Indexed OCR Text

Pages 161-180

-١٦١-
مَ فَعَلَ أَضْيَفُكُمُ أَفَرَغْتُمْ مِنْ قِرَأْهُمْ؟ قالُوا: لاَ. قُلْتُ: قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِقِرَأُهُمْ
فَأَبَوْا وَقَالُوا: وَاللهِ لا تَطْتَمُهُ خَتِى يَحِىء [ تَحِىءَ ] فقالُوا: صَدَقَ قَدْ أَتَنَ بِهِ
فَأَبَيْنَا حَتَّى نَجىءَ، قال: فماَ مَنَمَكُ؟ قالُوا: مَكَانُكَ، قال: فَوَالِ لا أْمَمَهُ
الَّلَةَ، قال فقالُوا: وَنَحْنُ وَاللهِ لا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ، قال: مَارَ أَيْتُ فى الشِّرِّ
كَلَّيْلَةِ قَطُّ، قال: قَرِّبُوا طَعَامَكُمُ، قال: فَقُرِّبَ طَعَامُهُمْ ، فقالَ : بِسْمِ اللهِ،
فَطَمِمَ وَطَمِمُوا، فَأُغْبِرْتُ أنَّهُ أصْبَحَ ، فَقَدَا عَلَى النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ
بالَّذِى صَنَعَ وَصَنَعُوا، قال: بَلْ أَنْتَ أَبَرُهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ)).
٣٣٠٣ - حدثنا ابنُ المُثَنّ قال أخبرنا سالِمُ بنُ نُوحٍ وَعَبْدُ الْأَعْلَى
ءَ
- ( ومن قراهم) بكسر القاف أى من ضيافتهم (قالوا مكانك) أمى منزلك
وقربك من النبى صلى الله عليه وسلم أو كونك رئيس البيت قاله السندى رحمه الله
( لا أطعمه الليلة) لأنه اشتد عليه تأخير عشائهم ( ما رأيت فى الشر كالليلة) أى
لم أر ليلة مثل هذه الليلة فى الشر (فأخبرت) بصيغة المجهول (قال) صلى الله عليه
وسلم ( بل أنت أبرهم وأصدقهم).
وفى رواية لمسلم (( فلما أصبح غدا على النبى صلى الله عليه وسلم فقال يارسول
الله بروا وحنثت ، قال فأخبره فقال بل أنت أبرهم وأخيرهم)) انتهى . والمعنى
بروا فى أيمانهم وحنثت فى يمينى، فقال النبى صلى الله عليه وسلم بل أنت أبرهم
أى أكثرهم طاعة وخير منهم وأصدقهم لأنك حنثت فى يمينك حفتاً معدوباً
إليه محثوناً عليه، فأنت أفضل منهم . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم
بنحوه أتم منه .
(حدثنا ابن المثنى) هو محمد (وعبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامى -
( ١١ - عون المعبود ٩)

-١٦٢-
عن الْرَيْرِىُّ من أبِىِ عُثْنَ عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبِى بَكْرٍ بِهِذَا الْحَدِيثِ
نَحْوَهُ، زَادَ عنْ سَالِمٍ فِى حَدِيثِ قال ((وَلَمْ يَبْلُغْنِى كَفَّارَةُ »:
٣٠ - باب اليمين فى قطيعة الرحم
٣٣٠٤ - حدثنا مُمَّدُ بنُ المِنْهَلِ قال أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قال أخبرنا
حَبِيبُ الْعَلِمُ عن عَمْرٍوٍ بِنِ شُعَيْبٍ عن سَعِدِ بنِ المسَيِّبِ ((أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ
الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَ مِيرَاثٌ فَسَأَلَ أحَدُهُماَ صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ، فقال: إِنْ عُدْتَ
- (نحوه) وساق مسلم بتمامه من هذا الوجه (زاد) أى محمد بن المثنى (من سالم)
ابن نوح دون عبد الأعلى ( ولم يبلغنى كفارة) قال النووى: يعنى لم يبلغنى
أنه كفر قبل الحنث .
فأما وجوب الكفارة فلا خلاف فيه لقوله صلى الله عليه وسلم ((من حاف
على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذى هو خير وكفر عن يمينه)) وهذا
نص فى عين المسألة مع عموم قوله تعالى ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان
فكفارته إطعام ) انتهى .
( باب اليمين فى قطيعة الرحم )
(أحدهما صاحبه) أى أخاه المصاحب المشارك فى الميراث ( القسمة) أى فى
الفخيل والعقار أو الدرهم والدينار (فقال) أى الآخر (إن حدت) بضم أوله -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وقال الإمام أحمد وغيره من الأئمة : سعيد بن المسيب عن عمر عندنا حجة قال
أحمد : إذا لم نقبل سعيداً عن عمر فمن نقبل؟ قد رآه وسمع منه ذكره ابن أبى حاتم
فليس روايته عنه منقطعة على ما ذكره أحمد . ولو كانت منقطعة فهذا الانقطاع غير
مؤثر عند الأئمة فإن سعيداً أعلم الخاق بأقضية عمر وكان ابنه عبد الله بن عمر يسأل =

