Indexed OCR Text

Pages 441-460

- ٤٤١ -
٤٢٩٥ - حدثنا عُمَّدُ بنُ الْمُثَنّ عن عُمَّدٍ بِنِ جَعْغَرِ عن شُعْبَةً ك ف ر
٤٢٩٦ - حدثنا مُسَدَّدْ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ عن شُعَيْبِ بنِ الْخَبْحَابِ
عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فى هَذَا الحَدِيثِ ((يَقْرَؤُهُ
كُلُّ سُشِيمٍ *.
- مكتوب كافر. قال الحافظ: كذا للأكثر وللجمهور مكتوباً ولا إشكال فيه
لأنه إما اسم إن وإما حال، وتوجيه الأول أنه حذف اسم إن والجملة بعده مبتدأ
وخبر فى موضع خبر إن ، والاسم المحذوف إما ضمير الشأن أو يعود على الدجال
ويجوز أن يكون كافر مبتدأ والخبر بين عينيه. انتهى .
قال المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى .
(فى هذا الحديث ) أى السابق ( يقرؤه كل مسلم) وفى حديث أبى أمامة
عند ابن ماجه: ((يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب )) قال الحافظ: وذلك أن
الإدراك فى البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء ، فهذا يراء المؤمن بغير
بصره وإن كان لا يعرف الكتابة ، ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة ،
كما يرى المؤمن الأدلة بغير [بعين] بصيرته، ولا يراها الكافر ، فيخلق الله
للمؤمن الإدراك دون تعلم ، لأن ذلك الزمان تنخرق فيه العادات فى ذلك. انتهى
وقال النووى : الصحيح الذى عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة
جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال ، فيظهر الله المؤمن عليها ويخفيها على من
أراد شقاوته .
وحكى عياض خلافاً وأن بعضهم قال هى مجاز عن سمة الحدوث عليه،
وهو مذهب ضعيف ولا يلزم من قوله: ((يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب))
أن لا تكون الكتابة حقيقة بل بقدر الله على غير الكاتب على الإدراك، فيقرأ --

- ٤٤٢ -
٤٢٩٧ - حدثنا مُوسَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا جَرِيرٌ أخبرنا مُحَيْدُ بنُ
هِلاَلٍ عن أَبِى الدَّهْمَاء قال سَمِعْتُ ◌ِزَانَ بنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ قال قال رَسُولُ الله
صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللهِ إنّ الرَّجُلَ
لَيَأْتِهِ وَهُوَ يَخْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَنْهَعُهُ مِّ يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَتِ، أَوْلِمَاً
يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشَّبُهَاتِ )) هُكَذَا قالَ .
- ذلك وإن لم يكن سبق له معرفة الكتابة وكان السر اللطيف فى أن الكاتب
وغير الكاتب ، بقرأ ذلك لمناسبة أن كونه أعور، يدركه كل من رآه.
فالله أعلم . انتهى .
قال المنذرى: وأخرجه مسلم والحبحاب بفتح الحاء المهملة وسكون البناء
الموحدة وبعدها حاء مهملة أيضاً مفتوحة وبعد الألف باء بواحدة .
(عن أبى الدهماء ) بفتح المهملة وسكون الهاء والمد، اسمه قرفة بكسر أوله
وسكون الراء بعدها فاء بصرى، ثقة من الثالثة . قاله الحافظ (من سمع بالدجال)
أى بخروجه وظهوره ( فلينأ) بفتح الياء وسكون النون وفتح الهمزة أمر غائب
من نأى يدأى ، حذف الألف للجزم ، أى فليبعد (عنه) أى من الدجال (وهو)
أى الرجل ( بحسب) بكسر السين وفتحها ، أى يظن ( أنه) أى الرجل بنفسه
(فيقبعه) بالتخفيف ويشدد، أى فيطيع الدجال (مما يبعث به) بضم أوله ويفتح
أى من أجل ما يثيره ويباشره ( من الشبهات ) أى المشكلات كالسحر وإحياء
الموتى وغير ذلك فيصير تابعه كافراً وهو لا يدرى ( أو لما يبعث به من الشبهات)
شك من الراوى (هكذا قال) هذا قول بعض الرواة ، أى هكذا قال شيخى
غلى الشك ، وفى بعض النسخ قال هكذا ، قال نعم ، أى هل قال شيخك هكذا
على الشك ، فقال نعم هكذا قال شيخى على الشك .
-

