Indexed OCR Text

Pages 341-360

- ٣٤١ -
يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْوَصِيفِ - يَعَنِى الْقَبْرِ - قال قلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،
- أو غيرها (يكون البيت فيه بالوصيف) قال الخطابي: البيت ها هنا القبر ،
والوصيف الخادم ، يريد أن الناس يشتغلون عن دفن موناهم حتى لا يوجد فيهم
من يحفر قبر الميت أو يدفنه إلا أن يعطى وصيفاً أو قيمته والله أعلم .
وقد يكون معناه أن يكون مواضع القبور تضيق عنهم فيبقاعون لموتاهم
القبور كل قبر بوصيف انتهى .
وقد تعقب التوربشتى رحمه الله على هذا المعنى الثانى حيث قال وفيه نظر
لأن الموت وإن استمر بالأحياء وفشا فيهم كل الفشو لم ينته بهم إلى ذلك وقد
وسع الله عليهم الأمكنة .
وأجيب بأن المراد بموضع القبور الجبانة المعهودة وقد جرت العادة بأنهم
لا يتجاوزون عنها كذا فى المرقاة .
قلت: وقع فى رواية المصابيح والمشكاة المذكورة آنفاً ((كيف بك يا أبا ذر
إذا كان بالمدينة موت يبلغ البيت العبد حتى إنه يباع القبر بالعبد)» فهذه الرواية
تؤيد المعنى الثانى ، وهذا المعنى هو المتعين ، لأن الحديث يفسر بعضه بعضاً
والله أعلم .
وقيل: معناه أن البيوت تصير رخيصة لكثرة الموت وقلة من يسكنها
فيهاع بيت بعبد مع أن قيمة البيت تكون أكثر من قيمة العبد على الغالب
المتعارف . وقيل معناه أنه لا يبقى فى كل بيت كان فيه كثير من الناس إلا عبد
يقوم بمصالح ضعفة أهل ذلك البيت. وأنت تعلم أن هذين المعنيين يحتملهما لفظ
المؤلف أبى داود . وأما لفظ المصابيح والمشكاة المذكور فكلاً كما لا يخفى
على المتأمل .
(يعنى القبر) تفسير للبيت من بعض الرواة (الله ورسوله أعلم) أى بحالى -

- ٣٤٢-
أو قالَ مَا خَرَ اللهُ لِ وَرَسُولُهُ. قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ، أو قالَ تَصَبِّرْ.
ثُمَّ قَالَ لِ: يَا أَبَ ذَرّ. قُلْتُ: لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ. قالَ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا
رَأَيْتَ أَحْجَارَ الزَّيْتِ قَدْ غَرِقَتْ بالدِّمِ؟ قَلْتُ: مَآ خَرَ اللهُ لِى وَرَسُولُهُ .
قال: عَلَيْكَ بِمَنْ أَنتَ مِنْهُ. قَالَ قلتُ: يَارَسُولَ اللهِ أَفَلاَ آخُذُ سَيْفِى فَأَضَعُهُ
عَلَى عَنِى؟ قال: شَارَ كْتَ الْقَوْمَ إِذًا. قالَ قلتُ: فَ تَأْمُرُ بِى؟ قال: قَلْزَمُ
بَيْتَكَ . قال قلتُ: فإِنْ دَخَلَ عَلَىَّ بَيْتِىَ؟ قالَ: فإنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ
- وحال غيرى فى تلك الحال وسائر الأحوال (أو قال) للشك (ماخار الله) أى
اختار ( تصبر ) قال القارى : بتشديد الموحدة المفتوحة أمر من باب التفعل ،
وفى فسخة تصبر مضارع صبر على أنه خبر بمعنى الأمر (أحجار الزيت) قيل هى
محلة بالمدينة وقيل موضع بها . قال التوربشتى : هى من الحرة التى كانت بها
الوقعة زمن يزيد والأمير على تلك الجيوش العاتية مسلم بن عقبة المرى المستبيح
بجرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان نزوله بعسكره فى الحرة الغربية من
المدينة فاستباح حرمتها وقتل رجالها وعاث فيها ثلاثة أيام وقيل خمسة ، فلا جرم
أنه انماع كما ينماع الملح فى الماء ولم يلبث أن أدركه الموت وهو بين الحرمين وخسر
هنالك المبطلون كذا فى المرقاة (غرقت بالدم) بالغين المعجمة ، وفى بعض النسخ
عرقت بالعين المهملة أى لزمت ، والعروق اللزوم (عليك بمن أنت منه ) أى
الزم أهلك وعشيرتك الذين أنت منهم ، وقيل المراد بمن أنت منه الإمام أى
الزم إمامك ومن بايعته ( شاركت القوم) أى فى الإثم ( إذاً) بالتنوين أى إذا
أخذت السيف ووضعته على عاتقك . قال ابن الملك رحمه الله : قوله شاركت
لتأكيد الزجر عن إراقة الدماء وإلا فالدفع واجب .
قال القارى: والصواب أن الدفع جائز إذا كان الخصم مسلماً إن لم يترتب -

