Indexed OCR Text

Pages 1-20

فَتْحُ آلإِلَهُ
فِي
شَرِجُ المشكارة
تصنيف
الَِّ الإِمَامِ القَلَّمَة المُحُقِّوْ
ابْنُحِجَ الهَيْتِيّ
المتوفى ٩٧٤ صنعه
تحقيق وَتخرّج وَتعليم
الشَّيخ أحْمَد فَريد المَزَيَدِيّ
الجزء الأوّلُ
الأحاديث من ١ - ١٦٠
دار الكتب العلمية®
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
DKi
أسّسها محمّد عَلي ◌ْفون سنة 1971 بَاروت - جنان
Est. by Mohammad Ali Baydoun 1971 Beirut - Lebanon
Étalelie par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - Liban

الكتاب : فتح الإله
في شرح المشكاة
Title : FATH AL-ILĀH
FĪ ŠARH AL-MIŠKĀT
التصنيف شرح حديث
Classification: Prophetic hadith explanation
المؤلف: العلامة المحقق ابن حجر الهيتمي (ت974 هـ)
Author : Ibn Hajar Al-Haytaml'(Dİ974H )
المحقق :: الشيخ أحمد فريد المزيدي
Editor :: Al-Sheikh Ahmad Fard Al-Mazidi
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
Publisher : Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah - Beirut
عدد الصفحات (10 مجلدات) 5728 (Pages (10 Volumes
Size
17x24 cm
قياس الصفحات
Year
2015 A.D - 1436H
سنة الطباعة
Printed in : Lebanon
بلد الطباعة : لبنان
Edition : 18 (2 Colors)
الطبعة : الأولى (لونان)
baydoun@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com sales@al-ilmiyah
http://www.al-ilmiyah.com
Exclusive rights by @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beirut-Lebanon No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any form or by any
means, or stored in a data base or retrieval system,without
the prior written permission of the publisher.
Tous droits exclusivement réservés à @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beyrouth-Liban Toute représentation, édition, traduction ou reproduction
même partielle, par tous procédés, en tous pays, faite sans autorisation
préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à
des poursuites judiciaires.
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية
بيروت-لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب
كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Dar Al-Kotob
Al-ilmiyah
Est. by Mohamad Ali Baydoun
1971 Beirut - Lebanon
Aramoun, al-Quebbah,
Dar Al-Kotob Al-ilmryah Blog
Tel
+961 5 804 810/11/12
Fax
+961 5 804813
Po Box 11-9424 Beirut-Lebanon,
Riyad al-Soloh Beirut 1107 2290
عرمون-القية. مسى دار الكتب العلمية
١١/١٢/ ٥٨٠٤٨١٠ ٩٦١+
هاتم
٩٦١٥٨٠٤٨١٢+
فاكس
بيروت -لبنان
ص ب ٩٤٢٤٩-١١
-١١٠٧٢٢٩
رياض الصلح -بيروت
ISBN-13: 978-2-7451-7813-8
90000
9 782745 178138
ISBN-10: 2-7451-7813-X

بسْدِ اللَّهِلَّمِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله الذي أبرز مصباح مشكاة الأنوار من حديث المصطفى المختار خلال
وجعل في صحيح الحديث غنية عما سواه لمن عمل صالحًا ثم اهتدى أو اقتفى.
أحمده وأستعينه وأستغفره، وأسأله أن يدخلني برحمته فيمن اختاره وتاب عليه
وهدی واصطفی.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترفع قائلها في جنات النعيم
إلى الدرجات العلا وتوجب له الزلفى. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي شهد له في
محكم تنزيله أنه «ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا
وحي يوحى * علمه شديد القوى﴾ فاكتفى رَليّ وعلى آله وأصحابه أهل المروة والصفا ما
دامت المروة والصفا.
أما بعد ... فإن خير الهدي هدي محمد رسول الله وَله وخير الحديث بعد
كتاب الله ما صح أنه ﴾ ﴾ نطق به وتكلم.
وقد اشتمل كتاب ((مشكاة المصابيح)) للإمام الخطيب ولي الدين، أبي عبد الله
محمد بن عبد الله التبريزي - رحمه الله - على أكثر ما يحتاج إليه من أحاديثه وأخباره،
وجمع كثيرًا من متفرقات أقواله وأفعاله وآثاره؛ فسارت بها الركائب إلى كل جانب،
واعترف بفضل مؤلفه أهل المشارق والمغارب.
وقد حظي اهتمام كثير من رجال العلم ما بين نقل وإحالة وشرح وحاشية
ومختصر ونحو ذلك، وكان من أهم شراحه وأوسعهم شرحًا وأعلاهم استيعابًا العلامة
المحقق ابن حجر الهيتمي فقد أسماه: ((فتح الإله)) وهو بحق فتح من الله تبارك وتعالى.
٣

٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
لذلك قمنا بتحقيقه على نسخته الخطية بمكتبة ((تشستربتي)) وهي نسخة ممتازة،
ومقابلته على بعض شروح السنن والصحاح فضلاً عن شروح المشكاة مثل: ((مرقاة
المفاتيح)) للملا علي القاري تلميذه الذي استقی کتابه منه کتاب شيخه ابن حجر.
وقمت بضبط النص وتصحيحه وترقيمه وتفصيله، ووضع متن المشكاة
مشكولاً لتعم الفائدة، وكذلك تخريج أحاديث المتن والشرح، وبعض التعليقات
اليسيرة النافعة.
ثم إنه من المعلوم أن المحقق ابن حجر - رحمه الله تعالى - وافته المنية قبل أن
يتم كتابه شرح المشكاة هذا، فقمت بإتمامه من كلام المصنف نفسه في بعض كتبه
وبعض الشراح للمشكاة المطبوعة والمخطوطة وكذلك من شروح الصحاح والسنن
ونحو ذلك.
وإنه لنبدأ كتابنا هذا بدراسة تحتوي على تمهيد ومدخل للكتاب يتضمن محاور
ثلاثة، ووضع ترجمة للشارح والمصنف، والله الموفق لما يحبه ويرضاه.

التمهيد والمدخل
سينتظم حديثي في التمهيد بإذن الله تعالى حول ثلاثة محاور:
المحور الأول: مكانة السنة من التشريع.
المحور الثاني: جهود العلماء في خدمة السنة المطهرة.
المحور الثالث: مشكاة المصابيح وشروحها.
٥

المحور الأول: مكانة السنة من التشريع
برغم كل ما ينتحله المبطلون، ويتأوله الجاهلون، ويزعمه الزاعمون، ويروجه
الغالون من شبهات حول السنة النبوية المطهرة فإنه لا بد أن نجزم بالمكانة الرفيعة
والدرجة السامية التي نالتها السنة النبوية في التشريع الإسلامي، وليس أدل على ذلك
من نصوص الكتاب المبين التي تقطع بما لا يدع مجالا للشك بأهمية السنة النبوية
بحيث تصبح المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى.
والقرآن الكريم هو الذي أمرنا باتباع السنة النبوية المطهرة، وتواترت الآيات
في هذا المعنى، ومنها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللّه وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل
عمران: ٣٢] وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله
وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا
فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥].
وقوله تعالى ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ
حَفِيظاً﴾ [النساء:٨٠] وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو يُحْبِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ
الأُمِّيّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا
يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].
٧٠ -

٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا
أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ
المُبِينٌ﴾ [التغابن: ١٢].
فكل هذه الآيات وأمثالها توجب طاعة الرسول وال﴾ وتجعل طاعته طاعة لله تعالى،
وهذه الطاعة لا تتحقق بدون قبول سنته ويل# فكان لزامًا على كل من أراد الحق أن
يذعن لما جاء بتلك الآيات من أوامر ونواه وتشريعات، ثم إن الفطرة الصحيحة
والعقل السليم يرفض أن كل ما يروجه هؤلاء المنتحلون المبطلون من تهميش السنة
النبوية وعدم الاعتداد بها في مجال التشريع وذلك لأن الدين لا يؤخذ بالهوى ولا
بالعقل مهما بلغت أهمية العقل، وإنما يؤخذ عن طريق الوحي، والسنة النبوية وحي
بنص القرآن الكريم حيث قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىِّ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[النجم: ٣ - ٤].
بالإضافة إلى هذا فإن القرآن الكريم قد احتوى على العديد من الآيات المجملة
والأحكام العامة التي أوضحتها وفصلتها السنة النبوية المشرفة فإذا لم نأخذ بالسنة
فمن أين لنا بيان هذه المجملات وإزالة الإشكال عن المبهمات؟!
فالسنة النبوية هي التي تضع الحلول والإجابات لكل هذه المشكلات، ولولاها لما
زال الإشكال وفصل الإجمال، فمن أين لنا عدد ركعات الصلوات ومناسك الحج
ومواقيت الصلاة، ونصاب الزكاة .. وغير ذلك من الأمور التي لا سبيل إلى العلم
الصحيح بها إلا عن طريق السنة النبوية المطهرة، فهل ندع بعد ذلك هذه السنة
ونخوض فيما لا علم لنا به، هذا هو - والله - الجهل بعينه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا
تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالُّ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ
يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] فالتحليل والتحريم والتشريع
إلى الله تعالى، والله هو الآمر باتباع النبي واله وقد بين ما أن الرسول صل إنما يشرع