- ٤٤٣ -
٤٢٩٨ - حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحِ أخبرنا بَقِيَةُ حدَّثنى جَمِيرٌ عن خَالِدِ
ابنِ مَعْدَانَ عن ◌َمْرِوِ بنِ الْأَسْوَدِ عن جُنَادَةَ بنِ أَبِى أُمًَّ عن عُبَادَةَ بنِ
الصَّامِتِ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ الهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((إِنِّى قَدْ
حَدَّثْتُمُ عنِ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لا تَعْقِلُوا. إنَّ مَسِيحَ الدَّجَالِ رَجُل
قَصِيرٌ أَفْتَجُ جَعْدٌ أُغْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَدْنِ، لَيْسَ بِنَتِئَةَ وَلَا جَحْرَاء ، فإنْ
أُلْبِسَ عَلَيْكُمُ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبْكُ لَيْسَ بِأَعْوَرَ)).
- والحديث سكت عنه المنذرى .
(حدثنى بحير) بكسر المهملة، ابن سعيد السحولى، وثقه النسائى (عن
جنادة) بضم أوله ثم نون ، ابن أبى أمية الأزدى أبو عبد الله الشامى، يقال
اسم أبيه كثير مختلف فى صحبته، فقال العجلى تابعى ثقة، والحق أنهما اثنان
صحابى وتابعى متفقان فى الاسم وكنية الأب ، ورواية جنادة الأزدى عن النبى
صلى الله عليه وسلم فى سنن النسائى ، ورواية جنادة بن أبى أمية عن عبادة بن
الصامت فى الكتب الستة . كذا فى التقريب (حتى خشيت أن لا تعقلوا) أى
لا تفهموا ماحدثتكم فى شأن الدجال أو تنسوه لكثرة ما قلت فى حقه . قال الطمى
رحمه الله : حتی غابة حدثتكم ، أی حدثتكم أحاديث شتی حتیخشيت أن يلتبس
عليكم الأمر فلا تعقلوه فاعقلوه. وقوله (إن المسيح الدجال ) أى بكسر إن
استئناف وقع تأكيداً لما عسى أن يلتبس عليهم انتهى. وقيل خشيت بمعنى
رجوت وكلمة لازائدة ذكره القارى ( قصير) هذا يدل على قصر قامة الدجال ،
وقد ورد فى حديث تميم الدارى فى شأن الدجال أنه أعظم إنسان .
ووجه الجمع أنه لا يبعد أن يكون قصيراً بطيئاً عظيم الخلفة . قال القارى
وهو المناسب لكونه كثير الفتنة، أو العظمة مصروفة إلى الهيبة قيل يحعمل أن -

- ٤٤٤ -
- الله تعالى يغيره عند الخروج (أخرج) بفاء فاء جيم كأسود هو الذى إذا مشى
باعد بين رجليه كالمختتن فهو من جملة عيوبه كذا فى مرقاة الصعود ( جعد )
يفتح جيم فسكون عين وهو من الشعر خلاف السبط أو القصير منه كذا فى
القاموس (أعور) أى إحدى عينيه ( مطموس العين) أى ممسوحها بالنظر إلى
الأخرى . قال فى النهاية إن الدجال مطموس العين أى ممسوحها من غير بخص
والطمس استئصال أثر الشىء، والدجال سمى بالمسيح لأن عينه الواحدة ممسوحة
ويقال رجل ممسوح الوجه ومسيح وهو أن لا يبقى على أحد شقى وجهه عين
ولا حاجب إلا استوى انتهى .
وفى المصباح قال ابن فارس : المسيح الذى مسح أحد شقي وجهه ولاعين
ولاحاجب، وسمى الدجال مسيحاً لأنه كذلك انتهى .
وبالفارسية كور محو كرده شده جشم. وعدد الشيخين من حديث عبدالله
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن الله لا يخفى عليكم ، إن الله ليس
بأمور وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية)) ( ليس
بناتئة) أى مرتفعة فاعلة من الفقوء (ولا جحراء) بفتح جيم وسكون حاء أى
ولا غائرة والجملة المنفية مؤكدة لإثبات العين الممسوحة وهى لاتنافى أن الأخرى
ناتئة بارزة كنتوء حبة العقب قاله القارى وفى بعض النسخ ولا جخراء بجيم تخماء .
قال فى المجمع هى الضيقة ذات غمص ورمص، وامرأة جخراء إذا لم تكن
نظيفة المكان . وقال فى النهاية فى باب الجيم مع الحاء ولا جحراء أى غائرة
منجحرة فى فقرتها. وقال الأزهرى هى بالخاء وأنكر الحاء انتهى (فإن ألبس
عليكم ) بصيغة المجهول أى إن اشتبه عليكم أمر الدجال بنسيان ما بينت لكم
من الحال أو إن لبس عليكم أمرة بما يدعيه من الألوهية بالأمور الخارقة عن
العادة قاله القارى. قلت: وفى بعض النسخ فإن التبس. وهذا يؤيد الاحتمال -

- ٤٤٥ --
قال أبُو دَاوُدَ : عَمْرُوُ بنُ الْأَسْوَدِ وَلِىَ الْقَضَاءَ.
٤٢٩٩ - حدثنا صَفْوَانُ بنُ صَالحِ الدِّمَشْتِىُّ المُؤَذِّنُ أخبرنا الْوَلِدُ
أخبرنا ابنُ جَابِرِ حدَّثْنى ◌َحْتِى بنُ جَابِرِ الطَّائِّئُ عن عَبْدِ الرَّحْنِ بِنِ جُبَيْرِ
ابنِ تُغَيْرٍ عن أَبِهِ عن النّوَّاسِ بِنِ سَمْعَنَ الْكِلاَبِىِّ قال ((ذَ كَرَ رَسُولُ اللهِ
- الثانى من الاحتمالين الذين ذكرهما القارى بل يعينه (فاعدوا أن ربكم ليس
بأعور) أى أقل مايجب عليكم من معرفة صفات الربوبية هو التنزيه عن الحدوث
والعيوب لاسيما النقائص الظاهرة المرئية (قال أبو داود، عمرو بن الأسود ولى
القضاء) هو عمرو بن الأسود المنسى الدمشقى أحد زهاد الشام مخضرم ثقة عابد
مات فى خلافة معاوية. أخرج أحمد فى مسنده عن عمر ((من سرة أن ينظر إلى
هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هدى عمر بن الأسود)) قال
المنذرى: وأخرجه النسائى وفى إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال .
(صفوان بن صالح الدمشقى) قال أبو داود ، حجة ( أخبرنا الوليد) ابن
مسلم الدمشقى عالم الشام وثقه ابن مسهر والعجلى ويعقوب بن شيبة وصرح
بالتحديث (أخبرنا ابن جابر) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الدمشقى وثقه
يحيى بن معين والمجلى وابن أبى داود، (حدثنى يحيى بن جابر الطائى) وثقه
المجلى ودحيم . وقال أبو حاتم صالح الحديث ( عن عبد الرحمن بن جبير بن
ففير) الحضرمى الشامى وثقه أبو زرعة والنسائى وابن سعد (عن أبيه) جبير بن
تغير الشامى مخضرم وثقه أبو حاتم .
وهذا الحديث أخرجه مسلم من عدة طرق وهذا لفظه حدثنى أبو خيثمة زهير بن
حرب أخبرنا الوليد بن مسلم حدثنى عبد الرحمن بن یزید بن جابر حدثنى ممپی
ابن جابر الطائى فاضى حمص حدثنى عبد الرحمن بن جبير عن أبيه جبير بن نغير