- ٣٤٣ -
شُمَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ تَوْبَكَ عَلَى وَجْهِكَ يَبُوهُ بِتْمِكَ وَإِنْمِ ».
قال أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْ كُرِ المُثَمَّثَ فِى هَذَا الحديثِ غَيْرُ حَمَّادِ بنِ زَبْدٍ .
٤٢٤٢ - حدثنا مُمَّدُ بنُ يَحْسَى بنِ فَارِسَ قال أخبرنا عَفَأَنُ بنُ مُسْلِمٍ
قال أخبرنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ أخبرنا عَصِمٌ الْأَحْوَلُ عن أَبِ كَبِشَةَ قال
سَمِعْتُ أَبَا مُوسَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((إنَّ بَيْنَ
أَيْدِيكُمُ فِتَنَا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِهَاً وَيُسِى كَفِراً،
وَ يُسِى مُؤْمِنَاً وَيُصْبِحُ كَافِراً. الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائْمِ، وَالْقَائُمُ فِيهَا
- عليه فساد بخلاف ما إذا كان العدو كافراً فإنه يجب الدفع مهما أمكن (أن
يبهرك) بفتح الهاء أى يغلبك ( شعاع السيف ) بفتح أوله أى بريقه ولمعانه وهو
كناية عن إعمال السيف ( فألق ثوبك على وجهك) أى لئلا ترى ولا تفزع
ولا تجزع، والمعنى لا تحاربهم وإن حاربوك بل استسلم نفسك للقتل (يبوه)
أى يرجع القاتل (بإنمك ) أى يأنم قتلك (ويأمه) أى ويسائر إنمه (ولم يذكر
المشعث ) مفعول والفاعل قوله غير حماد .
قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه .
(إن بين أيديكم) أى قدامكم (كقطع الليل المظلم) من حيث أنها شاعت
ولا يعرف سببها ولا طريق الخلاص منها . قال فى النهاية: قطع الليل طائفة مله
وقطعة ، وجمع القطعة قطع أراد فتنة مظلمة سوداء تعظيما لشأنها انتهى ( يصبح
الرجل فيها مؤمناً الخ) يجوز أن يكون معناه مؤمناً لتحريمه دم أخيه وعرضه
وماله كافراً لتحليله والله أعلم (والماشى فيها خير من الساعى) السعى دويدن
وشتاب كردن وكسب وكاركردن ، والمقصود من الحديث أن التباعد عنها
خير فى أى مرتبة كانت فالقاعد أبعد ثم الواقف فى مكانه ثم الماشى من الساعى .
وعند مسلم من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -

-٣٤٤ -
خَيْرٌ مِنَ المَشِى، وَالْمَشِى فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِى. قالُوا: فما تَأْمُرُذَا؟ قال:
كُونُوا أَحْلاَسَ بُيُوتِكُمُ ».
٤٢٤٣ - حدثنا إبراهيمُ بنُ الْحَسَنِ الصِّيصِىُّ قَالَ أخبرنا حَجَّاجٌ
- يَنى ابنَ مُمٍَّ - قال أخبرنا الَّيْثُ بنُ سَعْدٍ قال حدَّثَى مُعَاوِيَّةُ بِنُ صَالحِ
أَنَّ عَبْدَ الرَّْنِ بِنَ جُبَيْرٍ حَدَّتَهُ من أَبِيهِ عن القِدَادِ بنِ الْأَسْوَدِ قَالَ:
(أَجْمُ اللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ السَّعِيدَ
- ((بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسى كافراً
ويمسى مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا)) ( كونوا أحلاس
بيوتكم) جمع حلس وهو الكساء الذى يلى ظهر البعير تحت القتب أى الزموا
بيوتكم ، ومنه حديث أبى بكر رضى الله عنه ((كن حلس بيتك)).
قال المنذرى : قال الحافظ أبو أحمد الكرابیسی فیمن نعرفه بكىيته ولا تقف
على اسمه أبو كبشة سمع أبا موسى روى عنه عاصم كناه لنا أبو الحسن العارمى
حدثنا محمد يعنى ابن إسماعيل وقال الحافظ أبو القاسم فى الأشراف أبو كبشة
أظنه البراء بن قيس السكونى عن أبى موسى وذكر هذا الحديث، وذكر الأمير
أبو نصربن ماكولا أبا كبشة البراء بن قيس وذكر بعده أبا كبشة السكونى
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ثم قال وأبو كبشة عن أبى موسى الأشعرى
روى عنه عاصم الأحول وذكره الدارقطنى أخشى أن يكون الذى قبله . وقال
البراء بن مالك : من قال غير ذلك فقد صحف بشير بذلك إلى الرد على من قال
فى البراء بن مالك أنه أبو كيسة بالياء آخر الحروف والسين المهملة. انتهى
كلام المنذرى .
-

- ٣٤٥-
لَمَنْ جُئِّبَ الْفِتَنَ، إنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إنَّ السَّعِهِدَ لَمَنْ جُنْبَ
الْفِتَنَ، وَلَمَنْ ابْتُلِىَ فَصَبَرَ فَوَاهَاً ».
- ( إن السعيد لمن) باللام المفتوحة للتأكيد فى خبر إن ( جفب ) بضم الجيم
وتشديد الفون المكسورة أى بعض والتكرار للمبالغة فى التأكيد ، ويمكن أن
يكون التكرار باعتبار أول الفتن وآخرها (ولمن ابتلى وصبر) بفتح اللام عطف
على لمن جنب ( فواها) معناه التلهف والتحسر أى واها لمن باشر الفتنة وسعى
فيها ، وقيل معناه الإعجاب والاستطابة، ولمن بكسر اللام أى ما أحسن وما أطيب
صبر من صبر عليها ولا يخفى أنه لو حمل على معنى التعجب لصح بالفتح أيضاً ،
كذا فى اللمعات .
قال فى النهاية : قيل معنى هذه الكلمة التلهف وقد توضع موضع الإعجاب
بالشىء، يقال واها له . وقد ترد بمعنى التوجع ، وقيل التوجع يقال فيه آها .
ومنه حديث أبى الدرداء ما أنكرتم من زمانكم فيما غيرتم من أعمالكم إن
يكن خيراً فواهاً واها ، وإن يكن شراً فآها آها والألف فيها غير
مهوزة انتهى .
وقال فى القاموس : واها ويترك تنوينه كلمة تعجب من طهب شىء وكلة
تلهف . والحديث سكت عنه المنذرى .

