Indexed OCR Text

Pages 421-440

- ٤٢١ -
٤٢٨٦ - حدثنا حُمَّدُ بنُ المُثَنَّى أخبرنا إبْراهِيمُ بنُ صَالحِ بنِ دِرْهَ
قالَ سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ : ((انْطَلَقْنَا حَاجِّينَ فَإِذَا رَجُلٌّ فقالَ لَنَا: إِلَى جَنْبِكَمُ
قَرْيَةٌ يُقَالُ لَا الْأُبُلَّةُ؟ قُلْنَاَ: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ يَضْمَنْ لِ مِنْكُمُ أَنْ يُصَلِّىَ
◌ِ فِى مَسْجِدٍ الْمَشَّارِ رَ كُمَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعَاً وَيَقُولَ هَذِهٍ لِأَبِى هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ
- قال السيوطى فى مرقاة الصعود هذا الحديث أورده ابن الجوزى فى
الموضوعات من غير الطريق الذى أخرجه منها المصنف وغفل عن هذا الطريق،
وقد تعقبته فيما كتبته على كتابه.
وقال الحافظ صلاح الدين العلائى : هذا الحديث ذكره ابن الجوزى فى
الموضوعات من طريق أبى يعلى الموصلى أخبرنا عمار بن زوبى أخبرنا النضر بن
أنس عن أبيه عن جده عن أنس وتعلق فيه بعمار بن زوبى وهو متهم وهو كما
قال لكنه لم يتفرد به عمار بل له سند آخر عند أبى داود ، رجاله كلهم رجال
الصحيح، وليس به إلا عدم الجزم باتصاله لقول عبدالعزيز فيه لا أعلمه إلا ذكره
عن موسى بن أنس، ولكن هذا يقتضى غلبة الظن به وذلك كاف فى أمثاله
انتهى .
قال المعذرى : لم يجزم الراوى به قال لاأعلمه إلا ذكرة عن موسى بن أنس
(أخبرنا إبراهيم بن صالح بن درهم) بكسر الدال الباهلى أبو محمد البصرى
فيه ضعف وأبوه صالح بن درهم وثقه بن معين قاله الحافظ فى التقريب (حاجين)
أى مريدين الحج ( فإذا رجل ) أى واقف والمراد به أبو هريرة (إلى جنبكمقرية)
بحذف الاستفهام ( يقال لها الأبلة ) بضم الهمزة والباء وتشديد اللام البلد المعروف
قرب البصرة من جانبها البحرى . كذا فى النهاية وهى أحد المنتزهات الأربع
وهى أقدم من البصرة ذكره القارى. ( من يضمن) استفهام الالتماس والسؤال
والمعنى من يتقبل ويتكفل (إلى) أى لأجلى (أن يصلى لى) أى بنيتى ( فى -

- ٤٢٢ -
خَلِ أَبَ الْقَاسِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ: إنَّ اللهَ يَبْعَثُ مِنْ مَسْجِدِ الْعَشَّارِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ لا يَقُومُ مَعَ شُهَدَاءُ بَدْرٍ غَيْرُمْ » .
قال أبُو دَاوُدَ: هَذَا الْمَسْجِدُ بِمَّا يَلِى النَّهْرَ.
- مسجد العشار) بفتح العين المهملة وتشديد الشين المعجمة مسجد مشهور يتبرك
بالصلاة فيه ذكره ميرك (ركعتين أو أربعاً) أى أربع ركعات وأو التنويع أو
بمعنى بل ( ويقول) أى عند الغية أو بعد فراغ الصلاة ( هذه) أى الصلاة أو
ثوابها (لأبى هريرة) فإن قيل: الصلاة عبادة بدنية ولا تقبل النيابة فما معنى
قول أبى هريرة ؟ قلنا يحتمل أن يكون هذا مذهب أبى هريرة قاس الصلاة
على الحج وإن كان فى الحج شائبة مالية ، ويحتمل أن يكون معناه ثواب هذه
الصلاة لأبى هريرة، فإن ذلك جوزه بعضهم . كذا ذكره الطيبى رحمه الله .
قال القارى: وقال علماؤنا الأصل فى الحج عن الغير أن الإنسان له أن يجعل
ثواب عمله لغيره من الأموات والأحياء حجا أو صلاة أو صوماً أو صدقة أو
غيرها كتلاوة القرآن والأذكار ، فإذا فعل شيئاً من هذا وجعل ثوابه لغيره
جاز ويصل إليه عند أهل السنة والجماعة انتهى. قلت: قد حقق هذا البحث
فى موضعه وليس هذا موضعه ( أبا القاسم ) بدل أو عطف بيان ( لا يقوم ) أى
من القبور أو فى المرتبة ( مع شهداء بدر غيرهم) ولم يعرف أنهم من شهداء هذه
الأمة أو من الأمم السابقة قاله القارى (هذا المسجد مما يلى النهر) أى نهر الفرات.
قال المنذرى: إبراهيم بن صالح بن درهم ذكره البخارى فى التاريخ الكبير
وذكر له هذا الحديث وقال لا يتابع عليه وذكره أبو جعفر العقيلى وقال فيه إبراهيم
هذا وأبوه ليسا بمشهورين والحديث غير محفوظ وذكر الدار قطنى أن إبراهيم
هذا ضعيف .

