Indexed OCR Text

Pages 81-100

٦٨ - باب إذا شك في الحدث
١٧٦ - حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن أحمد بن أبي بن خلف قالا:
حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيَّب، وعباد بن تميم عن عمه
[قال]: شُكّي إلى النبي ◌َّيِ الرجل يجد الشيء في الصلاة حتى يخيّل إليه: فقال
((لا ينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)).
(باب إذا شك في الحدث) على وزن سبب، وهو الحالة المناقضة للطهارة شرعا،
والجمع: الأحداث، مثل سبب وأسباب.
[١٧٦] (حدثنا قتيبة بن سعيد) ثقة ثبت (ومحمد بن أحمد بن أبي خلف) بفتح الخاء واللام،
أبو عبدالله البغدادي. روى عن سفيان بن عيينة وأبي خالد الأحمر وجماعة. وعنه مسلم
وأبو داود وخلق. قال أبو حاتم: ثقة صدوق (قالا: ثنا سفيان) هو ابن عيينة، كما في رواية
مسلم (عن الزهري) محمد بن مسلم، إمام حافظ (عن سعيد بن المسيب) بفتح الياء ابن
حزن، المخزومي، أبي عبدالله المدني، رأس علماء التابعين، وفردهم وفاضلهم وفقيههم،
روى عن علي وعثمان وعمر وسعد وأبي ذر وأبي هريرة وغيرهم. وعنه قتادة وعمرو بن دينار
ويحيى بن سعيد الأنصاري وجماعة. قال قتادة: ما رأيت أحدا قط أعلم بالحلال والحرام
منه. وقال مكحول: ما لقيت أعلم منه. وقال سليمان بن موسى : انه أفقه التابعين. وقال
أحمد : انه أفضل التابعين. وقال ابن المديني: لا أعلم أحدا في التابعين أوسع علما منه،
وهو عندي أجل التابعين. وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه. وقال ابن حبان:
هو سيد التابعين. وقال الشافعي وأحمد وغير واحد: مراسيل بن المسيب صحاح - ذكره
السيوطي في اسعاف المبطا برجال الموطأ. (وعباد ابن تميم) بفتح العين المهملة وتشديد
الوحدة، ابن غزية الأنصاري المازني المدني، ثقة، عده الذهبي (١) في الصحابة ، وغيره
في التابعين(٢). وغزية: اسم أم تميم، واسم أبيه زيد الأنصاري. وقد تقدم مبسوطا في
((باب ما يجزي من الماء في الوضوء)). قال الحافظ بن حجر قوله: ((وعن عباد)» هو معطوف
على قوله: ((عن سعيد بن المسيب)). ثم ان شيخ سعيد بن المسيب فيه احتمالان: يحتمل
أن يكون عم عباد، كأنه قال: كلاهما عن عمه أي عم الثاني، وهو عباد. ويحتمل أن يكون
(١) راجع تجريد أسماء الصحابة (٩٠/١)
(٢) راجع تهذيب التهذيب (٩١/٥)
- ٨١ -

محذوفا، ويكون من مراسيل ابن المسيب. وعلى الأول جرى صاحب الأطراف، ويؤيد
الثاني رواية معمر لهذا الحديث عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي سعيد الخدري.
أخرجه ابن ماجة ورواته ثقات، لكن سئل أحمد عنه فقال: انه منكر. (عن عمه) هو
عبدالله بن زيد بن عاصم، المازني الأنصاري، سماه مسلم وغيره في روايتهم لهذا الحديث
من طريق ابن عيينة، واختلف هل هو عم عباد لأبيه أو لأمه. (شكى) بضم أوله على البناء
للمفعول، هكذا في أكثر النسخ، وكذا في رواية مسلم، واعتمد عليه النووي(١) فقال
شكى: بضم الشين وكسر الكاف، و((الرجل)) مرفوع، ولا يتوهم (أنه شكى) مفتوحة .
الشين والكاف ويجعل الشاكي هو عمه المذكور فإن هذا الوهم غلط - انتهى. وجاء في
بعض نسخ الكتاب: ((شكا)) بالالف ومقتضاه أن الراوي هو الشاكي، وهكذا في صحيح
البخاري (٢) ولفظه: ((عن عمه أنه شكا)) وفي رواية ابن خزيمة: ((عن عبد الجبار بن العلاء
عن سفيان)). ولفظه ((عن عمه عبدالله بن زيد قال: سألت رسول الله (وَّل*) عن
الرجل)). ومعنى قول النووي: فإن هذا الوهم غلط، أى ضبط لفظ (شكى) في رواية
مسلم بالألف قياسا على رواية البخاري وغيره وهم، فإن في رواية البخاري بلفظ ((أنه
شكى)) وليس هذه في رواية مسلم (إلى النبي (مَ(*) الرجل) مفعول مالم يسم فاعله، وعلى
"رواية ((شكا)» بالألف منصوب على المفعولية يجد الشيء) أي الحدث خارجا من دبره. وفيه
العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاص اسمه الا للضرورة. وهو (في الصلاة) تمسك
بعض المالكية بظاهره، فخصوا الحكم بمن كان داخل الصلاة، وأوجبوا الوضوء على من
كان خارجها، وفرقوا بالنهي عن إبطال العبادة. والنهي عن إبطال العبادة متوقف على
صحتها فلا معنى للتفريق بذلك، لأن هذا التخيل أن كان ناقصا خارج الصلاة فينبغي
أن يكون كذلك فيها كبقية التناقض (حتى يخيل إليه) بضم المثناة التحتية وفتح الخاء
المعجمة، مبنيا لما لم يسم فاعله أي يشبه له أنه خرج شيء من الريح أو الصوت. (فقال)
رسول الله (*): (لا ينفتل) بالجزم على النهي، ويجوز الرفع على أن ((لا)) نافية.
والانفتال: الانصراف، أي لا ينصرف (حتى) أي إلى أن (يسمع صوتا) من دبره (أو يجد
ريحا) منه .
قال النووي(٣): معناه ليعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بإجماع
(١) شرح مسلم (٥١/٤)
(٢) حديث رقم ١٣٧
(٣) شرح مسلم (٤/ ٤٩)
-٨٢ -