٩
التمهيد / المحور الأول: مكانة السنة من التشريع
من خلال الوحي المتمثل في الكتاب والسنة، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللّه هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ الله
عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُوا اللّه وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١].
وقد نصَّ غير واحد من العلماء أن الحكمة هي سنة النبي وقائيةٍ(١).
وقد جزم السلف الصالح أن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع وأنه
لا يجوز لأحد البتة أن يردها أو ينكرها.
قال إسحاق بن راهويه: من بلغه عن رسول الله وَل خبرًا يقر بصحته، ثم رده
بغیر حجة فهو كافر (٢).
ومعنى أن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع أنها تأتي في المرتبة
الثانية في الاستدلال بعد القرآن الكريم.
والدليل على أن السنة في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم ما يلي:
أولاً: أن الكتاب مقطوع به جملة وتفصيلاً؛ لأن آياته متواترة عن رسول الله
عن جبريل القفيها عن رب العزة 8 أما القطع به جملة فلأن جميعه في جملته متواتر
وسـ
ومقطوع بأنه من عند الله تعالى، وأما القطع به تفصيلاً؛ فلأن كل آية من آياته تثبت
بالتواتر ومقطوع بأنها من عند الله * وأما السنة فإنها مظنونة وما فيها من القطع
كالحديث المتواتر في الجملة فقط، أي أنها في جملتها تشتمل على المقطوع به والمظنون
فيها كثير، والمقطوع به مقدم على المظنون.
ومنها أن السنة بيان للكتاب والبيان يكون بعد المبين (٣).
(١) تفسير الطبري (١٦٣/٣) ط دار الفكر.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (٩٣/١).
(٣) تاريخ التشريع الإسلامي للدكتور/ محمد أنيس عبادة (ص ٦٨ و٦٩).

١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وتجدر الإشارة هنا وقد أكدنا أهمية السنة ومرتبتها من القرآن الكريم أن نبين
علاقة السنة بالقرآن الكريم من حيث الأحكام الثابتة بها، وهي تتضمن ما يلي:
* قد تثبت السنة حكما ثبت بالقرآن الكريم فتكون السنة مؤكدة له، مثل
حرمة أكل أموال الناس بالباطل كالغصب والسرقة والربا، فقد ثبتت حرمة ذلك في
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً
مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقد ورد الحديث النبوي الشريف: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من
نفسه»(١) فأگَّد الحدیث معنى الآية.
* وتأتي السنة لبيان معنى آية مجملة وتفصيلها، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] فإن النص القرآني مجمل في إقامة الصلاة وفي إيتاء
الزكاة، فجاءت السنة ففصلت عدد ركعات الصلاة وأركانها وهيئاتها وشروطها
ومواقيتها كما قال ◌َله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))(٢).
وفي شأن الزكاة بينت السنة نصاب الزكاة ومقدارها وكيفية إخراجها. كما ورد
الأمر بأداء الحج فقال تعالى: ﴿وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦] ثم فصلت
السنة بيان المناسك كما قال ◌َل﴾: ((خذوا عني مناسككم))(٣).
* وتأتي السنة أيضا لتوضيح المشكل، مثل قوله تعالى: ﴿أَحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِيَاسَّ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسَ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ
أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَّ اللّهُ لَكُمْ
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِّمُوا
الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلَا
تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] فالآية تفيد حل
(١) أخرجه البخاري بمعناه في كتاب الرقاق (٦٠٧٦/٥) من حديث حكيم بن حزام.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب الأذان للمسافر (٦٠٥) من حديث مالك بن جعشم.
(٣) أخرجه مسلم في الحج باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر (٣١٢٤) من حديث جابر.