-٣٤٦ -
٣ - باب فی کف اللسان
٤٢٤٤ - حدثنا عَبْدُ الملِكِ بنُ شُعَيْبٍ بِنِ اللَّيْثِ حدّثتنى ابنُ وَهْبٍ
حَدَّ تِى الَّيْثُ عن يَحْتَى بنِ سَعِيدٍ قال قال خالِدُ بنُ أَبِى عِمْرَانَ عن عَبْدِ الرَّحْمنِ
ابنِ اْبَيَْنىِّ عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ حُرْمُزٍ عن أَبِى هُرِيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمَاءِ بَكْمَاءِ عَمَْهُ مَنْ أَشْرَفَ
لَمَا اسْتَشْرَفَتْ لَهُ ، وَإِشْرَافُ اللَّسَانِ فِيَهَا كَوُقُوعِ السَّيْفِ » .
٤٢٤٥ - حدثنا مُمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا خَّادُ بنُ زَيْدٍ قال أخبرنا لَيْثٌ
عن طَارُسٍ عن رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ زِيَادٌ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمَرَ و قال قال رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِنّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ، قَتْلَاَهَا فى
النَّارِ ، الْسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وُقُوعِ السَّيْفِ)).
( باب فى كف اللسان )
(عن عبد الرحمن بن البيلمانى) بفتح الموحدة وسكون التحقية وفتح اللام
( ستكون فتنة صماء بكاءعمياء) وصفت الفتنة بهذه الأوصاف بأوصاف أصحابها
أى لا يسمع فيها الحق ولا ينطق به ولا يتضح الباطل عن الحق كذا فى اللعات
وقال القارى : المعنى لا يميزون فيها بين الحق والباطل ، ولا يسمعون النصيحة
والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، بل من تكلم فيها بحق أوذى ووقع فى
الفتن والمحن (من أشرف لها) أى من اطلع عليها وقرب منها (استشرفت له)
أى اطاحت تلك الفتفة عليه وجذبته إليها (وإشراف اللسان) أى إطلاقه وإطالته
(كوقوع السيف ) أى فى التأثير .
قال المنذرى : فى إسناده عبد الرحمن بن البيلمانى ولا يحتج بحديثه .
(تستفظف العرب) بالظاء المعجمة أى تستوعبهم هلاكا من استفظفت -

-٣٤٧-
قال أبُو دَوُدَ: رَوَاهُ الثَّوْرِىُّ عن لَيثٍ من طَاوُسٍ عن الْأُعْجَمِ.
- الشىء أخذته كله. كذا فى النهاية ( قتلاها) جمع قتيل بمعنى مقتول مبتدأ
وخبره ( فى النار) لقتالهم على الدنيا واتباعهم الشيطان والهوى، أى سيكونون
فى النار أوهم حينئذ فى الدار لأنهم يباشرون ما يوجب دخولهم فيها كقوله تعالى:
﴿ إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم) وقد تقدم شرح هذه الجملة (اللسان
الخ) أى وقعه وطعنه على تقدير مضاف .
وقال الطبيبى رحمه الله: القول والتكلم فيها إطلاقاً للمحل وإرادة الحال.
قال القرطبى فى التذكرة بالكذب عند أئمة الحور ونقل الأخبار إليهم ، فربما
ينشأ من ذلك الغضب والقتل والجلاء والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من وقوع
الفتنة نفسها .
وقال السيد رحمه الله فى حاشيته على المشكاة أى الطعن فى إحدى الطائفتين
ومدح الأخرى مما يثير الفتنة فالكف واجب انتهى .
قال القارى نقلا عن المظهر: يحتمل هذا احتمالين أحدهما أن من ذكر أهل
تلك الحرب بسوء يكون كمن حاربهم لانهم مسلمون وغيبة المسلمين إنم وامل
المراد بهذه الفتنة الحرب التى وقعت بين أمير المؤمنين على رضى الله عنه وبين
معاوية رضى الله عنه، ولاشك أن من ذكرأحداً من هذين الصدرين وأصحابهما
يكون مبتدعاً لان أكثرهم كانوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثانى
أن المراد به أن من مد لسانه فيه بشتم أو غيبة يقصدنه بالضرب والقتل ويفعلون
به ما يفعلون بمن حاربهم .
قال القارى: فى الاحتمال الأول أنه ورد ((اذكروا الفاجر بما فيه يحذره
الناس ولا غيبة الفاسق)» ونحو ذلك فلا يصح هذا على إطلاقه، وإذا استدرك
كلامه بقوله ولعل المراد بهذه الخ .
بـ

- ٣٤٨ -
٤٢٤٦ - حدثنا عَمّدُ بنُ عِيسَى بنِ الطَّبَّاعِ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ
الْقُدُّوسِ قال زِيَادٌسيمين كوش
- قال وحاصل الاحتمال الثانى أن الطعن فى إحدى الطائفتين ومدح الأخرى
حينئذ مما يثير الفتنة ، فالواجب كف اللسان ، وهذا المعنى فى غاية من الظهور
انتهى ( رواه الشورى عن ليث عن طاوس عن الأعجم ) أى قال الثورى عن
الاعجم مكان عن رجل يقال له زياد. والاعجم لقبه .
(قال زياد سيمين كوش) أى قال عبد القدوس فى روايته زياد سيمين كوش
مكان رجل يقال له زياد، وسيمين كوش لفظ فارسى معناه أبيض الأذن .
قال المنذرى: وحكى أبو داود عن بعضهم أنه الاعجم يعنى زياداً، وحكى
أيضاً زياد بن سيمين كوش وأخرجه الترمذى والنسائى، وقال الترمذى حديث
غريب سمعت محمد بن إسماعيل يقول لا نعرف لزياد بن سيمين كوش غير هذا
الحديث ، ورواه حماد بن سلمة عن لیث فرفعه ،، ورواه حماد بن زيد عن ليث
فوقفه هذا آخر كلامه ، وذكر البخارى فى تاريخه أن حماد بن سلمة رواه عن
ليث ورفعه ورواه حماد بن زيد وغيره عن عبد الله بن عمر وقوله قال وهذا أصح
من الأول وهكذا قال فيه زياد بن سيمين كوش وقال غيره زياد سيمين كوش
واستشهد به البخارى، وكان من العباد، ولكنه اختاط فى آخر عمره حتى كان
لا يدرى ما يحدث به ، وتكلم فيه غير واحد، وقد أخرج البخارى ومسلم من
حديث سعيد بن المسيب وأبى سلمة عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ((فستكون فتن القاعد فيها خير من القائم)) وفيه من تشرف لها تستشرفه
قيل هو من الاشراف بقال تشرفت الشىء واستشرفته أى علوته، يريد من
انتصب لها انتصبت له وصرعته .

