Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يضعه الله في القلب.
قال مالك: قال لي الرشيد: يا أبا عبد الله، ينبغي أن تختلف إلينا حتى تسمع
صبيانًا منك ((الموطأ)) فقال: أعز الله أمير المؤمنين إن هذا العلم منكم خرج، فإن
أنتم أعززتموه عز وإن أذللتموه ذل، والعلم يؤتى ولا يأتي، قال: صدقت، اخرجوا إلى
المسجد حتى تسمعوا مع الناس.
وسأله الرشيد: ألك دار؟ قال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، ولما أراد الرشيد
الشخوص قال لمالك: ينبغي أن تخرج معي فإني عزمت أن أحمل الناس على ((الموطأ)» كما
حمل عثمان الناس على القرآن فقال: أمَّا حمل الناس على ((الموطأ)) فلا سبيل إليه؛ لأن
أصحاب رسول الله ولو افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند أهل كل مصر علم،
وقد قال رسول الله وَّةِ: ((اخْتِلَاف أُمَّتِي رَحْمَة))(١)، وأمَّا الخروج معك فلا سبيل إليه.
قال ◌َّهِ: ((الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَهَذِهِ دَنَانِيْرِكُمْ كَمَا هِي إِنْ أَحْسَنْتُمْ
فَخُذُوهَا وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَدَعُوهَا)(٢) يعني: إنك إنما كلفتني مفارقة المدينة لما صنعت إلي،
فلا أؤثر الدنيا على مدينة رسول الله و85* وصح عن الشافعي # أنه قال: ما في الأرض
كتاب من العلم أكثر صوابًا من ((موطأ مالك)).
قال العلماء: إنما قال الشافعي هذا قبل وجود ((الصحيحين)) وإلا فهما أصح منه
اتفاقًا، وجاءه رجل من مسيرة ستة أشهر في مسألة أرسله بها أهل بلده، فقص عليه
خبره، فقال: لا أحسن، فقال: فماذا أقول لهم؟ قال: قل لهم قال لا أحسن أخذ عن
ثلاثمائة تابعي وأربعمائة من تابعيهم.
توفي # سنة تسع، بتقديم التاء.
وقيل: ثمان وسبعين في صفر، أو أربع عشرة شهر ربيع الأول، أو ثالث عشرة أو
-
(١) ذكره العجلوني في ((كشف الخفا)) (٦٤/١) وقال: قال في ((المقاصد)): أخرجه البيهقي في المدخل
بسند منقطع عن ابن عباس.
(٢) أخرجه بنحوه مسلم (٣٣٨٤)، وأحمد (١٥٩٥)، والبيهقي (١٠٢٥٢).

٨٧
بداية الشرح
عاشرة، وهو ابن خمس وثمانين أو سبع وتسعين بالمدينة، في خلافة هارون، ودفن
بالبقيع وقبره مشهور به.
قال الشافعي: قالت لي عمتي بمكة: رأيت الليلة قائلاً يقول: مات الليلة أعلم
أهل الأرض فحسبنا فرأينا ذلك ليلة مات مالك، وولد في ربيع الأول سنة ثلاث ومائة
على الأشهر أو إحدى أو اثنتين أو أربع أو خمس أو ست أو سبع أو سنة تسع وثمانين
وهو أغربها أو سنة تسعين، ومكث حملاً في بطن أمه ثلاث سنين.
وقيل: أکثر.
وقيل: سنتین.
(وَأَبِي عَبْد الله مُحمَّد بن إِذْرِيس) ابن العباس بن عثمان بن الشافع بن
السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي
المطلبي (الشَّافعي) الحجازي المكي: ابن عم رسول الله القر يلتقي معه في عبد مناف،
وقد أكثر العلماء - شكر الله سعيهم - من المصنفات في مناقبه وأحواله من المتقدمين
والمتأخرين، كداود الظاهري، والدارقطني، والآجري، والرازي، والصاحب بن عباد،
والبيهقي، ونصر المقدسي، وآخرين لا يحصون، ومن أجمعها وأحسنها وأتقنها ((مصنف
البيهقي)) لاشتماله على نفائس من كل فن، واستيعابه معظم أحواله ومناقبه بالطرق
الصحيحة، وهو مجلدان ضخمان وحاصل شيء من ذلك لضيق المحل عن استيعاب
أدنى مقصد من مقاصده أنه قرشي مطلبي إجماعًا، وأمه أزدية.
وقد صح في فضائل قريش المجمع على تفضيلهم على سائر العرب، وفي فضائل
الأزد أحاديث كثيرة وآثار شهيرة، كحديث ((الصحيحين)): ((النَّاسُ تَبَعُ لِقُرَيْشِ فِي
الْخَيْرِ وَالشَّرِ))(١).
وحديث مسلم: ((إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ
(١) أخرجه البخاري (٣٣٠٥)، ومسلم (١٨١٨)، والحميدي (١٠٤٤)، وأحمد (٧٣٠٤)، وأبو عوانة
(٦٩٦٩).

٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشِ بَنِي هَاشِمٍ .. »(١).
وحديث البخاري: ((إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ))(٢) وورد عن عالم
قريش مما طبق الأرض علمًا طرقه متماسكة وليس بموضوع خلافًا لمن وهم فيه كما
بينه أئمة الحديث، كأحمد وأبي نعيم والبيهقي والنووي.
وقال: إنه حديث مشهور وغيرهم، وممن حمله على الشافعي أحمد ومعه العلماء
على ذلك، ووجهوه بأنه لم يظهر لقرشي من العلوم المدونة، المحفوظة، المشهورة، المتبعة،
المعمول بها في أقطار الأرض، المكتوبة كما تكتب المصاحف، المتحدث بها في مجالس
الحكام والأمراء والفقراء وأهل الآثار ما ظهر له من ذلك.
قال الحافظ أبو نعيم بعد ذكره نحو ذلك: فهو عالم قريش الأفضل الذي دوَّن
العلوم وشرح الأصول والفروع ومهد القواعد.
وأخرج الترمذي خبر: ((الأَزْدُ أُسْدُ اللهِ فِي الأَرْضِ، يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَضَعُوهُمْ
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَرْفَعَهُمْ، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانَ يَقُولُ الرَّجُلُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ أَزْدِيًّا،
وَبَا لَيْتَ أُتِي كَانَتْ أَزْدِيَّةً،(٣).
وفي خبر أيضًا: ((وَالأَمَانَةُ فِي الأَزْدِ)(٤).
ولد له بمرة على الأصح. وقيل: بعسقلان. وقيل: باليمن سنة خمس ومائة
اتفاقًا، وهي سنة وفاة أبي حنيفة څ﴾. وقيل: ولد يوم موته.
قال البيهقي: هذا التقييد لم أجده إلا في بعض الروايات، ونشأ يتيمًا في حجر
(١) أخرجه مسلم (٢٢٧٦)، والترمذي (٣٦٠٦) وقال: حسن صحيح غريب، وأحمد (١٧٠٢٧)، وأبو
يعلى (٧٤٨٥)، والخطيب (٦٤/١٣).
(٢) أخرجه البخاري (٣٥٠٢)، وأبو داود (٢٩٨٠)، والنسائي (٤١٥٤)، وأحمد (١٧١٩٦)، والطبراني
(١٥٢١)، والبيهقي في الدلائل (١٥٩٠).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٩٣٧) وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وروي هذا الحديث بهذا
الإسناد عن أنس موقوف وهو عندنا أصح، وأخرجه أيضًا الضياء (٢٣١٢).
(٤) أخرجه أحمد (٨٧٤٦)، والترمذي (٣٩٣٦)، وابن أبي شيبة (٣٢٣٩٥).

٨٩
بداية الشرح
أمه في ضيق عيش بحيث كانت لا تجد أجرة المعلم، فكان يقصر في تعليمه، وكان
الشافعي يتلقف ما يعلمه لغيره، فإذا ذهب علمهم إياه فكفى للعلم أمرهم أكثر مما لو
أعطاه أجرة فتركها واستمر حتى تعلم القرآن لسبع سنين، ثم حبب إليه مجالسة
العلماء، يكتب ما يستفيده منهم في العظام ونحوها؛ لعجزه عن الورق.
وكان يقرر الشعر والأدب إلى أن تمثل ببيت وعنده كاتب أستاذه مسلم بن خالد
الزنجي مفتي مكة، ففزعه بسوط، ثم قال له: مثلك يذهب بمروءته في هذا، أين أنت
من الفقه؟ فهزه ذلك إلى مجالسة مسلم، وقال: كنت أنظر في الشعر فارتقينا عقبة
بمنى، فإذا صوت من خلفي: عليك بالفقه، وقال: خرجت أطلب النحو والأدب فلقيني
مسلم، فسألني: من أين أنت؟ إلى أن قلت له: ابن عبد مناف، فقال: بخ بخ، لقد
شرفك الله في الدنيا والآخرة، ألا جعلت فهمك هذا في الفقه فكان أحسن بك.
ثم قدم المدينة وعمره ثلاث عشرة سنة، فلازم مالكً فأكرمه وعامله لنسبه
وعلمه وفهمه وأدبه وعقله بما هو اللائق بهما، وحفظ ((الموطأ)) بمكة لما أراد الرحلة إلى
مالك حين سمع أنه إمام المسلمين، وكان مالك يستزيده من قراءته؛ لإعجابه بها حتى
قرأه عليه في أيام يسيرة، وقال له مرة لما تفرس فيه النجابة والأمانة: اتق الله، إنه
سیکون لك شأن.
وأخرى: إن الله تعالى قد ألقى عليك نورًا فلا تطفئه بالمعصية.
ثم بعد وفاة مالك رحل عن المدينة إلى اليمن وولي بها القضاء، واشتهر من
حسن سيرته وحمله الناس على السنة ما أبهر العقل، ثم رحل إلى العراق وجد في
التحصيل وناظر محمد بن الحسن وغيره ونشر العلم في الحديث، وشاع ذكره وفضله
إلى أن ملأ البقاع والأسماع.
ولما صنف كتاب ((الرسالة)) أعجب به أهل عصره وأجمعوا على استحسانه، وأنه
من الخوارق حتى قال المزني: قرأته خمسمائة مرة ما من مرة إلا واستفدت منه فائدة
جديدة، وأنا أنظر فيه خمسين سنة وما أعلم أني نظرت فيه نظرة إلا واستفدت منه لم

٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
أکن عرفته.
وكان أحمد والقطان يدعوان له في صلاتهما لما رأيا اهتمامه بنصر السنة
واقتباس الأحكام منها، ومن ثم سموه: ناصر الحديث، وسموا أصحابه وأهل مذهبه
أصحاب الحديث، فلما اشتهر فضله في العراق وأذعن له المخالفون، واستقرت جلالته
عندهم وظهر من فضله في مناظراته لهم ولغيرهم ما لم يظهر لغيره، وأظهر من
مبهمات القواعد والأصول ما لم يعرف إلا له، وامتحن في مواطن كثيرة بما لا يحصى،
فكان من الصواب بالمحل الأعلى، فعكف عليه للاستفادة.
صنفه الأئمة من أهل الحديث والفقه وغيرهم، ورجع كثير منهم إلى مذهبه،
كأبي ثور وخلائق آخرين، وانقطعوا إليه حين رأوا عنده ما ليس عند غيره وبارك الله
الکریم له ولهم.
وصنفه في العراق كتابه القديم المسمى بالحجة، ورواية أربعة من كبار أصحابه
العراقيين: أحمد بن حنبل وأبي ثور والزعفراني والكرابيسي، ثم رحل لمصر سنة تسع
وتسعين ومائة، وصنف كتبه الجديدة بها ورجع عن ذلك، ومجموعها تبلغ مائة وثلاثة
عشر مصنفًا، وصار ذكرها في البلدان وقصده الناس من الأقطار للأخذ عنه، وكذا
أصحابه من بعده لسماع كتبه حتى اجتمع في يوم على باب الربيع تسعمائة راحلة،
وابتكر ((أصول الفقه)) بلا خلاف، وكتاب ((القسامة)) وكتاب ((الجزية)) و((قتال أهل
البغي».
وكان حجة في اللغة كما قاله ابن هشام صاحب ((المغازي)) وفي النحو كما قاله
المازني، وصحح الأصمعي عليه أشعار الهذليين.
قال ابن عبد الحكم: سمعته يقول: أروي لثلاثمائة شاعر مجنون.
وقال محمد بن الحسن: إن تكلم أصحاب الحديث يومًا فبلسان الشافعي؛
يعني: لما أودع في كتبه.
ومن ثم قال الزعفراني: كانوا رقودًا فأيقظهم.

٩١
بداية الشرح
وقال أحمد: ما مس أحد محبرة ولا قلمًا إلا والشافعي في رقبته منه، وأذن له
مسلم بن خالد مفتي مكة في الإفتاء بها وعمره خمس عشرة سنة، وربما أوقد له
المصباح في الليلة ثلاثين مرة ولم يبقه دائم الوقود، وقال ابن أخته من أمه: لأن
الظلمة أجلى للقلب.
وكان يقول: إذا صح الحديث - أي: من غير معارض - فهو مذهبي.
واضربوا بقولي الحائط.
وانفرد بالإعراض عن التمسك بالحديث الضعيف في غير الفضائل، وبقوله كما
صح: وددت أن كل ما تعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني قط، ووددت أن الخلق
يتعلمون هذا العلم على أنه لا ينسب إلي منه شيء، ووددت إذا ناظرت أحدًا أن
يظهر الله الحق على یدیه.
ومن حِكمه البالغة:
* طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.
* من أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم.
* ما أفلح في العلم إلا من طلبه في الذلة ولقد كنت أطلب القرطاس فيعز علي.
* لا يتعلم أحد هذا العلم بالملك وعزة النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذلة
النفس وضيق العيش أفلح.
* ما طلب العلم بالتعمق وعزة النفس فأفلح، ولكن من طلبه بضيق اليد وذلة
النفس وخدمة العلم أفلح.
* تفقه قبل أن ترأس فإذا ترأست فلا سبيل إلى التفقه.
* من طلب علمًا فليدقق؛ لئلا يضيع دقيق العلم.
* من لا يحب العلم لا خیر فیه فلا يعرف ولا یصادق.
* زينة العلماء التوفيق وحليتهم حسن الخلق وجمالهم كرم النفس.
* زينة العلم الورع والحلم.

٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
· لا عيب في العلماء أقبح من رغبتهم فيما زهدهم الله تعالى فيه وزهدهم فيما
رغبهم الله فيه.
* فقراء العلماء فقراء اختيار وفقراء الجهال فقراء اضطرار.
* المراء في العلم يقسي القلب ويورث الضغائن.
* الناس في غفلة من سورة ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ -٢].
* من لم تعزه التقوى فلا عز له.
* ما فرعت من العلم قط.
* طلب الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد.
* من شهد الضعف في نفسه نال الاستقامة، ومن غلبه شدة الشهوة للدنيا لزمته
العبودية لأهلها، ومن رضي بالقنوع زال عنه الخضوع.
* خير الدنيا والآخرة في خمس غنى النفس وكف الأذى وكسب الحلال ولباس
التقوی والثقة بالله على كل حال.
* أنفع الذخائر التقوى وأضرها العدوان.
* من أحب أن يفتح الله قلبه وينوره فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه واجتناب
المعاصي، ويكون له خبيئة فيما بينه وبين الله تعالى.
* من عمل فعليه بالخلوة وقلة الأكل وترك المخالطة للسفهاء وبعض أهل العلم
الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب.
* لا يعرف الرياء إلا المخلصون.
* لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها.
* لو اجتهدت كل الجهد على أن ترضي الناس كلهم فلا سبيل إلى ذلك فاخلص
عملك ونیتك لله.
* لو أوصى رجل بشيء لا عقل الناس صرف للزهاد.
* سياسة الناس أشد من سياسة الدواب.

٩٣
بداية الشرح
* العاقل من عقله عقّله عن كل مذموم.
* من أحب أن يقضي الله له بالخير فليحسن الظن بالناس.
* لا يكمل الرجل في الدنيا إلا بأربع بالديانة والأمانة والصيانة والرزانة.
* من تم لك تم بك.
* من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه ومن نصحه علانية فقد فضحه.
* من سام نفسه فوق التساوي رده الله إلى قيمته.
* من تزین بباطل هتك ستره.
· التواضع من أخلاق الكرام والتكبر من شيم اللئام.
*أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره وأكثرهم فضلاً من لا يرى فضله.
* الشفاعات زكاة المروءات.
* من ولي القضاء فلم يفتقر فهو لص.
* لا بأس بالفقيه أن يكون معه سفه يسافه به.
* مداراة الأحمق غاية لا تدرك.
* الانبساط إلى الناس مجلبة لقرناء السوء والانفراد عنهم مكسبة للعداوة
فكن بين المنقبض والمنبسط.
* صحبة من لا يخاف العار عاريوم القيامة.
* لأن يبتلى المرء بكل ذنب ماعدا الشرك خير من أن ينظر في الكلام، فإني
والله أطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط.
* ما ناظرت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية
من الله وحفظ وما ناظرت أحدًا إلا ولم أبال يبين الله الحق على لساني أو لسانه.
وکان یکتب ثلث الليل ثم يصلي ثلاثة ثم ينام ثلاثة، ویختم كل يوم ختمة،
وجمع الله فیه کل خیر کما قاله أحمد.
وقال: ما كذبت قط.

٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
- ولا حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا.
- وما تركت غسل الجمعة قط.
- وما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي، وفي رواية منذ
عشرين سنة.
- ولو علمت أن شرب الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته.
- ولو كنت اليوم ممن يقول الشعر لرثيت المروءة وهي عفة الجوارح عما لا
يعنيها، وأركانها حسن الخلق والسخاء والتواضع والنسك.
- أقمت أربعين سنة أسأل إخواني الذين تزوجوا عن أحوالهم في تزوجهم فما
منهم أحد قال: إنه رأى خيرًا.
- ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.
- من صدق الله نجا ومن أشفق على دينه سلم من الردى، ومن زهد في الدنيا
قرت عيناه بما يرى من ثواب الله تعالى.
قال الكرابيسي: سمعته يقول: يكره للرجل أن يقول: قال الرسول لكن يقول:
قال رسول الله صل﴾ تعظيمًا له، وهذا نذر من كثير لسنا بصدد استيعابه، وله في السخاء
اليد الطولى، قدم من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار فما برح من مجلس سلام
الناس عليه حتى فرقها كلها، وكانت زبيدة ترسل له بمصر رزوم الثياب والوشي
فيقسمها بين الناس.
وسقط سوطه فناوله له إنسان فأمر غلامه بإعطائه ما معه من الدنانير فكانت
سبعة أو تسعة.
وانقطع شسع نعله فأصلحه له رجل، فقال: يا ربيع أمعك من نفقتنا شيء؟
قلت: سبعة دنانير، قال: ادفعها إليه.
وقال المزني: ما رأيت أكرم منه، خرجت معه ليلة عيد من المسجد وأنا أذاكر
في مسألة حتى أتيت باب داره فأتاه غلام بكيس، وقال له: مولاي يقرئك السلام

٩٥
بداية الشرح
ويقول لك: خذ هذا الكيس، فأخذه منه فأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ولدت امرأتي
الساعة وليس عندي شيء فدفع إلیه الکیس وصعد ولیس معه شيء.
وكان يأكل بشهوة أصحابه، وإذا سئل احمر وجهه خجلاً وبادر بالإعطاء.
وقد تزايدتنا الأئمة عليه، فمن ذلك قول مالك وعمره ثلاث عشرة سنة: إن الله
قد ألقى على قلبك نورًا وإنه سيكون لك شأن.
وقول سفيان بن عيينة لما غشي عليه حين سماعه لحديث من الرقائق قرئ
عليه، وقيل: مات الشافعي إن كان قد مات فقد مات أفضل زمانه، وكان إذا جاءه شيء
من التفسير والفتيا، قال: سلوا هذا يعني الشافعي وأشكل عليه حديث ففسره له، فقال:
جزاك الله خيرًا ما منحنا منك إلا ما نحب.
وقول الحميدي: وكان شيوخ مكة يعظمونه ويحملونه ويقولون: لا يعرف له
صبوة، وقول يحيى بن سعيد القطان إمام المحدثين: أنا أدعو الله في صلاتي له من أربع
سنين ما رأيت أعقل وأفقه منه.
وقول ابن مهدي إمام زمنه: ما أصلي صلاة إلا أدعو له.
وقول أبي يوسف القاضي له مع رسوله لما خرج من عند الرشيد: صنف الكتب
فإنك أولى من تصنف في هذا الزمان.
وقول أيوب أحد شيوخه: ما ظننت أن أعيش حتى أرى مثله.
وقول علي ابن المديني: قال لي أبي: لا تترك حرفًا له إلا أكتبه.
وقول قتيبة بن سعيد: مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن،
وبموت أحمد تظهر البدع، ولو وصلني كتب الشافعي لكتبتها، ما رأت عيناي أكيس
منه.
وقول أحمد: إذا لم يكن في المسألة أثر فأفتي فيها بقوله.
وما تكلم في العلم أقل خطأ ولا أشد أخذًا بالسنة منه، لقد منَّ الله به علينا
لقد كنا تعلمنا كلام القوم وكتبنا كتبهم، فلما قدم علينا وسمعنا منه علمنا أنه أعلم

٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
من غيره، وقد جالسناه الأيام والليالي فما رأينا منه إلا كل خير هذا الذي ترون مني
كله منه، ما رأيت منذ أربعين، أو قال: ثلاثين سنة إلا وأدعو الله له.
وفي رواية: إني لأدعو له في صلاتي أربعين سنة فما كان فيهم أتبع للحديث منه،
ما أعلم أحدًا أعظم منه على الإسلام في زمنه منه، كان الفقه قفلاً على أهله حتى
فتحه الله به.
ولما قدم علينا من صنعاء صرنا على الحجة البيضاء أفتیتنا لأبي حنيفة ﴾ حتى
رأيناه، فكان أفقه الناس بالكتاب والسنة ما كان أصحاب الحديث يعرفون معانيه
فبينها لهم وركب حماره وأحمد يمشي بجانبه ويذاكره، فبلغ ذلك يحيى بن معين فعتب
أحمد فأرسل له لو كنت بالجانب الآخر حمارًا لكان خيرًا لك.
وفي رواية: لو مشيت من الجانب الآخر لا نتفعت.
من أراد الفقه فليشم ذنب هذه البغلة، وقال: ما أعلم أحدًا أعظم منه على
الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي وأني لأدعو له في أدبار صلواتي وجلس عنده
بمكة، فحدث ابن عيينة فقيل له: حدث ابن عيينة، فقال: هذا - يعني الشافعي -
یفوت وذاك لا يفوت، واستمر جالسًا عنده.
وقال لإسحاق بن راهويه: تعالى حتى أريك رجلاً لم ترَ عيناك مثله، وقال لابنه
لما قال له: أي الرجال كان الشافعي؟ فإني سمعتك تكثر الدعاء له؟ [فقال](١): يا بني كان
الشافعي كالشمس في النهار وكالعافية للناس، فانظر لهذين من خلف أو عنهما عوض،
ولما جاءه الشافعي يعوده وثب إليه وقبل بين عينيه، ثم أجلسه في مكانه وجلس بين
يديه، ثم أخذ يسأله ساعة فلما قام الشافعي ورکب أخذ برکابه ومشی معه.
وقول أبي ثور: أنا وإسحاق والكرابيسي وآخرون ما تركنا بدعتنا حتى رأيناه،
وما رأينا مثله ولا رأی هو مثل نفسه.
(١) زيادة لإتمام المعنى.

٩٧
بداية الشرح
وقول الكرابيسي: ما كنا ندري ما الكتاب ولا السنة ولا الإجماع حتى سمعناه
منه.
وقول الحميدي: قال لي أحمد ونحن بمكة الزمه فلزمته حتى خرجت معه إلى
مصر وهو سيد الفقهاء وسيد علماء زمننا.
وقول ابن هشام صاحب ((المغازي)): ما ظننت أن الله خلق مثله؛ أي: في زمنه.
وقول البويطي: ما عرفنا قدره حتى رأينا أهل العراق يصفونه بما لا يحسن
وصفه به.
وقول المزني: لو كنا نفهم عنه كل ما قاله لأتيناكم بصنوف العلم، وأي علم
كان يذهب عليه؟ ولكن لم نكن نفهم فقصرنا وعاجله الموت.
وأقوال السلف والخلف في مدحه والثناء عليه غير محصورة، وهو من الفصاحة
بالمحل الذي لا يدانى كما شهدت به كتبه، بل قال الربيع: لو رأيتموه ما قلتم هذه
كتبه، كان والله لسانه أكبر من كتبه، وكان إذا أخرجه وصل أنفه، وكان كثير السقم
حتى قال ابن عبد الأعلى: ما لقي أحد من السقم ما لقي؛ أي: حتى يعامل معاملة
الأولياء.
قال ◌َّ: ((نَحنُّ مَعَاشِرِ النَّاسِ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ)) (١) وكانت له
المعرفة التامة حتى بالطب والمرمى يصيب عشرة من عشرة والشجاعة الباهرة
والفروسية بحيث يأخذ بإذنه وإذن الفرس في شدة عدوه والمهابة الخارقة حتى قال
الربيع خادمه: ما اجترأت أن أشرب بحضرته، ورأى النبي ◌ّله في النوم قبل حلمه،
فقال: يا غلام، فقال: لبيك يا رسول الله، قال: «مِمِنْ أَنْتَ؟)) قال: من رهطك، قال: (ادْنُ
مِنِّي)) فدنا منه ففتح فمه وشفتيه فأمر من ريقه على لسانه وفمه وشفتيه، وقال: ((امضِ
(١) أخرجه الطيالسي (٢١٥)، وأحمد (١٤٨١)، وعبد بن حميد (١٤٦)، والدارمي (٢٧٨٣)، والترمذي
(٢٣٩٨) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٤٠٢٣)، وابن حبان (٢٩٠١)، والحاكم (١٢١). ((بلاء):
محنة. ((الأمثل فالأمثل)): الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى.

٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بارك اللهُ فِیك» فما لحن في حدیث بعد ولا شعر.
ورأى أيضًا: من بث كتبه في الهوى فعبر له بأنه لا تبقى بلدة من بلاد الإسلام إلا
وصل علمه إليه.
وقال أيضًا: رأيت بمكة في زمن الصبا في النوم رجلاً ذا هيبة يؤم الناس في
المسجد الحرام، فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس يعلمهم فدنوت منه، فقلت:
علمني فأخرج ميزانًا من كمه، فقلت: علمني فأعطاني، وقال: هذا لك.
قال الشافعي: فسألت المعبر عنه فقال: إنك تصير إمامًا في العلم، وتكون على
السنة؛ لأن إمام المسجد الحرام أفضل الأئمة كلهم، وأما الميزان فإنك تعلم حقيقة
الشيء على ما هو عليه.
قال الربيع: رأيت قبل موته أن آدم التعلي مات ويريدون أن يخرجوا بجنازته، فلما
أصبحت سألت بعض أهل العلم عنه، فقال: هذا موت أعلم أهل الأرض؛ لأن الله
تعالى ﴿عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] فما كان يسيرًا حتى مات الشافعي ﴾.
وروى أبي زرعة الرازي فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: قال لي الجبار #: ألحقوه
بأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله؛ أي: مالك والشافعي وأحمد.
قال المزني: دخلت عليه في مرض موته فقلت له: كيف أصبحت؟ فقال:
أصبحت من الدنيا راحلاً، ولسوء أعمالي ملاقيًا، وعلى الله واردًا، فلا أدري روحي
تصير إلى الجنة فأهنيها أو إلى النار فأغزيها ثم بكى، وأنشأ يقول:
جَعَلتُ رَجائي نحو عَفوِكَ سُلَّما
وَلَمّا قَسا قَلبِي وَضاقَت مَذاهِبِي
بِعَفوِكَ رَبِّي كانَ عَفوُكَ أَعظَما
تَعاظَمَنِي ذَنبِي فَلَمّا قَرَنتُهُ
تَجِودُ وَتَعفو مِنَّةً وَتَكَرُّما
فَمَا زِلتَ ذا عَفوٍ عَنِ الذَّنبِ لَم تَزَل
ولما توفي رآه أحمد في النوم، فقال: يا أخي ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وتوجني
وزوجني، وقال لي: هذا بما لم تزه بما أرضيك ولم تتكبر فيما أعطيتك.
توفي # آخر يوم من رجب ليلة الخميس أو ليلة الجمعة أو بعد عشائها الآخرة