-١٦٣ -
تَسْأَ لُفِى عَنْ الْقِسْمَةِ فَكُلُّ مَالِى فِى رِ تَجِ الْكَعْبَةِ فقالَ لَهُ ◌َُرُ: إِنَّالْكَمْبَةَ
غَيِّيَّةٌ عنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عنْ يَمِكَ وَكَلِّمْ أَخَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِصلى اللهُ
عليه وسلم يَقُولُ: لا مِينَ عَلَيْكَ وَلا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ الرَّبِّ وَفِى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ
وَفِيمَا لا تَمْلِكُ [ وَلا فِى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَلَا فِيَمَا لا تَمْلِكُ])).
- أى رجعت (فكل مالى) بإضافة المال إلى ياء المتكلم أى فكل شىء لى من
الملك ( فى رتاج الكعبة) بكسر أوله أى مصالحها أو زينتها .
قال فى النهاية : الرتاج الباب ، وفى هذا الحديث الكعبة لأنه أراد أن
ماله هدى إلى الكعبة لا إلى بابها ، فكنى بالباب لأنه منه يدخل ( وكام أخاك)
أى فى عوده إلى سؤال القسمة ( لا يمين عليك) أى على مثلك. والمعنى لا يجب
إلزام هذه اليمين عليك وإنما عليك الكفارة .
قال الطبى أى سمعت ما يؤدى معفاه إلى قولى لك لا يمين عليك يعنى
لا يجب الوفاء بما نذرت، وسمى النذر يميناً لما يلزم منه ما يلزم من اليمين.
وفى شرح السنة: اختلفوا فى النذر إذا خرج مخرج اليمين مثل أن قال إن
كلت فلاناً فلله على عتق رقبة وإن دخلت الدار فلله على صوم أو صلاة ، فهذا نذر
خرج مخرج اليمين لأنه قصد به منع نفسه عن الفعل ، كالحالف يقصد بيمينه منع
نفسه عن الفعل ، فذهب أكثر الصحابة ومن بعدهم إلى أنه إذا فعل ذلك الفعل
يجب عليه كفارة اليمين كمالو حنث فى يمينه، وإليه ذهب الشافى ، ويدل عليه
هذا الحديث وغيره. وقيل عليه الوفاء بما التزمه قياسا على سائر النذور انتهى
( ولا نذر فى معصية الرب ) أى لا وفاء فى هذا النذر (وفى قطيعة الرحم) وهو
= سعيداً عنها وسعيد بن المسيب إذا أرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مرسله
فكيف إذا روى عن عمر؟

- ١٦٤ -
٣٣٠٥ - حدثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِىُّ أنبأنا المُغِيرَةُ بنُ عَبْدِ الرَّْنِ
حدَّتِى أَبِى عَبْدِ الرَّْنِ عنْ عَمْرِوِ بنِ شُعَيْبٍ منْ أَبِهِ عنْ جَدِّهِ أنَّ
رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال ((لاَ نَذْرَ إلاَّ فِيمَا يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللهِ،
وَلا يَمِينَ فِى قَطِيعَةِ رَحِمٍ)).
- تخصيص بعد تعميم. قال المنذرى سعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر
فهو منقطع وعمرو بن شعيب قد مضى الكلام عليه انتهى .
وفى الموطأ مالك عن أيوب بن موسى عن منصور بن عبد الرحمن الحجبى
عن أمه عن عائشة أم المؤمنين أنها سئلت عن رجل قال مالى فى رتاج الكعبة،
فقالت عائشة تكفره ما يكفر اليمين انتهى .
( لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله) الحديث ليس من رواية اللؤلؤى ولذا
لم يذكره المنذرى وإنما وجد فى بعض النسخ الصحيحة. وقال فى المنتقى: وعن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((لانذر إلا
فيما ابتغى به وجه الله تعالى)) رواه أحمد وأبو داود. وفى رواية أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم نظر إلى أعرابى قائماً فى الشمس وهو يخطب فقال ما شأنك؟
قال نذرت يا رسول الله أن لا أزال فى الشمس حتى تفرغ فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليس هذا نذراً إنما النفر ما ابتغى به وجه الله)) رواه أحمد
انتهى . وفى النيل حديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضاً البيهقى، وأورده الحافظ
فى التلخيص وسكت عنه. وقد أخرجه بلفظ أحمد الطبرانى. قال فى مجمع
الزوائد: فيه عبد الله بن نافع المدنى وهو ضعيف، ولم يكن فى إسناد أبى داود
لأنه أخرجه عن أحمد بن عبدة الضبى عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه
عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده انتهى .

- ١٦٥-
٣٣٠٦ - حدثنا المُنْذِرُ بنُ الْوَلِدِ قالَ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ بَكْرٍ قَال
حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ الْأَخَْسِ عن ◌َْرْوِ بنِ شُعَيْبٍ من أَبِهِ عن جَدِّهِ قَالَ
قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((لا نَذْرَ وَلاَ يَمِينَ فِيمَا لا يَمْلِكُ ابنُ
آدَمَ وَلا فِى مَنْصِيَّةِ اللهِ وَلاَ فِى قَطِيعَةٍ رَحِمٍ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى كَمِنٍ فَرَأَى
غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَ فَلْيَدَعَهَا وَلْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ فَإِنَّ تَرْكَهاَ كَفَارَتُها » .
- وقال المزى: حديث ((لا طلاق فيما لا يملك)) الحديث بطوله وفيه النذر
واليمين فى قطيعة الرحم أخرجه أبو داود فى الطلاق وابن ماجه فيه ، وأخرجه
أبو داود فى النذور عن أحمد بن عبدة الضبى عن المغيرة بن عبد الرحمن عن
أبيه عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده
عبد الله بن عمرو. وحديث أحمد بن عبدة فى رواية ابن العبد ولم يذكره
أبو القاسم انتهى .
(فإِن تركها كفارتها) قال السندى: ظاهره أنه لا حاجة إلى الكفارة
لكن المشهور بين العلماء الموجود فى غالب الحديث هو الكفارة ، فيمكن أن
يقال فى الكلام تقدير العبارة والتقدير فيكفر فان تركها موجب كفارتها انتهى.
وقال المحدث محمد إسحاق الدهلوى : فإن تركها كفارتها أى كفارة ارتكاب
يمين على الشريعنى إنم ارتكابها يرتفع عن تركها أما لزوم كفارة الحنث فهو
أمن آخر لازم عليه انتهى. قال المنذرى: وأخرجه النسائى وقد تقدم الكلام -
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
وأخرج ابن ماجه منه (« من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليتر كها
فإن تركها كفارتها)) وترجم عليه: من قال تركها كفارتها .

