Indexed OCR Text

Pages 61-80

المصاح(١): جزى الأمر يجزي جزاء مثل قضى يقضي قضاء وزنا ومعنى. وفي التنزيل (يوما لا
تَجْزي نفس عن نفس شيئا)(٢). وفي الدعاء: جزاه الله خير الجزاء أي قضاه له وأثابه عليه.
وقد يستعمل أجزأ بالألف والهمزة بمعنى جزى، ونقلهما الأخفش بمعنى واحد فقال: الثلاثي
من غير همزة لغة الحجاز، والرباعي المهموز لغة تميم. انتهى (وكذلك فافعلي كل شهر) فيما
يستقبل من الشهور (كما تحيض النساء) هكذا في عامة النسخ، وفي بعضها: يحضن النساء،
وفيه الرد لها إلى غالب أحوال النساء (وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن) أي كما تحيض
ميقات حيضهن، وكما يطهرن ميقات طهرهن. وقوله وتمثير: فصلى ثلاثا وعشرين ليلة الخ،
ظاهر الإِطلاق يقتضي أنه لا حاجة إلى الوضوء لوقت كل صلاة، وهو الذي يقتضيه التشبيه
في قوله: فافعلي كما يحضن النساء، لكن مقتضي الأحاديث الأخر وجوب الوضوء لوقت كل
صلاة أو لكل صلاة، كذا ذكره بعض العلماء. وفي سبل السلام(٣): وقد علم أنها توضأ لكل
صلاة، لأن استمرار الدم ناقض، فلم يذكره في هذه الرواية، وقد ذكره في غيرها. انتهى .
وإلى ههنا تم الأمر الأول، وهو أن المستحاضة تغتسل عن الحيض بمرور الستة أو السبعة
الأيام، ثم تصلي إلى أيام عادتها كما تفعل ذات العادة، أي تصلي ثلاثا وعشرين أو أربعا
وعشرين ليلة وأيامها. والأمر الثاني أنها بمرور الستة أو السبعة تغتسل، فتغتسل للجمع بين
صلاتي الظهر والعصر غسلا واحد، وصلاتي المغرب والعشاء غسلا واحدا، إلا الصبح فإنها
تصليها بغسل على حدة، وذلك يكون دأبها دائما، كما قال رَ ليزر. (فإن قويت) أي قدرتِ،
وهذا يشعر بأنه ليس بواجب عليها، وإنما هو مندوب لها. وتعليقه وي# هذا بقوتها لا ينافي قوله
السابق ((وإن قويت عليهما))، لأن ذلك لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار أيَّهما شاءت، وهذا
لبيان أنها إذا قويت على هذا فهذا أحب من الأول عنده م#، مع جواز أيّ الأمرين شاءت
(على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين) غسلا واحدا، وهكذا في عامة النسخ
بإثبات النون، وكذا في المنذري(٤) وفي نسخة: فتغتسلي. وقال ابن رسلان: ورواية الخطيب
فتغتسلي، ورواية الترمذي: ثم تغتسلين حين تطهرين (وتجمعين بين الصلاتين الظهر
والعصر) بالجر فيهما على البدل، ورواية الترمذي: وتصلين الظهر والعصر جميعا (وتؤخرين
المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين) بالغسل الواحد. (فافعلي
(١) المصباح (ج زي) ١٠٠/١.
(٢) البقرة ٤٨، ١٢٣.
(٣) سبل السلام ١٣٧/١.
(٤) مختصر السنن ١ /١٨٥.
- ٦١ -

وتغتسلين مع الفجر) غسلا على حدة، فيحصل لك ثلاث اغتسالات في اليوم والليلة (فافعلي)
ورواية الترمذي(١) وتغتسلين مع الصبح وتصلين وكذلك فافعلي (وصومي إن قدرت على ذلك)
تكرير وإشارة إلى أن فيه مشقة، وإن كان الغسل لكل صلاة أشق وهو شرط للجزاء المتقدم،
وهو قوله ((فافعلي)) والحديث حمله ابن رسلان على الجمع الحقيقي لا الجمع الصوري، فقال:
استدل به على أن المستحاضة تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، وكذا بوب عليه الترمذي(٢)،
وكما يجوز لها الجمع بين الصلاتين بغسل واحد يجوز لها الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد.
قال ابن قدامة(٣): وغير المستحاضة من أهل الأعذار مقيس عليها وملحق بها. وأهل
الأ
، به سلس البول وسلس المذي ومن به جرح لا يرقأ دمه دما في معناهم ممن لا يمكنه
حفظ صحته. وقال ابن تيمية: والاستحاضة نوع من المرض، أي فيستدل به على الجمع
للمريض .
قال النووي في الروضة(٤): القول بجواز الجمع بالمرض ظاهر مختار، وحكى الخطابي(٥)
عن أبي إسحاق المروزي جواز الجمع في الحضر للحاجة، من غير اشتراط مرض، وبه قال ابن
المنذر، وحكى ابن حجر أن ابن عباس جمع للشغل. انتهى كلام ابن رسلان.
قلت: ما قاله من حمل الحديث على الجمع الحقيقي هو واضح، وأما العلامة الأمير اليماني
فحمله على الجمع الصوري، وقال في سبل السلام(٦): قوله وتعجلي العصر يربد أي تؤخرى
الظهر، أي فتأتي بها في آخر وقتها قبل خروجه، وتعجلي العصر فتأتي في أول وقته، فتكون قد
أتت لكل صلاة في وقتها، وجمعت بينهما جمعا صوريا. انتهى .
(قال رسول الله : وهذا) أي الأمر الثاني وهو الجمع بين الصلاتين مع ثلاث غسلات
في اليوم والليلة، وهذا ظاهر من سياق الكلام. وقال ابن رسلان: وهذا يعني الترخيص بالجمع
بين الصلاتين وغير ذلك. انتهى. (أعجب الأمرين إليَّ) قال في المصباح(٧): ويستعمل
(١) الترمذي (١٢٨).
(٢) الترمذي في الطهارة باب رقم ٩٥.
(٣) المغنى ٣٤٢/١.
(٤) روضة الطالبين ١ /٤٠١.
(٥) معالم السنن ٥٥/٢ .
(٦) سبل السلام ١٣٥/١.
(٧) المصباح المنير (عجب) ٣٩٣/٢.
- ٦٢ -

