Indexed OCR Text

Pages 21-40

- ٢١ -
صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِىَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَاسْتَقُوا النَّعَمَ، فَبَلَغَ الغبىّ
صلى اللهُ عليه وسلم خَرُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ، فَأَرْسَلَ العبيُّ صلى الله عليه وسلم
فِ آثَارِ، فَ ارْتَفَعَ النّهارُ حَتَّى جِيءُ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِمَتْ أَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمِّرَ أَعْهُفُهُمْ وَأُلْقُوا فِى الْرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ )) .
- مرحلة الفوق ذوات الألبان واحدها لقحة بكسر اللام وإسكان القاف قاله الحافظ
( وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها) احتج به من قال بطهارة بول ما كول
اللحم كالك وأحمد وطائفة من السلف، وذهب أبو حنيفة والشافعي وجماعة إلى
القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره ، وليس هذا
موضع بسط هذه المسألة (فلما صحوا) فى السياق حذف تقديره فشربوا من أبوالها
وألبانها ، وقد ثبت ذلك فى بعض الروايات كماقال الحافظ ( واستاقوا النعم) من
السوق وهو السير العفيف والنعم بفتح النون والعين واحد الأفعام أى الإبل
(فأرسل النبى صلى الله عليه وسلم) لم يذكر المفعول فى هذه.
قال الحافظ: زاد فى رواية الأوزاعى ((الطلب)) وفى حديث سلمة بن
الأكوع خيلا من المسلمين أميرهم كرز بن جابر الفهرى ( فى آثارهم ) أى عقبهم
(فقطعت أيديهم وأرجلهم) قال الداودى: يعنى قطع يدى كل واحد ورجليه.
قال الحافظ : ترده رواية الترمذى من خلاف (وسمر أعينهم) ضبط فى بعض
النسخ بتشديد الميم من التسمير . وقال الحافظ فى الفتح بتشديد الميم ، وفى رواية
أبى رجاء بتخفيف الميم انتهى. والمعنى كملوا بأميال قد أحميت وقال الخطابي:
يريد أنه أكملهم بمسامير محماة .
قال: والمشهور فى أكثر الروايات: سمل أى فقأ أعينهم كذا فى مرقاة
الصعود (وألقوا) بصيغة المجهول أى رموا (فى الحرة) هى أرض ذات حجارة -

- ٢٢ -
قالَ أَبُو قِلاَ بَةَ فَهُلاَءِ قَوْمٌ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَحَارَبُوا
اللهَ وَرَسُولَهُ .
- سود معروفة بالمدينة وإنما ألقوا فيها لأنها أقرب المكان الذى فعلوا فيه ما فعلوا
( يستسقون) أى يطلبون الماء أى من شدة العطش الناشىء من حرارة الشمس
(فلا يسقون) بصيغة المجهول أى فلا يعطون الماء .
واستشكل القاضى عياض عدم سقيهم الماء الاجماع على أن من وجب
عليه القتل فاستسقى لا يمنع، وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي صلى الله
عليه وسلم ولا وقع منه نهى عن سقيهم انتهى .
قال الحافظ وهو ضعيف جداً لأن النبى صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك
وسكوته كاف فى ثبوت الحكم ، وأجاب الدورى بأن المحارب المرتد لا حرمة له
فى سقى الماء ولا غيره، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته ليس له
أن يسقيه للمرتد ويقيمم بل يستعمله ولومات المرتد عطشاً .
وقال الخطابي: إنما فعل النبى صلى الله عليه وسلم بهم ذلك لأنه أراد بهم
الموت بذلك .
وقيل: إن الحكمة فى تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقى ألبان الإبل
التى حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم ، ولأن النبى صلى الله عليه وسلم دما
بالعطش على من عطش آل بيته فى قصة رواها النسائى ، فيحتمل أن يكونوا فى
تلك الليلة مدعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذى كان يراح به إلى الغبى
صلى الله عليه وسلم من لقاحه فى كل ليلة، كما ذكر ذلك ابن سعد . انتهى
كلام الحافظ .
قال فى فتح الودود: وقيل فعل ذلك قصاصاً لأنهم فعلوا بالراعى مثل ذلك
وقيل بل اشدة جغايتهم كما يشير إليه كلام أبي قتادة انتهى (قال أبو قلابة) -

- ٢٣ -
٤٣٤٣ - حدثنا مُوسَىَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ عنْ أَيُوبَ
يإِسْنَادِهِ بِهِذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: ((فَأَمَرَ بِسَامِيرَ فَأْخِيَتْ فَكَحَلَهُمْ وَقَطَعَ
أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَمَا حَسَمَهُمْ )).
٤٣٤٤ - حدثنا حُمِّدُ بنُ الصِّبَّاحِ بنِ سُفْيانَ أنبأناح وَأخبرنا عَمْرُو
ابنُ عُثْنَ حدثنا الْوَلِيِدُ عنِ الْأُوْزَاعِىِّ عن يَحْبَى يَعْنِى ابنَ أَبِى كَثِيرٍ عنْ
أَبِى قِلاَّبَةَ عنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ بِذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ ((فَبَعْثَ رَسُولُ اللهِ
- أى راوى الحديث (فهؤلاء قوم سرقوا) أى لأنهم أخذوا اللقاح من حرز
مثلها، وهذا قاله أبو قلابة استنباطاً كذا فى الفتح ( وقتلوا ) أى الراعى
( وكفروا) قال الحافظ فى الفتح هو فى رواية سعيد عن قتادة عن أنس فى
المغازى وكذا فى رواية وهيب عن أيوب فى الجهاد فى أصل الحديث وليس
موقوفاً على أبى قلابة كما توهمه بعضهم ، وكذا قوله وحاربوا ثبت عند أحمد فى
أصل الحديث انتهى .
قال المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
(بمسامير) جمع مسمار وقد من حديد بشد به (فأحميت) بالنار يقال أحميت
الحديد إذا أدخلته الفار لتحمى ( فكحلهم) أى بتلك المسامير المحماة (وما
حسمهم) الحسم الكى بالفار لقطع الدم أى لم يكو مواضع القطع لينقطع الدم،
بل تركهم.
قال الداودى : الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع فى زيت حار .
قال الحافظ : وهذا من صور الحسم وليس محصوراً فيه ..
قال ابن بطال: إنما ترك حسمهم لأنه أراد إهلاكهم، فأما من قطع فى -

