Indexed OCR Text
Pages 321-340
- ٣٢١- ١٧ - باب فى النهى عن النش ٣٤٣٥ - حدثنا أَحَدُ بنُ حَنْبَلِ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عَُيْنَةَ عَنِ الْعَلاَءِ عن أَبِهِ عن أَبِ حُرِيْرَةَ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مَرَّ بِرَ جُلٍ يَدِيعُ طَعَامًا فَسَأَلَهُ: كَيْفَ تَبِيعُ، فَأَخْبَرَهُ، فَأُوحِىَ إِلَيْهِ أَنْ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِههِ فإذَا هُوَ مَبْلُولٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَ ». - وقد استدل بالحديث وما ورد فى معناه على تحريم التسعير وأنه مظلمة . ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم ، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره فى مصلحة المشترى برخص الثمن أولى من نظره فى مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض﴾ وإلى هذا ذهب جمهور العلماء. وروى عن مالك أنه يجوز للامام التسعير ، وأحاديث الباب ترد عليه . كذا فى النيل . قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وابن ماجه ، وقال الترمذى حسن صحيح. ( باب فى النهى عن الغش ) قال فى المجمع: الغش ضد النصح من النشش وهو المشرب الكدر. (فأوحى) بصيغة المجهول (فيه) أى فى الطعام ( فإذا هو مبلول) أى أصابته بلة ( ليس منا من غش) قال الخطابى. معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا، يريد أن من غش أخاه - (٢١ - عون المعبود ٩) - ٣٢٢ - ٣٤٣٦ - حدثنا الْسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ عن عَلِىّ عن يَحْنَى قال: كَانَ سُفْيَانُ بَكْرَهُ هُذَا التَّفْسِيرَ لَيْسَ مِنَّا لَيْسَ مِثْلَهَا . ١٨ - باب فى خيار المتبايعين ٣٤٣٧ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَةَ من مَالِكٍ عن نافِعِ عن عَبْدِ اللهِ ابنُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((المُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِهِ مَلَمْ يَفْتَرِقاً [يَفَقَ ] إلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ)). - وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعى والتمسك بسنتى . وقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك نفيه عن الإسلام ، وليس هذا التأويل بصحيح ، وإنما وجهه ما ذكرت لك، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه أنا منك وإليك، يريد بذلك المتابعة والموافقة، ويشهد لذلك قوله تعالى ﴿فمن تيعنى فإنه منى ، ومن عصانى فإنك غفور رحيم﴾. انتهى . والحديث دليل على تحريم الغش وهو مجمع عليه. قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى وابن ماجه بنحوه . (قال كان سفيان يكره هذا التفسير الخ) قال النووى فى شرح قوله صلى الله عليه وسلم ليس منى [ كذا بالإفراد فى رواية مسلم] معناه ليس ممن اهتدى بهافى واقتدى بعلمى وعملى وحسن طريقتى، كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله لست منى قال وكان سفيان بن عهينة يكره تفسير مثل هذا ويقول بئس هذا القول ، بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع فى النفوس وأبلغ فى الزجر انتهى . ( باب فى خيار المتبايعين) أى البائع والمشترى . قال فى النهاية : الخيار هو الإسم من الإختيار وهو طلب خير الأمرين إما إمضاء البيع أو فسخه ( كل واحد منهما بالخيار) مبتدأً - -٣٢٣- - وخبر والجملة خبر لقوله المتبايعان (على صاحبه) أى على الآخر منهما والجار متعلق بالخيار، والمراد بالخيار خيار المجلس ( مالم يفترقا) وفى بعض النسخ يتفرقا أى ببدنهما فيثبت لهما خيار المجلس ، والمعنى أن الخيار ممتد زمن عدم تفرقهما ، وذلك لأن ما مصدرية ظرفية . وفى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عند البيهقى والدارقطنى ((ما لم يتفرقا عن مكانهما)) وذلك صريح فى المقصود. قاله القسطلانى . قال الخطابي : اختلف الناس فى التفرق الذى يصح بوجوده البيع ، فقالت طائفة هو التفرق بالأبدان ، وإليه ذهب عبد الله بن عمر وأبو برزة الأسلى ، وبه قال شريح وسعيد بن المسيب والحسن البصرى وعطاء بن أبى رباح والزهرى وهو قول الأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى عبيد وأبى ثور . وقال النخعى وأصحاب الرأى الافتراق بالكلام ، وإذا تعاقدا صح البيع ، وإليه ذهب مالك . وظاهر الحديث يشهد لمن ذهب إلى أن التفرق هو تفرق الأبدان ، وعلى هذا فسره ابن عمر وهو راوى الخبر ، وكان إذا بايع رجلا فأراد أن يستحق الصفقة مشى خطوات حتى يفارقه، وكذلك