التعجب على وجهين: أحدهما ما يحمده الفاعل، ومعناه الاستحسان والإِخبار عن رضاه به .
والثاني ما يكرهه، ومعناه الإنكار والذم له. ففي الاستحسان يقال: ((أعجبني)) بالألف، وفي
الذم والإِنكار ((عجِبتُ)) على وزن تعبت. انتهى. قال ابن رسلان: أي أحبهما إليَّ، فإن الله
يحب أن تُؤتي رخصهُ كما يكره أن تؤتي معصيته. أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما
عن ابن عمر مرفوعا. انتهى .
قلت: وهذا بناء على مافسره ابن رسلان، فإنه يجعل الترخيص مشاراً إليه لقوله هذا،
وعلى ما فسرت به فهو أحب الأمرين عنده ومية، لكونه أشقهما على أنفسهما، والأجر على قدر
المشقة، والنبي بَّ يحب ما فيه أجر عظيم. والله أعلم. وفي رواية البيهقي(١): هذا أحب
الأمرين إليَّ. قال الخطابي(٢) تحت حديث حمنة: وهذا خلاف الحكم الأول في حديث أم
سلمة، وخلاف الحكم الثاني في حديث عائشة، وإنما هو امرأة مبتدأة لم يتقدم لها أيام ولا هي
مميزة لدمها، وقد استمر بها الدم حتى غلبها، فردها رسول الله ربية أمرها إلى العرف الظاهر
والأمر الغالب من عاداتهن، ويدل على ذلك قوله: كما تحيض النساء ويطهرن من ميقات
حیضهن، والحمل والبلوغ وما شبهه هذا من أمورهن. انتھی. (قال أبو داود: رواه عمرو بن
ثابت عن ابن عقيل فقال) عمرو في روايته (قالت حمنة: هذا أعجب الأمرين إليّ، ولم يجعله)
أي ولم يجعل عمرو هذا الكلام (قول النبي (بَئية) بل (جعله كلام حمنة) موقوفا عليها.
(قال أبو داود: كان عمرو بن ثابت رافضيا، وذكره) أي ذكر أبو داود هذا الكلام أي
كونه رافضیا (عن يحيى بن معين) عمرو بن ثابت بن المقدام بن هرمز الكوفي، یکنی أبا ثابت،
وقيل: أبا محمد. روى عن حبيب بن أبي ثابت وسماك وميمون بن مهران والمنهال بن عمرو،
وعنه أحمد بن يونس وعيسى غنجار وعباد بن يعقوب وسعيد بن محمد الجرمي وسويد بن سعيد
وعلي بن حكيم الأودي ويحيى بن آدم. قال ابن معين: ليس بشيء ولا مأمون. وقال النسائي :
متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات. وقال البخاري: ليسٍ بالقوي عندهم.
وقال ابن المبارك: لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت، فإنه كان يسب السلف وأبى عبد الرحمن أن
يحدث عنه. وقال الآجري عن أبي داود: رافضي خبيث(٣). فإنه مع شدة ضعفه قد خالف
زهير بن محمد وشريكا وابن جريج وإبراهيم بن محمد وغيرهم، فإنهم لم يجعلوا لفظ ((هذا
(١) السنن الكبرى ٣٣٩/١.
(٢) معالم السنن ١/ ١٨٣.
(٣) انظر أقوال النقاد في عمرو بن ثابت في التهذيب ٩/٨ - ١٠.
- ٦٣ -

أعجب الأمرين إليَّ) من كلام حمنة، بل صرح بعضهم بأنه من كلام النبي بطار، ولم يصرح
بعضهم به بعد أن اتفقوا أنه ليس من كلامها، فالصحيح ما اتفق عليه الأكثر. والله أعلم.
وههنا عبارة المتن في نسخ الكتاب كانت مختلفة، فما صحت عندي أثبتناها واعتمدنا
عليها، وهي موافقة لنسخ المنذري. وأما في بعض النسخ فهكذا: قال أبو داود: وعمرو بن
ثابت رافضي رجل سوء، ولكنه كان صدوقا في الحديث، وثابت بن المقدام رجل ثقة، وذكره
عن یحی بن معین وفي بعض النسخ هکذا قال أبو داود وعمرو بن ثابت رافضي رجل سوء،
وثابت بن المقدام رجل ثقة قال أبو على الغساني ولکنه کان صدوقاً في الحدیث. قال أبو داؤد
کان عمرو بن ثابت رافضیاً، وذكره عن يحيى بن معين.
(قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء) هذه العبارة
في نسخة واحدة، وسائر النسخ وكذا نسخ المنذري عنها خالية. قال الشوكاني في النيل(١): نقل
أبو داود عن أحمد أنه قال: إن في الباب حديثين وثالثا في النفس منه شيء. ثم فسر أبو داود
الثالث بأنه حديث حمنة انتهى. وقال الزرقاني في شرح الموطأ(٢): وقال أحمد بن حنبل في الحيض
ثلاثة أحاديث: حديثان ليس في نفسي منهما شيء، حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي
حبيش، وحديث أم سلمة. والثالث في قلبي منه شيء، وهو حديث حمنة بنت جحش انتهى.
وفي الاختيارات العلمية(٣): واختلفت الرواية عن أحمد في تصحيح حديث حمنة، وقد نقل عن
الإِمام أحمد بن حنبل خلاف ذلك، قال الترمذي في السنن(٤): حديث حمنة حسن صحيح،
وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن، وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو
حديث حسن صحيح انتهى. وقال البيهقي في المعرفة : قال البخاري : هو حديث حسن،
وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح. انتهى. وكذا نقله ابن القيم(٥).
فالجواب عن قول أبي داود بأن الترمذي قد نقل عن أحمد تصحيحه نصًّا وهو أولى مما ذكره
أبو داود، لأنه لم ينقل التعيين عن أحمد، وإنما هو شيء وقع له ففسر به كلام أحمد، وعلى فرض
أنه من کلام أحمد، فیمکن أن یکون قد کان في نفسه من الحدیث شيء، ثم ظهرت له صحته.
والله أعلم.
(١) نيل الأوطار ٣١٩/١.
(٢) شرح الموطأ ١ / ١٨٥.
(٣) الاختيارات العلمية ص ٥٨.
(٤) الترمذي (١٢٨).
(٥) تهذيب السنن ١٨٣/١.
- ٦٤ -

وحديث حمنة هذا أخرجه أحمد(١) والترمذي(٢) وابن ماجة(٣) والشافعي(٤) والدار قطني(٥)
والبيهقي(٦). ثم اعلم أن الخطابي قال(٧): قد ترك العلماء القول بهذا الخبر، لأن ابن عقيل راويه
ليس بذاك. وقال البيهقي في المعرفة(٨): تفرد به عبدالله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في
الاحتجاج به. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فوهنه ولم يقوِّ إسناده. وقال ابن مندة: لا
يصح بوجه من الوجوه، لأنهم أجمعوا على ترك حديث ابن عقيل. وتعقبه الشيخ تقي الدين بن
دقيق العيد، واستنكر منه هذا الإطلاق، لأن ابن عقيل لم يقع الإجماع على ترك حديثه. قال
الحافظ في التلخيص(٩): لكن ظهر لي أن مراد ابن مندة بذلك من خرّج الصحيح، وهو
كذلك. وقال ابن القيم(١٠): ودعوى ابن مندة الإجماع على ترك حديثه غلط ظاهر منه، وقد
تقدم عن الترمذي أن الحميدي وإسحاق وأحمد والبخاري كانوا يحتجون بحديثه.
ومن جملة علل الحديث ما قاله الترمذي في کتاب العلل(١١) أنه سأل البخاري عن حدیث
حمنة فقال: هو حديث حسن، إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، لا أدري سمع
منه ابن عقيل أم لا، وتقدم جوابه في ترجمة إبراهيم بن محمد. ومن علله ما قاله ابن حزم إن
ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل، وبينهما النعمان بن راشد وهو ضعيف. ورواه أيضا عن
ابن عقيل شريك وزهير بن محمد، وكلاهما ضعيف. وقد رده الحافظ فتح الدين بن سيد
الناس، قال: أما الانقطاع بين ابن جريج وابن عقيل فقد روى من طريق زهير بن محمد عن
ابن عقيل، وأما تضعيفه لزهير هذا فقد أخرج له الشيخان محتجين به في صحيحهما. قال
(١) أحمد ٦/ ٤٣٩.
(٢) الترمذي (١٢٨).
(٣) ابن ماجة (٦٢٧).
(٤) مسند الشافعي ص ٣١٠، والأم ١/ ٥١.
(٥) الدار قطني ٢١٥/١.
(٦) السنن الكبرى ٣٣٢/١.
(٧) معالم السنن ١ / ١٨٥ .
(٨) معرفة السنن والآثار.
(٩) تلخيص الحبير ١٦٣/١.
(١٠) تهذيب السنن ١٨٤/١.
(١١) انظر نيل الأوطار ٣١٨/١.
- ٦٥ -