٩٩
بداية الشرح
وكان قد صلى المغرب، أو في شهر ربيع آخر يوم منه أقوال أشهرها الأول سنة أربع
ومائتين، وقبره بقرافة مصر ظاهر علیه من الجلالة ما یقضي به کل من رآه.
ومن كراماته الباهرة أنهم راموا تحويله إلى بغداد وشرعوا في الحفر حين عجز
المصريون عن الرفع، فلما وصلوا قرب لحده الشريف فاح منه ريح طيب ما شموا مثله
بحيث سكروا من طيب رائحته، وما تمكنوا معه من التوصل فكفوا، وصار ذلك
معدودًا في مناقبه، وعاش أربعًا وخمسين سنة.
وقيل: اثنتين وخمسين ه وأرضاه وجعل جنات الشهود منقلبه ومثواه.
اتفق العلماء قاطبة من سائر الفرق من أهل الفقه والأصول والحديث واللغة
والنحو وغيرها على ثقته وعدالته وإمامته وزهده وورعه وتقواه وجوده وحسن سيرته،
وعلى قدره فالمطنب في وصفه مقصر والمسهب في مدحه مقتصر.
(وَأَبِي عَبْد الله أَحْمَد بنٍ مُحمَّد بنٍ حَنْبَل) بن هلال (الشِّيبَانِي) المروزي ثم
البغدادي، الإمام البارع، المجمع على إمامته وجلالته وورعه وزهادته وحفظه ووفور
علمه وسيادته، رحل إلى الحجاز والشام واليمن وغيرها، سمع من ابن عيينة وأقرانه،
وروى عنه جماعة من شيوخه وخلائق آخرون لا يحصون منهم البخاري، فذكر عنه في
((صحيحه)) حديثًا واحدًا في آخر كتاب الصدقات تعليقًا.
وروى عن أحمد بن الحسين الترمذي عنه حديثًا آخر، ومسلم وأبو داود وأبو
زرعة الرازي وإبراهيم الحربي، وقال: رأيت ثلاثة لم يرَ مثلهم أبدًا وذكره فيهم، ثم قال:
کان الله تت جمع له علم الأولين من كل صنف.
وقال ابن مسهر: ما أعلم أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها إلا شابًّا بالمشرق
یعنیه.
وقال الهيثم: ليس في أصحابنا أحفظ منه.
وقال ابن جميل: وودت أنه نقص من عمري وزيد في عمره، وقال مرة أخرى: إن
عاش هذا الفتى - يعنيه - فسيكون حجة على أهل زمانه.

١٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وقال إسحاق بن راهويه: هو حجة بين الله وبين عبده في أرضه.
وقال علي ابن المديني: قال لي سيدي أحمد: لا يحدث إلا من كتاب الله.
وقال أبو زرعة: ما رأيت من المشايخ أحفظ منه وما رأيت أحدًا أكمل منه،
اجتمع فيه زهد وفقه وفضل وأشياء كثيرة.
وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا.
وقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: ما يدريك؟ قال:
ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.
وقال إبراهيم الحربي: رأيت كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل
صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء.
وقال أبو داود: كانت مجالسته مجالسة الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا،
وما رأيته ذاكر الدنيا قط.
وذكر ابن أبي حاتم في كتابه ((الجرح والتعديل)) أبوابًا في مناقبه منها:
قول ابن مهدي: أحمد أعلم الناس بحديث الثور.
وقول أبي عبيد: أنهي العلم إلى أربعة أحمد وهو أفقههم فيه.
وسئل أبو حاتم عن أحمد وعلي ابن المديني، فقال: كانا في الحفظ متقاربين وكان
أحمد أفقه.
وقيل: كان أحمد بارع الفهم بمعرفة صحيح الحديث وسقيمه.
وقال عمرو الناقد: إذا وافقني أحمد على حديث لا أبالي بمن خالفني، وقال: ما
رأيت أعقل من أحمد وسليمان بن داود الهاشمي، وورث الحسن بن عبد العزيز مائة
ألف دينار فحمل إلى أحمد ثلاثة أكياس في كل كيس ألف دينار، فقال: يا أبا عبد الله
هذا من ميراث حلال فخذها واستعن بها على عائلتك، فقال: لا حاجة لي فيها أنا في
كفاية، فردها ولم يقبل منها شيئاً.
وقال ولده عبد الله: كنت كثيرًا ما أسمعه يقول دبر صلاته: «اللَّهُمَّ كما صنت