المسلمين. وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي
أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطاري
عليهما، فمن ذلك مسئلة الباب التي ورد فيها الحديث وهي أن من تيقن الطهارة وشك في
الحدث حكم ببقائه على الطهارة. ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة،
وحصوله خارج الصلاة، هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف - انتهى.
فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث عمل بيقين الطهارة، أو تيقن الحدث وشك في
الطهارة عمل بيقين الحدث - والله أعلم. والحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن
ماجة (١)
١٧٧ - حدثنا موسى بن إسماعيل، قال ثنا حماد، قال أخبرنا سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله وَال# قال: إذا كان
أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يُحدث فأشكل عليه فلا
- ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)).
[١٧٧] (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد) بن سلمة، ثقة (قال: أخبرنا سهيل بن
أبي صالح) ذكوان السمان، أبو زيد المدني. عن أبيه وسعيد بن المسيب وسعيد بن يسار.
وعنه موسى بن عقبة وابن جريج. وثقه ابن عيينة والعجلي. وقال النسائي: هو خير من
فليح وحسين المعلم. وقال أبوحاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به
وقال ابن عدي : هو عندي ثبت لا بأس به، مقبول الأخبار. (عن أبيه) أب صالح ذكوان
المدني، قال أحمد: ثقة. (عن أبي هريرة أن رسول اللّه (*) قال: إذا أحدكم في
الصلاة فوجد حركة في دبره) وفي رواية مسلم: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا (أحدث أو
لم يحدث). وفي مسلم أخرج منه شيء أم لا (فأشكل عليه) لعل فيه تقديم وتأخير أي
فأشكل عليه ((أحدث أو لم يحدث)) (فلاينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا).
وفيه دليل واضح على أن اليقين لا يزول بالشك في شيء من أمر الشرع. وتقدم آنفا
شرح هذه المسئلة على وجه التفصيل.
(١) البخاري رقم حديث ١٣٧، ومسلم حديث ٣٦١، والنسائي (١ /) وابن ماجة (حديث ٥١٣)
- ٨٣ -

والحديث أخرجه مسلم والترمذي(١) ولفظه ((أن رسول الله (*) قال: إذا كان
أحدكم في المسجد فوجد ريحا بين أليتيه فلا يخرج حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا)).
وفي لفظ له: «قال: لا وضوء إلا من صوت أو ريح)».
قال أبو عيسى الترمذي : وهو قول العلماء أن لا يجب عليه الوضوء إلا من حدث
يسمع صوتا أو يجد ريحا. وقال ابن المبارك: إذا شك في الحدث فإنه لا يجب عليه الوضوء
حتى يستيقن استيقانا يقدر أن يحلف عليه. وقال: إذا خرج من قبل المرأة الريح وجب
عليها الوضوء، وهو قول الشافعي وإسحاق - انتهى.
(١) مسلم رقم حديث ٣٦٢، والترمذي (٥٠/١)
- ٨٤ -

٦٩ - باب الوضوء من القُبْلة
١٧٨ - حدثنا محمد بن بشار، قال ثنا يحيى وعبدالرحمن قالا: ثنا سفيان، عن
أبي روْق، عن إبراهيم التّيْمي، عن عائشة أن النبي نج له ((قبّلها ولم يتوضأ)) قال
أبو داود: وهو مرسل، وكذا رواه الفريابي وغيره. إبراهيم التيمي لم يسمع من
عائشة شيئا .
(باب الوضوء من القبلة) بضم القاف وسكون الباء. اسم من: قبلت تقبيلا،
والجمع: قبل، مثل: غرفة وغرف.
[١٧٨) (حدثنا محمد بن بشار) ثقة (قال: ثنا يحيى) بن سعيد القطان، إمام حافظ
(وعبدالرحمن) بن مهدي، ثقة حافظ (قالا: ثنا سفيان) بن سعيد الثوري، أمام جليل
(عن أبي روق) بفتح الراء وسكون الواو المخففة، واسمه عطية بن الحرث، الهمداني
الكوفي. عن أنس وإبراهيم التيمي والشعبي. وعنه ابناه: يحيى وعمارة، والثوري. قال
أبو حاتم: صدوق. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين: صالح وقال ابن عبد البر:
قال الكوفيون: هو ثقة ولم يذكره أحد بجرح (عن إبراهيم التيمي) هو إبراهيم بن يزيد بن
شريك التيمي، تيم الرباب، أبو أسماء الكوفي، العابد القدوة، يرسل ويدلس. وعن
عائشة مرسلا به وأنس وعمرو بن ميمون والحارث بن سويد. وعنه الحكم بن عتيبة
والأعمش وغيره. وثقه ابن معين. وقال أبو زرعة: ثقة مرجيء. وقال الأعمش: كان إذا
سجد تجيء العصافير تنقر على ظهره. مات سنة اثنتين وتسعين، وقيل سنة أربع. وقيل
ان الحجاج قتله (عن عائشة أن النبي (وَل#) قبلها ولم يتوضأ).
وفيه دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، لأن القبلة من اللمس ولم يتوضأ بها
النبي (*).
والحديث ضعيف لكنه تؤيده الأحاديث الأخر:
ومنها ما أخرجه مسلم والترمذي(١) - وصححه - عن عائشة قالت: فقدت رسول
الله (*) ليلة من الفراش فالتمسته فوضعت يدي على باطن قدميه، وهو في المسجد،
وهما منصوبتان، وهو يقول: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك .. الحديث)).
(١) مسلم رقم حديث ٤٨٦، والترمذي في الدعوات (١٨٧/٥) وأخرجه أيضا أبو داود رقم حديث
٨٧٩.
- ٨٥ -