البخاري في تاريخه الصغير(١): ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة
فإنه صحیح. وأما حديثه ههنا فمن رواية أبي عامر العقدي عنه، وهو بصري، انتھی. وقال
ابن القيم(٢): ورواه أبو داود والترمذي من حديث أبي عامر العقدي عبدالملك بن عمرو عنه
وهو بصري فيكون على قول البخاري صحيحا انتهى وشريك إن ضُعَّف فقد وثّقه أيضا
جماعة، وهو لم ينفرد به عن ابن عقيل، بل تابعه جماعة كما تقدم. وقال الأمير اليماني في سبل
السلام(٣) إن القول بأنه حديث غير صحيح غير صحيح، بل قد صححه الأئمة. قلت هذا
هو الحق. والله أعلم.
(فائدة) قال القاضى صدر الدين الدمشقي في رحمة الأمة في اختلاف الأئمة واختلفوا في
المبتدأة إذا جاوز دمها أكثر الحيض، فقال أبو حنيفة: تمكث أكثر الحيض، وهو عنده عشرة
أيام، وعن مالك روايتان أشهرهما وهي رواية ابن القاسم وغيره تمكث أكثر الحيض، وهو عنده
خمسة عشر يوما، ثم تكون مستحاضة. وقال الشافعي: إن كانت مميزة رجعت إلى تمييزها، أو
غير مميزة فقولان: أحدهما ترد إلى غالب عادة النساء، وهو ست أو سبع . وعن أحمد روايتان
أشهرهما واختارها الخرقي تمكث غالب عادة النساء. وأما المميزة هي التي تميز بين الدمين أي
التي تفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة باللون والقوام والريح ، فان دم الحيض أسود ثخين
ودم الاستحاضة رقيق أحمر لا نتن له، فإنها تعمل عند مالك والشافعي على إقبال الدم
وإدباره، فتترك الصلاة عند إقبال الحيضة، فإذا أدبرت اغتسلت وحلت. وقال أبو حنيفة:
تعمل على عدد الأيام. واختلفوا في المستحاضة، فقال أبو حنيفة: ترد إلى عادتها إن كان لها
عادة، فإن لم يكن لها عادة فلا اعتبار بالتمييز، بل تمكث أقل الحيض. وقال مالك: لا اعتبار
بالعادة، وإنما الاعتبار بالتميز، فإذا كانت مميزة ردّت إلى التمييز، والآلم تحض أصلا، وتصلي
أبدا، هذا في الشهر الثاني والثالث، وأما في الشهر الأول فعنه روايتان: أشهرهما أنها تمكث
أكثر الحيض، وظاهر مذهب الشافعي أنها إن كان لها عادة وتمييز قدم التمييز على العادة،
فإن عدمت التمييز ردت إلى العادة، فإن عدمتهما معا صارت مبتدأة وتقدم حكمها. وقال
(١) لا يوجد هذا النص في ((التاريخ الصغير) في ترجمة زهير بن محمد وورد في ((الضعفاء الصغير)) ص ٢٦١:
(روى عنه أهل الشام أحاديث مناكير)). وذكر ابن القيم في تهذيب السنن ١٨٦/١ قول البخاري كما نقل
المؤلف، إلا أنه لم ينسبه إلى ((التاريخ الصغير)). ولعل المؤلف تبع الشوكاني حيث عزاه في نيل الأوطار
٣١٩/١ إلى ((التاريخ الصغير)).
(٢) تهذيب السنن ١٨٦/١.
(٣) سبل السلام ١٣٦/١.
- ٦٦ -

أحمد: إن كان لها عادة وتمييز ردت إلى العادة، فإن عدمتها ردت إلى التمييز، فإن عدمتهما فعته
روايتان: أحداهما تمكث أقل الحيض، والثانية غالب عادة النساء ستا أو سبعا. انتهى. وأما
الزرقاني فقال في شرح الموطأ* إن المستحاضة المعتادة ترد لعادتها، ميزت أم لا، وافق تمييزها
عادتها أو خالفها، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأشهر الروايتين عن أحمد.
وأصح قولي الشافعي وهو مذهب مالك أنها إنما ترد لعادتها إذا لم تكن مميزة، والإِ ردت إلى
تمییزها. انتهى .
وقال أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي (١): والرد إلى العادة یدل عليه حديث أم سلمة،
والرد إلى التمييز يدل عليه حديث فاطمة، وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين، ومذهب
مالك اعتبار التمييز، لأنه جمع بين الحديثين، ولأن التمييز أولى، لأن العادة قد تختلف،
والتمییز لا تختلف انتھی.
وقال الترمذي في السنن(٢): قال أحمد وإسحاق في المستحاضة إذا كانت تعرف حيضها
بإقبال الدم وإدباره فإقباله أن يكون أسود، وإدباره أن يتغير إلى الصفرة، فالحكم فيها على
حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وإن كانت المستحاضة لها أيام معروفة قبل أن تستحاض فإنها
تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي، وإذا استمر بها الدم ولم يكن
له أيام معروفة ولم تعرف الحيض بإقبال الدم وإدباره فالحكم لها على حديث حمنة بنت جحش.
وقال الشافعي: المستحاضة إذا استمر بها الدم فيأول ما رأت فدامت على ذلك فإنها تدع
الصلاة ما بينها وبين خمسة عشر يوما، فإذا طهرت في خمسة عشر يوما أو قبل ذلك فإنها أيام
حيض، فإذا رأت الدم أكثر من خمسة عشر يوما فإنها تقضي صلاة أربعة عشر يوما، ثم تدع
الصلاة بعد ذلك أقل ما يحيض النساء وهو يوم وليلة .
قال أبو عيسى: واختلف أهل العلم في أقل الحيض وأكثره، فقال بعض أهل العلم:
أقل الحيض ثلاث وأكثره عشرة، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه يأخذ ابن
المبارك، وروى عنه خلاف هذا. وقال بعض أهل العلم منهم عطاء بن أبي رباح: أقل الحيض
يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، وهو قول الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيدة.
انتهى كلامه .
(*) شرح الموطأ ١/ ١٨٠.
(١) عارضة الأحوذي ٢١٠/١
(٢) الترمذي ٨٥/١.
٠-٦٧ -