- ٢٤ -
صلى الله عليه وسلم فى طَبِمْ قَافَةٌ فَأُنِّىَ بِهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ فِ ذَلِكَ: ﴿إنّا
جَزَاءِ الَّذِينَ يُحَارِ بُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآبة)).
- سرقة مثلا فإنه يجب حسمه لأنه لا يؤمن معه التلف غالباً بنزف الدم (قافة)
جمع قائف.
وفى رواية لمسلم: وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين ، فأرسلهم
إليهم وبعث معهم قائفاً يقتص أثرهم .
قال النووى : القائف : هو الذى يتقبع الآثار ويميزها .
وقال السيوطى: هو من يقبع أثراً ويطلب ضالة وهارباً ( الذين يحاربون
الله ورسوله ). قال القسطلانى: يحاربون الله أى يحاربون أولياءه . كذا
قرره الجمهور .
وقال الزغشرى: يحاربون رسول الله ومحاربة المسلمين فى حكم محاربته ،
أى المراد الإخبار بأنهم يحاربون رسول الله، وإنما ذكر اسم الله تعالى تعظيما
وتفخيما لمن يحارب (ويسعون فى الأرض فساداً) مصدر واقع موقع الحال أى
يسعون فى الأرض مفسدين، أو مفعول من أجله أى يحاربون ويسعون لأجل
الفساد ، وتمام الآية مع تفسيرها هكذا (أن يقتلوا) هذا خبر لقوله جزاء الذين
أى قصاصاً من غير صلب إن أفردوا القتل (أو يصلبوا) أى مع الققل إن
جمعوا بين القتل وأخذ المال وهل يقتل ويصلب أو يصلب حياً وينزل ويطعن
حتى يموت خلاف (أو تقطع أيديهم وأرجلهم ) إن أخذوا المال ولم يقتلوا
(من خلاف) حال من الأيدى والأرجل أى مختلفة ، فتقطع أيديهم اليمنى
وأرجلهم اليسرى ( أو ينفوا من الأرض ) اختلفوا فى المراد بالففى فى الآية ،
فقال مالك والشافعى يخرج من بلد الجناية إلى بلدة أخرى .
زاد مالك: فيحبس فيها، وعن أبى حقيقة بل يحبس فى بلده، وتعقب بأن -

- ٢٥ -
٤٣٤٥ - حدثنا مُوسَىَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حمّادُ أنبأنا ثَابِتٌ وَقَتَادَةُ
- الاستمرار فى البلد ولو كان مع الحبس إقامه فهو ضد النفى، فإن حقيقة النفى
الإخراج من البلد، وحجته أنه لا يؤمن منه استمرار المحاربة فى البلدة الأخرى
فأنفصل عنه مالك بأنه يحبس بها .
وقال الشافعى: يكفيه مفارقة الوطن والعشيرة خذلاناً وذلا (ذلك لهم خزى
فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم﴾ أشكل هذا مع حديث عبادة الدال على
أن من أقيم عليه الحد فى الدنيا كان له كفارة ، والجواب أن حديث عبادة
مخصوص بالمسلمين . كذا فى فتح البارى .
واعلم أن هذه الرواية وكذا بعض الروايات الآتية فى الباب تدل على أن
هذه الآية نزلت فى القوم المذكورين من عكل وعرينة ، وممن قال ذلك الحسن
وعطاء والضحاك والزهرى .
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فى من خرج من المسلمين يسعى فى
الأرض بالفساد ويقطع الطريق ، وهو قول مالك والشافعى والكوفيين .
قاله ابن بطال .
قال الحافظ المعتمد أن الآبه نزلت أولا فيهم وهى تتناول بعمومها من حارب
من المسلمين بقطع الطريق لكن عقوبة الفريقين مختلفة فإن كانوا كفاراً بخير
الإمام فيهم إذا ظفر بهم، وإن كانوا مسلمين فعلى قولين أحدهما وهو قول الشافعى
والكوفيين ينظر فى الجناية ، فمن قتل قتل، ومن أخذ المال قطع، ومن لم يقتل
ولم يأخذ مالا ننى ، وجعلوا أو للتنويع .
وقال مالك: بل هى للتخيير فيتغير الإمام فى المحارب المسلم بين الأمور الثلاثة
ورجح الطبرى الأول انتهى .