١١
التمهيد المحور الأول: مكانة السنة من التشريع
الأكل والشرب للصائم إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وقد ظن بعض
الصحابة أن المراد بالخيط ظاهره فعمد إلى عقالين أحدهما أبيض والآخر أسود
ووضعهما تحت وسادته وأخذ ينظر إليهما في الليل فلم يتبين له ذلك، وذكر ذلك للنبي
﴿* فضحك وقال: ((إن وسادك لعريض إنما هو الليل والنهار)(١) فزال الإشكال.
* وتأتي السنة أيضا فتخصص عموم القرآن كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَّهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] ففهم بعض
الصحابة أن المراد بالظلم العموم حتى قالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال ◌َله: ((ليس بذاك
إنما هو الشرك)) وهو أقبح أنواع الظلم.
* وتأتي السنة أيضا لتقييد المطلق كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّه وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
فاليد مطلقة تصدق على اليمين واليسار، وهل كل اليد أم جزء منها؟ فقيدت
السنة ذلك وأوضحت أن المراد اليد اليمنى وتقطع إلى الرسغ.
وفي كل هذه الأنواع وردت الآيات القرآنية على ظاهر مفهومها وظهر بالسنة
مراد الله تعالى منها، ولولا بيان السنة لقصرت العقول عن إدراك المراد، وهذا جهل
بالكتاب وبعد عن الصواب، نعوذ بالله من الجهل ومن عاقبته.
-
-
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير (٤٥٠٩) من حديث عدي بن حاتم.

المحور الثاني: جهود العلماء في خدمة السنة النبوية المطهرة
أولا: عناية الأمة بتبليغ السنة النبوية المطهرة:
لقد قيد الله تعالى للسنة النبوية المطهرة رجالا ذادوا عن حياضها، وأفنوا الأعمار في
تحصيلها وأعملوا عقولهم في تنقيحها وتمحيصها، ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال
المبطلين وتأويل الجاهلين، وكان دافعهم في ذلك الحرص البالغ على تبليغ السنة هو إيمانهم
العميق بدورها في التشريع إضافة إلى حرصهم المطلق على الاقتداء بالنبي وَله وامتثال أمره،
وقد حث ◌َير على التبليغ عنه فقال: ((بلغوا عني ولو آية))(١).
وقال ◌َله: ((فليبلغ الشاهد الغائب))(٢). فقد جاءت هذه النصوص بوجوب الأمر،
والأمر كما هو مقرر في علم الأصول للوجوب فدل ذلك على وجوب تبليغ سنته
وإذا كان التبليغ واجبا، فترك التبليغ محرم، وقد توعد الله تعالى الذين يكتمون الحق
فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي
الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
وإذا كان كتمان الحق سيوجب اللعن بنص الآية، فأي حق أحق من السنة
النبوية، وجاءت السنة لتؤكد ما أثبته القرآن فقال له: ((من سئل عن علم ثم كتمه
ألجم يوم القيامة بلجام من نار))(٣).
وقد أثرت هذه النصوص في نفوس الصحابة رضي الله عنهم فأفنوا أعمارهم في
تبليغ السنة النبوية ونشرها خوفا من كتمان العلم، وضربوا أروع الأمثلة في حسن
التبليغ وتمام الاقتداء حتى قال أبو ذر الغفاري : ((لو وضعتم الصمصامة على هذا
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٣٢٧٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم باب قوله ﴿﴾ (رب مبلغ أوعى من سامع) (٦٧).
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب العلم باب كراهية منع العلم (٣٦٥٨) من حديث أبي هريرة.
- ١٢ -

١٣
التمهيد/ المحور الثاني: جهود العلماء في خدمة السنة النبوية المطهرة
- وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي رثلهم قبل أن تجهزوا علي
لأنفذتها)»(١) فرضي الله عن هؤلاء الصفوة الكرام.
ثانيًا: عناية الأمة بكتابة السنة وتدوينها:
لم يبدأ الصحابة في تدوين السنة النبوية في عهد النبي ◌َله وذلك لكونه صلى الله
عليه وسلم نهاهم في أول الأمر عن تدوين غير القرآن وذلك خوفا منه واله على القرآن
حتى لا يؤدي إلى الالتباس بغيره، هذا بالإضافة إلى قوة حفظ الصحابة جئتهم فلقد امتن
عليهم بقوة الحفظ، ولقد ورد أنه ي ﴿ قال: ((لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن، ومن كتب
عني شيئا غير القرآن فليمحه))(٢) فنراه قد منعهم من كتابة الحديث ووكلهم إلى حفظهم
وأجاز لهم روايته ونقله عنه مع تحذيره من الكذب عليه.
ثم إن الكتابة لم تكن منتشرة، ولم يكن الصحابة متقنين لها بحيث تحل محل
الحفظ لكنه أذن لهم في الكتابة بعد ذلك، لما لم يخف ◌َل﴾ من الالتباس بين القرآن
والسنة، وتثبت الروايات أنه ولي أباح لهم الكتابة ومنها قوله مختلفين: (اكتبوا لأبي شاه)(٣) يعني
الخطبة التي سمعها منه وَله يوم فتح مكة، وقد سأله أبو شاه أن يكتبها له وكتب كذلك
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما صحيفة سماها الصادقة لأنه أخذها من في
رسول الله وَل﴾ وقال عنه أبو هريرة ﴾: «ليس أحد من أصحاب رسول الله ﴾ ﴾ أكثر حديثًا
مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب))(٤).
وهكذا فلم يلحق الرسول وَ ل﴿ بربه هو إلا وقد أذن لهم في الكتابة، بل وكتب
بعضهم بین یدیه ټژ مثل عبد الله بن عمرو وغيره.
(١) الأثر ذكره البخاري معلقًا في كتاب العلم باب العلم قبل القول والعمل، وأخرجه الدارمي
(٥٤٥) والصمصامة بمهملتين: السيف الصارم الذي لا ينثني.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقاق باب التثبت في الحديث (٧٤٣٥).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب العلم (٢٤٦) ومسلم في الحج باب تحريم مكة وصيدها
(٤٨٨).
(٤) أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب العلم باب كتابة العلم (١١٣/١).