-- ٤٢٣-
١١ - باب ذكر الحبشة
٤٢٨٧ - حدثنا الْقَاسِمُ بنُ أَحَدَ الْبَغْدَادِىُّ أخبرنا أَبُو عَامِرٍ من زُهَيْرٍ
ابنِ مُمَّدٍ عن مُوسَ بنِ جُبَيْرٍ عن أبى أمَامَةَ بنِ سَهْلٍ بِنِ حَنِيفٍ عن
عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو عن النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((اثْرُ كُوا الْبَشَةَ
مَاتَرَ كُوكُ فَإِنَّهُ لا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الْكُمْبَةِ إِلَّ ذُو السُّوَيَقْتَيْنِ مِنَ الْحَشَةِ))
( باب ذكر الحبشة)
(موسى بن جبير) هكذا فى أكثر النسخ. وكذا فى أطراف المزى وفى
بعض الأصول محمد بن جبير والله أعلم ( اتركوا الحبشة) بالتحريك جيل من
السودان معروف (ماتركوكم) أى مدة دوام تركهم لكم لما يخاف من
شرهم المشار إليه بقوله ( فإنه لا يستخرج كنز الكعبة) أى المال المدفون فيها
( إلا) عبد حبشى لقبه ( ذو السويقتين) بالتصغير تثنية سويقة أى هو دقيقهما
جداً. والحبشة وإن كان شأنهم دقة السوق لكن هذا متميز بمزيد من ذلك
يعرف به. وقال النووى : هما تصغير ساقى الإنسان لرقتهما وهى صفة سوق
السودان غالباً ، ولا يعارض هذا قوله تعالى (حرماً آمناً) لأن معناه آمناً إلى
قرب القيامة وخراب الدنيا، وقيل يخص منه قصة ذى السويقتين . قال القاضى
القول الأول أظهر انتهى. وقال السيوطى ذكر الحليمى وغيره أن ظهور ذى
السويقتين فى وقت عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام بعد هلاك يأجوج
ومأجوج فيبعث عيسى إليه طلهعة ما بين السبعمائة إلى ثمان مائة فبينماهم يسيرون
إليه إذ بعث الله ريحاً يمانية طيبة فتقبض فيها روح كل مؤمن انتهى. قلت :
لابد لهذا من سند صحيح وإلا فالله تعالى أعلم بوقت خروجه .
قال المصدرى : وقد أخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث سعيد -

- ٤٢٤ -
١٢ - باب أمارات الساعة
٤٢٨٨ - حدثنا مُؤَمَّلُ بنُ هِشَامِ حدَّتنى إِسْمَاعِيلُ عن أَبِى حَيَّانَ
التَّيْعِىِّ عن أَبِى زُرْعَةَ قَالَ: ((جَاءَ نَفَرٌ إِلَى مَرْوَانَ بالَدِينَةِ فَسَمِعُوهُ يُحَدِّثُ
فِى الْآيَاتِ أَنَّ أَوَّلَا الدَّجَالُ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍ و
فَحَدَّ ثْتُهُ، فقالَ عَبْدُ اللهِ: لَمْ يَقُلْ شَيْئًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه
- ابن المسيب عن أبى هريرة رضى الله عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة)).
( باب أمارات الساعة )
جمع أمارة كعلامة وزنا ومعنى أى علامات القيامة.
(عن أبى زرعة) قال المنذرى: هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلى
واسمه هرم، ويقال عمرو ويقال عبدالرحمن، ويقال عبيد الله . وقال الحافظ فى
التقريب: أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفى ، قيل اسمه
هرم، وقيل عمرو، وقيل عبد الله ، وقيل عبد الرحمن ، وقيل جرير ثقة من
الثالثة (إلى مروان) هو ابن الحكم بن أبى العاص بن أمية أبو عبد الملك الأموى
المدنی ولی اخلافة فى آخر سنة أربع وستين ومات سنة خمس فى رمضان لا يثبت
له صحبة (فسمعوه) أى مروان ( فى الآيات) أى علامات القيامة ( قال) أى
أبو زرعة ( حدثته) أى ذكرت له ما حدث مروان من أن أول الآيات الدجال
(فقال عبد الله) بن عمرو ( لم يقل ) أى مروان ( شيئاً) أى لم يقل شيئاً يعتبر
به ويعتد. وقال فى فتح الودود : يريد أن ماقاله باطل لا أصل له لكن نقل
البيهقى عن الحليمى أن أول الآيات ظهور الدجال ثم نزول عيسى عليه السلام
ثم خروج يأجوج ومأجوج ثم خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها وذلك -

-٤٢٥-
وسلم يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجَا طُوعُ الشِّْ مِنْ مَغْرِهاَ أَو الدّابَةُ
عَلَى النَّاسِ تُحَى فَأَيَتَُ كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتُهَا فالْأُخْرَى عَلَى أَثَرِهَا ».
قالَ عَبْدُ اللهِ: وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ، وَأَظُنُّ أَوَّلَهُمَا خُرُوجَاَ طُلُوعُ
الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهاَ.
- لأن الكفار يسلمون فى زمان عيسى عليه السلام حتى تكون الدعوة واحدة فلو
كأنت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال ونزول عيسى لم ينفع الكفار
إيمانهم أيام عيسى، ولو لم ينفعهم إيمانهم لما صار الدين واحداً، ولذلك أول
بعضهم هذا الحديث بأن الآيات إما أمارات دالة على قرب القيامة أو على وجودها
ومن الأول الدجال ونحوه، ومن الثانى طلوع الشمس ونحوه فأولية طلوع
الشمس إنما هى بالنسبة إلى القسم الثانى انتهى (إن أول الآيات خروجاً أى)
ظهوراً ضحى بالتنوين أى وقت ارتفاع النهار قال العلقمى قال ابن كثير أى
أول الآيات التى ليست مألوفة وإن كان الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه
السلام قبل ذلك ، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج كل ذلك أمور مألوفة لأنهم
بشر مشاهدتهم وأمثالهم مألوفة فإن خروج الدابه على شكل غريب غير مألوف
ومخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر فأمر خارج عن مجارى العادات
وذلك أول الآيات الأرضية كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها
المألوفة أول الآيات السماوية انتهى وقال القرطبى فى التذكرة روى ابن الزبير أنها
جمعت من كل حيوان ، فرأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل
وقرنها قرن إبل ، وعنقها عنق النعامة وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ،
وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصل
ومفصل اثنى عشر ذراعا. ذكره الثعلى والماوردى وغيرها ذكره العزيزى
(فأيتهما) بشده المثناة التحتية (فالأخرى على أثرها) بفتحتين وبكسر فسكون
أى تحصل عقبها (قال عبد الله) أى ابن عمرو (وكان يقرأ الكتب) جملة حالية -