- ٢٦ -
وُخَيْدٌ عنْ أُنَسِ بنِ مَالِكٍ ذَكَّرَ هذَا الْدِيثَ. قالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأيْتُ
أَحَدَكُمْ بَكْدِمُ الْأَرْضَ بِفِيهِ عَطَئًا حَتِى مَانُوا .
٤٣٤٦ - حدثنا عُمَّدُ بنُ بَشّارٍ أخبرنا ابنُ أَبِى عَدَىِّعَنْ هِشَامٍ عن
فَتَادَةَ عنْأَنَسِ بنِ مَالِكٍ بِهِذَا الْحَدِيثِ نَحْوَهُ. زَادَ (ثُمَّ نَهَى عَنِ المُثْلَةِ))
وَلَمْ يَذْ كُرْ ((مِنْ خِلاَفٍ )) .
وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ وَسَلامِ بنِ مِسْكِينٍ عنْ قَابِتٍ ◌َجِيعاً عنْ أَنَسِ
لَمْ يَذْ كُرَّا ((مِنْ خِلافٍ، وَلَمْأُجِدْ فِى حَدِيثٍ أُحَدٍ ((قَطْعَ أَبْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ
مِنْ خِلافٍ)) إِلاَّ فى حَدِيثٍ حَمّدِ بنِ سَلَّةَ.
- (عن أنس بن مالك ذكر هذا الحديث) وقع بعد هذا فى بعض النسخ قال
فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وقال فى أوله استاقوا الإبل وارتدوا عن
الإسلام (يكدم الأرض ) قال السيوطى: بضم الدال وكسرها يتناولها بفمه،
ويعض عليها بأسءانه انتهى .
وفى القاموس : كدمه بكدمه ويكدمه عضه بأدنى فمه أو أثر فيه بحديدة
( بفيه) أى بغمه ( عطشاً) أى لأجل العطش.
قال المنذرى: وأخرجه مسلم من حديث حميد وعبد العزيز بن صهيب عن
أنس، وأخرجه البخارى تعليقاً من حديث قتادة عن أنس، وأخرجه الترمذى
عن ثلاثتهم، وأخرجه النسائى من حديث قتادة عن أنس ، وأخرجه ابن ماجه
من حديث حميد .
( ثم نهى عن المثلة) يقال مثلت بالحيوان مثلا إذا قطعت أطرافه وشوهت
به، ومثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئاً من أطرافه ،
والإسم المثلة. كذا فى المجمع.

- ٢٧ -
٤٣٤٧ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالِحِ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ أخبرنى
عَرٌوَ عنْ سَعِيدٍ بِنِ أَبِى هِلاَلٍ عنْ أَبى الزِّنَادِ عنْ صَهْدِ اللهِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ
قالَ أْحَدُ هُوَ يَعْنِ عَبْدُ اللهِ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ الْطَّابِ رَضِىَ اللهُ
عَنْهُ عنِ ابنِ عُمَ : ((أَنَّ أَنَسَ أَغَارُ وا عَلَى إِلِ النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
وَاسْتَقُوهَا [فاسْتَاقُوهَا ] وَارْتَدُّوا عنِ الْإِسْلاَمِ، وَقَلُوا رَاعِىَ رَسُولِ اللهِ
[ نَبِّ اللهِ ] صلى اللهُ عليه وسلم مُؤْمِناً، فَبَعَثَ فِ آَتَرِهِمْ، فَأُخِذُوا، فَقَطَعَ
أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَلَ أَعْنَهُمْ. قَالَ وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ
أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ الْجَّاجَ حِينَ سَأَلَهُ)).
- والحديث دليل على أن فعل المثلة منسوخ ( ولم يذكر من خلاف إلا قوله
إلا فى حديث حماد بن سلمة) هذه العبارة لم توجد إلا فى بعض النسخ، ولفظ من
خلاف ثبت فى روايه الترمذى وغيره أيضاً كما صرح به الحافظ .
(أغاروا على إبل النبى صلى الله عليه وسلم) أى نهبوها ( مؤمناً) حال من
راعى الغبى صلى الله عليه وسلم وكان اسمه يسار ( وسمل أعينهم ) قال النووى :
معنى سمل باللام فقأها وأذهب ما فيها ، ومعنى سمر كملها بمسامير محمية، وقيل
هما بمعنى انتهى.
قلت : رواية السمل لا يخالف رواية السمر لأن معنى العمل على ما قال
الخطابى هو فقأ العين بأى شىء كان ، فإذا سمل العين بالمسمار الحمى يصدق عليه
السمل والسمر كلاهما كما لا يخفى (وهم الذين أخبر عنهم أنس بن مالك الخ) -
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
قد ذكر مسلم فى صحيحه عن أنس قال (( إنما سمل النبى صلى الله عليه وسلم أعين
أولئك، لأنهم سملوا أعين الرعاء ))
=

- ٢٨ -
٤٣٤٨ - حدثنا أَحَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السّرْحِ أَنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبر نى
الَّيْثُ بنُ سَعْدٍ عنْ مُمَّدٍ بنِ عَجْلَانَ عنْ أَبِى الرَّنَادِ (( أَنَّرَسُولَ اللهِ صلى
اللهُ عليه وسلم لَمْا قَطَعَ الَّذِينَ سَرَقُوا لِقَاحَهُ وَعَلَ أَعْيُنَهُمْ بِالنَّارِ عَاتَبَهُ اللهُ
فِى ذَلِكَ ، فَأَ نْزَلَ اللهُ ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الّذِينَ يُحَارِ بُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ
فِ الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآيَةَ)).
- وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبى حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى
أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت فى
أولئك النفر من العرفيين وهم من بجيلة .
قال أنس: فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعى واستاقوا الإبل وأخافوا
السبيل وأصابوا الفرج الحرام ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل
عن القضاء فيمن حارب فقال من سرق وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام
فاصلبه انتهى .
قال المنذرى : وأخرجه النسائى .
( عاتبه الله فى ذلك) وأخرج ابن جرير عن الوليد بن مسلم قال : ذكرت
لليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك حسمهم حتى
ماتوا، فقال سمعت محمد بن عجلان يقول أنزات هذه الآية على رسول الله صلى
الله عليه وسلم معاتبة فى ذلك وعلمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفى ولم -
= وذكر ابن إسحاق: أن هؤلاء كانوا قد مثلوا بالراعى ، فقطعوا يديه ورجليه ،
وغرزوا الشوك فى عينيه ، فأدخل المدينة ميتاً على هذه الصفة .
وترجمة البخارى فى صحيحه تدل على ذلك، فإنه ساقه فى باب ((إذا حرق المسلم،
هل يحرق؟)) فذكره .
وذكر البخارى أيضاً أنهم كانوا من أهل الصفة، وذكر أنه لم يحسمهم حتى ماتوا