وقال الخطابي في المعالم(*) إن الدم إذا تميز كان الحكم له وإن كانت لها أيام معلومة،
واعتبار الشيء بذاته وبخاص صفاته أولى من اعتباره بغيره من الأشاء اخارجة عنه. فأما إذا
عدمت التمييز فالاعتبار للأيام على معنى حديث أم سلمة. انتهى .
وإذا عرفت هذا كله فاعلم أن القول بأن المستاحضة إن كانت لها عادة وتمييز ردت إلى
العادة، فإن عدمتها ردت إلى التمييز، فإن عدمتها تمكث غالب عادة النساء ستا أو سبعا، هو
أوفق الأحاديث الواردة القاضية، والأدلة الناطقة الواضحة. ولا مرية في أنه عند تعارض
العادة والتمييز ترجح العادة، لأن أحاديث الرجوع إلى العادة مع كونه صحيحا ثاتبا أصرح
وأبين في المقصود، وليس فيها احتمال التأويل، كما عرفت ألفاظها في مواضعها، وفي إعادتها
تكرار. وأما أحاديث الرجوع إلى التمييز فليست أصرح في المراد، وما كان صريحا فليس إسناده
بمثابة أسانيد أحاديث الرجوع إلى العادة، فلا يقدم التمييز على العادة أصلا، وهذا لا يخفي
على من أحاط ألفاظ الحديث وطرق الأسانيد. وقول الخطابي: ((واعتبار الشيء بذاته)) إلخ إنما
يتم إذا كانت لأسناد حديث التمييز قوة المعارضة لأحاديث العادة، وليس كذلك كما تقدم.
وحديث ((إذا أقبلت الحيضة)) ليس نصا في التمييز، بل كما يحتمل التمييز يحتلم العادة أيضا،
وسلف تقريره مرارا في موضعه، فليُرجع إليه، فتعين تقديم العادة على التمييز. وقول من ذهب
إلى منع التمييز مطلقا ضعيف، لأنه متى ردت إلى العادة مطلقا ألغي الحديث الآخر، وهو
حدیث التمییز بالكلية، والجمع بین الدلیلین ولو من وجه أولى من طرح أحدهما.
ومحصل الكلام أن المستحاضة المعتادة سواء كانت مميزة أو غير مميزة تردّ على عادتها
المعروفة، لحديث عائشة، وفيه: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، رواه مسلم(١). وفي
لفظ أحمد(٢) والنسائي(٣): فلتنتظر قدر قروئها التي كانت تحيض. ولحديث أم سلمة، وفيه:
((لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر)) أخرجه أحمد(٤) وأصحاب
(*) معالم السنن ١٨٢/١.
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٢٦/٤°.
(٢) المسند ١٢٩/٦.
(٣) النسائي ١٨٣/١.
(٤) المسند ٢٩٣/٦.
- ٦٨ -
٠٠

السنن(١) إلا الترمذي. ولحديث عائشة عند البخاري(٢): ((ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي
كنت تحيضين فيها)). وغير ذلك من الأحاديث التي تقدمت. والمبتدأة المميزة تعمل بالتمييز،
لحديث: ((إذا كان دم الحيضة فإنه أسود يعرف))، وغير ذلك ما انضم به. ومن تفقد العادة
والتمييز فإنها تحيض ستا أو سبعا على غالب عادة النساء، لحديث حمنة. وهذا الجمع بين هذه
الأحاديث هو جمع حسن جيد لا مزيد على حسنه. والله أعلم.
وفي الاختيارات العلمية في اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): والمستحاضة ترد إلى
عادتها، ثم إلى تميزها، ثم إلى غالب عادات النساء، كما جاءت في كل واحدة من هؤلاء سنة
عن النبي ، وقد أخذ الإِمام أحمد بالسنن الثلاثة، فقال: الحيض يدور على ثلاثة
أحاديث: حديث فاطمة بنت أبي حبيش. وحديث أم حبيبة، وحديث حمنة. انتهى.
وقال الشوكاني في السيل الجرار(٤): واعلم أنه قد ورد ما يدل على الرجوع إلى عادة النساء
کحدیث همنة، وورد ما يدل على الرجوع على صفة الدم کحديث فاطمة بنت أبي حبيش: إن
كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، وورد ما يدل على رجوع المرأة إلى عادة نفسها، كحديث أم
حبيبة، وفيه: امكثي قدر ما تحبسك حيضتك. والجمع بين هذه الأحاديث ممكن بأن يقال:
إن كانت المرأة مبتدأة وناسية لوقتها وعددها فإنها ترجع إلى صفة الدم، فإن كان بتلك الصفة
التي وصفه به رسول الله صل فهو دم حيض، وإن كان على غير تلك الصفة فليس بحيض،
فإن لم يتميز لها وذلك بأن يخرج على صفات مختلفة أو على صفة ملتبسة رجعت إلى عادة النساء
القريبة فإن اختلفت عادتهن فالاعتبار بالغالب منهن، فإن لم يوجد غالب تحيّضت ستا أو
سبعا، كما أمرها به رسول الله #، وأما إذا كانت غير مبتدأة بل معتادة عارفة لوقتها وعددها
رَجِعت إلى عادتها المعروفة، فإن جاوز عادتها رجعت إلى التمييز بصفة الدم، فإن التبس عليها
قدر عادتها لعارض عرض لها، والتبس عليها التمييز بصفة الدم، رجعت إلى عادة النساء من
قرابتها، فإن اختلفن فكما تقدم في المبتدأة. وبهذا يرتفع الإشكال، ويندفع ما كثر وطال من
القيل والقال انتهى كلامه.
(١) النسائي ١٨٢/١، ابن ماجة (٦٢٣).
(٢) البخاري (٢٢٥).
(٣) الاختيارات العلمية ص ٥٨.
(٤) السيل الجرار ١٤٦/١ .
- ٦٩ -