- ٤٤٦ -
صلى اللهُ عليه وسلم الدَّجَالَ فَقالَ: إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُ فَأَنَا حَجِيبُهُ دُونَكُم
وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمُ فَامْرُؤٌ حَجِجٌ نَفْسُهُ، وَاللهُ خَلِيفَتِى عَى ◌ُلِّ مُسْلٍ،
- الحضرمى أنه سمع النواس بن سمعان الكلابی ح وحدثنى محمد بنمهران الرازى
أخبرنا الوليد بن مسلم حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائى
عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير عن النواس بن سمعان
فذكر الحديث بطوله . حدثنا على بن حجر الساعدى أخبرنا عبد الله بن
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر والوليد بن مسلم عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر
بهذا الإسناد ( عن النواس ) بتشديد الواو (ابن سمعان) بكسر السين وتفتح
(إن يخرج وأنا فيكم) أى موجود فيما بينكم فرضاً وتقديراً (فأنا حجيجة) فعيل
بمعنى الفاعل من الحجة وهى البرهان أى غالب عليه بالحجة وفى المجمع أى محاجة
ومغالبة بإظهار الحجة عليه والحجة الدليل والبرهان حاججته حجاجا ومحاجة فأنا
محاج وحجيج ( دونكم) أى قدامكم ودافعه عنكم وأنا إمامكم وأمامكم وفيه
إرشاد إلى أنه صلى الله عليه وسلم كان فى الحاجة معه غير محتاج إلى معاونة
معاون من أمته فى غلبته عليه بالحجة كذا ذكره الطيبى .
فإن قيل أوليس قد ثبت فى الصحيح أنه يخرج بعد خروج المهدى وأن
عيسى يقتله وغيرها من الوقائع الدالة على أنه لا يخرج فى زمنه ، يقال هو تورية
للتخويف ليلجئوا إلى الله من شره وينالوا فضله أو يريد عدم علمه بوقت خروجه
كما أنه لا يدرى متى الساعة قاله فى المجمع. وقال القارى نقلا عن المظهر يحتمل
أن يريد تحقق خروجه ، والمعنى لاتشكوا فى خروجه فإنه سيخرج لامحالة وإن
يريد يه عدم علمه بوقت خروجه كما أنه كان لا يدرى متى الساعة . قال الطيبى
رحمه الله والوجه الثانى من الوجهين هو الصواب لأنه يمكن أن يكون قوله
هذا قبل علمه صلى الله عليه وسلم بذلك انتهى. قلت: وهذا هو الظاهر وبذلك
تجتمع الأخبار كما تقدم (فامرؤ) مبتدأ وخبره ما بعده (حجيج نفسه) بالرفع -

- ٤٤٧-
فَنْ أَدْرَ كَهُ مِنْكُمُ فَلْيَقْأْ عَلَيْهِ بِفَوَاتِحِ سُورَةِ الْمَكَّهُفِ فإِنَّ جِوَارُكم مِنْ
فِتْلَتِهِ. قُلْنَاَ: وَمَ لَبْتُهُ فِى الْأَرْضِ؟ قالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمَاً، بَوْمُ كَسَنَةٍ،
وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمُ. فَقُلْنَاَ: يَارَسُولَ اللهِ
هُذَا الْيَوْمُ الَّذِىِ كَسَلَةٍ أَتَكْفِينَ فِيهِ صَّلاَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ قال: لا، أُقْدُرُوا لَهُ
قَدْرَهُ، ثُمَّ يَنْزِلُ عِيسَى بنُ مَرْيَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ المَنَرَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَ
دِمَشْقَ فَهُدْرِ كُهُ عِنْدَ بَبٍ لُدِّ فَيَقْتُلُهُ)).
- فاعل حجيج أى فكل امرىء يحاجة ويحاوره ويغالبه لنفسه قاله الطيبى قال
القارى أى ليدفع شره عن نفسه بما عنده من الحجة لكن هذا على تقدير أنه
يسمع الحجة وإلا فالمعنى أن كل أحد يدفع عن نفسه شره بتكذيبه واختيار صورة
تعذيبه انتهى ( والله خليفتى على كل مسلم) يعنى والله سبحانه ولى كل مسلم
وحافظه فيعينه عليه ويدفع شره ( فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف ) أى
أوائلها (فإنها جواركم) بكسر الجيم أى أمانكم ( ومالبته) بفتح لام وسكون
موحدة أى ماقدر مكثه وتوقفه ( قال أربعون يوماً يوم) أى من تلك الأربعين
(كسنة) أى فى الطول (وسائر أيامه) أى بواقى أيامه قال النووى قال العلماء:
هذا الحديث على ظاهره وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور فى
الحديث، بدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم وسائر أيامه كأيامكم انتهى. قلت :
فما قيل المراد منه أن اليوم الأول لكثرة غموم المؤمنين وشدة بلاء اللعين يرى
لهم کالسنة ، وفى اليوم الثانى يهون كيده ويضعف مبتدأ أمره فيرى كشهر ،
والثالث يرى كجمعة لأن الحق فى كل وقت يزيد قدراً والباطل ينقص حتى ينمحق
أثراً أو لأن الناس كما اعتادوا بالفتفه والمحدة يهون عليهم إلى أن تضمحل شدتها
مردود وباطل (أقدروا له قدره) قال القارى نقلا عن بعض الشراح أى أقدروا -

