسلم ولم يصل صلاتنا بأن تركها بالكلية أو ترك شيئًا من شروطها المجمع عليها كالاستقبال لا يكون من أهل تلك الذمة العلية، بل يكون إمَّا مهدرًا أو معاقبًا، فيقتل حدًّا عندنا كجمهور العلماء أو كفرًا عند أحمد، أو یحبس عند أبي حنيفة. وإن من أسلم وصلى صلاتنا بشروطها ثم اعتقد حرمة ما هو معلوم الحل من ديننا بالضرورة لا يكون ذلك أيضًا، بل يكون كافرًا، مهدر الدم، خارجًا عن الإيمان اتفاقًا، ففيه تنبيه على أن الإتيان بالصلاة وغيرها إنما تفيد حيث لم يرتكب مثل ذلك المحظور من إنكاري ضروري من ضروريات الشرع؛ إذ إنكاره كفر. ١٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: أَنَى أَعْرَائِيّ إِلَى النَّبِيِّنَ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: ((تَعْبُدُ اللهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ)) قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذا وَلَا أَنْقُصُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ◌َه: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا))(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: أَقَى أَعْرَائِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: دُلَِّي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ؟) أي: مع الناجين من غير سابقة عذاب. (قَالَ: تَعْبُدُ اللهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) احتاج إليه احترازًا من فعل كفار قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر:٣] أي: الأصنام ونحوهم ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وبيانًا؛ لأن العبادة لا تكمل إلا إن سلمت من جميع طرق الرياء. قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ١١٠] وسيأتي في حديث معاذ بيان أقسام العبادة. (وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ) أي: المفروضة على الأعيان؛ أي: تديم أداؤها مع (١) أخرجه البخاري (١٣٣٣)، ومسلم (١٤)، وأحمد (٢٣٥٩٦)، والنسائي في الكبرى (٥٨٨٠)، وابن حبان (٤٣٧)، والبيهقي في سننه (٧٤٨٨). ٢٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ ونقص في شيء من فرائضها وأبعاضها وهيئاتها، من: أقمت العود إذا قومته وسويته. (وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ) والتغاير بينهما للتفنن، وكان وجه ذكر هذا مع أن الزكاة لا تكون إلا فرضًا أنها قد تطلق على ما يعم صدقة التطوع؛ إذ هي زكاة بالمعنى اللغوي، وقيل: احتراز عن المعجلة، ويرد بأنها تقع فرضًا بشروطها وإن كان التعجيل غیر فرض، وقيل: تأکید. (وَتَصُومُ رَمَضَانَ) ولم يقيده؛ لأنه لا يكون إلا مفروضًا، ومن ثم كان الأصح عندنا أنه لا يحتاج في نيته إلى ذكر الفريضة بخلاف الصلاة. (قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) مر الكلام على نظيره (لَا أَزِيدُ عَلَى هَذا وَلَا أَنْقُصُ) استشكل الأول بأن ما قبل قوله هذا ليس فيه جميع الواجبات والمنهيات والمندوبات، فكيف أثبتت له النجاة بمجرد ذلك؟ ويجاب بأن ((تعبد الله)) متضمن لجميع التكاليف فعلاً وتركًا وللنوافل أيضًا ((ولا تشرك به شيئًا)) متضمن لنفي الشرك الأصغر والأكبر، فلم يبق شيء من التكاليف إلا وشمله الحديث، وإذا تأملت هذا لم يحتج للجواب، وبأن في رواية للبخاري ما يوضح المقصود؛ أي: بناء على اتحاد هذه مع الآتية بعدها، وسيأتي ما فيه. وهو قال: فأخبره رسول الله وَله بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله تعالى على الأشياء، ولا للمنازعة في ذلك بأنا إن سلمناه لعموم ما فرض فأين ما يدخل النوافل. ثم رأيت غير واحد أجابوا بأنه يحتمل أن هذا كان قبل مشروعية النوافل، أو أنه أراد: لا يزيد في الفرائض بتغير صفتها كأن يصلي الظهر خمسًا، أو ألَّ يزيد النوافل مع أنه لا يخل بشيء من الفرائض، وهذا ناچ ومفلح بلا خلاف. وذم تارك النوافل جملة إنما لا نيابة عن نوع تهاون بهمات الدين، ومن ثم ألحقوه بمن لا مروءة له في رد شهادته أو أنه رسول؛ أي: لا أزيد في التبليغ على ما ٢٨١ كتاب الإيمان سمعت، أو أنه قصد به المبالغة في التصديق والقبول؛ أي: قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولاً لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقص فيه من طريق القبول، وما أجبت به أولی من جمیع ذلك. أُمَّا الأول: فلوضوح بطلانه، فإن الراوي أبو هريرة وإسلامه سنة سبع، فكيف يقال: إن هذا كان قبل مشروعية النوافل وقد كانت صلاة العيد ونظائرها من النوافل الأكيدة الشهيرة معلومة مشهورة قبل إسلامه بسنين كثيرة. وأمَّا الثاني: فلأنه خلاف ظاهر اللفظ. وأمَّا الثالث: فكان الحلف على ترك النافلة مكروه، فلو كان هو المراد لأنكر عليه ، كما أنكر على من حلف ألّا يفعل خيرًا وإن احتمل الفرق بأن خيرًا يشمل الفرائض، فيكون الإنكار للحلف على تركها دون النوافل؛ لأن هذا لا يمنع أن الظاهر من حاله ◌َ# أنه ينكر المكروه ولا يسكت عنه؛ لئلا يتوهم عدم كراهته، ومن ثم قال أئمتنا بندب النهي عن المكروه لكن بلطف. وأمَّا الرابع: فإنه يحتاج إلى سند؛ إذ الظاهر أن هذا الأعرابي ليس هو مقامًا للآتي. وأمَّا الخامس: ففيه نوع تعسف ولم يذكر هنا كبعض الروايات في حديث جبريل: ((الحج لا الصوم)، في رواية ((ولا الزكاة))، في أخرى (ولا الإيمان))، في أخرى، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس. وأجاب ابن الصلاح كالقاضي عياض بأن سبب ذلك تفاوت الرواة حفظًا وإتقانًا، ويدل له أن الصحابي الراوي قد يتحد مع اتحاد الواقعة وتختلف الرواة عنه زيادة ونقصًا؛ لتفاوتهم فيما ذكر، ولا يمنع ذلك إيراد الكل في الصحيح؛ لأن زيادة الثقة مقبولة بشرطها المقرر في محله، وقاعدة الأصوليين فيها: إنها إن لم تغير إعراب الباقي قبلت وحمل حذفها على البيان ونحوه، وإن غير به تعارضا وتعين طلب الترجيح. (فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ◌ِهِ: مَنْ سَرَّهُ) من السرور، وهو: انشراح الصدر بحصول ٢٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول ملائم النفس مما لا يخشى زواله ولا يختص بالأمور الأخروية، وقد يستعمل كثيرًا في كلام الفقهاء وغيرهم في مطلق الأحوال. (أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) لعزمه وتصميمه على فعل المطلوبات وترك المنهيات، فعلى من أراد اللحوق به في ذلك أن يصمم على ما صمم عليه؛ ليكون من الناجين وليحشر في زمرة السابقين. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) ويستنبط منه فوائد كثيرة جليلة، منها: إنه ينبغي لكل إنسان أن يسأل من أهل العلم عما ينفعه، لا سيما في الأمور الأخروية، وأن يعزم ويصمم على امتثال جميع ما يأمرونه به، وأن يؤكد ذلك على نفسه حتى باليمين؛ لأن الحلف على فعل الطاعة مستحب؛ إذ وسيلة الطاعة طاعة، ومن ثم كان نذر البر قربة على الأمم عندنا خلافاً للكثيرين منا، قالوا بكراهته لحديث النهي عنه، وتعليله بأنه إنما يستخرج به من التخيل، لكنه محمول على من علم من نفسه عدم الوفاء أو على نذر اللحاح. وإنه ينبغي للعالم أن يمدح بعض أتباعه بحضرة الباقين إذا ظهر له منهم فضل ونجابة؛ لأن في ذلك خصالهم على المسارعة إلى اللحوق به أو الزيادة عليه، وأن محل كراهة مدح الإنسان في وجهه بناء على أنه ولي* لما قال ذلك بعد تولية الأعرابي كان بحيث يسمع ذلك، وهو محتمل ما إذا خشي عليه الفتنة بذلك، ومن ثم جاء في الحديث النهي عن ذلك قصمت ظهر أخيك. ويحتمل أنه إنما قاله بعد أن ولی بحیث لا يسمعه، وحينئذ یؤخذ منه أنه لا ينبغي مدح الإنسان في وجهه إن خشي عليه فتنة بذلك، وأن للعالم أن يبشر الطائعين بأنهم من أهل الجنة باعتبار ما أظهر الله عليهم من علامات الخير المودعة به إلى دخولها بوعد الله وفضله من غير تحڪم، ولا تأل على الله بذلك، وأنه ينبغي للعالم أن يأتي أولاً بالجمل الجوامع ثم يشرح بعضها الذي يكثر الاحتياج إليها كما هنا فإنه وَالر أتى أولاً بتعبد الله، وقد علمت أن هذه الجملة جامعة لسائر فروع الشريعة وكمالاتها، ثم ٢٨٣ كتاب الإيمان نصَّ على الصلاة وما بعدها؛ لمزيد الاهتمام بها والتنبيه على أنه ينبغي الإتيان بها بكمالاتها المأخوذة من تقيم كما مرَّ. وإنه ينبغي أن يكون الاحتراس في كلماته عما يوهم خلاف المراد كما علم من قوله وَله: (ولا تشرك به شيئًا)) وقوله: ((المكتوبة)) وأنه لا بأس بالتوضيح بالصفة أنه لا حرج عليه في الإشارة في الأمور الخفية لينبه السامعين على البحث عن الدقائق والتيقظ إلى جنس موقعها، وذلك كما وقع في حذف الغرض من رمضان مع ذكره في سابقيه، وكل هذه المستنبطات لم أرَ من نبه على شيء منها. ١٥ - [وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللّه التَّقَفِيّ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلاً لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِي رِوايَةٍ: ((غَيرِكَ)) - قَالَ: قُلْ: «آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ))(١). رَوَاهُ مُسلِمُ]. (وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ النَّقَفِيّ) ﴾ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي) مبادئ (الْإِسْلَامِ) وغاياته، وهذا أولى وأوضح من تفسيره بأن المراد لي فيما يكمل به الإسلام وتراعی به حقوقه فیستدل به على توابعه ولواحقه. انتهى وعلی کل فالمراد به الانقياد. (قَوْلاً لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ) أي: بعد سؤالك هذا (وَفِي رِوايةٍ): لا أسأل عنه أحدًا (غيرك) أي: لا أحتاج معه أن أسأل غيرك عن شيء، فهذا لازم ذلك؛ لأنه إذا لم يسأل بعد سؤاله أحد ألزم ألَّا يسأل غيره. (قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِالله، ثُمَّ) بعد الإيمان بالله المستلزم للإيمان برسوله محمد وله وبجميع ما جاء به (ثم)) للتراخي في الرتبة على حد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] لا في الزمن؛ لأن الاستقامة مأمور بها في الإيمان أيضًا لما يأتي أنها صلاح الاعتقاد والأعمال والأخلاق. (اسْتَقِمْ) على جميع ما جاء عنه من فعل الواجبات بل والمندوبات، وترك (١) أخرجه مسلم (١٦٨)، وأحمد (١٥٨١٤). ٢٨٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول المحرمات بل والمكروهات، فالاستقامة أمر جامع لجميع التكاليف؛ إذ بترك واجب مثلاً يخرج عن الطريق المستقيم فلا يعود له إلا بتدارك ذلك ولو بالتوبة الصحيحة، وما قررته أولى مما وقع لبعض الشارحين، ثم رأيت النووي صرح بما يوافقه وبعضه عن عياض فقال: هذا من جوامع كلمه وَّه وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] أي: وحدوا الله وآمنوا به ثم استقاموا فلم يحيدوا عن توحيدهم والتزموا طاعته سبحانه إلى أن يموتوا عليه، وعلى ذلك أكثر المفسرين من الصحابة فمن بعدهم، وهو معنى الحديث. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]: فأنزل على رسول الله وَليلةٍ في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية، ولهذا قال و ليه لأصحابه لما قالوا له: قد أسرع إليك الشيب: ((شَيَّبَتْنِي هُودُّ وَأَخَوَاتُهَا))(١). انتهى. وقال الفخر الرازي في الآية: الاستقامة أمر صعب شديد؛ لشمولها العقائد بأن يجتنب التشبيه والتعطيل؛ أي: وكل بدعة ترجع إلى واحد من هذين والأعمال بأن يحترز عن التغيير والتبديل؛ أي: ولو بمقتضى الفعل، فإن من عمل معصية فقد غير وبدَّل، والأخلاق بأن يبعد عن طرفي الإفراط والتفريط؛ أي: ويعرف ذلك بسيرة أخلاقه پ# والناس بما يمكن التأسي به منها. ومما يؤيد صعوبة هذا المرقى خبر: ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا))(٢) أي: ولن تطيعوا أن تستقيموا بالكلية، لكن جاهدوا واجتهدوا في طاعة الله ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلنًا بقدر ما تطيقونه. (رَوَاهُ مُسلِمٌ) وقد علمت أنه من جوامع كلمه ◌َّ؛ لأنه لم يبق أصلاً من أصول (١) أخرجه الطبراني (٧٩٠)، وأبو يعلى (٨٨٠). (٢) أخرجه الطيالسي (٩٩٦)، وأحمد (٢٢٤٣٢)، وابن ماجه (٢٧٧)، والدارمي (٦٥٥)، وابن حبان (١٠٣٧)، والطبراني (١٤٤٤)، والحاكم (٤٤٧)، والبيهقي (٣٨٩). ٢٨٥ كتاب الإيمان الشريعة ولا فرعًا من فروعها إلا تناوله تناولاً صريحًا، ولذلك كان أجمع كلمة للخير كما يأتي. ١٦ - [وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ لَّهِ مِنْ أَهْلِ تَجْدٍ، ثَائِرَ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجُلُ: هَلْ عَلَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَالله لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَفْلَحَ الرَّجلُ إِنِ صَدَقَ(١). مُتَفَقُّ عَليهِ]. (وَعَنْ طَلْحَةَ) عُه (ابْنِ عُبَيْدِ الله) بن عثمان القرشي التيمي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، والثمانية السابقين للإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق، والستة أصحاب الشورى، ولم يشهد بدرًا لكنه ضرب له و ليه سهمه وأجره بل أحدًا، وكان ذلك اليوم كله له كما قاله الصديق، ودفن النبي صل بيده ضربة قصد بها فشلت أصابعه. قيل: وجرح خمسًا وسبعين جراحة، وسماه النبي ◌ّ طلحة الخير وطلحة الجود، قتل يوم الجمل وأتاهم به مروان لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين عن نحو أربع وستين سنة، ودفن بالبصرة، قيل: بعد أن دفن بغيرها فرأت بنته بعد ثلاثين سنة أنه يشكو إليها النداوة، فأخرج فرؤي بدنه طريًّا كما دفن وأنه أخضر مما كان يصل إليه. (قَالَ: جَاءَ رَجُلُ) هو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر، قال في ((الفتح)) بعد نقله: ذلك عن ابن بطال وآخرين، وكان الحمل لهم على ذلك إيراد مسلم لقصته؛ (١) أخرجه مالك (٤٢٩)، والبخاري (٤٦)، ومسلم (١٠٩)، وأبو داود (٣٩١)، والترمذي (٦٢٢)، والنسائي (٤٦٢)، والدارمي (٦٧٥)، والبزار (٩٣٣)، والطبراني في الأوسط (٥٢٢٧).