- ٢٩ -
٤٣٤٩ - حدثنا محمّدُ بنُ كَثِير أنبأناح وَأخبرنا مُوسَى بنُ إشَمَاعِيلَ
قالَ أنبأنا هَامٌ عنْ قَتَدَةَ عنْ مُمِّدِ بنِ سِيرِينَ قَالَ ((كَانَ هُذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ
الْحُدُودُ يَعْنِى حَدِيثَ أَنَسٍ)).
٤٣٥٠ - حدثنا أَحَدُ بنُ مُمَّدٍ بن ثَابِتٍ حدثنا عَلِىُّ بنُ حُسَيْنٍ عنْ
أَبِهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِىُّ عَنْ عِكْرِمَةً من ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿إِنَّا جَزَاءُ الَّذِينَ
يُحَرِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَنْعَوْنَ فِ الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يَقَتِّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ
تُقْطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ - إِلَى قَوْلِهِ- غَفُورٌ
يسمل بعدهم غيرهم . قال وكان هذا القول ذكر لابن عمر ، فأنكر أن تكون
نزلت معاقبة وقال بل كانت عقوبة ذلك النقر بأعيانهم ثم نزلت هذه الآية فى
عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنه السمل انتهى .
قال المنذرى : حديث أبى الزناد هذا مرسل وأخرجه الفسائى مرسلا.
( كان هذا قبل أن تنزل الحدود) قال النووى قال القاضى عياض رحمه الله
واختلف العلماء فى معنى حديث العرنيين هذا، فقال بعض السلف كان هذا قبل
نزول الحدود وآية المحاربة والنهى عن المثلة وهو منوخ وقيل ليس بمنسوخ ،
وفيهم نزلت آية المحاربة ، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهم ما فعل قصاصاً
لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك .
وقد رواه مسلم فى بعض طرقه ورواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأهل
السير والترمذى، وقال بعضهم النهى عن المثلة نهى تنزيه ليس بحرام انتهى.
( يعنى حديث أنس) هذا تفسير لقوله هذا من بعض الرواة. والحديث سكت
عنه المنذرى .
( عن ابن عباس قال إنما جزاء الذين الخ) تقدم تفسير هذه الآية فى --

- ٣٠ -
رَحِيمٌ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِى الْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ تَبَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ
عَلَيْهٍ لَمْ يَمْتَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يَقَمَ فِيهِ الْدُّ الَّذِى أَصَابَ [أَصَابَهُ] .
- هذا الباب (فمن قاب منهم) أى من المؤمنين، وظاهر اللفظ يوم أن الضمير
المجرور فى منهم يرجع إلى المشركين وليس كذلك ، يبيعه رواية النسائى ففيها
نزلت هذه الآية فى المشركين فمن قاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل
وليست هذه الآية للرجل المسلم فمن قتل وأفسد فى الأرض وحارب الله ورسوله
ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذى أصاب
( قبل أن يقدر ) بصيغة المجهول وهذا التفصيل مذهب ابن عباس، وظاهر الآية
شامل للكافر والمسلم .
وأخرج ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وغيرهما عن الشعبى قال كان حارثة بن
بدر التميمى من أهل البصرة قد أفسد فى الأرض وحارب وكلم رجالا من قريش
أن يستأمنوا له علياً فأبوا، فأتى سعيد بن قيس الهمدانى، فأتى علياً فقال يا أمير
المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً ؟ قال :
أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض
ثم قال إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ، فقال سعيد وإن كان حارثة
ابن بدر ، فقال هذا حارثة بن بدر قد جاء قائباً فهو آمن قال نعم ، قال نجاء به
إليه فبايعه وقبل ذلك منه وكتب له أماناً .
وأخرج أيضًا ابن أبى شيبة وعبد بن حميد عن الأشعث عن رجل قال صلى
رجل مع أبى موسى الأشعرى الغداة ثم قال هذا مقام العائذ التائب أنا فلان بن
فلان أنا كنت ممن حارب الله ورسوله وجئت تائباً من قبل أن يقدر على ،
فقال أبو موسى إن فلان بن فلان كان ممن حارب الله ورسوله وجاء تائباً من قبل -