- ٤٤٨ --
- الوقت صلاة يوم فى يوم كسنة مثلا قدره أى قدرة الذى كان له فى سائر الأيام
كمحبوس اشتبه عليه الوقت انتهى . وقال النووى: معنى أقدروا له قدره أنه
إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر مايكون بينه وبين الظهر كل يوم فصلوا الظهر ثم
إذا مضى بعده قدرما يكون بينها وبين العصر فصلوا المصر وإذا مضى بعد هذا
قدر ما يكون بينهما وبين المغرب فصلوا المغرب وكذا العشاء والصبح ثم الظهر
ثم العصر ثم المغرب وهكذا حتى ينقضى ذلك اليوم وقد وقع فيه صلوات سنة
فرائض كلها مؤداة فى وقتها. وأما الثانى الذى كشهر والثالث الذى كجمعة
فقياس اليوم الأول أن يقدر لهما كاليوم على ماذكرناه انتهى. وقال القاضى
وغيره: هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع قالوا ولولا
هذا الحديث ووكلنا إلى اجتهادنا لاقتصرنا فيه على الصلوات الخمس عند الأوقات
المعروفة فى غيره من الأيام فقله النووى ( عند المنارة البيضاء شرقى دمشق ) المنارة
بفتح الميم. قال النووى: وهذه المنارة موجودة اليوم شرق دمشق، انتهى .
وفى مرقاة الصعود للسيوطى قال الحافظ عماد الدين بن كثير قد جدد بناء
منارة فى زماننا فى سنة إحدى وأربعين وسبع مائة من حجارة بيض وكان بناؤها
من أموال النصارى الذين حرقوا المنارة التى كانت مكانها ، ولعل هذا يكون
من دلائل النبوة الظاهرة حيث قيض الله تعالى بناء هذه المنارة البيضاء من
أموال النصارى لينزل عيسى عليه السلام (شرقى) بالنصب على الظرفيه وهو
مضاف إلى (دمشق) بكسر الدال وفتح الميم وتكسر (فيدركه) أى يدرك
عيسى عليه السلام الدجال (عند باب لد) بضم لام وتشديد دال مصروف
وهو بلدة قريبة من بيت المقدس قاله النووى . وقال فى الجمع موضع بالشام
وقيل بفلسطين .
ولفظ مسلم: فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم عليه السلام فينزل-

-٤٤٩-
٤٣٠٠ - حدثناعِيسَى بنُ محمّدٍ أخبرنا ضَمْرَةُ عن السَّيْبَانِىِّ عن عَمْرِ و
- عند المنارة البيضاء شرقى دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين
إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح
نفسه إلا مات ونفسه ينتهى حيث ينتهى طرفه فيطلبه حتى یدر كه بباب لد
فيقتله ثم يأتى عيسى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم
بدرجاتهم فى الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى عليه السلام أنى
قد أخرجت عباداً لى لايدان لأحد بقتالهم فمرّز عبادى إلى الطور ويبعث الله
يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون
مافيها فيمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله عيسى عليه
السلام وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم
فيرغب نبى الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف فى رقابهم فيصبحون
فرسى كموت نفس واحدة ، ثم يهبط نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى
الأرض فلا يجدون فى الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتهم ، فورغب
نبى الله عيسى عليه السلام وأصحابه فذكر الحديث بطوله .
فهذا الحديث الصحيح صريح فى أن نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام
ينزل من السماء واضعاً كفيه على أجنحة ملكين عند قرب الساعة فيقتل
الدجال الموعود المنذر به، وهو حجة قاطعة على من أنكر من أهل الضلال
والفساد نزول عيسى بن مريم من السماء والله تعالى أعلم.
قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه مطولا ومختصراً
ولفظ الترمذى ((من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال»
ولفظ النسائى وابن ماجه ((من قرأ عشرآيات من الكهف عصم من فتنة الدجال»
(عن السيبانى) بالسين المهملة أبى زرعة يحيى بن أبى عمر وكذا نسبه فى الأطراف -
(٢٩ - عون المعبود ١١)