-٤٢٦ -
٤٢٨٩ - حدثنا مُسَدّدٌ وَهَنَّادٌ المَعْنَى قَالَ مُسَدِّدٌ أخبرنا أَبُو الْأَحْوَصِ
قالَ أخبرنا فُرَّاتٌ الْقَزَّارُ عن عَامِرٍ بنِ وَائِلَةَ ، وقَالَ هَنَاٌ عن أبى الطُّفَيْلِ
عِن ◌ُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ الِْفَارِيِّ قَالَ: ((كُنَّا قُعُودًا نَتَحَدِّثُ فى ظِلِّ غُرْفَةٍ
لِرَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، فَذَ كَرْنَا السَّاعَةَ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَاَ، فقالَ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: لَنْ تَكُونَ، أَوْ لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ
قَبْلَهَا عَشْرُآيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَةِ، وَخُرُوجُ
- وقائلها أبو زرعة أى والحال أن عبدالله بن عمرو كان بقرأ الكتب أى التوراة
ونحوها من الكتب السماوية فالظاهر أن ماقاله عبد الله يكون مكتوباً فيها أو
مستقبطاً منها (وأظن أولهما خروجاً الخ) مقوله قال: قال المنذرى وأخرجه مسلم
وابن ماجه وليس فى حديث ابن ماجه قصة مروان .
(عامر بن واثلة) الكنانى الليثى أبو الطفيل ولد عام أحد وهو آخر من مات
من جميع الصحابة على الإطلاق رضى الله تعالى عنهم ( عن أبى الطفيل) هو عامي
ابن وائلة أى قال مسدد فى روايته عن عامر بن واثلة .
وقال هناد عن أبى الطفيل (عن حذيفة بن أسيد) بفتح الهمزة وكسر
السين ( الغفارى) بكسر الغين المعجمة نسبة إلى قبيلة منهم أبوذر (فى ظل غرفة)
بالضم العلية قاله فى القاموس . وفى الفارسية برواره أى بالإخانه بركنار بام
(لرسول الله صلى الله عليه وسلم) صفة لغرفة أى غرفة كائنة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم، وفى رواية لمسلم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غرفة ونحن
تحتها نتحدث ( فذكرنا الساعة) أى أمر القيامه واحتمال قيامها فى كل ساعة
(لن تكون أو لن تقوم) شك من الراوى ( طلوع الشمس من مغربها) قال
السيوطى قال الكرمانى: فإن قلت إن أهل الهيئة بينوا أن الفلكيات بسيطة -

-٤٢٧-
يَأْجُوُجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدَّجَالِ، وَعِيسَىَ بنِ مَرْيَمَ، وَالدُّخَانُ، وَثَلاَثُ
- لا تختلف مقتضياتها ولا يتطرق إليها خلاف ماهى عليه. قلت: قواعدهم
منقوضة ومقدماتهم ممنوعة وإن سلمنا محتها فلا امتناع فى انطباق منطقة البروج
على معدل النهار بحيث يصير المشرق مغرباً وعكسه انتهى . وروى البخارى فى
تاريخه وأبو الشيخ فى العظمة عن كعب قال إذا أراد الله أن يطلع الشمس من
مغربها أدارها بالقطب فجعل مشرقها مغربها ومغربها مشرقها. قات . إنا نشاهد
كل يوم الغلك دائراً بقدرته تعالى من المشرق للمغرب فإذا قال له كن مقهقراً
دورانك من المغرب للمشرق كما قال ذلك بعكسه ، فكان فأى مانع يمنعه عند كل
مؤمن وقد قال ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) فسبحان
الله وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً انتهى، قلت : ماذكر الكرمانى من
عدم الامتناع فى انطباق منطقة البروج على المعدل بحيث يصير المشرق مغرباً
وعكه ففيه نظر قد بينه العلامة الألوسى فى تفسيره روح المعانى تحت آية (يوم
يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها) الآية (وخروج الدابة) وهى المذكورة
فى قوله تعالى ﴿ وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم﴾
الآية قال المفسرون: هى دابة عظيمة تخرج من صدع فى الصفا. وعن ابن عمرو
ابن العاص أنها الجساسة المذكورة فى حديث الدجال قاله النووى ( وعيسى
ابن مريم) أى خروج عيسى عليه السلام وهو نزوله من السماء ، وفيه رد على
من أنكر نزول عيسى بن مريم وهذا المفكر ضال مضل وسيأتى بحته .
وقد سألنى بعض الملاحدة هل جاء التصريح فى الحديث بأن عيسى بن مريم
عليه السلام تولد من غير أب؟ قلت نعم أخرج عبد بن حميد الكشى فى مسنده
أنبأنا عبيد الله بن موسى قال أنبأنا إسرائيل عن أبى اسحق عن أبى بردة بن
أبى موسى عن أبيه قال (( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع -

- ٤٢٨-
خُوفٍ: خَسْفٍ بِالَغْرِبِ، وَغَيْفٍ بِالمَشْرِقِ، وَخَسْفٍ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ،
- جعفر بن أبى طالب إلى أرض النجاشى)) فذكر الحديث .
وفيه قال النجاشى لجعفر ما يقول صاحبك فى ابن مريم ؟ قال يقول فيه قول
الله عز وجل هو روح الله وكلمته أخرجه من العذراء البتول التى لم يقربها بشر.
قال فتناول النجاشى عوداً من الأرض وقال يامعشر القحيسين والرهبان ما يزيد
هؤلاء على ما تقولون فى ابن مريم مرحباً بكم وبمن جثتم من عنده فأنا أشهد أنه
رسول الله وأنه الذى بشر به عيسى بن مريم ، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته
حتى أحمل فعليه. ((أمكنوا فى أرضى ماشئتم)) الحديث. قلت: هذا حديث
إسناده صحيح والله أعلم.
(والدخان) قال الطيبي رحمه الله هو الذى ذكر فى قوله تعالى (( يوم تأتى
السماء بدخان مبين)) وذلك كان فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى .
وقال النووى فى شرح مسلم تحت هذا الحديث : هذا الحديث يؤيد قول
من قال إن الدخان دخان بأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام
وأنه لم يأت بعد وإنما يكون قريباً من قيام الساعة وقال ابن مسعود إنما هو
عبارة عما نال قريشاً من القحط حتى كانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدخان
وقد وافق ابن مسعود جماعة وقال بالقول الآخر حذيفة وابن عمر والحسن ،
ورواه حذيفة عن الغبى صلى الله عليه وسلم وأنه يمكث فى الأرض أربعين يوماً
ويحتمل أنهما دخانان الجمع بين هذه الآثار انتهى.
وقال القرطبى فى التذكرة قال ابن دحية : والذى يقتضيه النظر الصحيح
حمل ذلك على قضيتين إحداهما وقعت وكانت الأخرى ستقع وتكون ، فأما
التى كانت فهى التى كانوا يرون فيها كهيئة الدخان غير الدخان الحقيقى الذى يكون
عند ظهور الآيات التى هى من الأشراط والعلامات ولا يمتمع إذا ظهرت هذه -

- ٤٢٩ -
وَآَخِرُ ذَلِكَ تَخْرُجُ نَارٌ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ قَعْرِ [ قَمْرَةٍ ] عَدَنٍ ، تَسُوقُ النَّاسَ
إِلَى الْمَحْشَرِ ».
- العلامة أن يقولوا ( ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون) فيكشف عنهم
ثم يعودون لقرب الساعة . وقول ابن مسعود رضى الله عنه لم يسنده إلى النبى
صلى الله عليه وسلم إنما هو من تفسيره ، وقد جاء النص عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بخلافه.
قال القرطبى: وقد روى عن ان مسعور رضى الله عنه أنهما دخانان.
قال مجاهد كان ابن مسعود رضى الله عنه يقول هما دخانان قد أمضى أحدهما ،
والذى بقى يملأً ما بين السماء والأرض انتهى .
( وثلاث خسوف) قال ابن الملك: قد وجد الخف فى مواضع لكن يحتمل
أن يكون المراد بالحسوف الثلاثة قدراً زائداً على ماوجد كأن يكون أعظم مكاناً
وقدراً ( خسف ) بالجر على أنه بدل مما قبله وبالرفع على تقدير أحدها أو منها
(وآخر ذلك ) أى آخر ماذكر من الآيات ( من قعر عدن) أى أقصى أرضها
وهو غير منصرف وقيل منصرف باعتبار البقعة والموضع ، ففى المشارق عدن
مدينة مشهورة باليمن وفى القاموس عدن محركة جزيرة باليمن ( تسوق ) أى تطرد
النار ( إلى المحشر) بفتح الشين ويكسر أى إلى الجمع والمواقف ، قيل المرادمن
المحشر أرض الشام إذاصح فى الخبر أن الحشر يكون فى أرض الشام لكن
الظاهر أن المراد أن يكون مبتدؤه منها أو تجعل واسعة تسع خلق العالم فيها
قاله القارى .
وقد قيل إن أول الآيات الدخان ثم خروج الدجال ثم نزول عيسى عليه
السلام ثم خروج يأجوج ومأجوج ثم خروج الدابة ثم طلوع الشمس من مغربها -
فإن الكفار يسلمون فى زمن عيسى عليه السلام حتى تكون الدعوة واحدة، -