(١١٠) باب ما روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة
٢٨٨ - حدثنا ابن أبي عقيل ومحمد بن سلمة المرادي، قالا: ثنا ابن وهب، عن
عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبدالرحمن
عن عائشة زوج النبي و ﴿وقالت إن أم حبيبة بنت جحش خَتَنَةَ رسول الله وَّ
وتحت عبدالرحمن بن عوف اسْتُحيضت سبع سنين فاستفتت رسول الله صل# في
ذلك، فقال رسول الله وَ له: ((إنَّ هذِهِ ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي
وصلي» قالت عائشة: فكانت تغتسل في مرکن في حجرة أختها زينب بنت جحش
حتى تعلو حمرة الدم الماء.
(باب ما روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة) فتغتسل كل يوم خمس مرات.
[٢٨٨] - (حدثنا ابن أبي عقيل) قال السيوطي: اسمه أحمد (ومحمد بن سلمة المرادي قالا:
ثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة بنت
عبدالرحمن عن عائشة زوج النبي و# قالت: إن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ##
وتحت عبدالرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول اللـه في ذلك) أي في
حكم استخاضتها (فقال رسول الله #: إن هذه) الحالة أنتِ فيها من جريان الدم على
خلاف عادة النساء (ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق) واستدل المهلبي بقوله لها ((هذا عرق))
على أنه لم يوجب عليه الغسل لكل صلاة لأن دم العرق لا يجب غسلا (فاغتسلي) وهذا الأمر
بالاغتسال مطلق، فلا يدل على التكرار (وصلي) وتقدم شرح هذا الحديث فلا نعيده، ليرجع
هناك. (قالت عائشة: فكانت) أم حبيبة (تغتسل في مركن) بكسر الميم وفتح الكاف، وهو
الإِجانة التي تغسل فيها الثياب (في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو) تغلب (حمرة
الدم) فاعل تعلو (الماء) وفي لفظ للدارمي(١): حتى أن حمرة الدم لتعلو الماء.
قال النووي(٢): معناه أنها كانت تغتسل في المركز، فتجلس فيه، وتصب عليه الماء،
فيختلط الماء المتساقط عنها بالدم، فيحمر الماء. ثم إنه لابد أنها كانت تنتظف بعد ذلك عن
تلك الغُسَالة المتغيرة انتهى. وقال ابن رسلان: يعني أنها كانت تغتسل القصرية التي تغتسل
(١) الدارمي ١٩٩/١.
(٢) شرح صحيح مسلم ٢٥/٤.
- ٧٠ -

فيها الثياب، وكانت تقعد فيها فتصّب عليها الماء من غيرها، فتستنقع فيها، فيختلط الماء
المتساقط عنها بالدم، فيعلوه حمرة الدم السائل عنها، فيحمر الماء به. ثم إنه لابدأن تنتظف
بعد ذلك من تلك الغسالة المتغيرة، فتغسل خارجها ما أصاب رجليها من ذلك الماء المتغير
بالدم .
والحديث أخرجه الشيخان(١) والنسائي(٢) وابن ماجة(٣).
٢٨٩ - حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة، نا يونس، عن ابن شهاب، قال
أخبرتني عَمْرَةً بنت عبدالرحمن، عن أم حبيبة بهذا الحديث، قالت عائشة: فكانت
تغتسل لكل صلاة.
[٢٨٩]- (حدثنا أحمد بن صالح) المصري أبو جعفر الطبري، ثقة، وتكلم فيه النسائي بلا
حجة وبرهان (نا عنبسة) بن خالد الديلمي، أبو عثمان، صدوق (نا يونس) بن يزيد الأموي،
وثقه النسائي وغيره (عن ابن شهاب قال: أخبرتني عمرة بنت عبدالرحمن عن أم حبيبة بهذا
الحديث، قالت عائشة: فكانت تغتسل) أم حبيبة (لكل صلاة) قال الإِمام الشافعي(٤): إنما
أمرها رسول الله و# أن تغتسل وتصلي، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة تطوعا. قلت: هو
قول حسن. وقال ابن بطال: ترید تغتسل من الدم الذي یصیب الفرج، لأن المشهور من قول
عائشة أنها لاترى الغسل لكل صلاة للمستحاضة، وزاد بعضهم أي اغتسلي من الدم الذي
أصابها لإزالة النجاسة، وهو شرط في صحة الصلاة. وهذه كلها من التأويلات الركيكة التي
لا يرضى بها قائلة.
والحديث تفرد به المؤلف.
٢٩٠ - حدثنا يزيد بن خالد بن عبدالله بن موهب الهمداني، ثني الليث بن.
سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة بهذا الحديث، قال فيه: فكانت
تغتسل لكل صلاة .
(١) البخاري (٣٢٧) مختصرا، مسلم (٣٣٤).
(٢) النسائي ١٨٣/١.
(٣) ابن ماجة (٦٢٦).
(٤) الأم ٦٢/١ معناه.
- ٧١ -

قال أبوداود: قال القاسم بن مبرور عن يونس عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة
عن أم حبيبة بنت جحش، وكذلك رواه معمر عن الزهري عن عمرة عن عائشة،
وربما قال معمر عن عمرة عن أم حبيبة، بمعناه، وكذلك رواه إبراهيم بن سعد
وابن عيينة عن الزهري عن عمرة عن عائشة وقال ابن عيينة في حديثه ولم يقل إن
النبي ◌َّ أمرها أن تغتسل.
[٢٩٠] - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبدالله بن موهب الهمداني) وثقه ابن حبان (ثنى الليث
بن سعد) ثقة إمام (عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة بهذا الحديث) ولفظ مسلم(١): عن
عائشة أنها قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ير قالت: إني أستحاض،
فقال: إنما ذلك عرق فاغتسلي ثم صلي (قال فيه: فكانت) أم حبيبة (تغتسل لكل صلاة) قال
مسلم: قال اللیث بن سعد: لم یذکر ابن شهاب أن رسول الله ﴾ أمر أم حبيبة بنت جحش
أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي انتهى .
والحديث أخرجه مسلم(٢) والنسائي(٣). (قال أبو داود: قال القاسم بن مبرور) الأيلي.
الفقیه، عن عمه طلحة، وعنه خالد بن حمید، صدوق أثنی علیه الإِمام مالك بن أنس (عن
يونس عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة عن أم حبيبة بنت جحش) فجعل قاسم بن مبرور
في الحديث عمرة مكان عروة كما جعله عنبسة عن الزهري، إلا أن القاسم جعله من مسند أم
حبيبة لا من مسند عائشة (وكذلك) أي يكون عمرة مكان عروة (رواه معمر) بن راشد ثقة
(عن الزهري عن عمرة عن عائشة) إلا أنه جعله من مسند عائشة (وربما قال معمر: عن
عمرة عن أم حبيبة بمعناه) وحذف واسطه عائشة رضى الله عنها أيضا. ورواية القاسم بن
مبرور ومعمر لم أقف عليها من أخرجها موصولا (وكذلك) أي بذكر عمرة مكان عروة (رواه
إبراهيم بن سعد) الزهري أبو إسحاق المدني، أحد الأئمة الأثبات (وابن عينية عن الزهري
عن عمرة عن عائشة) حديث إبراهيم بن سعد أخرجه الدرامي (٤) بقوله: أخبرنا سليمان بن
داود الهاشمي ثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عمرة بنت سعد بن زرارة أنها سمعت
(١) مسلم (٣٣٤).
(٢) مسلم (٣٣٤).
(٣) النسائي ١٨٣/١.
(٤) الدارمي ٢٠٠/١.
- ٧٢ -