تأوله أبوبرزة فى شأن الفرس الذى باعة الرجل من صاحبه وهما فى المنزل، وعلى هذا وجدنا أمر الناس وعرف اللغة. وظاهر الكلام إذا قيل تفرق الناس كان المفهوم معه التميز بالأبدان ، وإنما يعقل ما عداه من التفرق فى الرأى والكلام بقيد وصلة ، قال ولو كان تأويل الحديث على الوجه الذى صار إليه النخعى لخلا الحديث عن الفائدة وسقط معناه وذلك أن العلم محيط بأن المشترى ما لم يوجد منه قبول البيع فهو بالخيار، وكذلك البائع خياره ثابت فى ملكه قبل أن يعقد البيع، وهذا مع العلم العام الذى قد استقر بهانه انتهى مختصراً (إلا بيع الخيار). قال النووى: فيه ثلاثة أقوال ذكرها أصحابها وغيرهم من العلماء أمحها أن .- - ٣٢٤ - ٣٤٣٨ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حمادٌ عن أيُّوبَ عن نَافِع عن ابن عُمَرَ عن النِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم بِمَعْنَاهُ قَالَ ((أَوْ يَقُولُ أَحَدُها لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ » ٣٤٣٩ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدِ أخبرنا اللَّيْثُ عن ابن عَجْلَانَ من ◌َْوِ بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو بن الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ ((المُتَبَابِعَنِ بِالْخَارِ مَمْ يَفْسَرِقَ إلاَّ أَنْ تَكُونَ - المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس وتقديره يثبت لهما الخيار مالم يتفرقا إلا أن يتخايرا فى المجلس ويختارا إمضاء البيع فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة . والقول الثانى أن معناه إلا بيعاً شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها فلا ينقضى الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضى المدة المشروطة . والثالث معناه إلا بيعاً شرط فيه أن لا خيار لهما فى المجلس فيلزم البيع بنفس البيع ولا يكون فيه خيار ، وهذا تأويل من يصحح البيع على هذا الوجه ، والأصح عند أصحابنا بطلافه بهذا الشرط انتهى. وكذا محمح الخطابى المعنى الأول والله أعلم. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه . (أو يقول أحدهما لصاحبه اختر) أى امض البيع. قال الخطابي: ليس بعد العقد تفرق إلا التمييز بالأبدان، ويشهد لصحة هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم ((إلا بيع الخيار)) ومعناه أن يخيره قبل التفرق وهما بعد فى المجلس فيقول له اختر، وبيان ذلك فى رواية أيوب عن نافع وهو قوله عليه السلام ((إلا أن يقول لصاحبه اختر ) انتهى . - ٣٢٥ - صَفْقَةَ خِيَارِ ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَرِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِهِلَهُ » . ٣٤٤٠ - حدثنامَُدّدٌ أخبرنا حَدٌ عن جَمِيلٍ بن مُرَّةَ من أَبِى الْوَضِىءِ [إِسْمُهُ عَبَدُ بنُ نُسَيْبٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نُصَيْفٌ بِالْقَاءُ وَلُسكِنْ الْقَوْلَ عَبَّادُ ابنُ نُسَيْبٍ] قالَ غَزَوْنَا غَزْوَةً لَنَا فَنَزَلْنَا مَنْزِلاَ فَبَعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسَاً - ( إلا أن تكون صفقة خيار ) بالرفع على أن كان تامة وصفقة فاعلها والتقدير إلا أن توجد أو تحدث صفقة خيار ، والنصب على أن كان ناقصة واسمها مضمر وصفقة خبر، والتقدير إلا أن تكون الصفقة صفقة خيار ، والمراد أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه اختر إمضاء البيع أو فسخه فاختار أحدهما تم البيع وإن لم يتفرقا كما تقدم ( خشية أن يستقيله ) بالنصب على أنه مفعول له . واستدل بهذا القائلون بعدم ثهوت خيار المجلس ، قالوا : لأن فى هذا الحديث دليلا على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة ، وأجيب بأن الحديث حجة عليهم لا لهم ومعناه لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع ، فالمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما للبيع، وعلى هذا حمله الترمذى وغيره من العلماء ، قالوا ولو كانت الفرقة بالكلام لم يكن له خيار بعد البيع، ولو كان المراد حقيقة الاستقالة لم تمنعه من المفارقة لأنها لا تختص بمجلس العقد. وقد أثبت فى أول الحديث الخيار ومده إلى غاية التفرق، ومن المعلوم أن من له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة ، فتعين حملها إلى الفسخ، وحملوا نفى الحل على الكراهة لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم لا أن اختيار الفسخ حرام . كذا فى الفتح والنيل . قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى ، وقال الترمذى حسن . (عن أبى الوضىء) بفتح الواو وكسر المعجمة المخففة مهموز اسمه عباد بن أسيب بضم الفون وفتح المهملة مصغراً . ووقع فى نسخة صحيحة بعد قوله عن - - ٢٢٦ - بِغُلاَمِ، ثُمْ أَقَمَا بَقِيَّةَ يَوْدِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، فَمَّا أَصْبَحْنَا [أَصْبَحَا] مِنَ الْغَدِ حَضَرَ الرَّحِيلُ فَامَ [ فَقَامَ ] إِلَى فَرَسِ يُسْرِجُهُ فَنَكِمَ فَأَتَى الرَّجُلَ وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ فَأَى الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ، فَقَلَ بْنِ وَبْنَكَ أَبُو بَرْزَةَ صاحِبُ النّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فَأَتَهَا أُبَا بَرْزَةَ فِى نَاحِيَةِ الْمَسْكَرِ فَقَالاَ [فَقَالُوا] لَهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَقْضِىَ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم؟ قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: الْبَيِّعَانِ بِالْخَيَارِ مَالَمْ يَتَفَرَّقَ [ يَفْتَرِفَا ] قَالَ مِشَامُ بنُ حَسَّانَ: حَدَّثَ جَمِيلٌ أَنَّهُ قَالَ مَا أُرَا كُمَا افْتَرَفْتُمَا . - أبى الوضىء اسمه عباد بن نسيب . وقال بعضهم: نصيف بالقاء ولكن القول عباد بن نسيب (بغلام) أى بعوض غلام ، فأعطى صاحبه فرساً له وأخذ الغلام عن الرجل ( ثم أقاما ) أى صاحب الفرس وصاحب الغلام بعد ذلك العقد الذى كان بينهما (حضر) وآن وقت ( الرحيل) للجيش (قام ) أى صاحب الفرس ( يسرجه) من الإفعال أى ليضع السرج على فرسه للركوب ( فقدم ) صاحب الفرس على فعله وهو آخذ الغلام عوض الفرس (فأتى) أى صاحب الفرس نادماً (الرجل) مفعول أتى أى صاحب الغلام (وأخذه بالبيع) الضمير المرفوع لصاحب الفرس والضمير المنصوب لصاحب الغلام ، أى أخذ صاحب الفرس صاحب الفلام لفسخ البيع وارد مبيعه ( فأبى الرجل) أى أنكر صاحب الغلام ( أن بدفعه) الضمير المنصوب إلى الفرس أى يدفع الرجل فرساً (إليه) أى إلى صاحب الفرس ( ما أرا كما) ما نافية (افترقتما) من مكان البيع وموضعه بل أنما تقيمان فيه فكيف لا تردان المبيع. وفيه دليل على أن أبا برزة كان يرى التفرق بالأبدان . -٣٢٧- - وفيه أن أبا برزة وسّع فى المجلس ولا يتم التفرق بالأبدان عنده حتى يتفرقا جميعاً من ذلك الموضع ويتركاء، لأن أبا الوضىء قال ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما ومع ذلك قال أبو برزة ما أرا كما افترقتما . ومن المعلوم أن واحداً منهما أو كلاهما لا بد لها أن يتفرقا لقضاء حاجتهما من أكل وشرب ونوم وبول وغائط وغيرها نعم لم يتفرقا من موضع قيامهما تفرق الخروج والانتشار إلا من الغد ، لكن الحديث فى سنن الترمذى بلفظ آخر وهذه عبارته روى عن أبى برزة الأسلمى ((إِن رجلين اختصما إليه فى فرس بعد ما تبايعا فكانوا فى سفينة فقال لا أرا كما افترقهما وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرفا)) والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر: فأبو برزة الصحابى حمل قوله صلى الله عليه وسلم ما لم يتفرقا على التفرق بالأبدان ، وكذلك حمله ابن عمر عليه ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة انتهى . وفى مميح الهخارى: وبه قال ابن عمر وشريح والشعبى وطاوس وعطاء وابن أبى مليكة انتهى . ونقل ابن المنذر القول به أيضاً عن سعيد بن المسيب والزهرى وابن أبى ذلب من أهل المدينة، وعن الحسن البصرى والأوزاعى وابن جريج وغيرهم ، وقال ابن حزم لا نعلم لهم مخالفاً من التابعين إلا إبراهيم النخعى وحده، كذا فى الفتح . وقال الخطابى فى المعالم: أكثر شىء سمعت أصحاب مالك يحتجون به فى رد الحديث هو أنه قال : ليس العمل عليه عندنا وليس التفرق حد محدود يعلم . قال الخطابي: هذا ليس بحجة، أما قوله ليس العمل عليه عندنا فإنما هوكأنه قال أنا أرد هذا الحديث فلا أعمل به ، فيقال له الحديث حجة فلم رددته ولم لم تعمل به وقد قال الشافعى: رحم الله مالكا لست أدرى من اتهم فى إسناد - -٣٢٨- - هذا الحديث، انهم نفسه أو نافعاً وأعظم أن يقول اتهم ابن عمر . وأما قوله ليس للتفرق حد يعلم فليس الأمر على ماتوهمه ، والأصل فى هذا ونظائره أن يرجع إلى عادة الناس وعرفهم ، ويعتبر حال المكان الذى هما فيه مجتمعان ، فإذا كانا فى بيت فإن التفرق إنما يقع بخروج أحدهما منه، وإن كانا فى دار واسعة فانتقل أحدهما من مجلسه إلى بيت أو صفة أو نحو ذلك فإنه قد فارق صاحبه ، وإن كانا فى سوق أو على حانوت فهو أن يولى عن صاحبه