-٣٤٩-
٤ - باب الرخصة فى التبدى فى الفتنة
٤٢٤٧ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَهَ عن مَالِكٍ عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ
عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبِى صَعْصَعَةَ عن أَبِيهِ عن أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِئِ
قال قال رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ
الْمُشْلِ غَنَا يَذِّبِعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ المَطَرِ [ الْقَطْرِ] يَفِرُّ ◌ِدِينِ
مِنَ الْفِتَنِ)» .
- وقال الهروى : أشرفته أى علوته واستشرفت على الشىء اطلعت
عليه من فوق ، وقيل هو من المخاطرة والتغرير والإشفاء على الهلاك أى من
خاطر بنفسه فيها أهلكته، يقال أشرف المريض إذا أشفى على الموت. انتهى
كلام المنذری .
( باب الرخصة فى التبدى فى الفتنة )
التبدى تفعل من البداوة أى الخروج إلى البادية ( يوشك ) أى يقرب
( يتبع) بتشديد التاء ( بها) أى مع الغنم أو بسببها ( شعف الجبال) بفتح الشين
والعين أى رؤس الجبال وأعاليها واحدها شعفة (ومواقع القطر) بفتح فستكون
أى مواضع المطر وآثاره من النبات وأوراق الشجر يريد بها المرعى من الصحراء
و الجبال فهو تعميم بعد تخصيص ( مفر بدينه) أى بسبب حفظه
قال الكرمانى: هذه الجملة حالية وذو الحال الضمير المستتر فى يقبع أو المسلم
إذا جوزنا الحال من المضاف إليه . فقد وجد شرطه وهو شدة الملابسة وكأنه
جزء منه، واتحاد الخير بالمال واضح، ويجوز أن تكون استئنافية ، وهو
واضح انتهى .
والحديث دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه. كذا فى فتح البارى . -

- ٣٥٠-
٥ - باب النهى عن القتال فى الفتنة.
٤٢٤٨ - حدثنا أُبُرُ كَامِلٍ أخبرنا حمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَيُّوبَ وَيُونُسَ
مِن الْحَسَنِ عن الْأُخْتَفِ بنِ قَيْسٍ قال ((خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ - يَعَنِى فِى الْفِقَالِ -
فَلَفِيَنِى أَبُو بَكْرَةَ فقال: ارْجِعْ فإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
يَقُولُ: إِذَا تَوَاجَةَ المُثْلِمَنِ بِسَيْفَيْهِمَاَ فَالْقَاتِلُ وَالمَفْتُولُ فِى النَّارِ . قالَ :
يَارَسُولَ اللهِ هُذَا الْقَاتِلُ فِمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قال: إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ ».
- قال المنذرى: وأخرجه البخارى والنسائى وابن ماجه.
( باب النهى عن القتال فى الفتنة )
( يعنى فى القتال) أى فى الحرب التى وقعت بين على ومن معه وعائشة ومن
معها، وفى بعض النسخ فى قتال الجمل والمراد به الحرب المذكورة سميت به لأن
عائشة رضى الله عنها كانت يومئذ على الجمل ، وفى بعض النسخ فى قتال ، وفى
بعض النسخ هذا الرجل لأنصره، والمراد منه على بن أبى طالب رضى الله عنه
(إذا تواجه المسلمان بسيفيهما) قال القسطلافى أى ضرب كل واحد منهما وجه
الآخر أى ذاته ( فالقاتل والمقتول فى الدار ) أى يستحقانه وقد يعفو الله عنهما
أو ذلك محمول على من استحل ذلك ( هذا القاتل) أى يستحق النار ( فما بال
المقتول) أى فما ذنهه حتى يدخلها ( إنه أراد قتل صاحبه) وفى رواية البخارى
إنه كان حريصاً على قتل صاحبه .
قال القسطلانى: وبه استدل من قال بالمؤاخذة بالعزم وإن لم يقع الفعل
وأجاب من لم يقل بذلك أن فى هذا فعلا وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال ،
ولا يلزم من كون القاتل والمقتول فى النار أن يكونا فى مرتبة واحدة، فالقاتل
بعذب على القتال والقاتل والمقتول يعذب على القتال فقط فلم يقع التعذيب على -