- ٤٣٠ -
- ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال ونزوله لم يكن الإيمان
مقبولا من الكفار، فالواو لمطلق الجمع فلا يرد أن نزوله قبل طلوعها ولا ماورد
أن طلوع الشمس أول الآيات .
وقال فى فتح الودود: قيل أول الآيات الخسوفات ثم خروج الدجال ثم
نزول عيسى عليه السلام ثم خروج يأجوج ومأجوج ثم الريح التى تقبض عندها
أرواح أهل الإيمان، فعند ذلك تخرج الشمس من مغربها ثم تخرج دابة الأرض
ثم يأتى الدخان . قال صاحب فتح الودود والأقرب فى مثله التوقف والتفويض
إلى عالمه انتهى. قلت: ذكر القرطبى فى تذكرته مثل هذا الترتيب إلا أنه
جعل الدجال مكان الدخان .
وذكر البيهقى عن الحاكم مثل ترتيب القرطبى وجعل خروج الدابة قبل
طلوع الشمس من مغربها فالظاهر بل المتعين هو ماقال صاحب فتح الودود من
أن الأقرب فى مثله هو التوقف والتفويض إلى عالمه، وإنى أسرد كلام القرطبى
بعينه لتكميل الفائدة .
قال القرطبى فى التذكرة فى كشف أحوال الموتى وأمور الآخرة : باب
العشر الآيات التى تكون قبل الساعة وبيان قوله تعالى ﴿اقتربت الساعة وانشق
القمر) روى عن حذيفة أنه قال ((كنا جلوساً بالمدينة فى ظل حائط وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غرفة فأشرف علينا فقال ما يجلسكم؟ فقلنا نتحدث
قال فيماذا؟ فقلنا عن الساعة، فقال إنستكم لا ترون الساعة حتى ترون قبلها عشر
آيات: أولها طلوع الشمس من مغربها ثم الدخان ثم الدجال ثم الدابة ثم ثلاث
خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ، وخروج
عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، ويكون آخر ذلك نار تخرج من اليمن
من قمرة عدن لاتدع أحداً خلفها إلا تسوقه إلى المحشر)) ذكره القتيبى فى
عيون الأخبار له، وخرجه مسلم بمعداه . وعن حذيفة قال إطلع علينا رسول الله -

- ٤٣١ -
- صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال لا تقوم الساعة حتى
يكون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة ويأجوج
ومأجوج وخروج عيسى بن مريم وثلاث خسوفات خسف بالمشرق وخسف
بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس
إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا )) خرجه ابن ماجه
والترمذي وقال حديث حسن .
وفى رواية : الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول
عيسى بن مريم وثلاث خسوفات خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة "
العرب وآخر ذلك نار تخرج من المن تطرد الناس إلى محشرهم.
وفى البخارى عن أنس قال قال النبى صلى الله عليه وسلم (( أول إشراط
الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب)).
وفى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال (( حفظت من رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على
الناس ضحى وأبتهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً منها))
وفى حديث حذيفة مرفوعاً (( ثم قال صلى الله عليه وسلم كأنى أنظر إلى حبشى
الحديث )) .
قال القرطبى: جاءت هذه الآيات فى هذه الأحاديث مجموعة غير مرتبة
ماعدا حديث حذيفة المذكور أولا ، فإن الترتيب فيه ثم وليس الأمر كذلك
على ماسنبينه، وقد جاء ترتيبها من حديث حذيفة أيضاً قال ((كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى غرفة ونحن أسفل منه فاطلع إلينا فقال ما تذكرون؟ قلنا
الساعة، قال إن الساعة لا تكون حتى تروا عشر آيات: خسف بالمشرق وخسف
بالمغرب وخسف بجزيرة العرب والدخان والدجال ودابة الأرض ويأجوج -

-٤٣٢ -
- ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس »
وقال بعض الرواة فى العاشرة نزول عيسى بن مريم ، وقال بعضهم وريح
تلقى الناس فى البحر أخرجه مسلم .
فأول الآيات على مافى هذه الرواية الخوفات الثلاث ، وقد وقع بعضها
فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم ذكره ابن وهب وذكر أبو الفرج ابن
الجوزى أنه وقع بعراق العجم زلازل وخسوفات هلك بسبيها خلق كثير .
قال القرطبى وقد وقع ذلك عندنا بشرق الأندلس فيما سمعناه من بعض
مشائخنا .
ووقع فى هذا الحديث دابة الأرض قبل يأجوج ومأجوج وليس كذلك
فإن أول الآيات ظهور الدجال ثم نزول عيسى عليه السلام ثم خروج يأجوج
ومأجوج، فإذا قتلهم الله بالنغف فى أعناقهم وقبض الله تعالى نبيه عيسى عليه
السلام وخلت الأرض منه وتطاولت الأيام على الناس وذهب معظم دين
الإسلام أخذ الناس فى الرجوع إلى عاداتهم وأحدثوا الأحداث من الكفر
والفسوق كما أحدثوه بعد كل قائم نصبه الله تعالى بينه وبينهم حجة عليهم ثم
قبضه الله تعالى ، فيخرج الله تعالى لهم دابة الأرض فتميز المؤمن من الكافر
ليرتدع بذلك الكفار عن كفرهم والفساق عن فسقهم ويسقبصروا وينزعوا
عن ماهم فيه من الفسوق والعصيان ، ثم تغيب الدابة عنهم ويمهلون فإذا أصروا
على طغيانهم وعصيانهم طلعت الشمس من مغربها ولم يقبل بعد ذلك لكافر
ولا فاسق توبة وأزيل الخطاب والتكليف عنهم ثم كان قيام الساعة على أثر ذلك
قريباً لأن الله تعالى قال ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فإذا قطع عنهم
التعبد لم يقرهم بعد ذلك فى الأرض زماناً طويلا.
-