- ٣١ -
٤ - باب فى الحد يشفع فيه
٤٣٥١ - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَوْهِبِ الْخَمْدَانى
قالَ حدَّثْنى حِ وَأخبر نا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ الثّقَفِىُّ أخبرنا الَّيْثُ عن ابن شِهَبٍ
عِنْ عُرْوَةَ عَن ◌َائِشَةَ ((أَنَّ قُرَيْئًا أَهمّهُمْ شَأْنُ الَرَأَةِ المَخْرُوِيَّةِ الْتِى سَرَقَتْ،
فَقَالُوا مَنْ بَكَلِّمُ فِيهاَ يَعْنِى [ تَعْنِى] رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ؟ قالُوا
[ فَقَالُوا ] وَمَنْ يَجْتَرَىُّ إِلاَّ أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ حِبُّ النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم ،
فَكَلََّهُ أُسَمَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَا أَسَامَةُ أَنَشْفَعُ فِى
عَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَلَى؟ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: إِنََّ مَكَ الَّذِينَ مِنْ
- أن يقدر عليه فلا يعرض له أحد إلا بخير فإن يك صادقاً فسبيلى ذلك، وإن
يك كاذباً فلعل الله أن يأخذه بذنهه انتهى .
قال المنذرى: فى إسناده على بن الحسين بن واقد وفيه مقال .
( باب فى الحد يشفع فيه)
( إن قريشاً أهمهم) أى أحزنهم وأوقعهم فى الهم خوفاً من لحوق العار،
وافتضاحهم بها بين القبائل ( شأن المرأة المخزومية ) أى المنسوبة إلى بني مخزوم
قبيلة كبيرة من قريش وهى فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بنت أخى أبى سلمة
ابن عبد الأسد الصحابى الجليل الذى كان زوج أم سلمة أم المؤمنين قتل أبوها
كافراً يوم بدر قتله حمزة ( التى سرقت ) أى وكانت تستعير المتاع وتجحده أيضاً
كما فى الرواية الآتية ( فقالوا) أى أهلها (من يكلم فيها) أى من يشفع أن لا تقطع
إما عفواً أو بغداء ( ومن يجترىء) أى يتجاسر عليه صلى الله عليه وسلم بطريق
الإدلال قاله النووى ( إلا أسامة بن زيد حب النبي صلى الله عليه وسلم) بكسر
الحاء أى محبوبه وهو بالرفع عطف بيان أو بدل من أسامة (أتشفع فى حد) أى -

- ٣٢ -
قَبْلِكُ أَنَّهُمْ كَانَوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَّكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ
فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْدَّ ، وَانْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَطِمَةَ بِنْتَ محمَّدٍ سَرَقَتْ
لَقَطَعْتُ يَدَهَاَ )).
- فى تركه والاستفهام للتوبيخ (فاختطب) قال القارى أى بالغ فى خطبته أو أظهر
خطبته وهو أحسن من قول الشارح أى خطب انتهى .
قلت : وفى رواية للبخارى خطب (إنما هلك الذين من قبلكم) وفى
رواية سفيان عند النسائى: إنما هلك بنو إسرائيل (أنهم) أى لأجل أنهم
(كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه) فلا يحدونه (وإذا سرق فيهم الضعيف
أقاموا عليه الحد ) قال ابن دقيق العيد: الظاهر أن هذا الحصر ليس عاماً ، فإن
بنى إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقعفى الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر
مخصوص وهو الإهلاك بسبب المحاباة فى الحدود فلا ينحصر فى حد السرقة ( لو
أن فاطمة) رضى الله عنها (بنت محمد) صلى الله عليه وسلم (سرقت لقطعت يدها)
وعند ابن ماجه عن محمد بن رمح شيخه فى هذا الحديث سمعت الليث بقول
عقب هذا الحديث قد أعادها الله من أن تسرق ، وكل مسلم ينبغى له أن يقول
مثل هذا ، فينبغى أن لا يذكر هذا الحديث فى الاستدلال ونحوه إلا بهذه
الزيادة، وإنما خص صلى الله عليه وسلم فاطمة بالذكر لأنها أعز أهله عنده،
فأراد المبالغة فى تثبيت إقامة الحد على كل مكلف وترك المحاباة فى ذلك . وفى
الحديث مفع الشفاعة فى الحدود وهو مقيد بما إذا رفع إلى السلطان .
وعند الدارقطنى من حديث الزبير مرفوعاً: ((إشفعوا ما لم يصل إلى الوالى
فإذا وصل إلى الوالى فعقا فلا عفا الله عنه)).
قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً أن الشفاعة فى ذوى الذنوب حسنة -

- ٣٣-
٤٣٥٢ - حدثنا عَبَّاسُ بنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ وَمُمَّدُ بنُ يَحْتَى قالاَ أخبرنا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنبأنا مَنْتَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :
((كَنَتْ امْرَأَةٌ مَخْرُ وِيَّةٌ تَسْتَسِيرُ المَاعَ وَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه
وسلم بِقَطْعِ يَدِهَا - وَقَعَنِّ تَحْوَ حَدِيثِ الَّيْثِ قَالَ - فَقْطَعَ النَّبِىُّ صلى اللهُ
عليه وسلم يَدَهَا ».
-- جميلة ما لم تبلغ السلطان، وأن على السلطان إذا بلغته أن يقيمها. كذا فى
إرشاد السارى .
قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجه.
( تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بقطع يدها ) قال
النووى : قال العلماء المراد أنها قطعت بالسرقة وإنما ذكرت العارية تعريفاً لها
ووصفاً لها لا أنها سبب القطع .
خ-
ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله حديث المخزومية ثم قال :
وهذا الحديث قد ذهب إليه الإمام أحمد وإسحق .
وأعل بعض الناس الحديث بأن معمراً تفرد من بين سائر الرواة بذكر (العارية))
فى هذا الحديث . وأن الليث ويونس وأيوب بن موسى رووه عن الزهرى ، وقالوا
(( سرقت)) ومعمر لا يقاومهم .
قالوا : ولو ثبت ، فذكر وصف العارية إنما هو للتعريف المجرد لا أنه سبب القطع
فأما تعليله بما ذكر: فباطل.
فقد رواه أبو مالك عمرو بن هاشم الجنى الكوفى عن عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر (( أن امرأة كانت تستعير الحلى للناس ثم تمسكه، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: لتقب هذه المرأة إلى الله ورسوله، وترد ما تأخذ على القوم - ثم
قال رسول الله صلى عليه وسلم: قم يابلال خذ بيدها فاقطعها)) ذكره النسائى، =
(٣ - عون المعبود ١٢)