- ٤٥٠-
ابنِ عَبْدِ اللهِ عن أَبِى أُمَمَةَ عن النّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلمٍ نَحْوَهُ، وَذَ كَرَ
الصَّلَوَاتِ مِثْلَ مَعْنَهُ .
- (نحوه ) أى نحو الحديث المتقدم.
والمؤلف أورد حديث أبى أمامة الباهلى مختصراً وأحال على ما قبله ، وساقه
ابن ماجه بتمامه . وفيه: ((فقالت أم شريك: يارسول الله فأين العرب يومئذ؟
قال: هم يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح ، فبينما إمامهم
قد تقدم يصلى بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصبح ، فرجع ذلك
الإمام ينكص يمشى القهقرى ليتقدم عيسى يصلى بالناس ، فيضع عيسى يده بين
كتفيه ثم يقول له : تقدم فصل فإنها لك أقيمت ، فيصلى بهم إمامهم ، فإذا
انصرف قال عيسى عليه السلام : افتحوا الباب ، فيفتح ووراءه الدجال معه
سبعون ألف يهودى كلهم ذو سيف محلى وساج ، فإذا نظر إليه الدجال ذاب
كما يذوب الملح فى الماء وينطلق هارباً، ويقول عيسى عليه السلام: إن لى فيك
ضربة لن تسبقنى بها ، فيدركه عند باب اللد الشرقى فيقتله)) فذكر الحديث.
وفيه: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيكون عيسى بن مريم عليه
السلام فى أمتى حكماً عدلا وإماماً مقسطاً، يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع
الجزية)) فذكره بطوله. ورواية ابن ماجه هذه فيها ضعف. إسماعيل بن رافع
قد ضعف.
وأما إسناد المؤلف لحديث أبى أمامة فصحيح ورواته كلهم ثقات . عيسى
ابن محمد الرملى وثقه أبو زرعة، وأما ضمرة بن ربيعة الرملى فوثقه يحيى بن معين
وأحمد والنسائي وابن سعد. وأما يحيى بن أبى عمرو السيباني فوثقه أحمد ودحيم
وابن خراش والعجلى. وأما عمرو بن عبد الله السيبانى فوثقه ابن حبان وذكره
فى ثقات التابعين. والله أعلم . قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه.

-٤٥١-
٤٣٠١ - حدثنا حَقْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا ◌َّامٌ أخبرنا قَتَادَةُ أُخبرنا
سَآلِمُ بنُ أَبِى الْعْدِ عن مَعْدَانَ بنِ أَبِى طَلْحَةَ عن حَدِيثٍ أَبِى الدَّرْدَاءِ
يَرْوِيهِ عن النّبِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((مَنْ حَفِظَ مَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ
سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِقْنَةِ الدِّجَّلِ » .
قال أبُو دَاوُدَ: وَكَذَا مَالِ هِشَامِ الدَّسْقَوَانِىُّ عن قَتَادَةَ، إلَّا أَنَّهُ قال:
(( مَنْ حَفِظَ مِنْ خَوَاتِيمِ سُورَةِ الْكَهْفِ ».
- ( عن معدان بن أبى طلحة عن حديث أبى الدرداء) وفى صحيح مسلم عن
معدان بن أبى طلحة اليعمرى عن أبى الدرداء أن نبى الله صلى الله عليه وسلم ،
وهكذا فى سنن الترمذى (عصم ) بصيغة المجهول ، أى وقى وحفظ ( من فتلة
الدجال ) أى من آفاته .
(قال أبو داود وكذا قال هشام الدستوائى عن قتادة) عن سالم بن أبى
الجعد الغطفانى عن معدان بن أبى طلحة اليعمرى عن أبى الدرداء كما رواه حمام
عن قتادة بإسناده مثله (إلا أنه) أى هشام الدستوائى (قال من حفظ من خواتيم
سورة الكهف . الخ) فهشام الدستوائى وحمام كلاهما اتفقا فى إسناد هذا الحديث
عن قتادة إلى أبى الدرداء، لكن اختلفا فى متن الحديث ، فقال همام فى روايته
من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف ، وقال هشام : من حفظ من
خواتيم سورة الكهف ، وتابع هشاماً شعبة فقال عن قتادة : من آخر سورة
الكهف. هذا معنى كلام المؤلف الإمام، وهو مخالف لما فى صحيح مسلم ، فإن .
مسداً أخرجه فى فضائل القرآن من كتاب الصلاة بقوله : حدثنا محمد بن المثنى
قال أخبرنا معاذ بن هشام قال حدثنى أبى عن قتادة عن سالم بن أبى الجعد
الغطفانى عن معدان بن أبى طلحة اليعمرى عن أبى الدرداء أن نهى الله صلى الله -

-٤٥٢ -
وقالَ شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ: ((مِنْ آخِرِ الْكَهَفِ » .
- عليه وسلم قال: ((من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة
الدجال )) . وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا أخبرنا محمد بن جعفر قال أخبرنا
شعبة ح. وحدثنى زهير بن حرب قال أخبرنا عبد الرحمن بن مهدى قال أخبرنا
حمام جميعاً عن قتادة بهذا الإسناد ، قال شعبة: من آخر الكهف ، وقال همام:
من أول الكهف كما قال هشام. فرواية مسلم هذه تنادى أن حماماً وهشاءا
كليهما متفقان فى الإسناد والمتن ، وقالا: عشر آيات من أول الكهف ، وأما
شعبة فقال : من آخر الكهف .
وأما فى رواية الترمذى فى فضائل القرآن فقال محمد بن جعفر أخبرنا شعبة
عن قتادة بإسناده ((من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف)).
وقال المزى فى الأطراف: وأخرج النسائى أى فى السنن الكبرى فى فضائل
القرآن وفى عمل اليوم والليلة عن عمرو بن على عن غندر عن شعبة بإسناده
وقال: ((من قرأ عشر آيات من الكهف)) وقال فى عمل اليوم والليلة: العشر
الأواخر . وعن أحمد بن سليمان عن عفان عن همام عن قتادة به مثل الأول :
عشر آيات من أول سورة الكهف . انتهى .
قال النووى : قيل سبب ذلك ما فى أولها من العجائب والآيات ، فمن
تدبرها لم يفتتن بالدجال ، وكذا فى آخرها (أحسب الذين كفروا أن يتخذوا)
الخ. وقال القرطبى : اختلف المتأولون فى سبب ذلك ، فقيل لما فى قصة أصحاب
الكهف من العجائب والآيات ، فمن وقف عليها لم يستغرب أمر الدجال ولم
بهله ذلك فلم يفتتن به ، وقيل لقوله تعالى: ﴿لينذر بأساً شديداً من لدنه)
تمسكاً بتخصيص البأس بالشدة والمدنية ، وهو مناسب لما يكون من الدجال
من دعوى الإلهية واستيلائه وعظم فتنته، ولذلك عظم صلى الله عليه وسلم أمره -