- ٣٥١-
٤٢٤٩ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ المُتَوَكِّلِ الْمَنْقَلَاتَىُّ أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ
أخبرنا مَعْمَرٌ عن أَيُّوبَ عن الْحْسَنِ بِإِسْنَادِهٍ وَمَعْنَاهُ مُخْتَصَرًا .
[ قال أبُو دَاوُدَ: لِمُحَمَّدٍ - يَعنى ابنَ الْمُتَوَكَّلِ - أَخٌ ضَعِيفٌ يُقَلُ لَهُ
الْسَيْنُ].
٦ - باب فى تعظيم قتل المؤمن
٤٢٥٠ - حدثنا مُؤَمَّلُ بنُ الْفَضْلِ الْرَّانِىُّ أخبرنا محمَّدُ بنُ شُعَهْبٍ
عن خَالِدِ بنِ دِهْقَانَ قَالَ: ((كُنّا فِى غَزْوَةِ الْقُسْطَنْطِنِيَّةِ بِذُلُقْيَةَ، فَأَقْبَلَ
رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَخِيَارِهِمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ لَهُ يُقَالُ لَهُ
مَانِى ءُ بنُ كُلْتُومِبِنِ شَرِكِ الْكِنَنِىءُ فَلَّ عَلَى عَبْدِ اللهِ بنِ أبى زَكَرِيًّا
- العزم الجرد انتهى . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى.
(عن الحسن) هو البصرى .
(باب فى تعظيم قتل المؤمن)
( فى غزوة القسطنطينية ) بضم القاف وزيادة ياء مشددة ويقال قسطنطينية
بإسقاط ياء النسبة وقد يضم الطاء الأولى منهما كان اسمها بزَنْظية فنزلها قسطنطين
الأكبر وبنى عليها سوراً ارتفاعه أحد وعشرون ذراعاً وسماها باسمه وصارت دار
ملك الروم إلى الآن ، واسمها اصطفبول أيضاً كذا فى المراصد ( بذلقية) بضم
الذال واللام وسكون القاف وفتح الياء التحتية اسم مدينة بالروم . كذا فى
شرح القاموس والمجمع ( فلسطين) بالكسر ثم الفتح وسكون السين وطاء
مهملة وآخره نون آخر كور الشام من ناحية مصر قصبتها بيت المقدس ، ومن
مشهور مدنها عسقلان والرملة والغزة ونابلس وعمان ويافه كذا فى المراصد -

- ٣٥٢-
وَكَانَ يَعْرِفُ لَهُ حَقِّهُ. قَالَ لَذَا خَالِدٌ فَدَّتِنا عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِ زَكَرِيًّا مَالَ
سَمِعْتُ أُمّ الدَّرْدَاء تَقُولُ سَمِعْتُ أَبَ اللَّرْدَاءِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم يَقُولُ: كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّ مَنْ مَتَ مُشْرِكًا أَوْ
مُؤْمِنٌ فَتَلَ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا. فقال هَانى( بنُ كُلْتُومٍ: سَمِعْتُ مَمُودَ بنَالرَّبِيعِ
يُحَدِّثُ عن عُبَادَةَ بنِ الصَّمِتِ أَنّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عن رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم أَنَّهُ قال: مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنَاً فَاعْتَبَطَ [ فَاغْتَبَطَ ] بِقَتْلِهِ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ
- مختصراً (ذلك) أى الشرف والعلو (له) أى للرجل المذكور ( وكان) أى
عبد الله بن أبى زكريا (له) أى لهانىء ( حقه) أى فضله وقدره ( عسى الله أن
يغفره ) أى ترجى مغفرتة (إلا من مات مشركا) أى إلا ذنب من مات مشركا
(أو مؤمن قتل مؤمناً متعمداً) قال العزيزى فى شرح الجامع الصغير . هذا
محمول على من استحل القتل أو على الزجر والتنفير إذا ماعد الشرك من الكبائر
يجوز أن يغفر وإن مات صاحبه بلا توبة انتهى .
واعلم أن هذا الحديث بظاهره يدل على أنه لا يغفر للمؤمن الذى قتل مؤمناً
متعمداً وعليه يدل قوله تعالى (ومن يقتل مؤمناً متعمداً جزاؤه جهنم) وهذا هو
مذهب ابن عباس ، لكن جمهور السلف وجميع أهل السنة حملوا ماورد من
ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا معنى قوله (فجزاؤه جهنم)
أى إن شاء أن يجازيه تمسكا بقوله تعالى ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر
مادون ذلك لمن يشاء) ومن الحجة فى ذلك حديث الإسرائيلى الذى قتل تسعة
وتسعين نفساً ثم أتى تمام المائة إلى راهب فقال لاتوبة لك فقتله فأ كمل به مائة،
ثم جاء آخر فقال له ومن يحول بينك وبين التوبة الحديث . وإذا ثبت ذلك لان
قبل هذه الأمة فمثله لهم أولى لما خفف الله عنهم من الأثقال التى كانت على من-

-٣٥٣=
مِنْهُ صَرْفاً وَلا عَدْلاً. قال لَنَا خَالِدٌ: ثُمَّ حدثنا ابنُ أَبِىِ زَكَرِبًا عن أمّ الدَّرْدَاء
عن أبى الدَّرْدَاءِ عن رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال: لا يَزَالُ المُؤْمِنُ
مُعْنِقاً صَالِحاً مَالَمْ يُصِبْ دَمَا حَرَامَاً، فإِذَا أَصَابَ دَمَا حَرَامًا بَلِّحَ)). وَحَدَّثَ
هَانىءُ بنُ كُلْتُومِ عن حَمُودِ بنِ الرَّبِيعِ عن عُبَدَةَ بنِ الصَّامِتِ عن
رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مِثْلَهُ سَوَّاءٍ.
- قبلهم فاعتبط وفى بعض النسخ الموجودة فاغتبط بالغين المعجمة . قال العزيزى
بعين مهملة أى قتله ظلماً لامن قصاص، وقيل بمعجمة من الغبطة الفرح لأن
القاتل يفرح بقتل عدوه انتهى .
وقال الخطابى يريد أنه قتله ظلماً لاعن قصاص ، يقال عبطت الناقة :
واحتبطتها إذا نحرتها من غير داء ولا آفة يكون بها . وقال فى النهاية هكذا جاء
الحديث فى سنن أبى داود ، ثم جاء فى آخر الحديث قال خالد بن دهقان وهو
راوى الحديث سألت يحيى بن يحيى عن قوله اعتبط بقتله قال الذين يقاتلون فى الفتنة
فيقتل أحدهم فيرى أنه على هدى فلا يستغفر الله . قال وهذا التفسير يدل على
أنه من الغبطة بالغين المعجمة وهى الفرح والسرور وحسن الحال لأن القاتل يفرح
بقتل خصمه ، فإذا كان المقتول مؤمناً وفرح بقتله دخل فى هذا الوعيد . قال
وشرحه الخطابى على أنه من العين المهملة ولم يذكر قول خالد ولا تفسير يحيى
(صرفاً ولا عدلا) قال العلقمى: أى نافلة ولافريضة وقيل غير ذلك (معنقاً)
بصيغة اسم الفاعل من الإعناق أى خفيف الظهر سريع السير . قال الخطابي :
يريد خفيف الظهر يعنق مشيه أى يسيرسير العفق ، والعنق ضرب من السير
وسيع، يقال أعمق الرجل فى سيره فهو معنق ، وقال فى النهاية أى مسرعاً فى
طاعته منبسطً فى عمله، وقيل أراد يوم القيامة انتهى (بلح) بموحدة وتشديد -
(٢٣ - عون المعبود ١١)