-١٦٦-
كال أبُو دَاوُدَ: الْأَحَدِيثُ كُلُّها عن النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم وَلْيُكَفِّرْ
عَنْ يَمِنِ إلاَّ فِيمَا لا يَعْبَأْ بِهِ.
قال أبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لِأْمَدَ: رَوَى يَحْتَى بنُ سَعِيدٍ عن يَحْسَى بنِ
عُبَيْدِ اللهِ فقالَ: تَرَّكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ أَهْلاً لِذَلِكَ. قَالَ أَحْمَدُ: أَحَدِيثُهُ
مَنَاَ كِيرُ وَأَبُوهُ لا يُعْرَفُ.
- على اختلاف الأئمة فى الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب. وذكر أبو بكر
البيهقى أن حديث عمرو هذا لم يثبت وأن حديث أبى هريرة ((فليأت الذى
هو غير فهو كفارة)) لم يثبت انتهى (قال أبو داود الأحاديث) الصحاح
(كلها عن النبى صلى الله عليه وسلم) فى كفارة الأيمان ( وليكفر عن يمينه)
فالكفارة بعد الحنث هى ثابتة، وإسقاط الكفارة بعده لم يثبت ، وإليه أشار
بقوله ( إلا فيما) أى فى حديث الذى ( لا يعبأ به) أى لا يعتبر به من جهة
الإسناد ، فميه إسقاط الكفارة ولا عبرة به ولا يحتج بمثله. وكذلك قال البيهقى
إن حديث عمرو هذا لم يثبت .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله فى فتح البارى : ورواته لا بأس بهم
لكن اختلف فى سنده على عمرو انتهى. (روى يحيى بن سعيد) القطان
(عن يحيى بن عبيد الله) بن موهب التميمى عن أبيه عن أبى هريرة بلفظ
((فليأت الذى هو خير فهو كفارة)) (فقال) أحمد ( تركه) أى ترك محبى
القطان رواية الحديث عن يحيى بن عبيد فلم يرو عنه ( وكان أهلا لذلك ) يشبه
أن يكون المعنى أى كان يحيى القطان عارفاً بالرجال ناقداً للرواة فله أن يترك
من لم يرض به فهو أهل لذلك ( قال أحمد أحاديثه) أى يحيى بن عبيد الله
( مناكير وأبوه) عبيد الله بن موهب (لا يعرف) مجهول . قال الذهبى -

- ١٦٧ -
٣١ - باب الحالف يستثنى بعد مايتكلم
[باب الاستثناء فى اليمين بعد السكوت ]
٣٣٠٧ - حدثنا قُتَيْبَةُ - يَعنى ابنَ سَعِيدٍ - قالَ أخبرنا شَرِيك عن
◌ِمَكٍ مِن عِكْرِ مَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((وَاللهِ لَلأُغْزُوَنَّ قُرَيْئًا
- فى الميزان: يحيى بن عبيد الله بن موهب التميمى عن أبيه عن أبى هريرة
بأحاديث ، وعنه يحيى القطان وطائفة وثقه القطان ، وقال شعبة رأيته
يصلى صلاة لا يقيمها فتركت حديثه. وقال ابن معين: ليس بشىء. وقال
ابن المثنى : حدث عنه يحيى القطان ثم تركه وقال أحمد : أحاديثه مناكير ،
وقال مرة: ليس بثقة وقال ابن عيينة : ضعهف . وقال الجوزجاني : هو كوفى
وأبوه لا يعرف وأحاديثه من أحاديث أهل الصدق انتهى .
( باب الحالف يستثنى بعد ما يتكلم )
وفى بعض النسخ الاستثناء فى اليمين بعد السكوت انتهى. والاستثناء
فى الاصطلاح إخراج بعض ما تناوله اللفظ بإلا وأخواتها . ويطلق أيضاً على
التعاليق على المشيئة وهو المراد بهذه الترجمة . والفرق بين ما تقدم من باب
الاستثناء فى اليمين وبين هذا الباب أن الباب الأول فى حكم الاستثناء فى اليمين
مطلقاً ، وهذا فى بيان استثناء اليمين بعد السكوت من المستثنى منه أو بعد
الفصل بكلام آخر . وبوب البيهقى فى السنن باب الحالف يسكت بين يمينه
واستثنائه بسكتة يسيرة وانقطاع صوت أو أخذ نفس ودكر فيه هذا الحديث
أى ((والله لأغزون قريشاً)) ثم ذكر أثر ابن عباس أنه كان يرى الاستثداء ولو
بعد حين انتهى .
-
1