-٤٥٣ -
٤٣٠٢ - حدثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا حَمّامٌ بن يَمْيَى عن قَتَادَةَ عن
عَبْدِ الرَّحْنِ بنِ آدَمَ عن أَبِى هُرَيْرَةَ عن النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ:
((لَيْسَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ - يَعنى عِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ - نَبِىُّ، وَإنَّهُ نَازِلٌ فإِذَا
- وحذر عنه وتعوذ من فقلته، فيكون معنى الحديث: أن من قرأ هذه الآيات
وتدبرها ووقف على معناها حذره فأمن منه . وقيل : ذلك من خصائص هذه
السورة كلها ، فقد روى: ((من حفظ سورة الكهف ثم أدركه الدجال لم يسلط
عليه))، وعلى هذا يجتمع رواية من روى أول سورة الكهف مع من روى
من آخرها ، ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج فى حفظها كلها . انتهى
كلام السیوطی .
قلت : وعلى هذا يجتمع أيضاً رواية عشر آيات مع من روى ثلاث آيات
كما أخرجه الترمذى .
قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى، فلفظ مسلم: ((من حفظ
عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال)) وفى لفظ ((من آخر
الكهف)) وفى لفظ ((من أول الكهف)).
( يعنى عيسى عليه السلام ) هذا تفسير للضمير المجرور فى بينه من بعض
الرواة ( نبى) اسم مؤخر لليس.
قال السيوطى فى مرقاة الصعود: أول الحديث عند أحمد: ((الأنبياء إخوة
لعلات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإنى أولى الناس بعيسى بن مريم. لم يكن
بینی و بینه نی » انتهى .
وأخرج أبو داود فى باب التخيير بين الأنبياء من كتاب السنة عن أبى هريرة
قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أنا أولى الناس بابن مريم،
الأنبياء أولاد علات وليس بينى وبينه نبى)».

- ٤٥٤ -
رَأَيْتُوُ فِاعْرِ فُوهُ، رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحَمْرَةِ وَالْبَيَضِ بَيْنَ مُمَصَّرَ تَيْنٍ كَأَنّ
- (وإنه) أى عيسى عليه السلام (نازل) وأخرج أبو داود الطيالسى فى
مسنده: حدثنا هشام عن قتادة عن عبد الرحمن بن آدم عن أبى هريرة عن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: (( يمكث عيسى فى الأرض بعد ما ينزل أربعون سنة
ثم يموت ويصلى عليه المسلمين ويدفنوه)).
وهذا حديث إسناده قوى. أبو داود الطيالسى هو سليمان بن داود المصرى
قال عبد الرحمن بن مهدى: هو أصدق الناس ، وقال أحمد : ثقة ، وقال وكيع:
جهل العلم وشيخه هشام هو ابن أبى عبد الله الدستوائى أمير المؤمنين فى الحديث
قال العجلى: ثقة ثبت أخرج له الأمة الستة ، وقتادة بن دعامة البصرى ثقة
ثبت أحد الأئمة الأعلام أخرج له الأئمة الستة ، وأما عبد الرحمن بن آدم فهو
من رجال مسلم ووثقه ابن حبان . والله أعلم .
قال القرطبى فى التذكرة : ذهب قوم إلى أن بنزول عيسى عليه السلام
يرتفع التكاليف ، لئلا يكون رسولا إلى أهل ذلك الزمان ، بأمرهم عن الله
وينهاهم ، وهذا مردود لقوله تعالى ﴿وخاتم النبين) وقوله صلى الله عليه وسلم
((لافى بعدى)) وغير ذلك من الأخبار، وإذا كان ذلك فلايجوز أن يتوهم أن
عيسى عليه السلام ينزل نبياً بشريعة متجددة غير شريعة محمد نبينا صلى الله عليه
وسلم، بل إذا نزل فإنه يكون يومئذ من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم كما أخبر
صلى الله عليه وسلم حيث قال لعمر: ((لو كان موسى حياً ماوسعه إلا اتباعى))
فعيسى عليه السلام إنما ينزل مقرراً لهذه الشريعة ومجدداً لها ، إذ هى آخر الشرائع
ومحمد صلى الله عليه وسلم آخر الرسل ، فينزل حكماً مقسطاً، وإذا صار حكماً فإنه
لاسلطان يومئذ للمسلمين ولا إمام ولا قاضى ولامفتى غيره، وقد قهض الله العلم
وخلا الناس منه فهنزل وقد علم بأمر الله تعالى فى السماء قبل أن ينزل مايحتاج -