- ٣٥٤-
..
٤٢٥١ - حدثنا عَبْدُ الرَّحْنِ بنُ عَمْرِو عن محمّدِ بنِ مُبَارَكِ قالَ
أخبرنا صَدَقَةُ بنُ خَالِدٍ أَوْ غَيْرُهُ قَالَ قَالَ خَالِدُ بنُ دِهْقَنَ: ((سَأَلْتُ يَخْبَى
ابْنَ يَحْسَى الْفَسَّانِىِّ عِنْ قَوْلِهِ: اعْتَبَطَ [اخْتَبَطَ] بِقَتْلِهِ، قالَ: الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَ فِى الْغِتْنَةِ فَيَقْتُلُ أَحَدُهُمْ فَيَرَى أَنَّهُ عَلَى هُدَى فَلاَ [لا ] يَسْتَغْفِرُ
اللّهَ تَعَالَى - يَعْنى مِنْ ذَلِكَ)).
قال أبُو دَاوُدَ : وَقال فَاعْتَبَطَ يَصُبُّ دَمَهُ صَبًّاً .
٤٢٥٢ - حدثنا مُسْلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ أخبرنا حَمَّادٌ أَنبأنا عَبْدُ الرَّْمنِ بنُ
إِسْحَاقَ عن أَبِى الزِّنَادِ عن ◌ُجَالِدِ بنِ عَوْفٍ أَنَّ خَرِجَةَ بنَ زَيْدٍ قالَ :
سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ قَابِتٍ فى هذَا المَكَانِ يَقُولُ: أَنْزِلَتْ هُذِهِ الآيَةُ: ﴿وَمَنْ
يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ بَعْدَ الّى فِى الْفُرْقَنِ:
- اللام وحاء مهملة أى أعبى وانقطع قاله الخطابى. وقال فى النهاية: يقال بلح
الجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرك وقد أبلحه السير فانقطع به يريد
وقوعة فى الهلاك بإصابة الدم الحرام وقد يخفف اللام كذا فى مرقاة الصعود .
(عن قوله اعتبط بقتله ) بالعين المهملة وفى بعض النسخ بالغين المعجمة
(قال ) أى يحبى فى تفسير اغتبط بقتله ( الذين يقاتلون الخ) هذا التفسير يدل
على أنه من الغبطة كما قال صاحب النهاية . قال المنذرى: أم الدرداء هذه هى
الصغرى واسمها هجيمة ويقال جهيمة ويقال حمانة بنت حيى الوصابية قبيلة من
حمر شامية وليست لها صحبة، فأما أم الدرداء الكبرى فاسمه اخيرة على المشهور
ولها محبة وكانت من فضلاء النساء مع العهادة والنسبك .
(أنزلت هذه الآية الخ) حاصله أن الآية ( ومن يقتل مؤمنا متعمداً جزاؤه -

- ٣٥٥ -
﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَّا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ الَّتَى حَرَّمَ اللهُ
إلاّ بالْقِّ﴾ بِسَقَةٍ أَشْهُرٍ»
٤٢٥٣ - حدثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَىَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن
سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ ، أَوْ حدَّتِى الْحَكَّمُ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال: ((سَأَلْتُ
ابنَ عَبَّاسٍ فَقالَ: لَمَّا نَزَلَتِ الّى فِى الْقُرْقَانِ: ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْهُونَ مَعَ اللهِ
إِنَّهَا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَدَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْقٌ﴾ قَالَ مُشْرِكُو أَهْلٍ
مَّةَ: قَدْ قَلْنَ النَّفْسَ التى حَرَّمَ اللهُ ، وَدَعَوْنَا مَعَ اللهِ إِلَهاَ آخَرَ ، وَأَتَيْنَاَ
الْفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَلَى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً
فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فَهذِهِ لِأُولَئِكَ. قَالَ: فَمَّا [وَأَمَّا]
الّتى فى النِّسَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآيةَ، قَالَ
- جهنم خالداً فيها) ناسخ للآية التى فى الفرقان وهى ( والذين لا يدعون مع الله
إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولايزنون ومن يفعل ذلك
يلق أثاما . يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً .. إلا من تاب
وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سياتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما)
لأن الآية الأولى نزلت بعد الآية التى فى الفرقان بستة أشهر . قال المنذرى :
وأخرجه النسائى وفى إسناده عبدالرحمن بن إسحاق عن أبى الزناد وهو الملقب
بعباد القرشى مولاهم ويقال ثقفى مدنى نزل بالبصرة أخرج له مسلم عن الزهرى
واستشهد به البخاری وتكلم فيه غیر واحد ، وقال الإمام أحمد وروى عن أبى
الزناد أحاديث منكرة .
(فهذه لأولئك الخ) مقصود ابن عباس رضى الله عنه أن الآية التى فى الفرقان ..