عائشة، فذكر الحديث. وفيه: قالت عائشة: وكانت أم حبيبة تغتسل لكل صلاة وتصلي.
وأخرجه مسلم أيضا. وحديث سفيان بن عيينة أخرجه مسلم(١) والنسائي(٢)، لفظ مسلم:
حدثني محمد بن المثنى، قال: نا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عمرة عن عائشة، فذكر
الحدیث.
قلت: روى عمرو بن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب كلهم عن الزهري عن عروة
وعمرة جميعا، وروى سفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد ويونس كلهم عن الزهري عن عمرة
وحدها، وروى الليث بن سعد عن عروة وحده. قال الدارقطني: الصحيح من رواية الزهري
عن عروة وعمرة جميعا. وتقدم بعض البيان في أوائل باب إذا أقبلت الحيضة (وقال ابن عيينة
في حديثه ولم يقل) الزهري في حديثه. وقال الترمذي(٣): قال قتيبة: قال الليث: لم يذكر ابن
شهاب أن رسول الله # أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي (إن
النبي ◌َّي أمرها) أي أم حبيبة (أن تغتسل) لكل صلاة. وفي صحيح مسلم كما تقدم وكذا في
الطحاوي(٤): قال الليث بن سعد: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله رَثية أمر أم حبيبة أن
تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي. وكذا قال الشافعي حكاه عنه النووي(٥).
٢٩١ - حدثنا محمد بن إسحق الْمُسَيَّبيُّ، ثني أبي، عن ابن أبي ذئب، عن ابن
شهاب، عن عروة، وعمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة، قالت إن أم حبيبة
استحيضت سبع سنين فأمرها رسول الله # أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل
صلاة، وكذلك رواه الأوزاعي أيضا قالت عائشة فكانت تغتسل لكل صلاة.
[٢٩١] - (حدثنا محمد بن إسحاق) بن محمد بن عبدالرحمن المخزومي، أبو عبدالله المدني
نزيل بغداد، روى عن أبيه وسفيان بن عيينة ومعن بن عيسى، وعنه مسلم وأبو داود، وثقه
ابن قانع وابن حبان (المسيبي) بضم الميم وفتح السين وتشديد الياء، منسوب إلى المسيب بن
أبي السائب (ثنى أبي) هو إسحاق بن محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن المسيب بن أبي
(١) مسلم (٣٣٤).
(٢) النسائي ١٨٣/١.
(٣) الترمذي ٨٦/١.
(٤) شرح معاني الآثار ١ / ٩٩.
(٥) شرح صحيح مسلم ٢٠/٣.
- ٧٣ -

السائب المخزومي أبو محمد المدني، روى عن مالك وابن أبي ذئب ونافع القاريء، وعنه ابنه
محمد وخلف بن هشام. قال الذهبي(١): كان أمير القراء جليل القدر ثبتاً. وقال الحافظ أبوالفضل
ابن حجر : صدوق فيه لين ورمى بالقدر (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبدالرحمن أحد الأثبات
(عن ابن شهاب عن عروة وعمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة قالت: إن أم حبيبة استحيضت سبع
سنين فأمرها رسول الله ( أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل صلاة) قد تقدم أن هذا الأمر
بالاغتسال مطلق، فلا يدل على التكرار، فلعلها فهمت طلبت ذلك منها بقرينة، فلهذا كانت
تغتسل لكل صلاة. قال مالك في الموطأ(٣): عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: ليس على
المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحدا. قال الزرقاني في شرحه(٤): وأما فعلها هي ذلك فمن
عند نفسها كما قاله الزهري والليث والشافعي وغيرهم، فلا حجة فيها لمن ذهب إلى أنه يجب
عليها الاغتسال لكل صلاةً، خلافا لابن حزم، حيث صححها وزعم أنه قال بها جماعة من
الصحابة، فقد رده عليه الولي العراقي. انتهى. وأخرج الدارمي(٥) من طرق عن عائشة عن
المستحاضة تنتظر أيامها التي كانت تترك الصلاة فيها، فإذا كان يوم طهرها الذي كانت تطهر
فيه اغتسلت، ثم توضأت عند كل صلاة وصلت. وأخرج الدارمي(٦) من طريق هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش، فذكر الحديث. وفيه: قال هشام: فكان
أبي بقول: تغتسل غسل الأول، ثم ما يكون بعد ذلك، فإنها تطهر وتصلي. وأخرج الدارمي(٧)
أيضا: أخبرنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن فراس عن الشعبي عن قَمِير امرأة مسروق عن
عائشة قالت: المستحاضة تجلس أیام أقرائها، ثم تغتسل غسلا واحدا. وقد روی عنها أيضا
خلاف ذلك كما يجيء (وكذلك رواه الأوزاعي أيضا) والمشار إليه بقوله كذلك هذه الجملة
(قالت عائشة فكانت) أم حبيبة (تغتسل لكل صلاة) والمعنى أن ابن أبي ذئب والأوزاعي
كلاهما قال عن الزهري أن عائشة قالت: إن أم حبيبة تغتسل لكل صلاة. ورواية الأوزاعي
(١) انظر الخلاصة للخزرجي ص ٣٠.
(٢) التقريب ٦٠٠/١.
(٣) الموطأ (١٣٦).
(٤) شرح الموطأ ١/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٥) الدارمي ١٩٨/١ - ١٩٩.
(٦) الدارمي ١ /١٩٩.
(٧) الدارمي ٢٠٣/١.
- ٧٤ -

هذه أخرجها الدارمي والنسائي والطحاوي، ورواية ابن أبي ذئب أخرجها البخاري في
صحیحه(١) بلفظ: إن أم حبيبة استحیضت سبع سنین، فسألت رسول الله ټ عن ذلك
فأمرها أن تغتسل، فقال: عرق، فكانت تغتسل لكل صلاة. قلت: وكذا أخرج البيهقي في
المعرفة(٢): عن ابن عيينة عن الزهري أن عائشة قالت: إن أم حبيبة تغتسل لكل صلاة.
وأخرج مسلم (٣) من طريق عراك عن عروة عن عائشة أنها تغتسل لكل صلاة. وليس في هذه
الروايات كلها أن النبي ## أمرها أن تغتسل لكل صلاة، بل إن شاء الله أنّ غسلها كان
تطوعا غير ما أمرت به، وذلك واسع لها كما قاله سفيان بن عيينة والليث بن سعد والشافعي
وقتيبة بن سعيد .
٢٩٢ - حدثنا هناد بن السري عن عبدة، عن ابن إسحق، عن الزهري، عن
عروة، عن عائشة قالت إن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله
مثلر فأمرها بالغسل لكل صلاة، وساق الحديث.
قال أبوداود: ورواه أبو الوليد الطيالسي ولم أسمعه منه: عن سلیمان بن کثیر عن
الزهري عن عروة عن عائشة قالت: استحيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي
وَ لير: ((اغتسلي لكل صلاة)) وساق الحديث.
قال أبوداود: ورواه عبدالصمد عن سليمان بن كثير، قال: ((تَوَضىء لكل صلاة)).
قال أبوداود: وهذا وهم من عبدالصمد، والقول فيه قول أبي الوليد.
[٢٩٢] - (حدثنا هناد بن السري) بفتح السين وكسر الراء التميمي ثقة (عن عبدة) بن
سليمان الكلابي الكوفي عن هشام بن عروة والأعمش وجماعة، وعنه أحمد وإسحاق وأبو کریب
وجماعة. وثقه أحمد وابن سعد والعجلي (عن ابن إسحاق) هو محمد بن إسحاق بن يسار
صاحب المغازي، ثقة على ما هو الحق، لكنه مدلس، فإذا صرح بالتحديث فحديثه حجة
(عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: إن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد
(١) البخاري (٣٢٧).
(٢) معرفة السنن والآثار.
(٣) مسلم (٣٣٤).
- ٧٥ -