١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
* کتابة الحدیث بعد زمن النبي
صَلىالله
وسيلة
وبعد زمن من الرواية الشفهية للحديث النبوي الشريف أدرك المخلصون من
هذه الأمة أن الاقتصار على التبليغ الشفهي للسنة النبوية ليس كافيا لحفظها،
وتوصيلها سليمة إلى الأجيال المتلاحقة فيما بعد، فكان التفكير في تدوين السنة
النبوية، وجاء الخلفاء الراشدون فشددوا على الصحابة أن لا يكثروا من الرواية
ويتركوا القرآن وهم لا يزالون حديثي عهد بالإسلام، وكرهوا تدوين الحديث في
صحف يتخذها الناس مصاحف يضاهون بها صحف القرآن العزيز فيشتبه على
بعضهم القرآن بالأحاديث ويشتغلون بالسنن عن تلاوة القرآن ودراسته.
ولذلك جمع عمر بن الخطاب صحابة رسول الله و سل* واستشارهم في كتابة
السنن، فأشاروا عليه بكتابتها لكنه أحجم عن ذلك خشية أن يتخذها الناس
مصاحف كالقرآن، فيلتبس الأمر عليهم، فيقعوا فيما وقع فيه أهل الكتاب، حيث
كتبوا الكتاب بأيديهم ثم ادعوا أنه من عند الله، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.
وقد كان رأي عمر بن الخطاب عليه يتناسب وحالة الناس في ذلك العهد، فإن
عهدهم ما زال جديدًا بالقرآن، فلو دونت السنة ووزعت في الآفاق لزاحمت القرآن
الكريم، وما أمن وقوع اللبس بين القرآن والسنة، وليس هذا تضييعًا للسنة، فإن
الناس لا يزالون بخير، وما زالت ملكات الحفظ عندهم قوية قادرة على استحضار ما
حفظوه من السنة عن رسول الله له.
* الأمر بتدوين الحديث في نهاية القرن الأول الهجري:
كاد القرن الهجري الأول ينتهي ولم يأمر أحد من الخلفاء العلماء بتدوين
الحديث، بل تركوه موكولا إلى الحفظ وبعض الكتابات الخاصة، ومرور الزمن الطويل
كفيل بأن يركز القرآن في نفوس المسلمين، فقد أصبح يتلوه القاصي والداني، ويعرفه
الخاص والعام، ولا يتشكك فيه أحد، كما أن مرور هذا الزمن الطويل كفيل بأن