- ٣٥٦-
الرَّجُلُ: إِذَا عَرَفَ شَرَائِعَ الْإِسْلاَمِ ثُم قَتَلَ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ
فَلَ تَوْبَةً لَهُ. فَذَ كَرْتُ هُذَا لِمُجَاهِدٍ فقال: إِلاَّ مَنْ نَدِمَ )).
٤٢٥٤ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِمَ أخبرنا حَجّاجٌ عن ابنِ جُرَيجِ
قالَ حدثنى يَعْلَى عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْ عن ابنِ عَبَّاسٍ فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِى الَّذِينَ
لاَ يَدَعُونَ مَعَ اللهِ إِلَّا آَخْرَ أَهْلَ الشُّرْكِ قالَ وَنَزَلَ : ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾)).
- نزلت فى أهل الشرك والآية التى فى الفساء نزلت فى أهل الإسلام الذين علموا
أحكام الإسلام وتحريم القتل فجعل رضى الله عنه محل الآيتين مختلفاً . وفى رواية
للبخارى فقال أى ابن عباس هذه مكية أراه نسختها آية مدنية التى فى سورة النساء
فمن هذه الرواية يظهران محل الآيتين عند ابن عباس واحد. قال الحافظ فى الفتح:
إن ابن عباس كان قارة يجعل الآيتين فى محل واحد فلذلك يجزم بنسخ إحداها
وتارة يجعل محلهما مختلفاً ، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التى فى الفرقان
خص منها مباشرة المؤمن القتل متعمداً، وكثير من السلف يطلقون النسخ على
التخصيص وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض وأولى من دعوى أنه قال
بالنسخ ثم رجع عنه انتهى (فلا توبة له) قال النووى . هذا هو المشهور عن ابن
عباس رضى الله عنهما ، وروى عنه أن له توبة وجواز المغفرة له لقوله تعالى
﴿ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما) وهذه
الرواية الثانية هى مذهب جميع أهل السنة والصحابة والتابعين ومن بعدهم ،
وماروى عن بعض السلف مما يخالف هذا محمول على التغليظ والتحذير من
القتل، وليس فى هذه الآبة التى احتج بها ابن عباس تصريح بأنه يخلد وإنما
فيها أنه جزاؤه ولا يلزم منه أن يجازى انتهى (فقال إلا من ندم) أى فإن له -

- ٣٥٧ -
٤٢٥٥ - حدثنا أحمدُ بنُ حَقْبَلِ أخبرنا عَبْدُ الرّْمنِ أخبرنا سُفْيَانُ
عن المُغِيرَةِ بنِ الدُّعْعَنِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ عال ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ
مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ قال: مَانَسَخَهاَ شَىْء.
٤٢٥٦ - حدثنا أَحَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا أبو شِهَابٍ عن سُليمانَ
التَّيْعِىِّ عن أَبِى مِلَزٍ فِى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ بَفْقُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمْ﴾
قالَ: هِىَ جَزَاؤُهُ ، فإنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهُ فَعَلَ)).
٧ - باب ما يرجى فى القتل
٤٢٥٧ - حدثنا مَُدّدٌ أخبر نا أَبُو الْأَخْوَصِ سَلّمُ بنُ سُلَيْمٍ عن
مَنْصُورِ عنِ هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ عن سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ
صلى اللهُ عليه وسلم فَدَ كَرَ فِتْنَةً فَعَظِّمَ أُمْرَهَا ، فَقُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَرَسُولَ اللهِ
لَئِنْ أَدْرَ كَتْنَا هُذِهِ لَتُهْلِكُنَا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: (( كَلاَّ
- توبة. قال المنذرى وأخرجه البخارى ومسلم بنحوه (مانسخها شىء) بل هى
محكمة باقية على ظاهرها كماهو مذهبه رضى الله عنه قال المنذرى : وأخرجه
البخارى ومسلم أتم منه (عن أبى مجلز) بكسر الميم وسكون الجيم وبعد اللام
المفتوحة زاى قاله المنذرى .
(قال هى جزاؤه الخ) إلى هذا العأويل ذهب جمهور السلف والخلف غير ابن
عباس رضى الله عنه فى المشهور عنه كما تقدم . والحديث سكت عنه المنذرى .
( باب ما يرجى فى القتل )
ماموصولة أى باب الذى يرجى فى القتل من المغفرة .
(فقلنا أو قالوا) شك من الراوى (هذه) أى هذه الفتنه ( لتهلكنا من -

-٣٥٨ -
إِنَّ يِحَسْبِكُ الْقَتْلُ. قَالَ سَعِدٌ: فَرَأَيْتُ إِغْوَانِى قُتِلُوا)).
٤٢٥٨ - حدثنا عُثَانُ بنُ أَبِ شَيْبَةَ قالَ أخبرنا كَثِيرُ بنُ مِشِامٍ
أخبرنا المسْمُودِىُّ عن سَعِيدٍ بِنِ أَبِى بُرْدَةَ عن أَبِيهِ عن أَبِى مُوسَىَ قَالَ قالَ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((أُمَّتِ هَذِهِ أُمّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ
فى الآخِرَةِ ، عَذَابُها فى الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلاَزِلُ وَالْقَتْلُ ».
آخر كتاب الفتن
- الإهلاك أى تهلك تلك الفتنة دنيانا وعاقبتنا (إِن بحسبكم القتل) قال السيوطى
فى مرقاة الصعود: هذا بزيادة الباء فى المبتدأ عند النحاة: قالوا لا يحفظ زيادة
الباء فى المبتدأ إلا فى بحسبك زيد أى حسبك ، ومثله قوله بحسبك أن تفعل
الخيرات . قال ابن يعيش: ومعناه حسبك فعل الخير والجار والمجرور فى موضع
رفع فى الابتداء، قال ولا يعلم مبتدأ دخل عليه حرف الجر فى الإيجاب غير هذا
الحرف انتهى . وعلى هذا ههنا هو اسم إن والقتل مرفوع خبرها انتهى
كلام السيوطى. ومعنى هذه الجملة أن هذه الفتنة لو أدركتكم ليكفيكم فيها
القتل أى كونكم مقتولين والضرر الذى يحصلكم منها ليس إلا القتل وأما
هلاك عاقبتكم فكلا، بل يرحم الله عليكم هناك ويغفر لكم ، هذا ظهر لى
فى معنى هذه الجملة والله تعالى أعلم (قتلوا) بصيغة المجهول والحديث سكت عنه
المنذرى .
(أمتى هذه) أى الموجودون الآن وهم قرنه أو أعم ( أمة مرحومه) أى
مخصوصة بمزيد الرحمة وإتمام النعمة، أو بتخفيف الإصر والأثقال التى كانت
على الأمم قبلها من قتل النفس فى التوبة وإخراج ربع المسال فى الزكاة وقرض
موضع النجاسة (ليس عليها عذاب فى الآخرة) أى من عذب منهم لا تعذب -