ويخطو خطوات ونحوها وهذا كالعرف الجارى والعادة المعلومة فى التقابض انتهى كلام الخطابى . وقال النووى تحت حديث ابن عمر : هذا الحديث دليل لثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين بعد انعقاد البيع حتى يتفرقا من ذلك المجلس بأبدانهما وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وممن قال به على ابن أبى طالب وابن عمرو ابن عباس وأبو هريرة وأبو برزة الأسلمى وطاوس وسعيد بن المسيب وعطاء وشريح القاضى والحسن البصرى والشعبى والزهرى والأوزاعى وابن أبى ذئب وسفيان بن عيينة والشافعى وابن المبارك وعلى بن المدينى وأحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد والبخارى وسائر المحدثين وآخرون . وقال أبو حنيفة ومالك : لا يثبت خيار المجلس بل يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول ، وبه قال ربيعة ، وحكى عن النخعى وهو رواية عن الثورى ، وهذه الأحاديث الصحيحة ترد على هؤلاء وليس لهم عنها جواب محيح والصواب ثبوته كما قاله الجمهور انتهى . قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه ورجال إسناده ثقات ، وأخرجه الترمذى مختصراً . - ٣٢٩- ٣٤٤١ - حدثنا مُمَّدُ بنُ حَامِ الْجِرْ جَرَانِىُّ قَالَ مَرْوَانُ الْفَزَارِئُ أخبرنا عن يَحْتَى بنِ أَيُّوبَ قَالَ ((كَنَ أَبُوزَرْعَةَ إِذَا بَايَعَ رَجُلاً خَيْرَهُ قَالَ ثُمْ يَقُولُ خَيِّرْنِى فَقُولُ [وَيَقُولُ] سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم لاَ يَفْتَرِ قَنَّ اثَْانٍ إِلَّ مَنْ تَرَاضٍ». - (قال) أى محمد بن حاتم (مروان الفزارى أخبرنا) مروان مبتدأ وأخبرنا خبره ( يحيى بن أيوب) بن أبى زرعة بن عمرو بن جرير، روى عن جده أبى زرعة وثقه أبو داود ، وقال ابن معين ليس به بأس ( قال كان أبو زرعة) ابن عمرو بن جرير البجلى الكوفى روى عن جده جرير وأبى هريرة من ثقات علماء التابعين ( لا يفترقن اثنان) أى متبايعان ( إلا عن تراض) قال الطيبي: صفة مصدر محذوف والاستثناء متصل أى لا يتفرقن اثنان إلا تفرقا صادراً عن تراض . قال القارى: والمراد بالحديث والله تعالى أعلم أنهما لا يتفارقان إلا عن تراض بينهما فيما يتعلق بإعطاء الثمن وقبض المبيع وإلا فقد يحصل الضرر والضرار وهو منهى فى الشرع ، أو المراد منه أن يشاور مريد الفراق صاحبه ألك رغبة فى المبيع ، فإن أريد الإقاله أقاله وهذا نهى تنزيه للاجماع على حل المفارقة من غير إذن الآخر ولا علمه. قال الأشرف: فيه دليل على أنه لا يجوز التفرق بين العاقدين لانقطاع خيار المجلس إلا برضاهما انتهى . وتقدم أنه يجوز إجماعاً والنهى للتنزيه، قال وفيه دليل على ثبوت خيار المجلس لهما وإلا فلا معنى لهذا القول حينئذ انتهى . وأنت علمت معنى القول فيما سبق وتحقق انتهى كلام القارى. قلت : لا ريب فى أن الحديث يدل على ثبوت خيار المجلس كما قال الأشرف ولهذا كان أبو زرعة راوى الحديث إذا بايع رجلا خيره ثم - - ٣٣٠- ٣٤٤٢ - حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِيُّ قَالَ أخبر ناشُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عنْ أَبِى الْخَلِيلِ عن عَبْدِ اللهِ بن الخَارِثِ من حَكِيمٍ بن حِزَامٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ ((الْبَيِّعَانِ بِالخَيَارِ مَالَمْ يَغْتَرِقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيْنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَا وَكَذَبَا مُحِقَتِ الْبَّكَّةُ مِنْ بَيْهِمَاً)). قال أَبُو دَاوُدَ: وَكَذْلِكَ رَوَاءُ سَعِيدُ بنُ أَبِى عَرُوَبَةَ وَّادٌ، وَأَمَّا حَّامٌ فَقَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا أَوْ يَخْتَارَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. - يقول خيرنى وأما ماذكر القارى من مراد الحديث فهو غير ظاهر كما لايخفى على المتأمل والله تعالى أعلم وعلمه أتم . قال المنذرى: وأخرجه الترمذى ولم يذكر أبا زرعة وقال هذا حديث غريب . ( البيعان ) بتشديد التحتية المكسورة بعد الموحدة المفتوحة أى البائع والمشترى (بالخيار) أى فى المجلس ( ما لم يفترقا) أى ببدنهما عن مكان التعاقد ( فإن صدقا) أى البائع فى صفة المبيع والمشترى فى ما يعطى فى عوض المبيع (وبينا) أى ما بالمبيع والثمن من عيب ونقص (وإن كما) أى ما فى المبيع والثمن من العيب والنقص ( وكذبا) أى فى وصف المبيع والتمن (محقت ) بصيغة المجهول أى أزيلت وذهبت . قال المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى (وكذلك رواه سعيد بن أبى عروبة) عن قتادة عن