Indexed OCR Text

Pages 41-60

- ٤١ -
وَأَنَ شَابٌ، فَأَجِدُ بِأَنْ [أنْ ] أَصُومَ بَ رَسُولَ اللهِ أَهْوَنَ عَلَىَّ مِنْ أَنْ
أُوَّخِّرَهُ فِيَكُونُ دَبْنَا أَفَأَصُومُ يَارَسُولَ اللهِ أَعْظَمُ لِأَجْرِى أَوْ أَقْطِرُ؟ قال:
أىُّ ذُلِكَ شِئْتَ بَآَحْزَةُ )).
٢٣٨٧ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا أبُو عَوَانَةَ عن مَنْصُورِ عن مُجَاهِدٍ عن
طَاؤُوسٍ عن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: ((خَرَجَ النَِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم مِنَ الَّدِينَةِ إِلَى
مَكَّةَ حَتَى بَلَغَ مُسْفَانَ ثُمَّ دَهَ بِإِنَاءَ فَرَفَمَهُ إِلَى فِهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ ، وَذَلِكَ
فِى رَمَضَانَ، فَكَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم
وَأَفْطَرَ ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ )) .
- أى أدركنى (فأجد بأن أصوم) أى أجد حالى على هذا النهج . قال المنذرى :
وأخرجه مسلم والنسائى من حديث أبى مراوح عن حمزة بن عمرو بنحوه ( من
المدينة إلى مكة ) أى عام الفتح ( حتى بلغ عسفان) بضم العين وسكون الدين
المهملتين هو موضع على مرحقلين من مكة ( ثم دعا بإناء) أى طلبه (لهريه
الناس ) أى ليعلموا جوازه أو ليختاروا متابعته. وعند الشيخين: لهواه الناس
فأفطر حتى قدم مكة . قال الطهى: دل على أن من أصبح صائماً فى السفر جاز
أن يفطر (فمن شاء صام ومن شاء أفطر) أى لا حرج على أحدهما . وفى شرح
السنة لا فرق عند عامة أهل العلم بين من ينشىء السفر فى شهر رمضان وبين
من يدخل عليه شهر رمضان وهو مسافر. وقال عبيدة السلمانى: إذا أنشأ السفر
فى شهر رمضان لا يجوز له الإفطار لظاهر قوله تعالى ﴿ فمن شهد منكم الشهر
فليصمه) وهذا الحديث حجة على القائل ومعنى الآية الشهر كله ، فأما من شهد
بعضه فلم يشهد الشهر .
قال على القارى: والأظهر أن معنى الآية فمن شهد منكم شيئاً منه من غير -

- ٤٢ -
٢٣٨٨ - حدثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زَائِدَةُ عن حَمَيْدِ الطَوِيلِ
عِنْ أَنَسٍ قَالَ: ((سَفَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فى رَمَضَانَ ،
فَصَامَ بَعْضُفَا، وَأَفِطَرَ بَعْضُنَا، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُغْطِرُ ، وَلا المُغْطِرُ
عَلَى الصَّائم ».
٢٣٨٩ - حدثنا أحَدُ بنُ صَالحٍ وَوَهْبُ بنُ بَهَنَ المعنى قالاً أخبرنا
ابنُ وَهْبٍ حَدَّتِى مُعَاوِيَةٌ عن رَبِيعَةَ بنِ يَزِيدَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ مِن قَزَعَةَ قال :
((أَتَيْتُ أُبَ سَعِهِدٍ الِْدْرِىِّ وَهُوَ يُفْتِ النَّاسَ وَهُمْ مُكِبُّونَ عَلَيْهِ [ وَهُوَ
مَكْتُورٌ عَلَيْهِ - وَهُوَ مَكْبُوبٌ عَلَيْهِ] فَانْتَظَرْتُ خَلْوَتَهُ ، فَمَّا خَلَ
سَأَلْتُهُ من صِيَامٍ رَمَضَانَ فى السَّفَرِ؟ فقال: خَرَجْنَا مَعَ الشَّيِّ صلى اللهُ عليه
وسلم فى رَمَضَانَ عَمَ الْفَتْحِ ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَصُومُ
- مرض وسفر. واختلف أى يوم خرج صلى الله عليه وسلم للفتح فقيل لعشر
خلون من رمضان بعد العصر، وقيل للهلتين خلتا من رمضان وهو الأصح
انتهى. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى.
( فلم يعب الصائم على المفطر إلخ) قال محمد رحمه الله فى الموطأ: من شاء
صام فى السفر ومن شاء أفطر والصوم أفضل لمن قوى عليه انتهى أى لقوله
تعالى (وأن تصوموا خير لكم) وبه قال مالك والشافعى. وقال أحمد
والأوزامى: الفطر أحب مطلقاً لحديث (( ليس من البر الصيام فى السفر)»
وقال بعض أهل الظاهر : لا يصح الصوم فى السفر تمسكا بالحديث المذكور.
والجمهور حملوه علىمسافر ضره الصوم، ويؤيده ماورد من سبب أى فى حديث
جابر فرأى زحاماً ورجلا قد ظفل عليه الحديث . قاله على القارى فى شرح الموطأ.
قال المنذرى : وأخرجه البخاري ومسلم .