ومنها ما أخرجه الشيخان(*) في صحيحهما من حديث أبي سلمة عن عائشة قالت:
كنت أنام بين يدي رسول الله (ټ#) ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي،
فإذا قام بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. وفي لفظ: فإذا أراد أن يسجد غمز
رجل فضممتها إليّ ثم سجد.
ومنها ما أخرجه النسائي(١) عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: أن كان رسول
الله (184َ) ليصلي واني المعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني
برجله. قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الخبير(٢) إسناده صحيح. وقال الزيلعي(٣):
إسناده على شرط الصحيح .
ومنها ما أخرجه ابن ماجة (٤) عن زينب السهمية عن عائشة أن رسول الله (اَية)
كان يتوضأ، ثم يقبل ويصلي ولا يتوضأ، وربما فعله بي. قال الزيلعي(٥): سنده جيد.
قلت: فيه نظر لأن الحديث فيه حجاج بن أرطأة وهو كثير الخطأ والتدليس. وزينب
السهمية مجهولة، صرح به البيهقي وغير واحد.
ومنها ما أخرجه إسحاق بن راهوية في مسنده: أخبرنا بقية بن الوليد، حدثني
عبدالملك بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله (وَل#) قبلها
وهو صائم، وقال: ((ان القبلة لا تنقض الوضوء ولا تفطر الصائم.
ومنها ما أخرجه البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل بن يعقوب بن صبيح، ثنا
محمد بن موسى بن أعين، ثنا أبي، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن عائشة أن
النبي (*) كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ .
وعبدالكريم الجزري روى عنه مالك في الموطأ، وأخرج له الشيخان وغيرهما، ووثقه
ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة وأحمد والعجلي، وقال الحميدي عن سفيان: كان حافظا.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وموسى بن أعين مشهور وثقه أبو زرعة وأبو حاتم
وأخرج له مسلم، وابنه محمد مشهور. روى له البخاري. ووثقه ابن حبان وإسماعيل .
(٥) البخاري رقم حديث ٣٨٢، ومسلم رقم حديث ٥١٤
(١) سنن النسائي ١٠٢/١ وأخرجه أيضا ابن خزيمة في صحيحه (٨٢٢) ١٨/٢
(٢) تلخيص الحبير (١٧٨) ١/ ١٣٣
(٣) نصب الراية ٧٣/١
(٤) سنن ابن ماجة (٥٠٣) ١ /١٦٨
(٥) نصب الراية ٧٣/١
- ٨٦ -

روى عنه النسائي. ووثقه وأبو عوانة الأسفرايني. وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال عبدالحق بعد ذكره هذا الحديث من جهة البزار: لا أعلم له علة توجب تركه .
ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول ابن معين: حديث عبدالكريم عن عطاء حديث
روى لأنه غير محفوظ، وانفراده الثقة بالحديث لا يضره، فإما أن يكون قبل نزول الآية،
أو يكون الملامسة الجماع كما قال ابن عباس - انتهى.
قلت: حمله على قبل نزول الآية احتمال من غير دليل، ولقائل أن يقول بعكس
ذلك. وأما تصريح ابن عباس - الذي علمه الله تأويل كتابه واستحباب فيه دعوة
نبيه (*) بأن اللمس المذكور في الآية هو الجماع، فعليه اعتمادي، لأنه قد تقرر أن تفسيره
أرجح من تفسير غيره لتلك المزية .
فإن قلت: فقد رواه الدار قطني(١) من جهة عبدالرحمن بن مهدي عن الثوري عن
عبدالكريم عن عطاء قال: ليس في القبلة وضوء.
قلت: الذي رفعه زاد، والزيادة مقبولة، والحكم للرافع. أو يحتمل أن يكون عطاء
أفتى به مرة، مرة أخرى رفعه - والله أعلم. وإلى هذا ذهب على وابن عباس وعطاء وطاؤس
وأبو حنيفة وسفيان الثوري .
وذهب ابن مسعود وابن عمر والزهري ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد
وإسحاق إلى أن في القبلة وضوء. قال الترمذي (٢): وهو قول غير واحد من أهل العلم من
أصحاب النبي (#). ولهذه الجماعة أيضا دلائل: منها قوله تعالى ﴿أو لا مستم النساء فلم
تجدوا ماء فتيمموا﴾(٣) وقريء: ((أو لمستم)). قالوا: الآية صرحت بأن اللمس من جملة
الأحداث الموجبة للوضوء، وهو حقيقة في لمس اليد، ويؤيده بقاءه على معناه الحقيقي قراة
((أو لمستم)) فإنها ظاهرة في مجرد اللمس من دون الجماع .
وأجيب بأنه يجب المصير إلى المجاز، وهو أن اللمس مراد به الجماع لوجود القرينة،
وهي حديث عائشة في التقبيل، وحديثها في لمسها لبطن قدم رسول الله (#). وقد فسر
به ابن عباس. ويؤيد ذلك قول أكثر أهل العلم أن المراد بقول بعض الأعراب للنبي (*)
(١) سنن الدارقطني ١٣٧/١ و١٤٢
(٢) سنن الترمذي ٥٦/١
(٣) سورة النساء: ٤٣ وسورة المائدة ٦
- ٨٧ -
:

((أن امرأة لا ترد يد لامس))، الكناية عن كونها زانية، ولهذا قال له رسول الله (سَةٍ):
طلقها. قاله الشوكاني(١).
ومنها ما أخرجه مالك(٢) والشافعي عن ابن عمر بأن من قبل امرأته أو حسها بيده
فعليه الوضوء. ورواه البيهقي (٣) عن ابن مسعود بلفظ: القبلة من اللمس. وفيها الوضوء.
واللمس ما دون الجماع.
وإستدل الحاكم على أن المراد باللمس ما دون الجماع بحديث عائشة ما كان أو قل
يوم إلا وكان رسول الله (#) يأتينا فيقبل ويلمس ... الحديث. واستدل البيهقي
بحديث أبي هريرة: اليد زناها اللمس وفي قصة ماعز: ((لعلك قبلت أو لمست)). وبحديث
عمر: القبلة من اللمس فتوضوا منها. أخرجه البيهقي (٤) ..
وأجيب بأنه لا تنكر صحة اطلاق اللمس على الجس باليد، بل هو المعنى الحقيقي،
ولكنه يدعى بأن المقام محفوف بقرائن توجب المصير إلى المجاز.
وأما قولهم بأن القبلة فيها الوضوء، وأن اللمس ما دون الجماع. فقد خالفهم ابن
عباس، فقال: هي الجماع. ولم ير في اللمس وضوء كما ذكره البيهقي، ثم أسند البيهقي
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: اللمس والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكنى
ما يشاء بما يشاء.
وأما أثر عمر فضعفه ابن عبدالبر وقال: هو عندهم خطأ، وهو صحيح عن ابن
عمر، لا عن عمر.
وقال الحافظ إمام الدين ابن كثير(٥): وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني (٦) في سننه
عن عمر بن الخطاب نحو ذلك، ولكن روينا عنه من وجه آخر أنه كان يقبل امرأته ثم يصلي
ولا يتوضأ. فالرواية عنه مختلفة، فيحمل ما قاله في الوضوء - إن صح عنه - على
الاستحباب .
فهذه الآثار ليس فيها حجة لا سيما إذا وقع معارضا لما ورد عن صاحب الشريعة
(١) نيل الأوطار ٢٣١/١
(٢) الموطأ (٩٤) ص / ٤٠
(٣) السنن الكبرى ١٢٤/١
(٤) السنن الكبرى ١٢٤/١
(٥) تفسير ابن كثير ١/ ٥٠٣
(٦) سنن الدارقطني ١ / ١٤٤
- ٨٨ -