صالح أبى الخليل وحديثه عند النسائى ( وحماد) عن قتادة ( وأما حمام) عن قتادة ( فقال حتى يتفرقا) المتبايعان ( أو يختارا) أى شرطا اختيار امضاء البيع أو فسخه ثلاث مرات . وحديث حمام عند مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدى قال أخبرنا همام عن أبى التياح - - ٣٣١- ١٩ - باب فى فضل الإقالة ٣٤٤٣ - حدثنا يَحْسَى بنُ مَعِينٍ أخبرنا حَفْسٌ من الْأَحْمَشِ عِن أَبِى صَائِحٍ عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ أَقَالَ مُسْلِمَا أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ ». - لال سمعت عبد الله بن الحارث يحدث على حكيم بن حزام عن النبى صلى اللهُ عليه وسلم بمثله، ولم يسق مسلم لفظه وإنما أحال على ما قبله. وعند النسائى من طريق همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ويأخذ أحدهما ما رضى من صاحبه أو هوى)) . وعهده من طريق هشام عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال (( البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يأخذ كل واحد منهما من البهع ما هوى ويتغايران ثلاث مرات)». ( باب فى فضل الإقالة ) هى فى الشرع رفع العقد الواقع بين المتعاقدين، وهى مشروعة إجماعاً ولابهـ من لفظ يدل عليها وهو أقلت أو ما يفيد معناه عرفاً . ( من أقال مسلماً) أى بهعه ( أقاله الله عثرته) أى غفر زلته وخطيئته. قال فى إنجاح الحاجة : صورة إقالة البيع إذا اشترى أحد شيئاً من رجل ثم ندم على اشترائه إما لظهور الغبن فيه أو لزوال حاجته إليه أو لانعدام الثمن فرد المبيع على البائع وقبل البائع رده أزال الله مشقته وعثرته يوم القيامة لأنه إحسان منه على المشترى، لأن البيع كان قد بت فلا يستطيع المشترى فسخه انتهى . قال المنذرى : وأخرجه ابن ماجه . -- ٣٣٢ - ٢٠ - باب فيمن باع بيعتين فى بيعة ٣٤٤٤ - حدثنا أَبُو بَكْرِ بنِ أَبِى شَيْبَةَ عن ◌َحْسَى بِنِ زَ كَربًا عنْ مَّدٍ بن عَمْرٍوٍ عن أَبِ سَلَمَةَ من أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ((مَنْ بَاعَ بَيْعَتْنٍ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْ كَسُهُما أوِ الرِّبَا)). ( باب فيمن باع بيعتين فى بيعة) ( من باع بهعتين فى بيعة) قال الخطابي: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو سمح البيع بأوكس الثمنين إلا شىء يحكى عن الأوزاعى وهو مذهب فاسد ، وذلك لما يتضمنه هذا العقد من الغرر والجهل . قلت: قال فى النيل: ولا يخفى أن ما قاله هو ظاهر الحديث لأن الحكم له بالأوكس يستلزم محة البيع به . قال الخطابي: وإنما المشهور من طريق محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيعتين فى بيعة رواه الشافعى عن الدراوردى عن محمد بن عمرو، وأما رواية يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو على الوجه الذى ذكره أبو داود فيشبه أن يكون ذلك فى حكومة فى شىء بعينه كأنه أسلفه ديناراً فى قفيز بر إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر قال له بعنى القفيز الذى لك على بقفيزين إلى شهرين ، فهذا بيع ثان وقد دخل على البيع الأول فصار بيعتين فى بيعة فيُرَدَّان إلى أوكسهما أى أنقصهما وهو الأصل ، فإن تبايعا البيع الثانى قبل أن يققابضا الأول كانا مُرْ بوين انتهى. قلت : وقد نقل هذا التفسير الإمام ابن الأثير فى النهاية وابن رسلان فى شرح السنن ثم قال الخطابى. وتفسير مانهى عنه من بيعتين فى بيعة على وجهين - - ٣٣٣ - - أحدهما أن يقول بعتك هذا الثوب نقداً بعشرة أو نسيئة بخمسة عشر فهذا لا يجوز لأنه لا يدرى أيهما الثمن الذى يختاره منهما فيقع به العقد، وإذا جهل الثمن بطل البيع انتهى . قلت: وبمثل هذا فسر سماك رواه أحمد ولفظه قال سماك هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنساء بكذا وهو بنقد بكذا وكذا ، وكذلك فسره الشافعى رحمه الله فقال بأن يقول بعتك بألف نقداً أو ألفين إلى سنة ، فخذ أيهما شئت أنت وشئت أنا . ونقل ابن الرفعة عن القاضى أن المسألة مفروضة على أنه قبل على الإبهام ، أما لو قال قبلت بألف نقداً أو بألفين بالنسيئة صح ذلك ، كذا فى النيل . ثم قال الخطابي: والوجه الآخر أن يقول بعتك هذا العبد بعشرين ديداراً على أن تبيعنى جاريتك بعشرة دنانير، فهذا أيضاً فاسد ، لأنه جعل ثمن العبد عشرين ديناراً وشرط عليه أن يبيعه جاريته بعشرة دنانير ، وذلك لا يلزمه وإذا لم يلزمه ذلك سقط بعض الثمن ، فإذا سقط بعضه صار الباقى مجهولا . قال وعقد البيعتين فى بيعة واحدة على الوجهين الذين ذكرناها عند أكثر الفقهاء