٠- ٤٣ -
وَنَصُومُ حَتَّى بَلَغَ مَثْرِلاً مِنَ المَنَزِلِ فقال: إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوَّكُمْ
وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَصْبَحْنَا، مِنَّ الصَّائِمُ، وَمِنَ المُفْطِرُ. قال: ثُمَّ سِرْنَاً
فَزَلْنَا مَنْزِلاً، فقال: إِنَّكُمُ تُصَبِّحُونَ عَدُوَّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ
فَأَفْطِرُوا فَكَانَتْ عَزِيْمَةً مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم)».
قال أَبُو سَعِيدٍ: ثُمَّ لَقَدْ رَأَ يْتُنِى أَصُومُ مَعَ النَّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلم
قَبْلَ ذلِكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ .
- (إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم) فيه دليل على أن
الفطر لمن وصل فى سفره إلى موضع قريب من العدو أولى لأنه ربما وصل إليهم
العدو إلى ذلك الموضع الذى هو مظنة ملاقاة العدو، ولهذا كان الإفطار أولى
ولم يتحتم . وأما إذا كان لقاء العدو متحققاً فالإفطار عزيمة لأن الصائم يضعف
عن منازلة الأقران ولا سيما عند غليان مراجل الضراب والطعان ، ولا يخفى
ما فى ذلك من الإهانة لجدود المحقين وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من
المسلمين .
واعلم أن المسافة التى يباح الإفطار فيها هى المسافة التى يباح القصر فيها .
والخلاف هنا كا خلاف هناك. قاله الشوكانى. قال المنذرى: وأخرجه مسلم .

- ٤٤ -
٤٢ - باب اختيار الفطر
[باب من اختار الفطر ]
٢٣٩٠ - حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِىُّ أخبرنا شُعْبَةُ عن مُحمّدِ بنِ عَبْدٍ
الرَّحْمنِ - يَعنى ابنَ سَعْدٍ بنٍ زُرَارَةَ عن مُمَّدٍ بنٍ عَمْرِو بنٍ حَسَنٍ عن جايرٍ
ابنِ عَبْدِ اللهِ ((أَنَّ النَّبيّ صلى اللهُ عليه وسلم رَأَى رَجُلاَ يُظَلَّلُ عَلَيْهِ والزِّحَمُ
عَلَيْهِ ، فقال: لَيْسَ مِنَ الْبِّ الصِّيَمُ فى السَّغَرِ ».
( باب اختيار الفطر )
(رأى رجلا) هو أبو اسرائيل واسمه قيس ، وقيل قشير، وقيل قيصر
وهو الأصح. ذكره ميرك ( يظلل عليه ) بصيغة المجهول أى جعل عليه ظل
اتقاء من الشمس أو إبقاء عليه للافاقة لأنه سقط من شدة الحرارة أو من ضعف
الصوم أو من الإغماء . قال فى التقمة إنه كان فى غزوة تبوك فى ظل شجرة .
هكذا هو فى مسند الشافعى. وقال الشيخ ابن حجر: هو فى غزوة الفتح كما بين
فى رواية أخرى ( والزحام عليه) بكسر الزاى أى مزاحمة فى الاجتماع على
غرض الاطلاع (فقال) أى النبى صلى الله عليه وسلم ( ليس من البر الصيام
فى السفر) قال الخطابي: هذا كلام خرج على سبب فهو مقصور على من كان -
قال الحافظ. شمس الدين بن القيم رحمه الله .
وقد احتج به من يوجب الفطر فى السفر .
واحتجوا بأن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم .
واحتجوا أيضاً تحديث دحية بن خليفة الكلى (( أنه لما سافر من قريته فى
رمضان وذلك ثلاثة أميال أفطر، فأفطر معه الناس، وكره ذلك آخرون ، فلما =