- ١٦٨-
وَاللهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْئًا، وَاللهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثُمَّ قَال إِنْ شَاءَ اللهُ))
٠
- ( ثم قال إن شاء الله) وهذا من أحاديثه الفعلية ، وأما من أحاديثه القولية
فمنها ما أخرجه أحمد والترمذى وابن ماجه من حديث أبى هريرة قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث.
وعدد أصحاب السنن عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه)) وهذه الأحاديث فيها
دليل على أن التقييد بمشيئة الله تعالى مانع من انعقاد اليمين أو يحمل انعقادها .
وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء وادعى عليه ابن العربى الإجماع ، قال أجمع
المسلمون على أن قوله إن شاء الله تعالى يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا ،
قال ولو جاز منفصلا كما روى بعض السلف لم يحنث أحد قط فى يمين ولم يحتج
إلى كفارة .
قال واختلفوا فى الاتصال ، فقال مالك والأوزاعى والشافعى والجمهور هو
أن يكون قوله إن شاء الله متصلا باليمين من غير سكوت بينهما ولا يضر
سكتة النفس .
وقال طاوس والحسن وجماعة من التابعين إن له الاستثناء ما لم يقم من
مجلسه. وقال قتادة ما لم يقم أو يتكلم . وقال عطاء قدر حلبة ناقة . وقال سعيد
ابن جبير يصح بعد أربعة أشهر وعن ابن عباس له الاستثناء أبداً ولا فرق بين
الحلف بالله أو بالطلاق أو العتاق أن العقييد بالمشيئة يمنع الانعقاد وإلى ذلك ذهب
الجمهور، وبعضهم فصل، واستثنى أحمد العتاق، قال لحديث ((إذا قال أنت
طالق إن شاء الله لم تطلق، وإن قال لعبده أنت حر إن شاء الله فإنه حر)) وهذا
الحديث أخرجه البيهقى فى سننه وقال تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول . وقد
بسط الكلام الحافظ فى الفتح والشوكانى فى النيل آخذاً منه. والحديث سكت .-

- ١٦٩ -
قال أَبُو دَاوُدَ : وَقَدْ أَسْنَدَ هَذا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ عن شَرِيكٍ عن سماكٍ
من عِكْرِمَةَ عن ابنٍ عَبَأْسٍ أُسْنَدَهُ عن النَّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلم ، وَالِ الْوَلِيدُ
ابنُ مٍُِ عِن شَرِيكِ (( ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ)).
- عنه المنذرى (قد أسند هذا الحديث غير واحد) قال الزيلحى فى نصب الراية :
رواه ابن حبان فى صحيحه مسنداً وأخرجه أبو يعلى فى مسنده عن شريك من
سماك عن عكرمة عن ابن عباس، وعن مسعر بن كدام عن سماك عن عكرمة
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((والله لأغزون قريشاً
والله لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً، ثم سكت ساعة ثم قال إن شاء الله)).
قال ابن حبان فى كتاب الضعفاء : هذا حديث رواه شريك ومسعر فأسنداه
مرة وأرسلاه أخرى . وأخرجه ابن عدى فى الكامل عن عبد الواحد بن
صفوان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ أبى يعلى سواء . وذكره ابن
القطان فى كتابه من جهة ابن عدى ثم قال وعبد الواحد هذا ليس حديثه بشىء
والصحيح مرسل انتهى. وقد رواه البيهقى موصولا ومرسلا . قال ابن أبى حاتم
فى العلل الأشبه إرساله انتهى. ويدل على اشتراط الاتصال ما أخرجه الدار قطنى
فى سننه عن سالم عن ابن عمر قال : كل استثناء غير موصول فصاحبه حانث .
وفيه عمر بن مدرك وهو ضعيف .
وفى المعرفة للبيهقى وروى سالم عن ابن عمر أنه قال : كل استثناء موصول
فلا حنث على صاحبه ، وكل استثناء غير موصول فصاحبه حانث .
وأخرج الطبرانى فى معجمه عن ابن أبى مجهح عن مجاهد عن ابن عباس
فى قوله تعالى ﴿ واذكر ربك إذا نسيت) قال إذا شئت الاستثناء فاستثن إذا
ذكرت وهى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا أن نستثنى إلا بصلة اليمين -

- ١٧٠ -
٣٣٠٨ - حدثنا عُمَّدُ بنُ الْعَلَاءِ قالَ أخبرنا ابنُ بِشْرٍ عن مِسْعَرٍ عن
مِمَكٍ عن عِكْرِمَةَ يَرْفَعُهُ قال: ((وَاللهِ لَأَّغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاء
اللهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَأُغْزُوَنَّ قُرَيْئًا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَلَى، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ
لَأَغْزُ وَنَّ قُرَيْشًا، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ)).
- ومما يدل على عدم اشتراط الاتصال مارواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن
جابر بن عبد الله الأنصارى فى حديث طويل قال ((خرجنا مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم فى غزوة [ هى عزوة ذات الرقاع ] بنى أنمار قال رأى رسول الله
صلى الله عليه وسلم رجلا فقال ماله ضرب الله عنقه، قال فسمعه الرجل فقال
يا رسول الله فى سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم فى سبيل الله ، قال فقعل
الرجل فى سبيل الله)).
قال الزيلعى: وهذا الرجل لم يسم فى الحديث ، فقوله صلى الله عليه وسلم
قال فى سبيل الله بعد قول الرجل إياها دليل على أن الانفصال غير قاطع انتهى.
وقال الحافظ فى الدرابة . وقصة العباس فى قوله إلا الإذخر من هذا
الوادى انتهى .
(ثم سكت ) أى النبى صلى الله عليه وسلم ولم يقيد هذا السكوت بالعذر بل
ظاهره السكوت اختيار إلا اضطراراً ، فيدل على جواز ذلك. كذا فى النيل .
وتقدم من رواية ابن حبان ((ثم سكت ساعة ثم قال إن شاء الله)).
قال السندى: ثم قال إن شاء الله بعد سكوت ، وهو مقتفى كلمة ثم أيضاً
لكونها للتراخى، وبهذا يقول ابن عباس فى الاستثناء المنفصل وجمهور الحنفية
على اشتراط الاتصال .
وحمل هذا الحديث على أن سكوته كان لمانع وإلا فكيف يست وقد -
٠٠: ١
٢٠٢٠