والله أعلم.
وقال الإِمام الحافظ عماد الدين في تفسيره(١): وأما قوله - تعالى -: ﴿أو لا مستم
النساء﴾(٢) فقريء ولامستم. واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين:
أحدهما أن ذلك كناية عن الجماع لقوله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم
لهن فريضة(٣) ... ﴾ وقال - تعالى -: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم
﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعبد
طلقتموهن من قبل أن تمسوهن الآية (٤)
الأشج، ثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله :
(أولمستم النساء) قال: الجماع.
وروى عن علي وأبي بن كعب ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد بن
جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وقال ابن جرير(٥): حدثني حميد بن سعدة، ثنا يزيد بن زريع، ثنا شعبة عن أبي
بشر عن سعيد بن جبير قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع. وقال
ناس من العرب: اللمس: الجماع. قال: فلقيت ابن عباس فقلت له: إن ناسا من الموالي
والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع. وقالت العرب: الجماع. قال:
فمن أي الفريقين كنت؟ قلت: كنت من الموالي. قال: غلب فريق الموالي، إن اللمس
والمس والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكنى ما شاء بما شاء.
ثم رواه عن ابن بشار غندر عن شعبة به نحوه .
ثم رواه من غير وجه عن سعيد بن جبير نحوه ومثله، قال: حدثني يعقوب، ثنا
هشيم قال أبو بشر: أخبرنا سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: اللمس والمس والمباشرة
الجماع، ولكن الله یکنی بما يشاء.
حدثنا عبدالحميد بن بيان، أنبأنا إسحاق الأزرق عن سفيان بن عاصم الأحول عن
بكر بن عبدالله عن عباس قال: الملامسة: الجماع، ولكن الله كريم يكنى بما يشاء.
وقد صرح من غير وجه عن عبدالله بن عباس أنه قال ذلك.
ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: عني الله - تعالى - بذلك كل من لمس بيد أو بغيرها
(١) تفسير ابن كثير ١ / ٥٠٢
(٢) سورة النساء (٤٣) وسورة المائدة (٦)
(٣) سورة البقرة (٢٣٧)
(٤) سورة الأحزاب (٤٩)
(٥) ٦٥/٥ في تفسير آية النساء (٤٣).
- ٨٩ -

من أعضاء الأنسان، وأوجب الوضوء على كل من مس بشيء من جسده شيئا من جسدها .
ثم أورد أثر عبدالله بن مسعود وابن عمر، وأقوال جماعة من التابعين في أن القبلة
من المس وفيها الوضوء.
ثم قال: والقول بوجوب الوضوء من المس هو قول الشافعي وأصحابه، ومالك،
والمشهور عن أحمد بن حنبل.
ثم قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عني الله بقوله:
﴿أو لا مستم النساء﴾ الجماع، دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول
الله (وَّ*) أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ.
(قال أبو داود: هو) أي حديث إبراهيم التيمي (مرسل). قال الحافظ ابن حجر في
شرح نخبة الفكر(١): ما يكون السقط فيه من آخره بعد التابعي هو المرسل. وصورته أن
يقول التابعي سواء كان كبيرا أو صغيرا، قال رسول الله (مَ (18) كذا، أو فعل كذا، أو فعل
بحضرته کذا، ونحو ذلك.
وقال شارحه الفاضل أكرم السندي في ((امعان النظر في توضيح نخبة الفكر".
وللمرسل معنیان آخران ۔ وما ذکرہ المصنف أکثر استعمالا منهما -:
أحدهما: تقييد التابعي بالكبير. ذكره في الألفية (٢) وغيره تبعا لما قال ابن عبد البر في
مقدمة التمهيد، لكن قال المصنف: لم أر التقييد بالكبير صريحا عن أحد.
وثانيهما: ما سقط راو من سنده سواء كان في أوله أو آخره. بينهما واحد أو أكثر. وهو
المعروف في الفقه وأصوله، وإليه ذهب من أهل الحديث أبوبكر الخطيب، كذا قال ابن
الصلاح(٣). قال العراقي في شرح الألفية(٤): وسيجيء في فصل التدليس أن ابن القطان
قال: الارسال روايته عمن لم يسمع منه. فعلى هذا من روى عمن سمع منه مالم يسمع
منه بل بينه وبينه فيه واسطة ليس بارسال، بل هو تدليس، وعلى هذا فيكون هذا قولا رابعا
في حد المرسل - انتهى كلامه.
(وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئا). وقال الترمذي (٥): ولا نعرف لابراهيم
(١) نزهة النظر في شرح نخبة الفكر. ص ٤١.
(٢) شرح الألفية ٣٦/١.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٥.
(٤) شرح الألفية ١٣٧/١.
(٥) سنن الترمذي ٥٨/١
- ٩٠ -