- ٣٥٩ -
- مثل عذاب الكفار قال المناوى : ومن زعم أن المراد لاعذاب عليها فى عموم
الأعضاء لأن أعضاء الوضوء لايمسها النار فتكاف مستغنى عنه. وقال صاحب
فتح الودود أى إن الغالب فى حق هؤلاء المغفرة. وقال القارى. فى المرقاة: بل
غالب عذابهم أنهم مجزيون بأعمالهم فى الدنيا بالحن والأمراض وأنواع البلايا
كما حقق فى قوله تعالى (من يعمل سوءاً يجز به) انتهى (عذابها فى الدنيا الفتن)
أى الحروب الواقعة بينهم (والزلازل) أى الشدائد والأهوال (والقتل) أى قتل
بعضهم بعضاً ، وعذاب الدنيا أخف من عذاب الآخرة . قال المناوى : لأن شأن
الأمم السابقة جار على منهاج العدل وأساس الربوبية وشأن هذه الأمة ماش على
منهج الفضل وجود الإلهية . قال القارى وقيل الحديث خاص بجماعة لم تأت
كبيرة ويمكن أن تكون الإشارة إلى جماعة خاصة من الأمة وهم المشاهدون من
الصحابة أو المشيئة مقدرة لقوله تعالى (إن الله لا يغفرأن يشرك به ويغفر مادون
ذلك لمن يشاء) وقال المظهر: هذا حديث مشكل لأن مفهومه أن لا يعذب أحد
من أمته صلى الله عليه وسلم سواء فيه من ارتكب الكبائر وغيره، فقد وردت
الأحاديث بتعذيب مرتكب الكبيرة اللهم إلا أن يأول بأن المراد بالأمة هنا
من اقتدى به صلى الله عليه وسلم كما ينبغى ويمتثل بما أمر الله وينتهى عمانها ..
وقال الطيبى رحمه الله: الحديث وارد فى مدح أمته صلى الله عليه وسلم واختصاصهم
من بين سائر الأمم بعداية الله تعالى ورحمته عليهم وأنهم أن أصيبوا بمصيبة فى
الدنيا حتى الشوكة يشاكها أن الله يكفر بها فى الآخرة ذنباً منذنوبهم ، وليست
هذه الخاصية لسائر الأمم ويؤيده ذكر هذه وتعقيبها بقوله مرحومة ، فإنه يدل
على مزية تمييزهم بعناية الله تعالى ورحمته، والذهاب إلى المفهوم مهجور فى مثل
هذا المقام، وهذه الرحمة هى المشار إليها بقوله: ﴿ ورحمتی وسعت كل شىء
فسأ كتبها للذين يتقون - إلى قوله - الذين يتبعون الرسول النبى الأمى) انتهى.
قال القارى : ولا يخفى عليك أن هذا كله مما لا يدفع الإشكال فإنه لاشك .-

- ٣٦٠ -
- عند أرباب الحال أن رحمة هذه الأمة إنما هى على وجه الكمال وإنما الكلام
فى أن هذا الحديث بظاهره يدل على أن أحداً منهم لا يعذب فى الآخرة ، وقد
تواترت الأحاديث فى أن جماعة من هذه الأمة من أهل الكبائر يعذبون فى
الغار ثم يخرجون إما بالشفاعة وإما بعفو الملك الغفار ، وهذا منطوق الحديث
ومعناه المأخوذ من ألفاظه ومبناه وليس بمفهومه المتعارف المختلف فى اعتباره حتى
يصح قوله إن هذا المفهوم مهجور، بل المراد بمفهومه فى كلام المظهر المعلوم فى
العبارة ثم قول الطيبي رحمه الله ، وليست هذه الخاصية وهى كفارة الذنوب
بالبلية لسائر الأمم يحتاج إلى دليل مثبت ولا عبرة بما فهم من المفهوم من قوله
عذابها فى الدنيا الفتن إلى آخره ، فإنه قابل للتقييد بكون وقوع عذابها بها
غالباً انتهى .
قال المنذرى : فى إسناده المسعودى وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود
الهذلى الكوفى استشهد به البخارى وتكلم فيه غير واحد .
وقال العقيلى: تغير فى آخر عمره فى حديثه اضطراب.
وقال ابن حبان البستى: اختلط حديثه فلم يتميز فاستحق الترك . انتهى
كلام المنذرى .
والحديث أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي وفى مقدمة الفتح عبدالرحمن
الكوفى المسعودى مشهور من كبار المحدثين إلا أنه اختلط فى آخر عمره.
وقال أحمد وغيره من سمع منه بالكوفة قبل أن يخرج إلى بغداد فسماعه
سميح انتهى والله أعلم .