- ١٧١-
قال أَبُو دَاوُدَ: زَادَ فِهِ الْوَلِدُ بنُ سُئِلٍ عِن شَرِيكِ (( ثُمَّ لَمْ يُغْزُهُمْ)).
٣٢ - باب من نذر نذراً لا يطيقه
٣٣٠٩ - حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرِ التِّنِّيسِىُّ عن ابنِ أَبِى فُدَيْكٍ قَالَ
حدَّثَنِى طَلْحَةُ بنُ يَخْنَى الْأَنْصَارِىُّ عن عَبْدِ اللهِ بنِ سَعِيدِ بنِ أَبِى هِنْدٍ عن
بُكَيْرٍ بِنِ عَبَدِ الهِ بنِ الْأَشَجِّ عن كُرَيْبٍ عن ابنِ مَبَأْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ نَذَرَ نَذْراً لَمْ يُسَمِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِنِ
- قال الله تعالى (ولا تقوان لشىء إِنى فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله) انتهى.
قلت : وزيادة البحث فى هذا الباب فى المطولات لا أطيل الكلام بذكره .
والحديث سكت عنه المنذرى ( ثم لم يغزهم) وفيه دليل واضح على أن من حلف
بمشيئة الله فلم يفعله لا يحنث لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلف على غزوة قريش
ثم قال إن شاء الله ولم يغزم والله أعلم .
( باب من نذر نذراً لا يطيقه )
(من نذر نذراً لم يسمه) أى الفاذر، بأن قال نذرت نذراً أو علىّ نذر ولم
يعين النذر أنه صوم أو غيره .
وفيه دليل على أن كفارة اليمين إنما تجب فيما كان من النذور غير مسمى .
قال النووى: اختلف العلماء فى المراد بهذا الحديث ، حمله جمهور أصحابها
على نذر اللجاج ، فهو خير بين الوفاء بالنذر أو الكفارة ، وحمله مالك وكثيرون
على النذر المطلق كقوله علىّ ندر ، وحمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع
أنواع النذر، وقالوا هو مخير فى جميع أنواع المغذورات بين الوفاء بما التزم وبين
كفارة اليمين انتهى. قال الشوكانى: والظاهر اختصاص الحديث بالنذر الذى
لم يسم لأن حمل المطلق على القيد واجب. وأما النذور المسماة إن كانت طاعة -

- ١٧٢-
وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً فِى مَعْصِيَّةٍ فِكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينِ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً لايُطِيقَهُ
فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً طَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ)).
قال أبُو دَاوُدَ: ورَوَى هَذا الحديثَ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عن عَبْدِ اللهِ بنِ سَعِيدٍ
ابنِ أَبِ الْمِنْدِ أَوْ قَفُوهُ عَلَى ابْنِ عَبَأْسٍ.
- فإن كانت غير مقدورة ففيها كفارة يمين وإن كانت مقدورة وجب الوفاء بها
سواء كانت متعلقة بالبدن أو بالمال، وإن كانت معصية لم يجز الوفاء بها ولا يفعقد
ولا يلزم فيها الكفارة ، وإن كانت مباحة مقدورة فالظاهر الانعقاد ولزوم
الكفارة لوقوع الأمر بها فى قصة الناذرة بالمشى ، وإن كانت غير مقدورة ففيها
الكفارة لحوم ((ومن نذر نذراً لم يطقه)) هذا خلاصة ما يستفاد من الأحاديث
الصحيحة انتهى. وكلامه هذا حسن جداً (ومن نذر نذراً لا يطيقه) كمل
جبل أو رفع حمل أو المشى إلى بيت الله ونحوه ( فليف به ) أمر غائب من
وفى ينى، والمعنى فليف به أو ليكفر، وإنما اقتصر على الأول لأن البر فى اليمين
أولى إلا إذا كانت معصية .
قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه. وفى حديث إسناد ابن ماجه من لا يعتمد
عليه، وليس فيه ((ومن نذر نذراً فى معصية)) انتهى.
(أوقفوه) أى أوقف هذا الحديث وكيع وغيره عن عبد الله بن سعيد على
عبد الله بن عباس ولم يرفعوه، وأما طلحة بن يحيى الأنصارى فرفعه إلى النبى
صلى الله عليه وسلم.

- ١٧٣ -
أول كتاب البيوع
١ - باب فى التجارة يخالطها الحلف واللغو
٣٣١٠ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الْأَعْمَشِ عن أبى وَائِلٍ
عن قَيِْ بنِ أَبِى غَرَزَةَ قَالَ: ((كُنًَّ فى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ [ النَّبِىِّ] صلى اللهُ
عليه وسلم نُسَّى السَّاسِرَةَ، فَمَرَّ بِنَ النَِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم فَسَمَنَا بِاسْمِ
هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فقالَ: يَمَعْثَرَ النُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْفُرُهُ اللّغْوُ وَالْخَلْفُ
فَشُوبُوهُ بِالصِّدَقَةِ)) .
( أول كتاب البيوع)
البيع لغة مبادلة المال بالمال ، وكذا فى الشرع لكن زيد فيه قيد التراضى ،
وإنما جمعه دلالة على اختلاف أنواعه. والحكمة فى شرعية البيع أن حاجة
الانسان تتعلق بما فى يد صاحبه غالباً ، وصاحبه قد لا يبذله ، ففى شرعية البيع
وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج .
(باب فى التجارة إلخ)
(عن قيس بن أبى غرزة) بمعجمة وراء وزاى مفتوحتين غفارى صحابى نزل
الكوفة ( نسمى) بصيغة المجهول ( السماسرة بالنصب على أنه مفعول ثان وهو
بفتح السين الأولى وكسر الثانية جمع سمسار. قال فى النهاية: السمسار القيم بالأمر
الحافظ له، وهو اسم الذى يدخل بين البائع والمشترى متوسطاً لإمضاء البيع،
والسمسرة البيع والشراء انتهى (فسمانا باسم هو أحسن منه) أى من اسمنا
الأول. قال أبو سليمان الخطابى: السمسار أعجمى، وكان كثير ممن يعالج البيع
والشراء فيهم عجما فتلقوا هذا الإسم عنهم فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم -

- ١٧٤-
٣٣١١ -- حدثنا الْسَيْنُ بنُ مِيسَى الْبُسْطَامِىُّ وَحَمِدُ بنُ يَحْتِىَ وَعَبْدُ اللهِ
ابنُ مُمَّدِ الزُّهْرِىِّ قَالُوا أخبرنا سُفْيَانُ عن جَامِعِ بنِ أَبِى رَاشِدٍ وَعَبْدِ الملِكِ
ابْنُ أُعْيَنَ وَعَمِمٌ من أَبِى وَائِلٍ من قَيْسِ بنِ أَبِى غَرَزَةً بَعْنَهُ قال: يَحْضُرُهُ
الْكَذِبُ وَالْلْفُ، وَقَال عَبْدُ اللهِ الزُّهْرِىُّ: اللّغْوُ وَالْكَذِبُ.
- إلى التجارة التى هى من الأسماء العربية ، وذلك معنى قوله قسمانا باسم هو
أحسن منه انتهى (إن البيع يحضره اللغو ) أى غالباً وهو من الكلام ما لا يعتد
به، وقيل هو الذى يورد لا عن روية وفكر فيجرى مجرى اللغو وهو صوت
العصافير. ذكره الطيبى. قال القارى: والظاهر أن المراد منه مالا يعنيه
ومالا طائل تحته ومالا ينفعه فى دينه ودنياه انتهى ( والحلف) أى إكثار.
أو الكاذب منه (فشوبوه) بضم أوله أى اخلطوا ماذكر من اللغو والحلف
قاله القارى. ويحتمل أن يرجع الضمير المنصوب إلى البيع (بالصدقة) فإنها
تطفىء غضب الرب. قال الخطابي: وقد احتج بهذا الحديث بعض أهل الظاهر
من لا يرى الزكاة فى أموال التجارة وقال إنه لو كان يجب فيها صدقة كما يجب
فى سائر الأموال لأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بها ولم يقتصر على قوله : فشوبوه
بالصدقة أو شىء من الصدقة .
وليس فيما ذكروه دليل على ماادعوه لأنه إنما أمرهم فى هذا الحديث بشىء
من الصدقة غير معلوم المقدار فى تضاعيف الأيام من الأوقات ، ليكون كفارة
عن اللغو والحلف ، فأما الصدقة التى هى ربع العشر الواجب عند تمام الحول
فقد وقع البیان فيها من غير هذه الجهة ، وقد روی سمرة بن جندب أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم أن يخرجوا الصدقة عن الأموال التى يعدونها
للبيع، وذكره أبو داود فى كتاب الزكاة ، ثم هو عمل الأمة وإجماع أهل
العلم انتهى .
--

- ١٧٥ -
٢ - باب فى استخراج المعادن
٣٣١٢ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَِىُّ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنى
ابنَ مُمٍَّ عنْ عَمْرٍوِ يَعْنِى ابنَ أَبِي ◌َمْرِوِ عن عِكْرِمَةَ من ابنِ عَبَّاسٍ أَنّ
وَجُلاً لَزِيَ غَرِبِمَا لَهُ بِعَشْرَ قِدَ نَنِرَ، فقالَ: وَاللهِ ما [لا] أَفَارِقُكَ حَّ ◌َفْضِيِ
أَوْ تَأْتِيَنِ بِحَمِلٍ، قال: فَتَحَعَّلَ بِهِاَ النّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم، فَتَاهُ بِقَدَرِ
مَ وَهَدَهُ ، فقالَ لَهُ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم: مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذا الذَّهَبَ؟
قال: مِنْ مَعْدِنٍ، قال: لاَحَاجَةَ لَنَا فِيهَا ، لَيَْ فِيهَا خَيْرٌ، فَقَضَاهَا عَنْهُ رَسُولُ
اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم».
- قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه ، وقال الترمذى حسن
صحيح ، وقال ولا نعرف لقيس عن النبى صلى الله عليه وسلم غير هذا. وأخرج له
أبو القاسم البغوى هذا الحديث وقال لا أعلم ابن أبى غرزة روى عن النبى
صلى الله عليه وسلم غيره . هذا آخر كلامه . وقد روى عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((إن التجار هم النجار إلا من بر وصدق)) فمنهم من يجعلهما
حدیثین انتهى كلام المنذرى .
( باب فى استخراج المعادن )
جمع معدن. قال فى القاموس : المعدن كمجلس معبت الجواهر من ذهب
و نحوه انتهى .
( أو تأتينى بحميل) أى ضامن ( فتحمل) أى تكفل (فأتاه) الضمير
المرفوع للغريم ، والمنصوب النبى صلى الله عليه وسلم ( قال لا حاجة لنا فيها ليس
فيها خير) .
قال الخطابي: أما رده الذهب الذى استخرجه من المعدن وقوله لاحاجة -