رسول الله { ل﴿، فأمرها بالغسل لكل صلاة، وساق الحديث) ولفظ الدارمي: أخبرنا يزيد بن
هارون أنبأ محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة أن ابنة جحش استحيضت
على عهد رسول الله #، فأمرها رسول الله ربمثير بالغسل لكل صلاة، فإن كانت لتدخل
المركز وإنه المملؤ ماءً، فتنغمس فيه ثم تخرج منه، وإن الدم فوقه لعاليه فتصلي. ولفظ
الطحاوي(*) ثنا ابن أبي داود قال ثنا الوهبي قال ثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة،
فذكر الحديث .
(قال أبو داود: ورواه أبو الوليد الطيالسي) هو هشام بن عبدالملك الباهلي، الإِمام
الحافظ الحجة، عن مالك والليث وزائدة وهمام بن يحيى وعاصم بن محمد العمري، وروى
عنه البخاري وأبو داود وحمد بن بشار وابن المثنى وجماعة. قال أحمد: متقن وهو اليوم شيخ
الإِسلام، وما أقدّم عليه أحدا من المحدثين. وقال أبو حاتم: كان إماما فقيها عالما ثقة
حافظا، ما رأيت في يده كتابا قط (ولم أسمعه منه) أي لم يسمع المؤلف هذا الحديث من أبي
الوليد الطيالسي مع كون المؤلف من تلامذة أبي الوليد، فبين المؤلف وشيخه أبي الوليد واسطه
في هذا الحدیث لم یذكرها المؤلف (عن سلیمان بن کثیر) العبدي، عن عمرو بن دینار وحصین
بن عبدالرحمن، وعنه أخوه محمد وابن مهدي وعفان. قال الحافظ في مقدمة الفتح(١): قال
النسائي: لا بأس به إلا في الزهري، فإنه يخطيء عليه. وقال ابن معين: ضعيف. وقال
الذهلي والعقيلي: مضطرب الحديث عن الزهري، وفي غيره أثبت. وقال ابن عدي: لم أسمع
أحدا قال في روايته عن غیر الزهري شيئا، وله عن الزهري أحادیث صالحة، ولا بأس به،
وروی له البحاري من حديثه عن حصین، وعلق له عن الزهري متابعة، وروى له مسلم
وأصحاب السنن انتهى .
(عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: استحيضت زينب بنت جحش) الأسدية أم
المؤمنين زوج النبي محمية، وأمها أميمة عمة النبي بسيطة، تزوجها النبي مئة سنة ثلاث وقيل سنة
خمس، ونزلت بسببها آية الحجاب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، وفيها نزلت ﴿فلما
قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾(٢). وقد وصفت عائشة زينب بالوصف الجميل في قصة
(*) شرح معاني الآثار ١٠١/١.
. (١) هدي الساري ص ٠٨
(٢) الأحزاب ٣٧

الإِفَّك، وأن الله عصمها بالورع، قالت: وهي التي كانت تستأمنني من أزواج النبي وأخطار،
وكانت تفخر على نساء النبي څ# بأنها بنت عمته، وبأن الله زوجها له وهن زوجهن أولياؤهن،
وكانت صالحة صوامة قوامة وصاحبة صدقة كثيرة. وذكر أبو عمر ابن عبدالبر(١) كان اسمها
برة، فلما دخلت على رسول الله # سماها زينب. روت عن النبي # أحاديث، روى عنها
ابن أخيها محمد بن عبدالله بن جحش وأم حبيبة بنت أبي سفيان وزينب بنت أبي سلمة، ولهم
صحبة، وكلثوم بنت المصطلق وغيرهم. وأخرج الطبراني(٢) من طريق الشعبي أن عبدالرحمن
ابن أبزي أخبره أنه صلى مع عمر على زينب بنت جحش، وكانت أول نساء النبي مجرّ ماتت
بعده. وفي الصحيحين(٣) واللفظ لمسلم من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت: قال
رسول الله : أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً، قال: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا، قالت:
وكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق. (فقال لها النبي ئة: اغتسلي لكل
صلاة، وساق الحديث) وفيه دليل على وجوب الاغتسال عليها لكل صلاة.
واعلم أن مالكا أخرج في الموطأ(٤) عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة
انهارأت زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكانت تستحاض، فكانت
تغتسل وتصلي .
قال النووي في شرح مسلم(٥): وزينب هي أم المؤمنين، لم يتزوجها عبد الرحمن بن عوف
قط، وإنما تزوجها أولا زيد بن حارثة، ثم تزوجها النبي مَ، والتي كانت تحت عبدالرحمن
هي أختها أم حبيبة، وقال: أبعد ابن عبد البر: قيل إن بنات جحش الثلاثة زينب وأم حبيبة
وحمنة زوج طلحة بن عبيدالله كن يستحصن كلهن. وقيل: إنه لم يستحض منهن إلا أم
حبيبة. وذكر القاضى يونس بن مغيث في كتابه الموعب شرح الموطأ مثل هذا، وذكر أن كل
واحدة منهن اسمها زينب، ولقب إحداهن جمنة، وكنية الأخرى أم حبيبة، وإذا كان كذلك
فقد سلم مالك من الخطأ في تسمية أم حبيبة زينب. وقد ذكر البخاري من حديث عائشة أن
امرأة من أزواجه # كانت تستحاض، وفي رواية أن بعض أمهات المؤمنين، وفي أخرى: أن
(١) الاستيعاب ٣١٤/٤ (بهامش الإصابة).
(٢) انظر مجمع الزوائد ٢٤٨/٩
(٣) البخاري (١٤٢٠)، مسلم (٢٤٥٢).
(٤) الموطأ (١٣٤).
(٥) شرح صحيح مسلم ٢٣/٤ .
- ٧٧