- ٣٤ -
قال أبُو دَاوُدَ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ هَذَا الْدِيثَ عنْ يُونُسَ عن الزُّهْرِىِّ
- قال: وقد ذكر مسلم هذا الحديث فى سائر الطرق المصرحة بأنها سرقت
وقطعت بسبب السرقة فيتعين حمل هذه الرواية على ذلك جمعاً بين الروايات ،
فإنها قضية واحدة، مع أن جماعة من الأمة قالوا هذه الرواية شاذة فإنها مخالفة
لجماهير الرواة والشاذة لا يعمل بها .
قال العلماء: وإنما لم يذكر السرقة فى هذه الرواية لأن المقصود منها عند
الراوى ذكر منع الشفاعة فى الحدود لا الإخبار عن السرقة .
قال جماهير العلماء وفقهاء الأمصار لا قطع على من جحد العارية، وتأولوا
هذا الحديث بنحو ما ذكرته .
وقال أحمد وإسحاق: يجب القطع فى ذلك انتهى (وقص) أى ذكروبين
(نحو حديث الليث) يعنى الحديث الذى قبله (فقطع الغبى صلى الله عليه وسلم
بدها) وفى رواية للبخارى ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها .
= ورواه شعيب ابن إسحاق عن عبيد الله عن نافع بنحوه سواء، ذكره النسائى.
أيضاً وقال فيه ((لتتب هذه المرأة، ولتؤدى ماعندها، مراراً، فلم تفعل. فأمر
بها فقطعت))
وهو يبطل قول من قال: إن ذكر هذا الوصف للتعريف المجرد .
ورواه سفيان عن أيوب بن موسى عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت
(( كانت مخزومية تستعير متاعاً وتجحده، فرفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وكلم فيها، فقال: لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها )) ذكره النسائى.
ورواه بشر بن شعيب : أخبرنى أبى عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت :
(( استعارت امرأة - على ألسنة أناس يعرفون، وهى لاتعرف - حلياً، فباعته وأخذت
منه، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث - وقال فى آخره: ثم
قطع تلك المرأة)) ذكره النسائى أيضاً.
ورواه هشام عن قتادة عن سعيد بن يزيد عن سعيد بن المسيب ((أن امرأة من =

- ٣٥ -
وَقَالَ فِبِهِ كَمَا قَالَ الَلَيْثُ إِنَّ امْرَأَةٌ سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
فِى غَزْوَةِ الْفَتْحِ .
- وفى حديث ابن عمر عند النسائى: قم يا بلال نفذ بيدها فاقطعها . ففي رواية
أبى داود مجاز .
قال المنذرى: وأخرجه مسلم ( وقال فيه كما قال الليث إن امرأة سرقت الخ)
حاصله أن ابن وهب روى هذا الحديث وذكر فيه السرقة دون الاستمارة مثل
رواية الليث المتقدمة ( فى غزوة الفتح) أى فتح مكة .
قال المنذرى: وحديث ابن وهب هذا الذى علقه أبوداود أخرجه البخارى -
= بى مخزوم استعارت حلياً على لسان أناس، نجحدته ، فأحر بها النبى صلى الله عليه
وسلم فقطعت )) ذكره النسائى أيضاً .
فقد صح الحديث ولله الحمد . ولا تنافى بين ذكر جعد العارية وبين السرقة ،
فإن ذلك داخل فى اسم السرقة .
فإن هؤلاء الذين قالوا (( إنها جحدت العارية وذكروا أن قطعها لهذا السبب ،
قالوا: (( إنها سرقت)) فأطلقوا على ذلك اسم السرقة.
فثبت لغة أن فاعل ذلك سارق ، وثبت شرعاً أن حده قطع اليد .
وهذه الطريقة أولى من سلوك طريقة القياس فى اللغة. فيثبت كون الخائن سارقاً
لغة ، قياساً على السارق، ثم يثبت الحكم فيه.
وعلى ما ذكرناه يكون تناول اسم السارق للجاحد لغة ، بدليل تسمية الصحابة
له سارقاً .
ونظير هذا سواء : ما تقدم من تسمية نبيذ التمر وغيره خمراً ، لغة لا قياساً.
وكذلك تسمية النباش سارقا .
وأما قولهم: إن ذكر جحد العارية للتعريف لا أنه المؤثر: فكلام فى غاية الفساد
لو صح مثله - وحاشى وكلا - لذهب من أيدينا عامة الأحكام المترتبة على الأوصاف
وهذه طريقة لا يرتضيها أئمة العلم، ولا يردون بمثلها السنن ، وإنما يسلكها بعض
المقلدين من الأتباع .