- ٤٣٣ -
- وأما الدخان فروى من حديث حذيفة أن من أشراط الساعه دخاناً عملاً
ما بين المشرق والمغرب يمكث فى الأرض أربعين يوماً، فأما المؤمن فيصيبه منه
شبه الزكام ، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من أنقة وعينيه
وأذنية ودبرة انتهى كلام القرطبى .
قلت : حديث حذيفة بن أسيد إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيحين .
مسدد بن مسرهد البصرى أخرج عنه الأئمة الستة ، غير مسلم وابن ماجه وقال
فيه ابن معين ثقة ثقه .
وأما هناد بن السرى فأخرج عنه مسلم وأصحاب السنن ووثقه النسائى.
وأما أبو الأحوص فهو سلام بن سليم الحافظ أخرج له الأئمة السقة ، قال فيه
ابن معين ثقة متقن .
وأما فرات البصرى القزاز فأخرج له الأمة السنة ووثقه النسائى. وأما
عامر بن واثلة أبو الطفيل فصحابى أخرج له الأمة الستة . وأما حذيفة بن أسيد
أبو سريحة فصحابى أخرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة . والحديث أخرجه
مسلم بقوله حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم وابن أبى عمر
المكى قالوا أخبرنا سفيان بن عيينة عن فرات القزاز عن أبى الطفيل عن حذيفة
بن أسيد الغفارى قال ((اطلع النبى صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال
ماتذكرون قالوا نذكر الساعة ، قال إنها ان تقوم حتى تروا قبلها عشر
آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى
ابن مريم الحديث. ثم قال حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبرى أخبرنا أبى أخبرنا
شعبة عن فرات القزاز عن أبى الطفيل عن أبى سريحة قال ((كان النبي صلى الله
عليه وسلم فى غرفة فذكر الحديث.
--
( ٢٨ عون المعبود ١١)

- ٤٣٤ -
- قال شعبة وحدثنى عبد العزيز بن رفيع عن أبى الطفيل عن أبى سريحة مثل
ذلك لا يذكر النبى صلى الله عليه وسلم ، وقال أحدهما فى العاشرة نزول عيسى بن
مريم ، وقال الآخر ريح تلقى الناس فى البحر .
وحدثنا محمد بن بشار أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا شعبة عن فرات قال
سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبى سريحة قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى غرفة)) فذكر الحديث.
قال شعبة وحدثنى رجل هذا الحديث عن أبى الطفيل عن أبى سريحة ولم
يرفعه قال أحد هذين الرجلين نزول عيسى بن مريم ، وقال الآخر ريح تلقيهم
فى البحر .
وحدثناه محمد بن مثنى أخبرنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلى أخبرنا شعبة
عن فرات قال سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبى سريحة قال كنا نتحدث فأشرف
علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم)) بنحو حديث معاذ وابن جعفر. وقال ابن
مثنى أخبرنا أبو النعمان الحكم بن عبدالله أخبرنا شعبة عن عبد العزيز بن رفيع
عن أبى الطفيل عن أبى سريحة بنحوه قال والعاشرة نزول عيسى بن مريم .
قال شعبة ولم يرفعه عبد العزيز انتهى من صحيح مسلم .
وإسناد فرات القزاز مما استدركه الإمام الدار قطنى وقال ولم يرفعه
غير فرات عن أبى الطفيل من وجه صحيح . قال ورواه عبد العزيز بن رفيع
وعبد الملك بن ميسرة موقوفاً . انتهى كلام الدار قطنى .
وقد ذكر الإمام الحجة مسلم رواية ابن رفيع موقوفة كما قال الدار قطنى
ولكن لا يقدح هذا فى رفع الحديث ، فإن فرات القزاز ثقه متقن متفق على
تو ثیقه فزيادته مقبوله .
وروى عن الفرات سفيان بن عيينه وأبو الأحوص وهما إمامان حافظان -

- ٤٣٥ -
٤٢٩٠ - حدثنا أحمدُ بنُ أَبِ شُعَيْبِ الْحَرَّالِىُّ أخبرنا مُمَّدُ بنُ الْفُضَيْلِ
عن عُمَرَةَ عن أَبِىِ زُرْهَةَ عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمُْ مِنْ مَغْرِبِها، فإِذَا طَلَمَتْ وَرَآهَا
النّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهاَ فَذَاكَ {حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ
قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فى إِيمَانِهاَ خَيْرًا). الآية)).
- ثقتان، وذكر فى حديثهما عن الفرات ذكر نزول عيسى بن مريم عليه
السلام متصلا مرفوعاً إلى النبى صلى الله عليه وسلم والله أعلم .
قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه وفى لفظ مسلم
موضع نزول عيسى بن مريم عليه السلام وريح تلقى الناس فى البحر وأخرجه
هكذا من كلام حذيفة موقوفاً لا يذكر النبى صلى الله عليه وسلم. وفى لفظ
الترمذى والعاشرة إما ربح تطرحهم فى البحر وإما نزول عيسى بن مريم ولفظ
النسائى يخرج من قمر عدن أبين وأسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وبعدها
ياء آخر الحروف ساكنة ودال مهملة .
(ورآها) أى الشمس طالعة من مغربها (آمن من عليها) أى من على
الأرض وهى وإن لم تكن مذكورة فى الحديث لكنه يفهم من السياق ( فذاك
حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) الجملة صفة نفس (أو) نفساً
لم تكن (كسبت فى إيمانها خيراً) طاعة أى لا تنفعها توبتها كما فى الحديث، كذا
فى تفسير الجلالين. وقال الشيخ سليمان الجمل قوله ( لا ينفع نفساً) أى نفساً كافرة
أو مؤمنة عاصية، ويكون قوله (لم تكن آمنت، راجعاً للأولى ، وقوله
(أو كسبت) راجعاً للثانية، ويكون التقدير لا ينفع نفساً إيمانها ولا توبتها من
المعاصى ففى الكلام حذف دل عليه قوله أو كسبت ويكون فاعل لا ينفع أمران
حذف منهما واحد وقد أشار الشارح للحذف بقوله أى لا تنفسها توبتها وقال -