التيمي سماعا من عائشة. وقال النسائي(١) بعد اخراجه هذا الحديث: ليس في هذا الباب
حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلا. وقال البيهقي في المعرفة: وهذا مرسل.
إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، قاله أبو داود وغيره من الحفاظ وأبو روق ليس بالقوى
ضعفه يحيى بن معين وغيره ورواه أبو حنيفة عن أبي روق عن إبراهيم عن حفصة وإبراهيم
لم يسمع من عائشة ولا من حفصة ولا أدرك زمانهما، قاله أبو الحسن الدار قطني وغيره.
ورواه معاوية بن هشام - وليس بالقوي - عن سفيان عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن
أبيه عن عائشة. واختلف عليه في متنه فقيل: عنه في قبلة الصائم. وقيل: عنه في ترك
الوضوء منها - انتهى كلام البيهقي .
قلت: أبو روق لم يثبت فيه جرح ابن معين، بل قال فيه ابن معين: صالح. وقال
ابن عبدالبر: لم يذكره أحد بجرح، وقد تقدم آنفا. وقال الدار قطني في سننه(٢) وبعد أن
رواه: وقد روى هذا الحدیث معاوية بن هشام هذا الأزدي، أخرج له مسلم في صحيحه،
ووثقه أبوداود، وقال ابن معين: صالح وليس بذلك. وقال ابن حبان ربما أخطأ.
(وكذا رواه الفريابي وغيره) بكسر الفاء وسكون الراء. قال الذهبي في كتاب
المشتبه (٣): الفريابي وفيراب، ويقال: فارياب مدينة بالترك، منها محمد بن يوسف صاحب
الثوري. انتھی .
قلت: هو محمد بن يوسف بن واقد من أجلته أصحاب الثوري. روی عن یونس
بن أبي إسحاق وفطر بن خليفة وخلق. وروى عنه أحمد ومحمد بن يحيى والبخاري. وثقه
أبو حاتم والنسائي. وقال البخاري: كان أفضل أهل زمانه. وقال الذهبي في موضع آخر:
كان ثقة فاضلا عابدا. وأخرج أحمد(٤): حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي روق الهمداني
عن إبراهيم التيمي، عن عائشة أن رسول الله (#) قبل ثم صلى ولم يتوضأ.
وغرض المؤلف من إيراد هذه الجملة أن أكثر الحفاظ من أصحاب الثوري كيحيى
بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، ومحمد بن يوسف الفريابي، ووكيع وغيرهم
رووه هكذا عن سفيان مرسلا غير موصول. وفيه تعريض على من وصله من بعض
أصحاب الثوري كمعاوية بن هشام، وقد عرفت آنفا. وفي بعض سنن أبي داود ههنا هذه
العبارة.
(١) سنن النسائي ١٠٤/١
(٢) سنن الدارقطني ١٤١/١
(٣) كتاب المشتبه ٥٠٧/٢
(٤) مسند أحمد ٢١٠/٦
- ٩١ -

١٧٩ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن حبيب،
عن عروة، عن عائشة أن النبي # «قبّل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى
الصلاة، ولم يتوضأ)) قال عروة: فقلت لها: مَنْ هي إلا أنت؟ فضحكت قال
أبو داود: هكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحَّني عن سليمان الأعمش.
قال أبو داود: مات إبراهيم التيمي ولم يبلغ أربعين سنة وكان يكنى أبا أسماء انتهى.
.[١٧٩)(حدثنا عثمان) بن محمد (بن أبي شيبة) ثقة حافظ شهير، وله أوهام (قال: ثنا وكيع)
ثقة (قال: ثنا الأعمش) سليمان بن مهران، ثقة (عن حبيب) هو ابن أبي ثابت، كما صرح
به النسائي وابن ماجة. وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة والعجلي (عن عروة) بن الزبير،
وسيجيء تحقيقه (عن عائشة أن النبي (*) قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم
يتوضأ. قال عروة: فقلت لها: من هي إلا أنت، فضحكت) عائشة رضى الله عنها.
هذا السؤال ظاهر في أن سائله ابن الزبير، لأن عروة المزني لا يجسر أن يقول ذلك
الكلام لعائشة .
،ں
واعلم أن الحديث أخرجه الترمذي أيضا (١) ولم ينسب عروة في هذا الحديث أصلا
وهذا لفظه: حدثنا قتيبة وهناد وأبو كريب وأحمد بن منيع ومحمود بن غيلان وأبو عمار قالوا:
نا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة.
وكذا أخرجه الدار قطني في سننه(٢): حدثنا محمد بن موسى بن سهل البربهازي،
ثنا محمد بن معاوية بن مالج، نا علي بن هاشم، عن الأعمش.
خ: وحدثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام الرفاعي ،
ح: وحدثنا أبوبكر النيسابوري، ثنا حاجب بن سليمان.
ح: وحدثنا سعيد بن محمد الحناط، ثنا يوسف بن موسى قالوا: حدثنا وكيع بن
الجراح عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة أن رسول
.. الحديث.
الله (د).
وأما ابن ماجة(٣) فإنه نسبه وقال: حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا:
(١) سنن الترمذي (٨٦) ١ / ٥٧
(٢) سنن الدارقطني ١٣٧/١
(٣) سنن أبي ماجة (٥٠٢) ١٦٨٨/١
- ٩٢ -

ثنا وكيع، ثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة الحديث.
وأبلغ من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده(١) من حديث هشام بن عروة عن أبيه
عن عائشة .
وأخرج الدارقطني(٢): حدثنا أبوبكر النيسابوري، نا حاجب بن سليمان، ثنا وكيع
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قبل رسول الله (*) بعض نسائه ثم صلى
ولم يتوضأ، ثم ضِحكت.
قال الحافظ عماد الدين(٣): وهذا نص في كونه عروة بن الزبير ويستحق له قوله من
هى إلا أنت فضحكت انتهى، قال الدار قطني)تفرد به حاجب عن وكيع، ووهم فيه،
والصواب: عن وكيع بهذا الإسناد أن النبي (*) كان يقبل وهو صائم، وحاجب لم يكن
لە کتاب، إنما کان يحدث من حفظه.
حدثنا الحسين بن إسماعيل، نا علي بن العزيز الوراق، نا عاضم بن علي، نا أبو
أويس، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها بلغها قول ابن عمر: في القبلة
الوضوء، فقالت: كان رسول الله (#) يقبل وهو صائم ثم لا يتوضأ. ولا أعلم حدث
به عن عاصم بن علي هكذا غير علي بن عبدالعزيز - انتهى كلام الدار قطني.
قلت: أما الرواية الأولى للدار قطني ففيه أبوبكر النيسابوري. قال النووي في
تهذيب الأسماء واللغات(٥): اتفقوا على توثيقه - انتهى. وحاجب لا يعرف فيه مطعن. وقد
حدث عنه النسائي. ووثقه. وباقي الأسناد لا يسأل عنه إلا أن الدار قطني قال عقيبة :
تفرد به حاجب عن وكيع، ووهم فيه إلى آخر. فأجاب عنه الحافظ جمال الدين الزيلعي (٦)
بقوله: هو تفرد ثقة، وتحديثه من حفظه إن كان أوجب كثرة خطأه، بحيث يجب ترك حديثه
فلا يكون ثقة، ولكن النسائي وثقه وإن لم يوجب خروجه عن الثقةٍ فلعله لإ بهم، وكان
نسبة إلى الوهم بسبب مخالفة الأکثرین له
وأما الرواية الثانية للدار قطني ففيه علي بن عبد العزيز، وهو مصنف مشهور مخرج
(١) مسند أحمد ٢١٠/٦ وانظر لمزيد من التفصيل نصب الراية ٧١/١ والفتح الرباني ٢ /٩٠
(٢) سنن الدارقطني ١٣٦/١
(٣) تفسير ابن كثير ١/ ٥٠٤
(٤) سنن الدارقطني ١٣٦/١
(٥) تهذيب الأسماء واللغات ١٩٨/٢
(٦) نصب الراية ١٪ ٧٥
٩٣