- ٣٦ -
وَرَوَاهُ اللَيْثُ عنْ يُؤنُسَ عن ابنِ شِهَبٍ بِإِسْنَادِهِ قَالَ [فَقَالَ] اسْتَرَتِ
امْرَأَةٌ. وَرَوَى [ رَوَاهُ ] مَسْعُودُ بنُ الْأُسْوَدِ من اللَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
نَحْوَهَذَا الْبَرِ قَالَ: ((سَرَّقَتْ قَطِيفَةً مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم))
- ومسلم والنسائى (ورواه الليث عن يونس عن ابن شهاب بإسنادة قال
استعارت امرأة).
قال المنذرى : وهذا الذى علقه أيضاً قد ذكره البخارى تعليقاً ولم يذكر
لفظه ( سرقت قطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم) وعند ابن سعد
من مرسل حبيب بن أبى ثابت أنها سرقت حلياً ، وجمع بينهما بأن الحلى كان
فى القطيفة ، والقطيفة هى كساء له خمل .
قال المنذرى: وهذا الذى علقه أيضا قد أخرجه ابن ماجه فى سننه وفى إسناده -
= ولو ثبت أن جاحد العارية لا يسمى سارقا لكان قطعه بهذا الحديث جاريا على
وفق القياس . فإِن ضرره مثل ضرر السارق أو أكثر ، إذ يمكن الاحتراز من
السارق بالإحراز والحفظ . وأما العارية: فالحاجة الشديدة - التى تبلغ الضرورة -
ماسة إليها ، وحاجة الناس فيما بينهم إليها من أشد الحاجات ولهذا ذهب من ذهب
من العلماء إلى وجوبها، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين ، وأحد القولين
فى مذهب أحمد .
فترتيب القطع على جاحدها طريق إلى حفظ أموال الناس ، وترك الباب هذا
المعروف مفتوحا .
وأما إذا علم أن الجاحد لا يقطع فإنه يفضى إلى سد باب العارية فى الغالب .
وسر المسألة : أن السارق إنما قطع - دون المنتهب والمختلس - لأنه لا يمكن
التحرز منه، بخلاف المنتهب والمختلس ، فإنه إنما يفعل ذلك عند عدم احتراز المالك .
وقد ذكرنا أن العارية فيما بين الناس أمر تدعو إليه الحاجة ، فلا يمكن سده
والاحتراز منه ، فكان قطع اليد فى جنايته كقطعها فى جناية السرقة ، وبالله التوفيق.

- ٣٧ -
قال أبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أَبُو الزَّبَيْرِ عنْ جَابِ ((أَنَّ امْرَأَةَ سَرَّقَتْ، فَذَتْ
بِزَيْذَبَ مِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم)).
وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ أَيُّوبَ بنِ مُوسَ عنِ الزُّهْرِىِّ عنْ غُرْوَةَ
عن عَائِشَةَ. وَاخْتَلَفَ عَلَى سَفْيَانَ فَقَالَ بَعْضُهُمْتَسْتَمِرُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَرَّقَتْ
وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ اسْتَعَارَتِ امْرَأَةٌ الحَدِيث .
وَقَالَ إِسْمَاعِلُ بنُ أُمَّيَّةَ وَ إِسْحَاقُ بنُ رِاشِدٍ جميعًا عنِ الزُّهْرِىِّ: سَرَفَتْ مِنْ
بْتِ النَِِّّ صلى اللهُ عليه وسلم وَسَاقَ تَحْوَهُ .
- محمد بن إسحاق بن يسار وقد تقدم الكلام عليه (فعادت بزينب) أى التجأت
بها قال المنذرى: وذكر مسلم فى صحيحه والنسائى فى سلفه من حديث أبى الزبير عن
جابر أن امرأة سرقت فعادت بأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل
أن يكون عاذت بهما، فذكر الراوى مرة إحداهما ومرة الأخرى ، والله عن
وجل أعلم .
( ورواء سفيان بن عيينة) وهذه العبارة أى من قوله ((ورواه سفيان بن
عيينة)) إلى قوله ((سرقت من بيت النبى صلى الله عليه وسلم وساق نحوه،
ليست فى عامة النسخ من رواية اللؤلؤى، ولذا لم يذكرها المنذرى ، وإنما وجدت
فى بعض نسخ الكتاب .
قلت : حديث سفيان أخرجه البخارى فى فضل أسامة وأخرجه النسائى فى
القطع وحديث شعيب بن أبى حمزة أخرجه النسائى فى القطع عن عمران بن بكار
عن بشربن شعيب عن أبيه عن الزهرى، وحديث إسماعيل بن أمية وإسحاق
بن راشد عن الزهرى أخرجه النسائى فى القطع. قاله المزى فى الأطراف . -