فاسد . وحكى عن طاوس أنه قال لا بأس أن يقول له بعتك هذا الثوب نقداً بعشرة وإلى شهرين بخمسة عشر فيذهب به إلى إحداهما انتهى كلام الخطابى . وقال فى النهاية : نهى عن بيعتون فى بيعة هو أن يقول بعتك هذا الثوب نقداً بعشرة ونسيئة بخمسة عشر فلا يجوز لأنه لا يدرى أيهما الثمن الذى يختاره ليقع عليه العقد . ومن صوره أن يقول بعتك هذا بعشرين على أن تبيعنى ثوبك بعشرة ،فلا يصح للشرط الذى فيه ولأنه يسقط بسقوطه بعض الثمن فيصير الباقى مجهولا - - ٣٣٤- - وقد نهى عن بيع وشرط وعن بيع وسلف وهما هذان الوجهان انتهى. ( فله أوكسهما) أى أنقصهما ( أو الربا). قال فى النيل: يعنى أو يكون قد دخل هو وصاحبه فى الربا المحرم إذا لم يأخذ الأوكس بل أخذ الأكثر وذلك ظاهر فى التفسير الذی ذكره ابن رسلان وغيره. وأمافى التفسير الذى ذكره أحمد عن سماك وذكره الشافعى ففيه متمسك لمن قال يحرم بيع الشىء بأكثر من سعر يومه لأجل الفضاء. وقالت الشافعية والحنفية والجمهورأنه يجوز لعموم الأدلة القاضية بجوازه وهو الظاهر ، ثم بين صاحب النيل وجه الظهور إن شئت الوقوف عليه فعليك بالنيل قال المنذرى: فى إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد [ وثقه النسائى] والمشهور عن محمد بن عمرو من رواية الدراوردى ومحمد بن عبد الله الأنصارى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيمتين فى بيعة انتهى كلام المنذرى [ وكذا أخرجه الترمذى وصححه النسائى فى المجتبى ] . قلت : وكذا رواه إسماعيل بن جعفر ومعاذ بن معاذ وعبد الوهاب بن عطاء عن محمد بن عمرو المذكور ذكره البيهقى فى السنن ، وعبدة بن سلمان فى الترمذى ويحيى بن سعيد فى المجتبى ، وبهذا يعرف أن رواية يحيى بن زكريا فيها شذوذ کالا يخفى . ١ - ٣٣٥- ٢١ - باب فى النهى عن العينة ٣٤٤٥ - حدثنا سُلَمَانُ بنُ دَاوُدَ المَهْرِىُّ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنى حَهْوَةُ بنُ شُرَيْحِ ح. وأخبرنا جَعْفَرُ بنُ مُسافِرِ التِّنِّيسِيُّ أخبرنا عَبْدُ اللهِ ابنُ يَحْتَ الْبُلْسِّ [الْبُرْسِىُّ] أنبأنا حَهْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ عن إسْحَاقَ أَبِى عَبْدِ الرَّْنِ قَال سُلَيَانُ عن أَبِ عَبْدِ الرَّْنِ أَنْرَ اسَانِىِّأنَّ عَطَاءِ أَخْرَ اسَانى ( باب فى النهى عن العينة ) ( أخبرنا عبد الله بن يحيى البرلسى) باللام بعد الراء المهملة كذا فى النسخ الصحيحة . قال الحافظ فى التقريب: بضم الموحدة والراء وتشديد اللام المضمومة بعدها مهملة انتهى. وفى بعض النسخ بالفون دون اللام أى بضم الموحدة والنون بينهما مهملة ساكنة كذا ضبطه فى الخلاصة وهو غلط . وقال السيوطى فى لب اللباب فى تحرير الأنساب : البرلسى بضمات وتشديد اللام ومهملة إلى البرلس من بلاد مصر وفتح ياقوت أولها وثانيها انتهى. وأما البرنسى بالفون فلم يذكره السيوطى فيه، وكذا لميذكره الحافظ - قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : وفى الباب حديث أبى إسحاق السبيعى عن امرأته (« أنها دخلت على عائشة رضى الله عنها فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، فقالت : ياأم المؤمنين ، إنى بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة ، وإنى ابتعته منه بستمائة نقداً، فقالت لها عائشة: بئسما اشتريت، وبئسما شريت ، أخبرى زيداً أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل إلى أن يتوت )) - ٣٣٦- حَدَّثَهُ أَنَّ نَفِعًاَ حَدَّثَهُ عن ابنِ عُمَرَ قَال ◌َمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بالِْينَةٍ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَبَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بالزَّرْعِ وَتَرَ كْهُمْ الْجِهَدَ، سَأَّطَ اللهُ عَلَيْكُمُ ذُلَّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمُ ». - عبد الغنى المصرى وكذا الذهبى وأبو طاهر المقدسى وأبو موسى الأصبهانى فى كتبهم المشتبه والمختلف . وقال الإمام الحافظ أبو على الغسانى الجيانى فى كتابه تقييد المهمل وتمييز المشكل: البراسى بضم الياء المعجمة بواحدة والراء المهملة المضمومة بعدها لام مضمومة مشددة هو عبد الله بن يحيى المعافرى البراسى عن حيوة بن شريح ينسب إلى برلس قرية من سواحل مصر انتهى . وفى مراصد الاطلاع: برلس بفتحقين وضم اللام وتشديدها بليدة على شاطىء نيل مصر قرب البحر من جهة الإسكندرية انتهى ولم يذكر بالدون . (إذا تبايعتم بالعينة) قال الجوهرى: العينة بالكسر السلف . وقال فى القاموس: وعين أخذ بالعينة بالكسر أى