١٥
التمهيد/ المحور الثاني: جهود العلماء في خدمة السنة النبوية المطهرة
يذهب بكثير من حملة الحديث من الصحابة والتابعين ويهيئ لكثير من أهل الأهواء
- كالروافض - أن يضعوا الحديث، وأن يدسوه على رسول الله وَله أو يتزيدوا في بعض
الأحاديث ما شاؤوا حسب أهوائهم، وكذلك فإن مرور الزمن جعل العرب يختلطون
بغيرهم من العجم، وقد يحدث بينهم التزاوج، فنشأ جيل ضعيف الضبط والحفظ.
كل هذه الأمور جعلت الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في العام التاسع
والتسعين من الهجرة أن يأمر بجمع الحديث وتدوينه، فقد زال المانع وتوفرت الدواعي،
وهذا ما رواه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم: ((وكتب عمر بن
عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول اللّه ◌َا﴾ فاكتبه، فإني
خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله ◌َّه ولتفشوا
العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا))(١).
وأخرج أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١١٨٣): أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى
أهل الآفاق: (انظروا إلى حديث رسول الله (وَلّ فاجمعوه)) (٢).
وكان أول عالم قام بهذا الأمر هو أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري
المتوفى سنة ١٢٥ه، فهو أول من جمع الحديث على رأس المائة الأولى للهجرة بأمر الخليفة
عمر بن عبد العزيز، هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه لكتاب العلم
في باب كتابة العلم من ((فتح الباري)). وقد كانت طريقتهم في التدوين كتابة الأحاديث
ذات الموضوع الواحد في مكان واحد، فمثلاً: أحاديث الصلاة تجمع في مكان واحد،
وهكذا الزكاة، والصوم، والنكاح ... إلخ.
وهذه الكتب التي دونت في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز لم يصلنا منها
شيء، ولعل العلماء اللاحقين أدمجوها في كتبهم ومصنفاتهم.
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم باب كيف يقبض العلم (١٠٠).
(٢) ذكره الحافظ في الفتح (٢٦٣/١) وعزاه لأبي نعيم في تاريخ أصبهان.

المحور الثالث: مشكاة المصابيح
مصنفه ولي الدين بقية الأولياء وقطب العلماء أبو عبد الله محمد بن عبد الله
الخطيب العمري التبريزي - بكسر التاء نسبة إلى تبريز من أكبر مدن أذربيجان -
كذا ذكره السمعاني، وغيره بالكسر للتاء، والمشهور فتحه.
فرغ من جمعه آخر يوم الجمعة من رمضان سنة ٧٣٧ هـ
حيث كمل المصابيح، وذيل أبوابه، فذكر الصحابي الذي روى الحديث عنه،
وذكر الكتاب الذي أخرجه منه، وزاد على كل باب من صحاحه وحسانه - إلا نادرًا -
فصلًا ثالثًا وسماه ((مشكاة المصابيح)) فصار كتابًا كاملًا.
وقبل أن نسرد الكلام عليه، نتحدث عن الكتاب الأصلي له وهو:
مصابيح السنة
قد جمع فيه مؤلفه طائفة من الأحاديث، محذوفة الأسانيد، اعتمد على نقل
الأئمة لها، وقسم أحاديث كل باب إلى صحاح وحسان وعنى بالصحاح ما أخرجه
الشيخان، وبالحسان ما أخرجه أصحاب السنن وما كان فيها من ضعيف أو غريب
أشار إليه، وأعرض عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا.
والفائدة الكبرى فيه هي أن المؤلف يقارن دائمًا أقوال البخاري مع أقوال مسلم
ويرد أقوال الأئمة الآخرين. فبهذا يمكن للقارئ أن يستغني بها عن المطولات في
الحدیث.
واعتنى بشأنه العلماء بالقراءة والتعليق وعملوا عليه الكثير من الشروحات.
ونورد قول البغوي في مقدمة المصابيح ما نصه:
أما بعد: فهذه ألفاظ صدرت عن صدر النبوة، وسنن سارت عن معدن الرسالة،
وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين، وخاتم النبيين والقر هن مصابيح الدجى، خرجت
عن مشكاة التقوى، مما أوردها الأئمة في كتبهم، جمعتها للمنقطعين إلى العبادة لتكون
- ١٦ -

١٧
التمهيد/ المحور الثالث: مشكاة المصابيح
لهم بعد كتاب الله تعالى حظًا من السنن، وعونًا على ما هم فيه من الطاعة، وتركت
ذكر أسانيدها حذرا من الإطالة عليهم، واعتماد على نقل الأئمة، وربما سميت في
بعضها الصحابي الذي يرويه عن رسول الله وآله لمعنى دعا إليه، وتجد أحاديث كل باب
منها تنقسم إلى صحاح وحسان، أعني بالصحاح ما أخرجه الشيخان أبو عبد الله
محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري
النيسابوري - رحمهما الله - في جامعيهما، أو أحدهما، وأعني بالحسان ما أورده أبو
داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي
وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم - رحمهم الله - وأكثرها صحاح بنقل العدل عن
العدل، غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علو الدرجة من صحة الإسناد، إذ
أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن، وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه،
وأعرضت عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا، والله المستعان، وعليه التكلان.
وقال حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١\١٦٩٨):
قسّم البغوي أحاديث كل باب إلى صحاح وحسان، وعنى بالصحاح ما أخرجه
الشيخان، وبالحسان ما أورد أبو داود، والترمذي وغيرهما، وما كان فيها من ضعيف،
أو غريب أشار إليه، وأعرض عن ذكر ما كان منكرًا، أو موضوعًا، هذا هو المشروط في
الخطبة، لكن ذكر في آخر (باب مناقب قريش) حديثًا، وقال في آخره (منكر) ولعله
قد ألحقه بعض المحدثین.
وقال النووي في ((التقريب)»: وأما تقسيم البغوي إلى حسان وصحاح، مريدًا
بالصحاح ما في الصحيحين وبالحسان ما في السنن، فليس بالصواب لأن في السنن
الصحيح، والحسن، والضعيف، والمنكر .. انتهى.