عنه في المستدرك. وعاصم أخرج له البخاري. وأبو أويس استشهد به مسلم، قاله الحافظ
جمال الدين الزيلعي .
(قال أبو داود: هكذا) أي لفظ ((عروة)) مطلقا من غير تقييد ((بابن الزبير)) (رواه
زائدة) بن قدامة الكوفي، ثقة ثبت (وعبد الحميد) بن عبدالرحمن أبو يحيى (الحماني) بكسر
الحاء المهملة وتشديد الميم، نسبة إلى ((حمان)) قبيلة من تميم. روى عن الأعمش. وعنه ابنه
يحيى وأبو كريب. قال ابن معين: كان ثقة، ولكنه كان ضعيف العقل. وقال النسائي:
ثقة، وقال مرة: ليس بالقوي. وقال أبو داود: كان داعية إلى الارجاء. وضعفه ابن سعد
والعجلي (عن سليمان الأعمش) أخرج الدار قطني(١): حدثنا أبوبكر النيسابوري، ثنا علي
بن حرب وأحمد بن منصور ومحمد بن اشكاب وعباس بن محمد قالوا: أنا أبو يحيى الحماني،
نا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله
(رَلية) ... الحديث.
١٨٠ - حدثنا إبراهيم بن مخلد الطالقاني، قال ثنا عبدالرحمن بن مغراء، قال
ثنا الأعمش، قال ثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة بهذا الحديث.
قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك عني أن هذين - يعني
حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإِسناد في المستحاضة أنها
تتوضأ لكل صلاة - قال يحيى: احك عني أنهما شبه لاشيء. قال أبو داود:
ورُويَ عن الثوري أنه قال: ماحدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، يعني لم يحدثهم
عن عروة بن الزبير بشيء. قال أبو داود: وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن
عروة بن الزبير عن عائشة حديثاً صحيحاً.
[١٨٠](حدثنا إبراهيم بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء. روى عن رشدين بن سعد
وعبدالله بن المبارك. وعنه المؤلف. وثقه ابن حبان (الطالقاني) بفتح اللام وبعدها القاف،
منسوب إلى ((طالقان)) بلدة بخراسان (قال: ثنا عبدالرحمن بن مغراء) بفتح الميم أوله
واسكان الغين المعجمة، أبو زهير الكوفي، نزيل الري. عن إسماعيل بن أبي خالد وابن
إسحاق. وعنه يوسف بن موسى وسهل بن زنجلة وعمرو بن رافع وجماعة. وثقه أبو خالد
(١) سنن الدارقطني ١ /١٣٨
- ٩٤ _

الأحمر وابن حبان. وقال أبوزرعة: صدوق. وقال علي ابن المديني: ليس بشيء، كان
يروي عن الأعمش ستمائة حديث تركناه لم یکن بذاك. وقال ابن عدي : والذي قاله ابن
المديني هو كما قال، فإنه روى عن الأعمش أحاديث لا يتابعه عليها الثقات. هو من جملة
الضعفاء الذين يكتب حديثه. (قال: ثنا الأعمش قال: ثنا أصحاب لنا) وهؤلاء رجال
مجهولون، وما سمى منهم الا حبيب بن أبي ثابت (عن عروة المزني) قال الذهبي : هو شيخ
لحبيب بن أبي ثابت لا يعرف. وفي الخلاصة له أحاديث ضعفها القطان. وفي التقريب:
هو مجهول من الرابعة (عن عائشة بهذا الحديث) المذكور، فهذا من رواية عبدالرحمن بن
مغراء - وهو ضعيف - عن الأعمش عن رجال مجهولين.
(قال أبوداود: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك) أمر من الحكاية من باب
ضرب (عني) أي أخبر الناس عن جانبي (أن هذين) الحدیثین (يعني حديث) سليمان
(الأعمش هذا عن حبيب) بن أبي ثابت في الوضوء من القبلة. (وحديثه) بالنصب (بهذا
الاسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة) وهذا الحديث لعله هو ما يجيء في ((باب من
قال تغتسل المستحاضة من طهر إلى طهر)) من طريق وكيع عن الأعمش عن حهيب بن أبي
ثابت عن عروة عن عائشة، قال فاطمة بنت أبي حبيش ... الحديث (قال يحصى. احك
عني) أعاد هذه الجملة لكون الفصل والبعد بين القول والمقولة (أنهما شبه لاشيء) بكسر
الشين وسكون الباء الموحدة وسقط منه التنوين للإضافة إلى ((لا شيء)). ولا شيء إنارة إلى
الاسناد، أي هذان الحديثان ضعيفان من جهة الاسناد، ذكره شهاب بن رسلان.
وأخرج الدار قطني في سننه(١): حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا
علي بن المديني قال: سمعت يحيى وذكر عنده حديثا الأعمش عن حبيب عن عروة عن
عائشة: تصلي وان قطر على الحصير. وفي القبلة. قال يحيى احك عني أنهما شبه لا شيء.
وروى البيهقي في المعرفة: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب، سمعت عباس بن محمد الدوري يقول: قلت، ليحيى بن معين: حبيب ثبت
قال: نعم انما روی حدیثین، أظن یحی یرید منکرین: حدیث تصلي الحائض وان قطر
الدم على الحصير. وحديث القبلة - انتهى كلام البيهقي.
(قال أبو داود: وروى عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني،
(١) سنن الدارقطني ١٣٩/١
- ٩٥