السلف أو أعلى بها. قال والتاجر باع سلعته بثمن إلى أجل ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن انتهى قال الرافعى : وبيع العينة هو أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى - = هذا الحديث رواه البيهقى والدار قطنى، وذكره الشافعى، وأعله بالجهالة محال امرأة أبى إسحاق ، وقال: لو ثبت فإما عابت عليها بيعاً إلى العطاء ، لأنه أجل غير معلوم . ثم قال : ولا يثبت مثل هذا عن عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا مايراه حلالا . قال البيهقى : ورواه يونس بن أبى إسحاق عن أمه العالية بنت أنفع (« أنها دخلت على عائشة مع أم محمد )). = -٣٣٧ - قال أَبُو دَاوُدَ: الْإِخْبَارُ لِجَعْفَرٍ وَهْذَا لَفْظُهُ . - المشترى ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر انتهى. وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة مالك وأبو حنيفة وأحمد ، وجوز ذلك الشافعى وأصحابه. كذا فى النيل . وقد حقق الإمام ابن القيم عدم جواز المهنة ونقل معنى كلامه العلامة الشوكانى فى النيل . ( وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع) حمل هذا على الاشتغال بالزرع فى زمن بتعين فيه الجهاد ( وتركتم الجهاد ) أى المتعين فعله (سلط الله عليكم ذلا) - = وقال غيره: هذا الحديث حسن ، ويحتح بمثله ، لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان : أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها ، ولم يعلم فيها جرح ، والجهالة ترتفع عن الراوى بمثل ذلك : ثم إن هذا مما ضبطت فيه القصة ، ومن دخل معها على عائشة ، وقد صدقها زوجها وابنها وهما من هما، فالحديث محفوظ . وقوله فى الحديث المتقدم ((من باع بيعتين فى بيعة فله أوكسهما أو الربا)) هو منزل على العينة بعينها ، قاله شيخنا ، لأنه بيعان فى بيع واحد، فأوكسهما: الثمن الحال وإن أخذ بالأ كثر وهو المؤجل - أخذ بالربا. فالمعينان لا ينفكان من أحد الأمرين إما الأخذ بأوكس الثمنين، أو الربا، وهذا لا يتنزل إلا على العينة . فصل قال المحرمون للعينة : الدليل على تحريمها من وجوه . أحدها : أن الله تعالى حرم الربا والعينة وسيلة إلى الربا ، بل هى من أقرب وسائله والوسيلة إلى الحرام حرام ، فهنا مقامان . أحدهما : بيان كونها وسيلة. والثانى : بيان أن الوسيلة إلى الحرام حرام . فأما الأول : فيشهد له به النقل والعرف والنية والقصد ، وحال المتعاقدين . == (٢٢ - عون المعبود ٩) - ٣٣٨ - - بضم الذال المعجمة وكسرها أى صغاراً ومسكنة ومن أنواع الذل الخراج الذى يسلمونه كل سنة لملاك الأرض . وسبب هذا الذل والله أعلم أنهم لما تركوا الجهاد فى سبيل الله الذى فيه عز الإسلام وإظهاره على كل دين عاملهم الله بنقيضه وهو إنزال الذلة بهم فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التى هى أعز مكان . قاله فى النيل . قال المنذرى: وفى إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراسانى نزيل مصر لا يمتج بحديثه . وفيه أيضاً عطاء الخراسانى وفيه مقال . = فأما النقل: فيما ثبت عن ابن عباس (« أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة، ثم اشتراها بخمسين؟ فقال: دراهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينها حريرة)). وفى كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمضين، عن ابن عباس : أنه قال (( اتقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة)). وفى كتاب أبى محمد النجشى الحافظ عن ابن عباس ( أنه سئل عن العينة يعنى بيع الحريرة؟ فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله)) وفى كتاب الحافظ مطين عن أنس (( أنه سئل عن العينة - يعنى بيع الحريرة - فقال : إن الله لا يخدع ، هذا مما حرم الله ورسوله )) وقول الصحابى (( حرم رسول الله كذا ، أو أمر بكذا ، وقضى بكذا، وأوجب كذا)) فى حكم المرفوع اتفاقاً عند أهل العلم ، إلا خلافاً شاذاً لا يعتد به، ولا يؤبه له . وشبهة المخالف : أنه لعله رواه بالمعنى ، فظن ما ليس بأمر ، ولا تحريم كذلك، وهذا فاسد جداً . فإن الصحابة أعلم بمعانى النصوص ، وقد تلقوها من فى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يظن بأحد منهم أن يقدم على قوله « أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو حرم أو فرض)) إلا بعد سماع ذلك ، ودلالة اللفظ عليه ، واحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو فى الرواية بل دونه فإن رد قوله ((أمر)) ونحوه بهذا الاحتمال == ٣ - ٣٣٩ - = وجب رد روايته لاحتمال