- ٤٣٦-
١٣ - باب حسر الفرات عن كنز
٤٢٩١ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِىُّ حدَّتنى عُقْبَةُ بنُ خَالِدٍ
السّكُونِئُ أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ عن خُبَيْبِ بنِ عَبْدِ الرَّْنِ عن حَفْصِ بنِ عَاصِمٍ.
- قوله (نفساً) لم تكن كسبت الخ أشار بهذا إلى أنه معطوف على المنفى وظاهر
الآية يدل المعتزلة القائلين بأن الإيمان المجرد عن الطاعة لا ينفع صاحبه وذلك
لأن قوله لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن كسبت فيه خيراً صريح فى ذلك، ورد بأن
فى الآية حذفاً كما تقدم تقريره فمبنى الشبهة أن الفاعل واحد هو المذكور فقط
ومبنى ردها على أنه متعدد المذكور وآخر مقدر انتهى . قلت لاشك فى أن
ظاهر الآية يدل على ماذهب إليه المعتزلة وقد أطال الكلام فى تأويل الآية والجواب
عن المعتزلة [ذكره] العلامة الألوسى فى تفسيره روح المعانى. وقد بسط العلامة
القاضى الشوكانى رحمه الله فى الجواب عن التأويلات فى تفسيره فتح القدير فعليك
بمطالعته ما لينجلى لك الحق. وقال فى جامع البيان ( أو كسبت فى إيمانها خيراً)
عطف على آمنت أى لا ينفع الكافر إيمانه فى ذلك الحين ولا الفاسق الذى
ماكسب خيراً فى إيمانه توبته فحاصله أنه من باب اللف التقديرى أى لا ينفع
نفساً إيمانها ولا كسبها فى الإيمان إن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فيه أى
لا ينفعهم تلهفهم على ترك الإيمان بالكتاب ولا على ترك العمل بما فيه انتهى.
قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه انتهى.
(باب حسر الفرات عن كنز)
الفرات كغراب النهر المشهور وهو بالتاء ويقال يجوز بالماء كالتابوت
والقابوه والعنكبوت والمنكبوه ذكره الحافظ .
والحسر الانكشاف .
-

-٤٣٧ -
عن أَبِى هُرِيْرة قالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((يُوشِكُ الْقُرَاتُ أَنْ
يَخْسِرَ عن كَنْزِ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً».
٤٢٩٢ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِىُّ حدَّثْنِ عُقْبَةُ - بَعْنى
ابنَ خَالٍِ - حدَّ تِى عُبَيْدُ اللهِ عن أبى الزِّنَادِ من الْأَعْرَجِ من أَبِى هُرَّيْرَةَ
عن النّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قالَ: ((يَخْسِيرُ عنْ جَبَلٍ
مِنْ ذَهَبٍ )).
- (يوشك) بكسر الشين أى يقرب (أن يحسر) بفتح أوله وسكون ثانيه
وكسر ثالثه والحاء والسين مهملتان أى ينكشف (فمن حضره فلا يأخذ منه
شيئاً ) هذا يشعر بأن الأخذ منه ممكن وعلى هذا فيجوز أن يكون دنانيرو يجوز
أن يكون قطعاً ويجوز أن يكون تبراً، والذى يظهر أن النهى عن أخذه لما ينشأ
عن أخذه من الفتنة والقتال عليه ، فقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق أخرى
عن أبى هريرة بلفظ ((يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتل عليه الناس فيقتل
من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلى أكون أنا الذى أنجو »
وأخرج مسلم أيضاً عن أبى بن كعب قال (( لا يزال الناس مختلفة أعناقهم فى طلب
الدنيا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوشك أن يحسر الفرات عن
جبل من ذهب فإذا سمع به الناس ساروا إليه فيقول من عنده لئن تركنا الناس
يأخذون منه ليذهبن به كله قال فيقتتلون عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون)»
هذا تلخيص ما قال الحافظ فى الفتح. قال المنذرى وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى .
(إلا أنه قال يحسر عن جبل من ذهب) يعنى أن عبيد الله روى عن أبى
الزناد عن الأعرج عن أبى هريره مثل حديثه السابق إلا أن فى هذه الرواية وقع
لفظ عن جبل من ذهب وكان فى الرواية السابقة لفظ عن كنز من ذهب .
قال الحافظ تسميته كنزاً باعتبار حاله قبل أن ينكشف وتسميته جبلا .-

-- ٤٣٨-
: ١٤ - باب خروج الدجال
٤٢٩٣ - حدثنا الحسنُ بنُ عَمْرٍ وٍ أخبرنا جَرِير عن مَنْصُورٍ عن
رِبْعِيِّ بنِ حِرَاشٍ قالَ: ((اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْمُودٍ، فقالَ حُذَيْفَةُ:
لَأَنَ بَِ مَعَ الدَّجَّالِ أَعْلَمُ مِنْهُ، إِنَّ مَعَهُ بَجْرًا مِنْ مَاء وَنَهْرَا مِنْ نَرٍ، فَلَّذِى
- للإشارة إلى كثرته انتهى. وقال القارى: الظاهر أن القضية متحدة والرواية
متعددة فالمعنى عن كنز عظيم مقدار جبل من ذهب ويحتمل أن يكون هذا غير
الأول ويكون الجبل معدناً من ذهب انتهى. قلت : هذا الاحتمال غير ظاهر
والظاهر هو الأول بل هو المتعين. قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى وقال
المزى فى الأطراف: حديث ((يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب))
أخرجه البخارى فى الفتن ومسلم فيه وأبو داود فى الملاحم، والترمذى فى صفة
الجنة وقال حسن صحيح انتهى .
( باب خروج الدجال )
هو فعال بفتح أوله والتشديد من الدجل وهو التغطية ، وسمى الكذاب
رجالا لأنه يغطى الحق بباطله . وقال ابن دريد سمى دجالا لأنه يغطى الحق
بالكذب ، وقيل لضربه نواحى الأرض ، يقال دجل مخففاً ومشدداً إذا فعل
ذلك ، وقيل بل قيل ذلك لأنه يغطى الأرض فرجع إلى الأول. وقال القرطبى
فى التذكرة اختلف فى تسميته دجالا على عشرة أقوال .
(عن ربعى) بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة اسم بلفظ
النسب (بن حراش) بكسر المهملة وآخره معجمة ( اجتمع حذيفة ) هو ابن
المان ( وأبو مسعود) أى الأنصارى (لأنا بما مع الدجال أعلم منه) يحتمل أن
الضمير للدجال فهذا مبنى على أن الدجال لا يعلم باطن أمر الماء والناركما يعلم حذيفة
ويحتمل أنه لأبى مسعود بناء على ظن حذيفة أنه ماسمع هذا الحديث ثم ذكر -