- ٤٥٥-
رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ ، فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلاَمِ فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ
وَيَقْتُلُ الْزِبِرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيُهْلِكُ اللّهُ فِى زَمَانِهِ المِلَلَ كُلِّهاَ إلَّا الْإِسْلاَمَ
- إليه من على هذه الشريعة للحكم بين الناس والعمل به فى نفسه فيجتمع المؤمنون
عند ذكر ذلك إليه ويحكمونه على أنفسهم، إذ لا أحد يصلح لذلك غيره .
قال السيوطى. ما قاله ككون العلماء يسلبون علمهم باطل قطعاً بل لاتزال
الأمة بعلمائهم وقضاتهم وغيرهم إلا أن الإمام الأكبر المرجوع إليه هو نبى الله
عيسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقبض العلم إنما يكون بعد موت
المؤمنين.
(رجل ) أى هو رجل (مربوع) أى بين الطويل والقصير (بين ممصرتين)
قال فى النهاية: الممصرة من الثياب التى فيها صفرة خفيفة، أى ينزل عيسى
عليه السلام بين ثوبين فيهما صفرة خفيفة ( كأن رأسه بقطر وإن لم يصبه بلل)
كناية عن النظافة والنضارة (فيدق الصليب) أى يكسره. قال فى شرح السنة
وغيره : أى فيبطل النصرانية ويحكم بالملة الحقيقية. وقال ابن الملك : الصليب
فى اصطلاح النصارى خشبة مثلثة يدعون أن عيسى عليه الصلاة والسلام صلب
على خشبة مثلثة على تلك الصورة وقد يكون فيه صورة المسيح (ويقتل الخنزير)
أى يحرم اقتناءه وأكله ويبيح قتله ( ويضع الجزية) قال الخطابي: أى يكره
أهل الكتاب على الإسلام ، فلا يقبل منهم الجزية بل الإسلام أو القتل . وقال
فى النهاية : فلا يبقى ذمى تجرى عليه جزية ، أى لا يبقى فقير الاستغناء الناس
بكثرة الأموال فتسقط الجزية لأنها إنما شرعت لترد فى مصالح المسلمين تقوية لهم
فإذا لم يبق محتاج لم تؤخذ . وقال القاضى عياض: أو أراد بوضع الجزية تقريرها
على الكفار بلا محاباة فيهكثر المال بسببه. وتعقبه النووى بأن صوابه أن عيسى
لا يقبل غير الإسلام . ويؤيده ما فى رواية أحمد : وتكون الدعوة واحدة . -

- ٤٥٦ -
وَيُهْلِكُ المَسِيحَ الدَّجَّالَ فَيَمْكُثُ فى الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتُوَّى فَيُصَلّى
عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ )).
- قال النووى: فليس بإسقاط الجزية نسخ لما تقرر بشريعتنا لأنه مقيد بأنها
تستمر إلى نزوله فتوضع. فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بين غاية استمرارها ،
فلانسخ لشريعته بل هو عمل بما بينه صلى الله عليه وسلم. كذا فى مرقاة الصعود.
( ويهلك) من الإهلاك، أى عيسى عليه السلام (المسيح الدجال) مفعول
يهلك . زاد أحمد: ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسد مع الإبل والمار
مع البقر والذئاب مع الغنم وتلعب الصبيان بالحيات ( فيمكث ) أى عيسى عليه
السلام (فى الأرض أربعين سنة ) قال الحافظ عماد الدين بن كثير: ويشكل
بما فى رواية مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه يمكث فى الأرض سبع سنين
قال: اللهم إلا أن تحمل هذه السبع على مدة إقامته بعد نزوله فيكون ذلك
مضافاً لمكنه بها قبل رفعه إلى السماء، فعمره إذ ذاك ثلاث وثلاثون سنة
بالمشهور . انتهى .
وفى فتح البارى فى كتاب الأنبياء : وعند أحمد من حديث عائشة: ويمكث
عيسى فى الأرض أربعين سنة . وروى مسلم من حديث ابن عمرو: فى مدة إقامة
عيسى بالأرض بعد نزوله أنها سبع سنين . وروى نعيم بن حماد فى كتاب الفتن
من حديث ابن عباس أن عيسى إذ ذاك يتزوج فى الأرض ويقيم بها تسع عشر
سنة . وبإسناد فيه مبهم عن أبى هريرة بها أربعين سنة. وروى أحمد وأبو داود
بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبى هريرة مثله مرفوعاً. انتهى.
( ثم يتوفى) بصيغة المجهول . قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: بتوفى
بطيبة فيصلى عليه هنالك ويدفن بالحجرة النبوية . وقد روى الترمذى عن -

- ٤٥٧ -
- عبد الله بن سلام: مكتوب فى التوراة صفة محمد وعيسى ابن مريم يدفن
معه. كذا فى مرقاة الصعود .
قال المنذرى: عبد الرحمن بن آدم هذا أخرج له مسلم فى صحيحه حديثاً عن
جابر بن عبد الله وهو بصرى يقال فيه ابن برتن بضم الباء الموحدة وتسكين الراء
المهملة وضم الثاء المثلثة وبعدها نون فى قول ، ويعرف بصاحب السقاية. وقال
الدارقطنى: عبد الرحمن بن آدم إنما نسب إلى آدم أبى البشر ولم يكن له أب
يعرف . انتهى كلام المنذرى مختصراً .
وقال الحافظ فى التقريب : عبد الرحمن بن آدم البصرى صاحب السقاية
صدوق . وقال فى فتح البارى: إسناده صحيح كما تقدم آنفاً .
وأخرج الحاكم فى المستدرك عن أبى هريرة مرفوعاً: ((إن روح الله عيسى
نازل فيكم فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، عليه
ثوبان ممصران كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير
ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام ، فيهلك الله فى زمانه المسيح الدجال
وتقع الأمنة على الأرض)) فذكر الحديث. وفيه: ((فيمكث أربعين سنة ثم
يتوفى ويصلى عليه المسلمون ».
قلت: تواترت الأخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم فى نزول عيسى بن
مريم صلى الله عليه وسلم من السماء بمجسده العنصرى إلى الأرض عند قرب الساعة
وهذا هو مذهب أهل السنة .
قال النووى قال القاضى : نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال حق
وصحيح عدد أهل السنة الأحاديث الصحيحة فى ذلك ، وليس فى العقل ولا فى
الشرع ما يبطله، فوجب إثباته. وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن
وافقهم ، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وخاتم النبيين) -