النبي * اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة. هذا آخر كلام القاضى انتهى. كلامه.
وقال الحافظ في فتح الباري(*) قال ابن الجوزي: ما عرفنا من أزواج النبي {18 من كانت
مستحاضة، قال: والظاهر أن عائشة أشارت بقولها من نسائه أي من النساء المتعلقات به،
وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش. قال الحافظ: يرد هذا التأويل قوله في
رواية للبخاري امرأة من أزواجه، فما أدري کیف غفل عنها ابن الجوزي. وفي رواية له بعض
أمهات المؤمنين، ومن المستبعد أن تعتكف معه ێ# امرأة غیر زوجاته، وان كان لها به تعلق وقد
حكى ابن عبدالبر أن بنات جحش الثلاثة كن مستحاضات: زينب أم المؤمنين، وحمنة زوج
طلحة، وأم حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف، وهي المشهورة منهن بذلك، وذكر أبو داود من
طريق سليمان بن كثير عن الزهري عن عروة عن عائشة: استحيضت زينب بنت جحش،
وكذا وقع في الموطأ أن زينب بنت جحش استحيضت، وجزم ابن عبدالبر بأنه خطأ، لأنه ذكر
أنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، والتي كانت تحت عبد الرحمن إنما هي أم حبيبة أختها.
قال الحافظ: وقال شيخنا الإمام البلقيني يحمل على أن زينب بنت جحش استحيضت وقتا
بخلاف أختها، فإن استحاضتها دامت انتهى كلامه .
وقال ابن القيم(١): قد روى جماعة من الحفاظ هذا، وقالوا: زينب بنت جحش زوجة
النبي وَّر لم تكن مستحاضة، وإنما المعروف أن أختها أم حبيبة وحمنة هما اثنتان: استحيضا.
وقال أبو القاسم السهيلي: قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن نجاح: أم حبيبة كان اسمها
زينب، فهما زينبان، غلبت على إحداهما الكنية وعلى الأخرى الاسم. ووقع في الموطأ أن زينب
التي كانت تحت عبد الرحمن، واستشكل بأنها لم تكن تحت عبد الرحمن، وإنما كانت تحته أختها
أم حبيبة. وعلى ما قال السهيلي عن ابن نجاح يرتفع الإِشكال. انتهى."
لكن قال الحافظ في التلخيص(٢): ومن الغرائب ما حكاه السهيلي ثم ذكره قوله الذي مر آنفاً
ثم قال: وأراد بذلك تصويب ما وقع في الموطأ أن زينب بنت جحش كانت عند عبد الرحن بن
عوف انتهى. وقال صاحب المطالع: لا يلتفت لقول من قال إن بنات جحش اسم كل منهن
زينب، لأن أهل المعرفة بالأنساب لا يُنبوته. وإن حمل عليه من قاله أن لا ينسب إلى مالك
(*) الفتح ٤١١/١
(١) تهذيب السنن ١٨٨/١.
(٢) التلخيص ١ / ١٦٣.
٧٨

وهم انتهى. وأجيب بأن مالكا لم ينفرد بتسمية أم حبيبة زينب، كما تقدم بيان ذلك في ترجمة
أم حبيبة في أوائل باب إذا أقبلت الحيضة، مع زيادة الكلام. وأما الإِمام ابن الأثير فحقق في
أسد الغابة بأن القول كون زينب مستحاضة لا يصح، كما سلف قوله في ترجمة حمنة بنت
جحش. والله أعلم
(قال أبو داود: ورواه عبدالصمد) بن عبد الوارث بن سعيد العنبري، أبو سهل
البصري الحافظ، عن شعبة وخالد بن دينار وهشام الدستوائي، وعنه ابنه عبدالوارث وابن
معین وأحمد وإسحاق. وقال أبو حاتم: صدوق (عن سليمان بن كثير) بإسناده السابق (قال)
عبدالصمد في روايته (توضئي لكل صلاة) مكان ((اغتسلي لكل صلاة)) (قال أبو داود: وهذا)
أي قوله توضئي لكل صلاة (وهم من عبدالصمد، والقول فيه) أي القول الصحيح في حديث
سليمان بن كثير (قول أبي الوليد) الطيالسي وهو قوله: اغتسلي لكل صلاة، وهذا ترجيح من
المؤلف لرفع الاغتسال لكل صلاة إلى رسول الله #، لكن قال البيهقي في المعرفة: وقد
رواه محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صل# قال فيه:
فأمرها بالغسل لكل صلاة، وكذلك رواه سلیمان بن کثیر عن الزهري في إحدى الروايات
عنه، والصحيح رواية الجمهور عن الزهري، وليس فيها الأمر بالغسل إلا مرة واحدة، ثم
كانت تغتسل عند كل صلاة صحيحا عن عروة عن عائشة، وصحح عن كل واحد منهما أنه
كان يرى عليها الوضوء لكل صلاة، وقد روى الأمر بالغسل لكل صلاة من أوجٍُ أُخَر كلها
ضعيفة ثم في حديث حمنة أن النبي و# قال لها: إن قويت فاجمعي بين الظهر والعصر بغسل،
وبين المغرب والعشاء، وصلى الصبح بغسل. قال الشافعي: وأعلمها أنه أحب الأمرين إليه
لها، وأنه يجزئها الأمر الأول أن تغتسل عند الطهر من الحيض، ثم لم يأمرها بغسل بعده، قال
الشافعي: وإن روى في المستحاضة حديث مغلق فحديث حمنة يبين أنه اختيار، وأن غيره
يجزيء عنه. هذا آخر كلام البيهقي .
وقال النووي(١) وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما أن النبي مقالات
أمرها بالغسل، فليس فيها شيء ثابت. وقد بين البيهقي ومن قبله ضَعْفَها، وإنما صحّ في هذا
ما رواه البخاري ومسلم، وأن أم حبيبة استخيضت فقال لها رسول الله وسائر: إنما ذلك عرق
فاغتسلي ثم صلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة قال الشافعي: إنما أمرها رسول الله _# ان
تغتسل وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة انتهى .
(١) شرح صحيح مسلم ٤ / ٢٠.
- ٧٩ -

وقال الحافظ في فتح الباري(*). وأما ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير وابن
إسحاق عن الزهري في هذا الحديث ((فأمرها بالغسل لكل صلاة))، فقد طعن الحفاظ في هذه
الزيادة، لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم یذکرها، وقد صرح اللیث کما تقدم بأن الزهري
لم یذکره انتھی .
قلت: لا شك أن سلیمان بن کثیر وإن کان حدیثه حجة في غیر الزهري، لکن روايته عن
الزهري فيها مقال كما عرفت في ترجمته، ومحمد بن إسحاق قد عنعن فروايتهما لا تقاوم رواية
أثبت أصحاب لزهري كالليث وابن عيينة وابن أي ذئب والأوزاعي وإبراهيم بن سعد
وغيرهم. والله أعلم.
٢٩٣ - حدثنا عبدالله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر، نا عبدالوارث عن
الحسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: حدثتني زينب بنت أبي
سلمة ان امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبدالرحمن بن عوف، أن رسول
الله ﴾ أمرها أن تَغْتَسِل عند كل صلاة وتصلي، وأخبرني أن أم بكر أخبرته أن
عائشة قالت: إن رسول الله وسلم قال في المرأة ترى مَايَرِيبُهَا بعد الطهر: ((إنما هي،
أو قال إنما هو عرقٌ، أو قال عروق)).
قال أبوداود: في حديث ابن عقيل الأمران جميعاً، قال: ((إن قويتٍ فاغتسلي لكل
صلاة وإلا فاجمعي)» كما قال القاسم في حديثه، وقد روى هذا القول عن سعيد بن
جبير عن علي وابن عباس.
[٢٩٣] - (حدثنا عبدالله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر) التميمي البصري، أحد
الحفاظ. روى عن عبثر وأبي الأشهب وجماعة. روى عنه البخاري وأبو داود وأبو زرعة وأبو
حاتم. وثقه ابن معين وعلي بن المديني وأبو داود والعجلي وأبو حاتم وأبو زرعة والأئمة كلهم،
لكن قال العجلي وابن خراش وغير واحد: إنه كان يرى القدر، زاد أبو داود: لكنه كان لا
يتكلم فيه. كذا في مقدة الفتح(١). (نا عبدالوارث) هو ابن سعيد كما في أطراف المزي(٢). قال
(*) الفتح ٤٢٧/١
(١) هدي الساري ص ٤١٥.
(٢) تحفة الأشراف (١٥٨٨٦).
٨٠ -