١٠١
بداية الشرح
وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن السؤال لغيرك)).
وقال ولده صالح عنه: إنه حج خمس حجج ثلاثًا منها راجلاً، وكثيرًا ما كان
يتأدم بالخل، وقال: ما رأيت مصليًّا قط أحسن صلاة ولا أشد اتباعا للسنن منه.
وقال الحسن الرازي: حضرت بمصر عند بقال فسألني عنه فقلت: كتبت عنه
فلم يأخذ ثمن المتاع مني، وقال: لا آخذ ثمنًا ممن يعرفه.
وقال قتيبة وأبو حاتم: إذا رأيت الرجل محب العلم فاعلم أنه صاحب سنة.
قال ميمون بن الإصبع: كنت ببغداد فسمعت ضجة امتحان أحمد فدخلت،
فلما ضرب سوطًا، قال: ﴿بِسْمِ الله﴾ [الفاتحة: ١].
فلما ضرب الثاني قال: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)).
فضرب الثالث فقال: ((القرآن كلام الله غير مخلوق)).
فلما ضرب الرابع قال: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]
فضرب عشرین سوطًا.
وكانت تڪة لباسه حاشية ثوب فانقطعت فنزل السروال ولم ينزل، فدخلت
عليه بعد سبعة أيام، فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك تحرك شفتيك فأي شيء قلت؟ قال:
قلت اللَّهُمَّ إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب
فلا تهتك لي سترًا.
وقيل لبشر الحافي لما ضرب أحمد في محنة القول بخلق القرآن فامتنع: لو قمت
وتكلمت مثل ما تكلم، فقلت: لا أقوى عليه إن أحمد قام مقام الأنبياء، ومن ثم
أرسل له الشافعي إلى بغداد يطلب قميصه الذي ضرب فيه، فأرسله إليه فغسله الشافعي
وشرب مائه وهذه من أجل مناقبه.
ولقد قال الشافعي في حقه: خرجت من بغداد وما خلفت بها أتقى ولا أفقه ولا
أزهد ولا أورع ولا أعلم منه.
قال الکندي: رأيته في النوم، فقلت له: ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي، ثم قال: يا

١٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
أحمد ضربت فيَّ؟ قال: قلت نعم يا رب، قال: يا أحمد هذا وجهي فانظر إليه أيحبك
النظر إليه.
قال أبو زرعة: بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف الناس فيه
للصلاة عليه فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف، وأسلم يوم وفاته عشرون ألفًا.
ومناقبه ﴾ أكثر من أن تحصر وقد صنف فيها جماعة.
ولد في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وتوفي سنة إحدى وأربعين
ومائتين على الصحيح المشهور ليلة الجمعة، وصلي عليه بعد العصر ثاني عشر شهر
ربيع الآخر، أو لثلاث عشرة بقين منه أو يوم الجمعة من شهر ربيع الأول أو لائنتي
عشرة خلت منه، وقبره ببغداد ظاهر يزار ويتبرك به، وكشف لما دفن بجانبه بعض
الأشراف بعد موته بمائتين وثلاثين سنة فوجد کفنه صحیحًا لم یبل وجثته لم تتغیر.
(فَائِدِة):
انتقد على ابن الصلاح تفضيله كتب السنن على «مسند» أحمد، وليس كما زعم
فإنه أکبر المسانید وأحسنها فإنه لم يدخل فيه إلا ما يحتج به مع كونه انتقاه من أکثر
من تسعمائة ألف حديث.
وقال: ما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله و 18 فيه إلى المسند، فإن
وجدتموه وإلا فليس بحجة، ومن ثم بالغ بعضهم فأطلق الصحة على كل ما فيه والحق
أن فيه أحاديث كثيرة ضعيفة وبعضها أشد في الضعف من بعض، حتى إن ابن الجوزي
قد أدخل كثيرًا منها في ((موضوعاته)) لكن تعقبه في بعضها بعضهم، وفي سائرها شيخ
الإسلام ابن حجر، وحقق نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاءً وتحريرًا
من الكتب التي لم يلتزم مؤلفوها الدقة في جميعها كالسنن الأربعة.
قال: وليست الأحاديث الزائدة فيه على ما في (الصحيحين)) بأكثر ضعفًا من
الأحاديث الزائدة في ((سنن)) أبي داود والترمذي عليهما، وبالجملة فالسبيل واحد لمن
أراد الاحتجاج بحديث من السنن لا سيما ((سنن)) ابن ماجه و((مصنف)) ابن أبي شيبة

١٠٣
بداية الشرح
وعبد الرزاق مما الأثر فيه أشد، أو بحديث من المسانيد؛ لأن هذه كلها لم يشترط
جامعوها الصحة ولا الحسنة، وتلك السبيل أن المحتج إن كان أهلاً للنقد والتصحيح
فليس له أن يحتج بشيء من القسمین حتى يحيط به.
وإن لم يكن أهلاً لذلك، فإن وجد أهلاً لتصحيح أو تحسين قلده وإلا فلا يقدم
على الاحتجاج به فيكون كحاطب ليل فلعله يحتج بالباطل وهو لا يشعر.
فإن قيل: لم كثر أحمد في ((مسنده)) من الرواية عن ابن مهدي ويحيى بن سعيد
حيث أورد حديث مالك ولم يرد على الشافعي عنه مع أن الشافعي أجلُّ أصحاب مالك،
وكذلك البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الأصول أوردوا ما أورده من حديث
مالك من غير طريق الشافعي عنه؟ فالجواب: إما عن أحمد فلعل سماعه المسند كان
قبل سماعه من الشافعي - رضي الله عنهما - وأما عمن عداه فلطلبهم العلو المؤثر
عند المحدثين على جلالة الشيوخ.
(تَتمَّة):
تعين علينا؛ إذ ذكرنا تراجم هؤلاء الأئمة الثلاثة أن نختم برابعهم المقدم عليهم
تبركًا به؛ لعلو مرتبته ووفور علمه وورعه وزهده وتحليه من العلوم الباطنة فضلاً عن
الظاهرة بما فاق فيه أهل عصره وفاز بحسن الثناية عليه، وهو الإمام الأعظم فقيه أهل
العراق ومن كبار التابعين أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي - بضم الزاي وفتح
الطاء - ابن ماه مولى تيم الله بن ثعلبة الكوفي.
وروى الخطيب بإسناده عن حفيده عن ابن حماد بن أبي حنيفة، أن ثابتًا ولد على
الإسلام وزوطي كان مملوكًا لبني تميم فأعتقوه فصار ولاؤه لهم، وأنكر إسماعيل أخو
عمر المذكور حفيده أيضًا ابن حماد ابن أبي حنيفة ذلك، وقال: إن ولد ثابت من أبناء
فارس وأنهم أحرار ووالله ما وقع علينا رق قط، ولد جدي سنة ثمانين وذهب بثابت
أبيه إلى علي بن أبي طالب # وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو
من الله أن يكون ذلك قد استجيب من علي فينا. انتهى.

١٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وهو كما رجي فقد بارك الله في جده أبي حنيفة بركة لا نهاية لأقصاها ولا حد
لمنتهاها، وبارك في أتباعه فكثروا في سائر الأقطار وظهر عليهم من بركة إخلاصه
وصدقه ما اشتهر به في سائر الأمصار، أخذ # الفقه عن حماد بن أبي سليمان وأدرك
أربعة من الصحابة بل ثمانية منهم: أنس وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد وأبو
الطفيل، قيل: ولم يلق أحدًا منهم، وسمع من عطاء وأهل طبقته، وروى عنه
عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وخلائق وهو من أهل الكوفة.
وكان يزيد بن هبيرة واليًا على العراق لبني أمية فكلمه في أن يلي له قضاء الكوفة
فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط في كل عشرة أسواط وهو مصمم على
الامتناع، فلما رأى ذلك منه خلى سبيله.
وفي رواية: إنه أراده على بيت المال فأبى فضربه بالسياط.
وفي رواية: كان أبو حنيفة كل يوم من الأيام يضربه؛ ليدخل في القضاء فأبى،
ولقد بكى في بعض الأيام فلما أطلق كان عم والدتي أشد علي من الضرب، وكان أحمد
إذا ذكر ضربه على القضاء وامتناعه منه بكى وترحم عليه، واستدعاه المنصور أبو
جعفر أمير المؤمنين من الكوفة إلى بغداد ليوليه القضاء فأبى، فحلف ليفعلن فحلف
أبو حنيفة أنه لا يفعل، فحلف المنصور ليفعلن فحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل، فقال
للربيع الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف، قال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة
أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، فأمر به إلى السجن في الوقت.
وفي رواية: دعاه أبو جعفر إلى القضاء فأبى فحبسه ثم دعا به، فقال: أترغب عما
نحن فيه؟ فقال: أصلح الله الأمير لا أصلح للقضاء، فقال له: كذبت، ثم عرض عليه
الثالثة، فقال أبو حنيفة: قد حكم علي أمير المؤمنين بأني لا أصلح للقضاء؛ لأنه
نسبني إلى الكذب، فإن كنت كذابًا فلا أصلح وإن كنت صادقًا فقد أخبرت أمير
المؤمنين أني لا أصلح فرده إلى السجن.
وقال الربيع بن يونس: رأيت المنصور يجادله في أمر القضاء وهو يقول: اتق الله

١٠٥
بداية الشرح
ولا تشرك في أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا فكيف أكون مأمون
الغضب ولا أصلح لذلك؟ فقال له: كذبت، أنت تصلح، فقال له: قد حكمت على
نفسك كيف يحل لك أن تولي قاضيًا على أمانتك وهو كذاب؟
وقيل: إنه قبل القضاء وجلس فيه يومين وبعض الثالث فاشتكى فمرض ستة
أيام ثم توفي.
قال الحاكم بن هشام: حديث أن أبا حنيفة كان من أعظم الناس أمانة راوده
السلطان على أنه يتولى مفاتيح خزائنه أو يضرب ظهره فاختار عذابهم على
عذاب الله.
وذكر عند ابن المبارك، فقال: أُتذكرون رجلاً عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففر
منها.
وكان حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح يعرف بريح الطيب إذا أقبل حسن
المجلس كثيرًا لكنه من حسن المواساة لإخوانه ربعة.
وقيل: طوالاً أحسن الناس منطقًا وأحلاهم نعمة.
[قال](١): قدمت البصرة فظننت أني لا أسأل عن شيء إلا أجبت عنه، فسألوني
عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي ألا أفارق حمادًا حتى
يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة ثم ما صليت صلاة منذ مات إلا استغفرت له مع
والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علمًا أو تعلم مني علمًا، ودخلت على المنصور
فقال: عمن أخذت العلم؟ فقلت: عن حماد عن إبراهيم - يعني النخعي - عن عمر
وعلي، وابن مسعود وابن عباس فقال المنصور: (بخ بخٍ استوفيت يا أبا حنيفة))
ودخل يومًا على المنصور فقال: هذا عالم أهل الدنيا اليوم.
ورأى أبو حنيفة في النوم كأنه نبش قبر النبي صل﴿ فبعث من سأل محمد بن
سيرين فقال: من صاحب هذه الرؤيا ولم يجب عنها، ثم سأله الثانية فقال مثل ذلك،
(١) زيادة لإتمام المعنى.