يعني لم يحدثهم) أي لم يحدث حبيب أحدا من تلامذته ومنه الثوري وفي بعض نسخ المتن:
ماحدثنا حبيب إلا عن الأسود وعروة المزني، وهو غلط صريح (عن عروة بن الزبير بشيء)
بل كل ما رواه عن عروة، فهو المزني.
قلت: هذا النقل من الثوري بصيغة التمريض، ولم يسنده المؤلف بل قال عقيبة:
وقد روى حمزة عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا صحيحا. فهذا يدل على
أن أبا داود / يرض بما قاله الثوري، ويقدم قوله هذا لأنه مثبت، والثوري ناف، وإنما
المعروف من كلام الثوري أنه أنكر سماع حبيب من عروة.
أخرج الدار قطني(١) ثم البيهقي(٢) من طريقه: حدثنا أبوبكر النيسابوري، ثنا
عبدالرحمن بن بشر قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول - وذكر له حديث الأعمش
عن حبيب عن عروة - : قال: أما أن سفيان الثوري كان أعلم الناس بهذا. زعم أن حبيبا
لم يسمع من عروة شيئا. زاد البيهقي: أن حبياً لم يسمع من عروة يعني ابن الزبير شيئا.
(قال أبو داود: وقد روى حمزة الزيات) هو ابن حبيب بن عمارة الكوفي أحد القراء
السبعة. عن الحكم وعمرو بن مرة. وعنه عبد الله بن المبارك وجرير بن عبد الحميد وأبو
أحمد الزبيري وجماعة. وثقه ابن معين والنسائي. والزيات أي بائع الزيت، وهو الدهن،
وشجرته الزيتون (عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا صحيحا) في غير هذا
الباب الذي أشار إليه المؤلف الإِمام هو ما أخرجه الترمذي في ((كتاب الدعوات)) من
جامعه(٢): حدثنا أبو كريب، نا معاوية بن هشام عن حمزة الزيات عن حبيب بن أبي ثابت
عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله (م#) يقول: ((اللهم عافني في جسدي.
وعافني في بصري، واجعله الوارث مني، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله وب
العرش الكريم العظيم، والحمد لله رب العالمين)). هذا حديث حسن غريب، سمعت
محمدا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئا - انتهى كلامه.
فمقصود المؤلف بيان أن حبيب بن أبي ثابت وإن اختلف في شيخه أنه المزني أو ابن
الزبير فلا يشك في سماع حبيب من عروة. فإنه صحيح، وإليه أشار بقوله: حديثا
صحيحًا .
(١) سنن الدارقطني ١٣٩/١.
(٢) السنن الكبرى ١٢٦/١
(٣) سنن الترمدي كتاب الدعوات
-٩٦

ويؤيد هذا قول الحافظ ابن عبدالبر فإنه قال: صححه الكوفيون وثبتوه لرواية
الثقات من أئمة الحديث له. وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة لروايته عمن هو أكبر من عروة
وأقدم موتا. وقال في موضع آخر لا شك أنه أدرك عروة ۔ انتهى .
فمحصل الكلام أن عبدالرحمن بن مغراء مع ضعفه ورواية شيخه الأعمش عن
المجهولين قد تفرد عن الأعمش عن حبيب عن عروة بهذا اللفظ - أي عروة المزني - وأما
وكيع وعلي بن هاشم وأبو يحيى الحماني من أصحاب الأعمش فلم يقولوا به. فوكيع روى
عنه عثمان بن أبي شيبة وقتيبة وهناد وأبو كريب وأحمد بن منيع ومحمود ابن غيلان وأبو عمار
ويوسف بن موسى وأبو هشام الرفاعي وأبو يحيى الحسماني لفظ عروة بغير نسبة وروى عن
وكيع أبوبكر بن أبي شيبة وحاجب بن سليمان من أصحابه بلفظ: عروة بن الزبير، ثم
الأعمش أيضاً ليس متفرداً بل تابعه أبو أويس بلفظ عروة بن الزبير ثم حبيب بن أبي ثابت
ليس متفردا بل تابعه هشام بن عروة: عن أبيه، ومعلوم قطعا أنه ابن الزبير. فقد علم أن
المحفوظ عروة بن الزبير، فبعض الحفاظ أطلقه، وبعضهم نسبه وقد تقرر في موضعه أن
زيادة الثقة مقبولة .
وأما عروة المزي فغلط من عبد الرحمن بن مغراء. وروى البيهقي في سننه(١) الحديث
المذكور، وضعفه، وقال: إنه يرجع إلى عروة المزني، وهو مجهول.
قلت بل هو عروة بن الزبير كما أخرجه أحمد(٢) وابن ماجة (٣) والدارقطني(٤) بأسانيد
صحيحة كما عرفت. وعلى تقدير صحة ما قال البيهقي أنه عروة المزني، يحتمل أن حبيبا
سمعه من ابن الزبير، وسمعه من المزني أيضا كما وقع ذلك في كثير من الأحاديث.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن سماع حبيب من عروة متكلم فيه، قال سفيان الثوري
ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان ومحمد بن إسماعيل البخاري: لم يصح له سماع
من عروة بن الزبير، وصححه أبو داود وأبو عمر بن عبدالبر، لكن الصحيح هو القول
الأول فيكون الحديث منقطعا. وأجيب بأن ضعف الانقطاع بخبر بكثرة الطرق والروايات
العديدة، وتقدم بعضها.
(١) السنن الكبرى ١٢٦/١
(٢) مسند أحمد
(٣) سنن ابن ماجة (٥٠٢) ١٦٨/١
(٤) سنن الدارقطني ١٣٩/١
- ٩٧ -

وأخرج الدار قطني(٥) من طريق سعيد بن بشير، حدثني منصور بن زاذان عن
الزهري عن أبي سلمة عن عائشة قالت: لقد كان رسول الله (*) يقبلني إذا خرج إلى
الصلاة ولا يتوضأ. قال الدار قطني تفرد به سعيد وليس بالقوي .
قال الزيلعي(١): وسعيد هذا وثقه شعبة ودحيم، كذا قال ابن الجوزي. وأخرج له
الحاكم في المستدرك. وقال ابن عدي: لا أرى بما يروى باسا، والغالب عليه الصدق -
انتھی .
وأقل أحوال مثل هذا أن يستشهد به .
وأخرج الإِمام ابن جرير الطبري في تفسيره(٢): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ثنا
أبي، ثنا يزيد عن سنان عن عبدالرحمن عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة
عن أم سلمة أن رسول الله (#) كان يقبلها وهو صائم، ثم لا يفطر ولا يحدث وضوء.
وهذا الحديث أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط(٣) بهذا السند عن أبي هريرة قال:
كان رسول الله (*) يقبل ثم يخرج إلى الصلاة ولا يحدث وضوءا انتهى.
وفي الباب أحاديث أخر تركناها خوفا للاطالة - والله أعلم بالصواب.
(٥) سنن الدارقطني ١٣٥/١
(١) نصب الراية ١/ ٧٤.
(٢) مستدرك الحاكم.
(٣) تفسير بن جرير ٦٥/٥.
. (٤) المعجم الأوسط
- ٩٨ -