الإمام البغوي
هو الإمام الحافظ، الفقيه المجتهد: محبي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن
محمد الفرَّاء البغوي الشافعي ویلقب بركن الدين.
أحد العلماء الذين خدموا الكتاب العزيز، والسنة النبوية، بالعكوف على
دراستهما، وتدريسهما، وكشف كنوزهما، وأسرارهما، والتأليف فيهما.
والفراء: نسبة إلى عمل الفراء وبيعها.
والبغوي: بفتح الباء الموحدة، والغين المعجمة وبعدها واو، هذه النسبة إلى بلدة
بخراسان بين مرو وهراة يقال لها "بغ" و"بَغْشُوْر" بفتح الباء الموحدة، وسكون الغين
المعجمة، وضم الشين، وبعدها واو ساكنة، ثم راء. وهذه النسبة شاذة على خلاف
الأصل، هكذا قال السمعاني في كتاب ((الأنساب)).
مولده: إن معظم المصادر التي ترجمت له لم تشر إلى السنة التي ولد فيها، غير أن
ياقوت الحموي قال في ((معجم البلدان): إنه ولد سنة (٤٣٣ هـ) أما الزركلي فأشار في
الأعلام إلى أنه ولد سنة ٤٣٦ هـ
شيوخه: سمع الإمام البغوي من عدد كثير من العلماء في التفسير، والحديث،
والفقه نذكر بعضًا منهم:
- فقيه الشافعية وشيخهم القاضي حسين بن محمد المروزي، فقيه خراسان،
وصاحب "التعليقة" المتوفى سنة (٤٦٢) هـ
- عبد الواحد بن أحمد بن أبي القاسم المليحي، الهروي، راوي الصحيح عن
النعيمي، وكان صالحًا، أكثر عنه الرواية، توفي سنة (٤٦٣) هـ
- الفقيه أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، المعروف: بشيخ الحجاز صنف
كتاب ((السلوة في علوم الصوفية)) وكان فقيهًا فاضلاً، توفي سنة (٤٦٣) هـ
- أبو علي حسان بن سعيد المنيعي - نسبة إلى منيع جد - وكان حسان هذا
- ١٨ -

١٩
الإمام البغوي
رئيس مرو الروذ، الذي عمَّ فضله خراسان، بيره، وأفضاله، وأنشأ الجامع المنيعي، وكان
يكسو في العام نحو ألف نفس، توفي سنة ٤٦٣هـ.
- أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي المروزي، الشيخ الجليل، المعمر، مُسنِد
خراسان، تفرد عن عبد الله بن محمد الرازي، توفي في رمضان سنة ٤٦٣ هـ، وله ست
وتسعون سنة.
- أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد المالك بن طلحة النيسابوري
القشيري الخراساني، الإمام الزاهد، القدوة، الشافعي المذهب، صاحب الرسالة المسماة
((الرسالة القشيرية)) صنف: ((نحو القلوب)) و((لطائف الإشارات)) و((الجواهر)) و((أحكام
السماع)) و(عيون الأجوبة في فنون الأسئلة)) وكتاب ((المناجاة)) و((المنتهى في نكت أولي
النهى)) وصنف التفسير الكبير وهو من أجود التفاسير، توفي سنة (٤٦٥) هـ
- أبو بكر يعقوب بن أحمد الصير في النيسابوري الشيخ الرئيس، الثقة المُسنِد
توفي سنة (٤٦٦) هـ
- أبو صالح أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد بن عبد الصمد بن بكر
النيسابوري الصوفي المؤذن، الإمام، الحافظ، الزاهد، المُسند، محدث خراسان، صنف
"تاريخ مرو" وخرَّج ألف حديث عن ألف شيخ له، مات سنة (٤٧٠) هـ
- أبو تراب عبد الباقي بن يوسف بن علي بن صالح بن عبد الملك بن هارون
المراغي النَّرِيزي، الشافعي، مفتي نيسابور، الإمام الفقيه العلامة توفي سنة (٤٩٢) هـ
- أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داوود بن أحمد بن
معاذ الداوودي البوشنجي، الإمام، العلامة، الورع، القدوة جمال الإسلام، شيخ خراسان
علمًا، وفضلًا، وجلالة، وسندًا، راوي الصحيح، توفي سنة (٤٦٧) هـ
- عمر بن عبد العزيز القاشاني الإمام الفاضل الفقيه. وأبو الحسن محمد بن
محمد الشيرّزي، نسبة إلى شيرز قرية بسرخس، وأبو جعفر محمد بن عبد الله بن محمد
المعلم الطوسي، وأبو محمد عبد الله بن عبد الصمد بن أحمد بن موسى الجوزجاني.

٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
- أبو عبد الله محمد بن الفضل بن جعفر الخَرَفي نسبة إلى "خرق" من قرى
مرو، وعدة.
تلاميذه: لقد أقبل عليه طلاب العلم لكثرة علمه، وفضله، وسعة معرفته
بعلوم کثیرة، ومنهم:
- الشيخ أبو منصور محمد بن أسعد بن محمد العطاري، الذي روى كتابي
(شرح السنة)) و((معالم التنزيل)) توفي سنة (٥٧١) هـ
- الواعظ المحدث أبو الفتوح محمد بن أبي جعفر محمد بن علي بن محمد
الطائي الهمداني، صاحب ((الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل اليقين)) - بتحقيقنا؟
توفي سنة (٥٥٥) هـ
- أبو المكارم فضل الله ابن المحدث العالم أبي سعيد محمد بن أحمد النوقاني
الشافعي، وهو آخر من روى عنه بالإجازة، توفي سنة (٦٠٠) هـ
- الحسن بن مسعود البغوي أبو علي، أخو الإمام الحسين البغوي تفقه على
أخيه.
- عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحسين بن محمد الليثي، وهو
إمام ورع، حافظ لمذهب الشافعي.
- مثاور بن فزكوه أبو مقاتل الديلمي الیزدي، يلقب بعماد الدين، وهو من كبار
تلامذته، توفي سنة (٥٤٦) هـ
- محمد بن الحسين الزاغولي، توفي سنة ٥٥٩ هـ
- عبد الرحمن بن علي بن أبي العباس النعيمي توفي سنة ٥٤٢ هـ، وغيرهم.
عقيدته: الإمام البغوي من أئمة السلف الصالح، الذين تقيدوا بالكتاب
والسنة، في مفهوم الاعتقاد وبخاصة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، ولنا على ذلك
بعض الأدلة منها: تعليقه على الحديث الذي رواه مسلم في القدر: باب تصريف الله

٢١
الإمام البغوي
تعالى القلوب كيف شاء (٢٦٥٤١٤) وذلك في الجزء الأول من كتابه العظيم ((شرح
السنة)) (ص ١٦٨) قال الشيخ الإمام: والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات
الله ريت وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى،
كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجيء والنزول إلى السماء الدنيا،
والاستواء على العرش، والضحك والفرح - إلى أن يقول في (ص ١٧٠) فهذه ونظائرها
صفات الله تعالى، ورد بها السمع يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها معرضًا فيها
عن التأويل، مجتنبا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيءُ من
صفاته صفاتِ الخلق، كما لا تشبه ذاتُه ذوات الخلق، قال الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعًا بالإيمان والقبول،
وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله رقمات.
ثم يذكر مدلِّلا على ذلك أقوال السلف وقد جاءت شهادات العلماء الذين
ترجموا له تؤكد ذلك:
قال ابن شهبة في ((طبقات الشافعية)) (٣١٠/١): وكان دينًا، عالمًا، عاملًا على
طريقة السلف.
وقال طاش كبرى زاده في («مفتاح السعادة)) (١٠٢/٢): كان ثبتًا حجة، صحيح
العقيدة في الدین.
صفاته وثناء العلماء عليه: لقد تحلّ الإمام البغوي - رحمه الله - بصفات
ومزايا كان لها أكبر الأثر في تسميته بلقب ((محبي السنة، والإمام)) وغير ذلك من
الصفات التي أثبتها له كل من ترجم له. فهو إمام في كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله
سي* إمام في مذهبه الذي نشأ عليه، المذهب الشافعي، وذلك بحكم البيئة التي نشأ
فيها، والعلماء الذين أخذ عنهم، إلا أنه لم يتعصب لإمامه، بل كان يتتبع الدليل،