- ٤٠ -
٢٣٩١ - حدثنا شَيْبَانُ بنُ فَرُّوخِ أخبرنا أَبُو هِلَاَلِ الرَّاسِيُّ أخبرنا
ابنُ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِىُّ عن أَنَسِ بِنِ مَالِكٍ - رَجُلٍ مِنْ بَنِى عَبْدِ اللهِ بنِ كَعْبٍ
إِخْوَةٍ تَفِ قُشّيْرٍ - ((أَغَارَتْ عَلَيْفَ خَيْلٌ لِرَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
فَنْتَيْتُ، أَوْ قَال: فَانْطَلَقْتُ إلى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وَهُوَ يَأْ كُلُ
فقال: اجْلِسْ فَأَصِبْ مِنْ طَعَمِنَاَ هُذَا، فَقُلْتُ: إِنِى صَامُّمٌ، فَالَ [ فقالَ]:
- فى مثل حاله كأنه قال ليس من البر أن يصوم المسافر إذا كان الصوم يؤديه
إلى مثل هذه الحال، بدليل صيام النبى صلى الله عليه وسلم فى سفره عام الفتح ،
وبدليل خبر حمزة الأسلمى وتخييره إياه بين الصوم والإفطار. ولو لم يكن الصوم
براً لم يخيره فيه والله أعلم. وفى الفتح أن الصوم لمن قوى عليه أفضل من الفطر،
والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض من قبول الرخصة أفضل من الصوم ،
وإن لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر . وقد اختلف السلف فى هذه
المسألة وأطال الكلام فيه. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم النسائى.
(عن أنس بن مالك رجل إلخ) قال فى المرقاة هو من بنى عبد الله بن -
= رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت أمراً ما كنت أظن أنى أراه إن قوماً رغبوا
عن هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، يقول ذلك للذين صاموا . ثم
قال عند ذلك: اللهم اقبضنى إليك)). رواه أبو داود وغيره
واحتجوا أيضاً بأن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بقبول رخصة الفطر. فروى
النسائى من حديث جابر، يرفعه (( ليس من البر أن تصوموا فى السفر، وعليكم
برخصة الله التى رخص لكم فاقبلوها )).
واحتجوا أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم فى الذين صاموا ((أولئك العصاة))
رواء النسائى فى قصة فطره عام الفتح .
واحتجوا أيضاً يقول عبد الرحمن بن عوف (( الصائم فى السفر كالمفطر فى =