٧٠ - باب الوضوء من مس الذكر
١٨١ - حدثنا عبدالله بن مسلمة، عن مالك، عن عبدالله بن أبي بكر أنه
سمع عروة يقول: دخلت على مروان بن الحكم، فذكرنا مایکون منه الوضوء،
فقال مروان: ومن مَسّ الذكر، فقال عروة: ماعلمت ذلك، فقال مروان:
اخبرتني بُسْرَة بِنت صفوان أنها سمعت رسول الله وَّل﴾ يقول: ((مَنْ مسَّ ذكره
فلیتوضأ)».
(باب الوضوء من مس الذكر) هل هو واجب، فبين الحديث أنه ناقض للوضوء.
.[١٨١)](حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي، ثقة (عن مالك) بن أنس الإِمام (عن
عبدالله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني. عن أبيه وأنس وحميد
بن نافع وعباد بن تميم وعروة وطائفة. وعنه مالك والزهري - أحد شيوخه - وهشام بن عروة
وابن جريج والسفيانان وخلق. قال أحمد حديثه شفاء. ووثقه ابن معين وأبو حاتم
والنسائي وغيرهم. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عالما، قاله السيوطي في إسعاف
المبطا. ولا يلتفت إلى قول الطحاوي فإنه بعيد عن الحق بمراحل. قال البيهقي في المعرفة:
وقد روينا عن الزهري أنه قال: ما أعلم بالمدينة مثل عبدالله بن أبي بكر ولكن إنما منعه
أن يرتفع ذكره مكان أبيه أنه حيّ. ثم أسنده إلى الزهري قال: ولم يخطر ببالي أن يكون
إنسان يدعى معرفة الآثار والرواة ثم يطعن في عبدالله بن أبى بكر (أنه سمع عروة) بن
الزبير (يقول: دخلت على مروان بن الحكم) بفتح الحاء والكاف ابن أبي العاص ابن أمية،
ابن عم عثمان الأموي، أبو عبدالملك المدين، لا يصح له سماع. روى عن عثمان وعلي.
وعنه ابنه عبدالملك قال الحافظ: يقال: له روية. فإن ثبتت فلا يعرج علي من تكلم فيه.
وقال عروة بن الزبير: كان مروان لا يتهم في الحديث. وقد روى عنه سهل بن سعد
الساعدي الصحابي اعتمادا على صدقه. وإنما نقموا عيه أنه رمى طلحة يوم الجمل بسهم
فقتله ثم شهر السيف في طلب الخلافة حتى جرى ما جرى. فأما قتل طلحة فكان متأولا
فيه كما قرره الإسماعيلي وغيره. وأما ما بعد ذلك فإنما حمل عنه سهل بن سعد وعروة وعلي بن
الحسين وأبوبكر بن عبدالرحمن بن الحرث (فذكرنا) وفي الموطأ(١) ((فتذاكرنا)) (ما يكون منه
(١) الموطأ (٨٨) ص: ٣٨
- ٩٩ -

الوضوء) أي من أي شيء يلزم منه الوضوء (فقال مروان: ومن مس الذكر) يلزم الوضوء
أيضا. (فقال عروة: ما علمت ذلك) قال الحافظ ابن عبد البر: هذا مع منزلته من العلم
والفضل دليل على أن الجهل ببعض المعلومات لا يدخل نقيصة على العالم إذا كان عالما
بالسنن إذا لاحاطة بجميع المعلومات لا سبيل إليها - انتهى .
ثم روى عروة هذا الحديث عن زيد بن خالد الجهني فيما أخرجه أحمد بن حنبل في
مسنده(١) من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم الزهري عن عروة بن الزبير
عن زيد بن خالد الجهني سمعت رسول الله ( *) يقول: ((من مسّ فرجه فليتوضأ)).
وإسناده صحيح لا يسئل عن مثله. ومحمد بن إسحاق أحد الأئمة الثقات قد صرح
بالتحديث. وحديث زيد بن خالد أخرجه الطحاوي أيضا(٢)، وأورد عليه بایراد ضعيف
لا يليق أن يلتفت إليه، وهذا لفظه: ونفس هذا الحديث منكر وأخلق به أن يكون غلطا
لأن عروة حين سأله مروان عن مس الفرج فأجابه من رأيه أن لا وضوء فيه، وهذا بعد موت
مروان: عن بسرة عن النبي (َ (*) ما قال، قال له عروة: ما سمعت به، وهذا بعد موت
زيد بن خالد بما شاء اللّه، فكيف يجوز أن ينكر عروة على بسرة ما قد حدثه إياه
زيد بن خالد عن النبي (18) انتهى كلامه.
وحاصله أن حديث زيد غلط، لأن عروة أجاب مروان جين سأله عن مس الذكر
بأنه لا وضوء فيه، فقال له مروان: أخبرتني بسرة عن النبي - ( #) أن فيه الوضوء، فقال
له عروة: ما سمعت هذا، حتى أرسل مروان إلى بسرة شرطیا، فأخبرته، وكان ذلك بعد
موت زيد بن خالد بما شاء الله، فكيف يجوز أن ينكر عروة على بسرة ما حدثه به زید بن
خالد هذا مما لا يستقيم ولا يصح .
قال البيهقي (٣): وأما ما قال من تقديم موت زيد بن خالد الجهني، فهذا منه توهم،
فلا ينبغي لأهل العلم أن يطعنوا في الأخبار بالتوهم، فقد بقي زيد بن خالد إلي سنة ثمان
وسبعين من الهجرة، ومات مروان بن الحكم سنة خمس وستين، هكذا ذكره أهل العلم
بالتواريخ، فيجوز أن يكون عروة لم يسمعه من أحد حين سأله مروان، ثم سمعه من
بسرة، ثم سمعه بعد ذلك من زید بن خالد - انتھی .
(٢) مسند أحمد ١٩٤/٥
(١) شرح معاني الآثار ٧٣/١
(٢) السنن الكبرى (لم أجد)
- ١٠٠ -