- ٤٥٨ -
- وبقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا نبى بعدى)) وبإجماع المسلمين أنه لا فى بعد
نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة لا تنسخ . وهذا
استدلال فاسد، لأنه ليس المراد بنزول عيسى عليه السلام أنه ينزل نبها بشرع
ينسخ شرعنا ، ولا فى هذه الأحاديث ولا فى غيرها شىء من هذا ، بل صحت
هذه الأحاديث هنا ، أى فى كتاب الفتن وما سبق فى كتاب الأيمان وغيرها
أنه ينزل حكماً مقسطاً يحكم بشرعنا ويحيى من أمور شرعنا ما مهجره الناس. انتهى.
وفى فتح البارى: تواترت الأخبار بأن المهدى من هذه الأمة، وأن عيسى
عليه السلام يصلى خلفه .
وقال الحافظ أيضاً : الصحيح أن عيسى رفع وهو حى. انتهى .
وقال الشوكانى فى رسالته المسماة بالتوضيح فى تواتر ماجاء فى الأحاديث
فى المهدى والدجال والمسيح: وقد ورد فى نزول عيسى عليه السلام من الأحاديث
تسعة وعشرون حديثاً، ثم سردها وقال بعد ذلك: وجميع ما سقناه بالغ حد
التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع ، فتقرر بجميع ما سقناه أن الأحاديث
الواردة فى المهدى المنتظر متواتره ، والأحاديث الواردة فى الدجال متواترة ،
والأحاديث الواردة فى نزول عيسى عليه السلام متواترة . انتهى.
وإنى أسرد بعض الأحاديث الواردة فى نزول عيسى عليه السلام غير
ما تقدم ذكره فى المتن والشرح لشدة الاحتياج إليه فى عصرنا هذا فأقول:
أخرج البخارى فى باب قتل الخنزير من كتاب البيوع، ومسلم فى كتاب الأيمان
واللفظ للبخارى : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن ابن
المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذى
نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً فيكسر الصليب ويقتل
الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)).

- ٤٥٩ -
- وقال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد قال أخبرنا ليث ح. وحدثنا محمد بن رمح
قال حدثنا الليث عن ابن شهاب عن ابن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم
ابن مريم حكماً مقطً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض
المال حتى لا يقبله أحد)). وأخرجه الترمذى عن قتيبة من الليث مثله سنداً
ومتناً وقال حديث حسن صحيح . انتهى .
قال مسلم: وحدثناه عبد الأعلى بن حماد وأبو بكر بن أبى شيبة وزهير بن
حرب قالوا أخبرنا سفيان بن عيينة ح . وحدثنيه حرملة بن يحيى قال أخبرنا
ابن وهب قال حدثنى يونس ح . وحدثنا حسن الحلوانى وعبد بن حميد
عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال أخبرنا أبى عن صالح كلهم عن الزهرى
بهذا الإسماد. وفى رواية ابن عهينة: ((إماماً مقسطاً وحكماً عدلا)) وفى رواية
يونس ((حكماً عادلا) ولم يذكر إماماً مقسطاً. وفى حديث صالح ((حكماً مقسطً»
كما قال الليث. وفى حديثه من الزيادة ((وحتى تكون السجدة الواحدة خيراً من
الدنيا وما فيها)) ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم ﴿وإن من أهل الكتاب
إلا ليؤمنن به قبل موته) انتهى. وأخرجه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة
حدثنا سفيان بن عيينة بنحو إسناد مسلم بلفظ : لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى
ابن مريم حكماً مقسطاً)) الحديث.
وأخرج البخارى فى باب كر الصليب من كتاب المظالم : حدثنا على بن
عهد الله حدثنا سفيان حدثنا الزهرى أخبرنى سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن
مريم حكماً مقسطاً فيكسر الصليب » فذكر الحديث .
وأخرج فى باب نزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم من كتاب الأنبياء -

- ٤٦٠ -
- حدثنا إسحاق أنبأنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبى عن صالح عن ابن شهاب
أن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلا)) فذكر الحديث
وفيه: ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن
به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً) حدثنا ابن بكير حدثنا الليث
عن يونس عن ابن شهاب عن نافع مولى أبى قتادة الأنصارى أن أبا هريرة قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم
منكم)» تابعه عقيل والأوزاعى . انتهى كلام البخارى .
وحديث نافع عن أبى هريرة أخرجه مسلم فى كتاب الأيمان من ثلاثة طرق
وأخرج من حديث عطاء بن ميناء عن أبى هريرة أنه قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسون الصليب
وليقتلن الخنزير وليضمن الجزية ولتتركن القلاص فلايسمى عليها ولتذهبن الشحداء
والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد )).
وأخرج مسلم من حديث ابن جريج قال أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن
عبد الله بقول سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تزال طائفة من أمتى
يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، قال فينزل عيسى بن مريم صلى الله
عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض
أمراء تكرمة الله هذه الأمة)).
وأخرج مسلم فى حديث طويل فى الفتن عن عبد الله بن عمرو قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يخرج الدجال فى أمتى فيمكث أربعين فيبعث
الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع
سنين ليس بين اثنين عداوة )) فذ كر الحديث بطوله .
-