- ٤٦ -
اجْلِسْ أُحَدِّتُكَ عن الصَّلاَةِ وَعن الصِّيَّامِ، إنَّ اللهَ وَضَعَ شَطْرَ الصَّلاَةِ،
أَوْ نِصْفَ الصَّلاَةِ، وَالصَّوْمَ عن المُسَافِرِ، وَعن المَرْضِعِ أَو الْبْلَى [ وَعن
- كعب على ماجزم به البخارى فى ترجمته وجرى عليه أبو داود فقال: رجل من
بنى عبد الله بن كعب إخوه قشير فهو كعبى لا قشيرى خلافاً لما وقع لابن عبدالبر
لأن كعبًا له ابنان عبد الله جد أنس هذا وقشير وهو أخو عبد الله، وأما أنس
ابن مالك خادم الغبى صلى الله عليه وسلم فهو أنصارى خزرجى انتهى ( إجاس
أحدثك عن الصلاة وعن الصيام إلخ) قال الخطابي: فيه أشياء ذات عدد مسوقة
فى الذكر مفترقة فى الحكم ، وذلك أن الشطر الموضوع من الصلاة يسقط لا إلى
قضاء ، والصوم يسقط فى السفر ترخيصا للمسافر ثم يلزمه القضاء إذا أقام.
والحامل والمرضع يفطران إبقاء على الولد ثم يقضيان ويطعمان من أجل أن
إفطارهما كان من أجل غير أنفسهما . ومن أوجب على الحامل والمرضع مع
القضاء الإطعام مجاهد والشافعى وأحمد بن حقبل. وقال مالك: الحبلى تقضى
ولا تكفر لأنها بمنزلة المريض، والمرضع تقفى وتكفر. وقال الحسن وعطاء:
يقضهان ولا يطعمان كالمريض، وهو قول الأوزاعى والثورى ، وإليه ذهب
أبو حنيفة وأصحابه ( وضع شطر الصلاة ) أى رفع نصف الصلاة الرباعية ابتداء
عن المسافر ولا قضاء عليه (أو نصف الصلاة) شك من الراوى (والصوم) -
= الحضر)). رواه النسائى. ولا يصح رفعه، وإنما هو موقوف.
واحتجوا أيضاً بأن الله تعالى إنما أمر المسافر بالعدة من أيام أخر ، فهى فرضه
الذى أمر به ، فلا يجوز غيره . وحكى ذلك عن غير واحد من الصحابة .
وأجاب الأكثرون عن هذا بأنه ليس فيه ما يدل على تحريم الصوم فى السفر على
الإطلاق، وقد أخبر أبو سعيد (( أنه صام مع النبى صلى الله عليه وسلم بعد الفتح
فى السفر » .

- ٤٧ -
المُرْضِعِ وَاْلَى] وَاللهِ لَقَدْ قَالَهُمَا جَمِيعاً أَوْ أَحَدَهُا. قال: فَتَلَهِفَتْ نَفْسِى
أَن لاَ أَ كُونَ أَ كَلْتُ مِنْ طَعَمِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم)).
- بالنصب عطف على شطر الصلاة (فتلهفت نفسى) أى تأسفت (أن لا أكون
أكلت) أى على ترك أ كلى من طعامه صلى الله عليه وسلم. قال المنذرى :
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه . وقال الترمذى : حديث حسن -
= قالوا: وأما قوله ( ليس من البر الصيام فى السفر))، فهذا خرج على شخص
معين ، رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظلل عليه ، وجهده الصوم ، فقال هذا
الفول، أى ليس البر أن يجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ بها هذا المبلغ، وقد فسح الله
له فى الفطر . فالأخذ إنما يكون بعموم اللفظ الذى يدل سياق الكلام على إرادته ،
فليس من البرهذا النوع من الصيام المشار إليه فى السفر .
وأيضاً فقوله: (( ليس من البر)) ، أى ليس هو أبر البر ، لأنه قد يكون
الإفطار أبر منه إذا كان فى حج أو جهاد يتقوى عليه . وقد يكون الفطر فى السفر
المباح براً ، لأن الله تعالى أباحه ورخص فيه، وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برخصه ،
وما يحبه الله فهو بر ، فلم ينحصر البر فى الصيام فى السفر. وتكون ((من )) على
هذا زائدة ، ويكون كقوله تعالى (ليس البر أن تولوا وجوهكم .. الآية) وكقولك:
ما جاءنى من أحد ، وفى هذا نظر . وأحسن منه أن يقال : إنها ليست بزائدة ،
بل هى على حالها . والمعنى : أن الصوم فى السفر ليس من البر الذى تظنونه
وتتنافسون عليه . فإنهم ظنوا أن الصوم هو الذى يحبه الله ولا يحب سواء ، وأنه
وحده البر الذى لا أبر منه ، فأخبرهم أن الصوم فى السفر ليس من هذا النوع الذى
تظنونه ، فإنه قد يكون الفطر أحب إلى الله منه ، فيكون هو البر .
قالوا: وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فالمراد به واقعة معينة ، وهى غزاة الفتح ، فإنه صام حتى بلغ الكديد ، ثم أفطر ،
فكان فطره آخر أمريه، لا أنه حرم الصوم، ونظير هذا قول جابر: (( كان آخر
الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار)) إنما هو فى =.