- ١٧٦ -
- لنا الخ فيشبه أن يكون ذلك لسبب علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه خاصة
لا من جهة أن الذهب المستخرج لا يباح تموله وتملكه ، فإن عامة الذهب
والورق مستخرجة من المعادن ، وقد أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال
ابن الحارث المعادن القبلية وكانوا يؤدون عنها الحق ، وهو عمل المسلمين، وعليه
أمر الناس إلى اليوم ، وقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن أصحاب المعادن
يبيعون ترابها من يعالجه فيحصل ما فيه من ذهب أو فضة وهو غرر لا يدرى
هل يوجد فيه شىء منهما أو لا ، وقد كره بيع تراب المعادن جماعة من العلماء
منهم: عطاء والشعبى وسفيان الثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد بن حنبل
وإسحاق بن راهويه .
وفيه وجه آخر: وهو أن معنى قوله ((لا حاجة لنا فيه ليس فيها خير)) أى
ليس فيها رواج ولا لحاجتنا فيها نجاح ، وذلك أن الدّين الذى كان تحمله عنه
دنانير مضروبة والذى جاء به تبر غير مضروب وليس بحضرته من يضربه
دنانير ، وإنما كان تحمل إليهم الدنانير من بلاد الروم ، فأول من وضع السكة
فى الإسلام وضرب الدنانير عبد الملك بن مروان فهى تدعى المروانية إلى
هذا الزمان .
وفيه وجه آخر وهو أن يكون إنما كرهه لما يقع فيه من الشبهة ويدخله من
الغرر عند استخراجهم إياه من المعدن، وذلك أنهم استخرجوه بالعشر أو الخمس
أو الثلث فما يصيبونه وهو غرر لا يدرى هل يصيب العامل فيه شيئاً أم لا،
فكان ذلك بمنزلة العقد على رد العبد الآبق والبعير الشارد لأنه لا يدرى هل
يظفر بهما أم لا . وفى هذا الحديث إثبات الحمالة والضمان ، وفيه إثبات ملازمة
الغريم ومنعه من التصرف حتى يخرج من الحق الذى عليه انتهى . قال المنذرى:
وأخرجه ابن ماجه .

-١٧٧-
٣ - باب فى اجتناب الشبهات
٣٣١٣ - حدثنا أَحَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا أَبُو شِهَبٍ عن [حدثنا] ابوٍ
عَوْن عن الشَّعْبِىِّ قَال ◌َمِعْتُ النُّعَانَ بنَ بَشِهٍ يَقُولُ وَلا أَشْتَعُ أَحَدَاً بَعْدَهُ
يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ: ((إِنَّ الْلاَلَ بَيِّنٌ،
وَإِنَّ الْرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُقَشَابِهَتٌ [مُشْتَبِهَاتٌ - مُشَبَّهَتٌ ] أَحْيَانًا
( باب فى اجتناب الشبهات )
( إن الحلال بيّن) أى واضح لا يخفى حله ( وإن الحرام بيّن ) أى لا يخفى
حرمته، وفيه تقسيم للأحكام إلى ثلاثة أشياء وهو تقسيم محيح، لأن الشىء
إما أن ينص الشارع على طابه مع الوعيد على تركه، أو ينص على تركه مع الوعيد
على فعله، أو لا ينص على واحد منهما: فالأول الحلال البين ، والثانى الحرام
البين ، والثالث المشتبه ظفائه فلا يدرى أحلال هو أم حرام ، وما كان هذا
سبيله ينبغى اجتنابه لأنه إن كان فى نفس الأمر حراماً فقد برىء من التبعة ،
وإن كان حلالا فقد استحق الأجر على الترك لهذا القصد، لأن الأصل مختلف
فيه حظراً وإباحة . وهذا التقسيم قد وافق قول من قال إن المباح والمكروه
من المشبهات . كذا فى النيل .
وقال النووى : الحلال بين والحرام بين معناه أن الأشياء ثلاثة أقسام ،
حلال بيّن واضح لا يخفى حله، كالخبز والفواكه والزيت وغير ذلك من المطعومات
وكذلك الكلام والنظر والمشى من التصرفات فيها حلال بين واضح لاشك فى
حله، وأما الحرام البين فكالخر والخنزير والميتة والبول ، وكذلك الزنا
والكذب والغيمة وأشباه ذلك (وبينهما أمور متشابهات) وفى بعض النسخ -
( ١٢ عون - المعبود ٩ )

-١٧٨ -
◌َقولُ مُثْقَبِهَةٌ، وَسَأَضْرِبُ لَكُمُ فِى ذَلِكَ مَثَلاً، إِنَّ اللّهَ ◌َى ◌ِحِى وَإِنَّ ◌َِى
اللّهِ تَحَرِمُهُ [مَاحَرِّمَ اللهُ] وَ إِنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِتَى يُوشِكُ أَنْ يُخَلِطَهُ
وَإِنَّهُ مَنْ يُخَلِطُ الرِّيَةَ يُوشِكُ أَنْ يَحْتُرَ [ يَخْسُرَ])).
٣٣١٤ - حدثنا إبْراهِيمُ بنُ مُوسَ الرَّازِىُّ أنبأنا عِيسَى عن [حدثنا]
زَكَرِيًّا عن عَاصِرِ الشّعْبِيِّ قالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بِنَ بَشِيرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ
- مشتبهات من باب الأفتعال ، وفى بعضها مشبهات من باب التفعيل .
وقال النووى: وأما المشبهات فمعناه أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة ،
فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها
بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك وأطال النووى فيه الكلام (أحياناً)
ظرف مقدم ليقول أى يقول فى بعض الأوقات ( مشتبهة) أى مكان متشابهات
(وسأضرب لكم فى ذلك مثلا) أى سأبين لإيضاح حكم تلك الأمور مثالا
(إن الله حى حِى) بكسر الحاء وفتح الميم هو ما يحميه الإمام لمواشيه ويمنع
الغير (يوشك) بكسر الشين المعجمة أى يقرب (أن يخالطه) أى يقع فى الحمى، شبه
المكلف بالراعى، والنفس البهيمية بالأنعام، والمشبهات بهما حول الحمى والمعاصى
بالحى ، وتناوله المشبهات بالرتع حول الحمى ، فهو تشبيه بالمحسوس الذى لا يخفى
حاله. ووجه التشبيه حصول العقاب بعدم الاحتراز فى ذلك، كما أن الراعى إذا
جزمرعيه حول الحمى إلى وقوعه استحق العقاب لذلك ، فكذا من أكثر
من الشبيهات وتعرض لمقدماتها وقع فى الحرام فاستحق العقاب ذكره القسطلانى
(الريبة.) أى الأمر المشتبه والمشكوك (أن يجسر) بالجيم من الجسارة أى على
الوقوع في الحرام، وفى بعض النسخ يخسر بالخاء المعجمة.
قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه . -

- ١٧٩ -
رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ بِهَذَا الحديثِ قالَ ((وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَتٌ
لا يَعْلَهَا كَثِرٌ مِنَ النَّاسِ، فَنْ أَنَّقَى الشُّبُهَتِ اسْتَبْرَأْ دِينَهُ وَمِرْضَهُ [ لِيِ
وَعِرْ ضِهِ ] وَمَنْ وَقَعَ فى الشُّهُهَتِ وَقَعَ فِى الْرَامِ».
٣٣١٥ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا هُشَيٌْ أخبرنا عَبَادُ بنُ رَاشِدٍ
قال سَمِعْتُ سَعِدَ بنَ أَبِى خَيْرَةَ يَقُولُ أخبرنا الْسَنُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَّةً عن
أَبِ حُرِيْرةَ قالَ قالَ النِّىُّ [رَسُولُ اللهِ] صلى اللهُ عليه وسلم ح. وحدثما
وَهْبُ بنُ بَقِيَةٌ أخبرنا خَالِدٌ مِن دَاوُدَ - يَعنى ابنَ أَبِى هِنْدٍ وَهذَا لَفْظُهُ عن
سَعِيدٍ بنِ أَبِى خَيْرَةَ عن الْسَنِ من أَبِى هُرِيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
- ( وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس) قال الخطابي: أى أنها تشتبه
على بعض الناس دون بعض ، وليس أنها فى ذوات أنفسها مشتبهة لا بيان لها فى
جملة أصول الشريعة، فإن الله سبحانه لم يترك شيئا يجب له فيه حكم إلا وقد جعل
فيه له بياناً ونصب عليه دليلا ، ولكن البيان ضربان ، بيان جلى يعرفه عامة
الناس، وخفى لا يعرفه إلا الخاص من العلماء. قال والدليل على صحة ما قلنا قوله
عليه السلام (( لا يعلمها كثير)) وقد عقل ببيان حواء أن بعض الناس يعرفونها
وإن كانوا قليل العدد. وإِذا صار معلوماً عند بعضهم فليس بمشبه فى نفسه انتهى
مختصراً (فمن اتقى الشبهات) أى اجتنب عن الأمور المشتبهة قبل ظهور حكم
الشرع فيها ( استبرأ دينه وعرضه) يعنى بالغ فى براءة دينه من أن يختل بالمحارم،
وعرضه من أن يتهم بترك الورع والسين فيه للمبالغة كما قال صاحب الكشاف
فى قوله تعالى ﴿ فمن كان غنياً فليستعفف﴾ استعف أبلغ من عف كأنه طالب
زيادة المفه كذا قال ابن الملك فى شرح المشارق ( وقع فى الحرام) يعنى يوشك
أن يقع فيه لأنه حول حريمه .
-

- ١٨٠ -
عليه وسلم قال: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى العَّسِ زَمَنٌ لا يَبْقَى أَحَدٌ إِلاَّ أَ كَلَ الرِّبَ فإِنْ
لَمْ يَأْكُلُهُ أَصَابَهُ مِنْ بُخَارِهِ. قَالَ ابْنُ عِشَى: أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ ».
٣٣١٦ - حدثنا عُمَّدُ بنُ الْعَلاَءِ أنبأنا ابنُ إِدْرِيسَ أنبأنا عَصِمُ بنُ
كُلَيْبٍ عن أَبِيهِ عن رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قال: ((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم فى جَنَازَةٍ فَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وَهُوَ
عَلَى الْقَبْرِ يُوصِى [يَرْمِ] الْافِرَ أَوْسَعَ مِنْقِبَلِ رِجْلَيْهِ أَوْسَعَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِ،
فَأْ رَجَعَ اسْتَقْبَهُ دَاعِ امْرَأَةٍ ، فَجَاءَ فَجِىءَ [ وَجِىءٌ] بالطَّمِ فَوَضَعَ بَدَهُ،
- ( إلا أكل الربا) قال القارى بصيغة الفاعل أو الماضى، والمستثنى صفة
لأحد والمسقثنى منه محذوف، والتقدير ولا يبقى أحد منهم له وصف إلا وصف
كونهآكل الربا فهو كفاية عن انتشاره فى الناس بحيث أنه يأكله كل أحد
( من بخاره) أى يصل إليه أثره بأن يكون شاهداً فى عقد الربا أو كاتبا أو
آ كلا من ضيافة أكله أوهديته. والمعنى أنه لو فرض أن أحداً سلم من حقيقته
لم يسلم من آثاره وإن قلت جداً . قاله القارى .
قال المنذرى: وأخرجه النسائى وابن ماجه، والحسن لم يسمع من أبى هريرة
فهو منقطع .
(فى جنازة) بكسر الجيم وفتحها (يوصى الخافر) أى الذى يحفر القبر
(أوسع) أمر مخاطب للحافر (من قبل رجليه) بكسر القاف وفتح الباء أى من
جانبهما (فلما رجع) أى عن المقبرة (استقبله) أى النبى صلى الله عليه وسلم
( داعى امرأة) كذا فى النسخ الحاضرة وفى المشكاة داعى امرأته بالإضافة
إلى الضمير .