- ٤٣٩ -
تَرَوْنَ أَنَّهُ نَرَ مَاءَ، وَالَّذِى تَرَوْنَ أَنَّه مَ نَارِ، فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمُ ذَلِكَ فَأَرَادَ
الْمَاء فَلْيَشْرَبْ مِنَ الَّذِى يَرَى أَنَّهُ نَارٌ فإنّهُ سَيَجِدُهُ مَاءِ)).
قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِئُ: هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم يَقُولُ.
- أبو مسعود أنه أيضكرمع كذا فى فتح الودود قلت : الظاهر من رواية
أبى داود هذه أن جملة لأنا بما مع الد جال أعلم منه مقوله حذيفة وكذلك فى رواية
لمسلم ولكن فى رواية أخرى لمسلم عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ((لأنا أعلم بما مع الدجال منه))، فهذه الرواية صريحة فى أن هذه الجملة مقولة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا لا يتمشى الاحتمالان المذكوران فى
فتح الودود بل الاحتمال الأول هو المتعين فتفكر ( إن معه) أى مع الدجال
( فالذى ترون أنه نار ماء الخ) وفى حديث سفينة عند أحمد والطبرانى : معه
واديان أحدهما جنة والآخر نار ، فناره جنة وجنته نار وفى حديث أبى سلمة
عن أبى هريرة : وأنه يحى معه مثل الجنة والنار فالتى يقول إنها الجنة هى النار.
أخرجه أحمد قال الحافظ فى فتح البارى: هذا كله يرجع إلى اختلاف المرئى بالنسبة
إلى الرائى، فإما أن يكون الدجال ساحراً فيخيل الشىء بصورة عكسه، وإما
أن يجعل الله باطن الجنة التى يسخرها الدجال ناراً وباطن النار جنة، وهذا
الراجح ، وإما أن يكون ذلك كداية عن النعمة والرحمة بالجنة ، وعن المحنة
والنقمة بالنار ، فمن أطاعه فأنعم عليه بجنته يؤول أمره إلى دخول نار الآخرة
وبالعكس، ويحتمل أن يكون ذلك من جملة المحنة والفتنة ، فيرى الناظر إلى ذلك
من دهشته النار فيظنها جنة وبالعكس . انتهى (فمن أدرك منكم ذلك ) أى
الدجال أو ماذكر من قلبيسه (سهجده ماء) أى فى الحقيقة أو بالقلب، أو بحسب
المآل. والله تعالى أعلم بالحال .

- ٤٤٠ -
٤٢٩٤ - حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّالِسِيُّ أخبرنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةً قَالَ
سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عن النِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ ((مَابُعِثَ
◌َبِىٌّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الدَّجَالَ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلاَ وَإِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ
رَبِّكُمُ تَعَلَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَفِرٌ)).
- قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم بمعناه مختصراً ومطولا .
(ما بعث فى إلا قد أنذر أمته الدجال) أى خوفهم به . قال الحافظ فى الفتح
وفى حديث أبى عبيدة عند أبى داود والترمذى وحسنه: (( لم يكن فى بعد
نوح إلا وقد أنذر قومه الدجال)) وعند أحمد: ((لقد أنذره نوح أمته والعبيون
من بعده)) أخرجه من وجه آخر عن ابن عمر . وقد استشكل إنذار نوح قومه
بالدجال مع أن الأحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذكرت وأن عيسى يقتله
بعد أن ينزل من السماء فيحكم بالشريعة المحمدية. والجواب أنه كان وقت
خروجه أخفى على نوح ومن بعده فكأنهم أنذروا به ولم يذكر لهم وقت خروجه
فيذروا قومهم من فتنته ، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم فى بعض طرقه:
(( إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه)) فإنه محمول على أن ذلك كان قبل أن يتبين
له وقت خروجه وعلاماته، فكان يجوز أن يخرج فى حياته صلى الله عليه وسلم
ثم بين له بعد ذلك حاله ووقت خروجه فأخبر به ، فبذلك تجتمع الأخبار. انتهى
(ألا) حرف التنبيه ( وإنه ) أى الدجال (أعور وإن ربكم تعالى ليس بأعور)
إنما اقتصر على ذلك مع أن أدلة الحدوث فى الدجال ظاهرة لكون المور أثر
محسوس يدركه العالم والعامى ومن لا يهتدى إلى الأدلة العقلية ، فإذا ادعى
الربوبية وهو ناقص الخلقة، والإله يتعالى عن النقص، علم أنه كاذب . ذكره
فى الفتح ( وإن بين عينيه مكتوب كافر) وفى بعض النسخ مكتوباً بالنصب،
وفى بعض نسخ البخارى الذى شرح الحافظ ابن حجر عليه وإن بين عينيه -