- ٣٨ -
٤٣٥٣ - حدثنا جَعْفَرُ بنُ مَُافِرٍ وَعُمَّدُ بِنُ سُلَيْنَ الْأَنْبَارِيُّ هالاَ
أخبرنا ابنُ أَبِى فُدَيْكٍ عن عَبْدِ الَلِكِ بنِ زَيْدٍ نَسَبَهُ جَعْفَرٌ إِلَى سَعِيدٍ بِنِ زَيْدٍ
ابنِ حَمْرٍو بنٍ نُفَوْلِ عِنْ مُمَّدِ بنِ أَبِى بَكْرٍ عنْ عَمْرَةَ عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: (أَفِلُوا ذَوِى الْهَيْئَاتِ عَثَرَابِهِمْ
إِلاّ الْحُدُودَ ».
- ( نسبه ) أى عبد الملك بن زيد ( جعفر) أى ابن مسافر إلى سعيد بن زيد
ابن عمرو بن نفيل) والحاصل أن جعفر بن مسافر قال فى روايته هكذا عن
عبد الملك بن زيد بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل .
وأما محمد بن سليمان فلم يقل هكذا بل قال عن عبد الملك بن زيد ولم ينسبه
إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ( أقيلوا ) أمر من الإقاله أى اعفوا ( ذوى
الهيئات) أى أصحاب المروءات والحصال الحميدة .
قال ابن الملك: الهيئة الحالة التى يكون عليها الإنسان من الأخلاق المرضية
(عثراتهم) بفتحتين أى زلاتهم ( إلا الحدود) أى إلا ما يوجب الحدود ،
والخطاب مع الأئمة وغيرهم من ذوى الحقوق ممن يستحق المؤاخذة والتأديب
عليها ، وأراد من المثرات ما يتوجه فيه التعزير لإضاعة حق من حقوق الله ،
ومنها ما يطالب به من جهة العبد فأمر الفريقين بذلك ندب واستحباب
بالتجافى عن زلاتهم ، ثم إن أريد بالعثرات الصغائر وما يصدر عنهم من الخطايا
فالاستثناء منقطع أو الذنوب مطلقاً وبالحدود ما يوجبها من الذنوب فهو متصل
قاله القارى .
قال فى مرقاة الصعود : هذا الحديث أحد الأحاديث التى انتقدها الحافظ
سراج الدين القزوينى ، وكانت انتهت إليه رئاسة معرفة الحديث ببغداد على -

- ٣٩ ٠
- المصابيح للبغوى وزعم أنها موضوعة ، فرد عليه الحافظ ابن حجر فى كراسة .
وقال ابن عدى: هذا الحديث منكر بهذا الإسناد ولم يروه غير عبد الملك
وقال المنذري : عبد الملك ضعيف .
قال الحافظ ابن حجر لم ينفرد به بل روى من حديث غيره أخرجه النسائى
من طريق عطاف بن خالد عن عبد الرحمن بن محمد بن أبى بكر عن أبيه عن
عمره ، وعطاف فيه ضعف لكنه ليس بمتروك ، فيتقوى أحد الطريقين
بالآخر ، وقد رواه النسائى من طريق آخر عن عمرة، وفيها اختلاف فى
الوصل والإرسال، وبدون هذا يرتفع الحديث عن أن يكون متروكاً فضلا عن
أن يكون موضوعا .
وقال الحافظ صلاح الدين العلائى : عبد الملك بن زيد هذا قال فيه
النسائى لا بأس به ووثقه ابن حبان ، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى لاسيما
مع إخراج النسائى له، فإنه لم يخرج فى كتابه منكراً ولا واهياً ولا عن
رجل متروك .
قال الحافظ سعد الدين الزنجانى: إن لأبى عبد الرحمن شرطاً فى الرجال ،
أشد من شرط البخارى ومسلم فلا يجوز نسبة هذا الحديث إلى الوضع انتهى .
وقال البيضاوى: المراد بذوى الهيئات أصحاب المروءات والخصال الحميدة ، وقيل
ذوو الوجوه من الناس . انتهى ما فى مرقاة الصعود .
قال المنذرى: وفى إسناده عبد الملك بن زيد العدوى وهو ضعيف الحديث
وذكر ابن عدى أن هذا الحديث مفكر بهذا الإسناد لم يروه غير عبد الملك
ابن زيد .
قلت: وقد روى هذا الحديث من وجه آخر ليس منها شىء يثبت انتهى
كلام المنذرى .

- ٤٠ -
٥ - باب يعفى عن الحدود ما لم تبلغ السلطان
٤٣٥٤ - حدثنا سُلَمَانُ بنُ دَاوُ دَهْرِىُّ أنهاْنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ
ابنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبِيهِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ حَمْرِو
ابنِ الْمَصِ [الْعَصِى] أَنّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((تَعَفْوا
الْحُدُودَ فِيَا بْنَكُ فَمَا بَلَغَنِى مِنْ حَدٍ فَقَدْ وَجَبَ)).
٦ - باب الستر على أهل الحدود
٤٣٥٥ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا يَحْسَى عنْ سُفْيَانَ عِنْ زَيْدِ بنِ أُسْلَمَ
عَنْ يَزِيدَ بنِ نُعَيٍْ عنْ أَبِيهِ ((أَنَّ مَاءِزاً أَنَى النَّيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَقَرًّ
عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِرَ جٍِ، وَقَالَ لِمَزَّالٍ لَوْ سَتَرْتَهُ بِشَوِْكَ كَانَ
خَيْرَاً لَكَ » .
( باب يعفى عن الحدود )
(تعافوا) أمر من التعافى، والخطاب أغير الأئمة (الحدود) أى تجاوزوا
عنها ولا ترفعوها إلى فإنى متى علمتها أقمتها. قاله السيوطى (فما بلغنى من حد
فقد وجب) أى فقد وجب على إقامته. وفيه أن الإمام لا يجوز له العفو عن
حدود الله إذا رفع الأمر إليه ، وهو بإطلاقه يدل على أن ليس المالك أن يجرى
الحد على مملوكه بل يعفو عنه أو يرفع إلى الحاكم أمره فإنه داخل تحت هذا
الأمر، وهو الاستحباب قاله القارى .
قال المنذرى: وأخرجه النسائى، وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب .
( باب الستر على أهل الحدود )
(عن يزيد بن نعيم) بالتصغير (عن أبيه) أى نعيم (أن ماعزاً) بن مالك -