السهو والغلط وإن قبلت روايته : وجب قبول الآخر . وأما شهادة العرف بذلك: فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير ، بل قد علم الله وعباده من المتبايعين ذلك: قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقداً يقصدان به ملكها ولا غرض لهما فيها بحال . وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول: مائة بمائة وعشرين وإدخال تلك السلعة فى الوسط تلبيس وعبث ، وهى بمنزلة الحرف الذى لا معنى له فى نفسه، بل جىء به لمعنى فى غيره، حتى لو كانت تلك السلعة تساوى أضعاف ذلك الثمن أو تساوى أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها مورداً للعقد ، لأنهم لا غرض لهم فيها وأهل العرف لا يكابرون انفسهم فى هذا . وأما النية والقصد: فالأجنبى المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما فى السلعة وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين ، فضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما ، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد ، ثم يحضران تلك السلعة محللا لما حرم الله ورسوله . وأما المقام الثانى - وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام: فبانت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول . فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التى ظنوها مباحة ، وسمى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون مثل ذلك مخادعة ، كما تقدم وقال أيوب السختيانى ((يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجہہ کان أسهل » والرجوع إلى الصحابة فى معانى الألفاظ متعين ، سواء كانت لغوية، أو شرعية ، والخداع حرام . وأيضاً : فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة ، وإضمار ما هو من أكبر الكبائر ، فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها فى صورة البيع الذى لم يقصد نقل الملك فيه أصلا، وإنما قصده حقيقة الربا . وأيضاً فان الطريق متى أفضت إلى الحرام ، فان الشريعة لا تأتى بإباحتها أصلا، لأن إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين ، فلايتصور أن يباح شىء ويحرم ما يفضى إليه ، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما، والثانى باطل قطعاً فيتعين الأول . = - ٣٤٠ - - وأيضاً : فإن الشارع إنما حرم الربا، وجعله من الكبائر، وتوعد آ كله بمعاربة الله ورسوله ، لما فيه من أعظم الفساد والضرر، فكيف يتصور - مع هذا - أن يتيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون من الحيل؟ فيالله العجب ، أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة، وقلبتها مصلحة ، بعد أن كانت مفسدة ؟ وأيضاً: فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصر منها مصبحين وكان مقصودهم منع حق الفقراء من التمر المتساقط وقت الحصاد ، فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة. ولا يقال : فالعقوبة إنما كانت على رد الاستثناء وحده لوجهين . أحدهما : أن العقوبة من جنس العمل ، وترك الاستثناء عقوبته : أن يعوق وينسى لا إهلاك ماله ، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان فإنها حرمان كالذنب . الثانى: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا ﴿ أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين) وذنب العقوبة على ذلك ، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل فى العقوبة لم يكن لذكره فائدة فإن لم يكن هو العلة التامة كان جزءاً من العلة. وعلى التقديرين يحصل المقصود. فُ وأيضاً فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((الأعمال بالنيات)) والمتوسل بالوسيلة التى صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم، وذيته أولى به من ظاهر عمله . وأيضاً: فقد روى ابن بطة وغيره باسناد حسن عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((لاترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) وإسناده مما يصححه الترمذى . وأيضاً : فان النبى صلى الله عليه وسلم قال (( لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم نجملوها وباعوها وأ كلوا أمانها)) و((جملوها)) يعنى أذابوها وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم ، ويحدث لها اسم آخر وهو الودك ، وذلك لا يفيد الحل ، فان التحريم تابع للحقيقة وهى لم تتبدل بتبدل الإسم . وهذا الرباتحريمه تابع لمعناه وحقيقته فلا يزول بتبدل الإسم بصورة البيع كما سـ