- ٤٨ -
- ولا تعرف لأنس بن مالك هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث
الواحد. هذا آخر كلامه . وأنس هذا كنيته أبو أمية. وفى الرواية أنس بن
مالك خمسة اثنان محابيان هذا وأبو حمزة أنس بن مالك الأنصارى خادم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنس بن مالك والد الإمام مالك بن أنس
ابن مالك، روى عنه حديث فى إسناده نظر، والرابع شيخ حمصى حدث ،
والخامس كوفى حدث عن حماد بن أبى سليمان والأعمش وغيرهما والله أعلم .
= واقعة معينة دعى لطعام فأ كل منه ، ثم توضأ وقام إلى الصلاة ، ثم أكل منه وصلى
ولم يتوضأ فكان آخر الأمرين منه: ترك الوضوء مما مست النار. وجابر هو الذى روى
هذا وهذا، فاختصره بعض الرواة، واقتصر منه على آخره . ولم يذكر جابر لفظاً
عن النبى صلى الله عليه وسلم: إن هذا آخر الأمرين منى ، وكذلك قصة الصيام ،
وإنما حكوا ما شاهدوه أنه فعل هذا وهذا ، وآخرهما منه الفطر وترك الوضوء ،
وإعطاء الأدلة حقها يزيل الاشتباه والاختلاف عنها .
وأما قصة دحية بن خليفة الكلى ، فإنما أنكر فيها على من صام رغبة عن سنةٍ
النبى صلى الله عليه وسلم ، وظنا أنه لا يسوع الفطر ، ولا ريب أن مثل هذا قد
ارتكب منكراً، وهو عاص بصومه. والذين أمرهم الصحابة بالقضاء وأخبروا أن
صومهم لا يجزيهم هم هؤلاء فإنهم صاموا صوماً لم يشرعه الله، وهو أنهم ظنوا
أنه حتم عليهم كالمقيم . ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله، وهو أنهم ظنوا أنه حتم
عليهم كالمقيم ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله فلم يمتثلوا ما أمروا به من الصوم ،
فأمرهم الصحابة بالقضاء .
هذا أحسن ما حمل عليه قول من أفتى بذلك من الصحابة ، وعليه يحمل قول
من قال منهم ( الصائم فى السفر كالمفطر فى الحضر)) وهذا من كمال فقههم، ودقة
نظرهم رضى الله عنهم .
قالوا: وأما قول النبى صلى الله عليه وسلم ((عليكم برخصة الله التى رخص لكم
فاقبلوها)) فهذا يدل على أن قبول المكلف لرخصة الله واجب، وهذا حق ، فإنه
متى لم يقبل الرخصة ردها ولم يرها رخصة ، وهذا عدوان منه ومعصية ، ولكن إذا
قبلها ، فإن شاء أخذ بها، وإن شاء أخذ بالعزيمة . هذا مع أن سياق الحديث يدل =

- ٤٩ -
= على أن الأمر بالرخصة لمن جهده الصوم وخاف على نفسه ومثل هذا يؤمر بالفطر .
فعن جابر (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل فى ظل شجرة برش عليه
الماء . قال ما بال صاحبكم هذا ؟ قالوا: يارسول الله صائم. قال: إنه ليس من البر
أن تصوموا فى السفر وعليكم برخصة الله التى رخص لكم فاقبلوها)) رواه النسائى.
قالوا: وأما قول النبى صلى الله عليه وسلم (( أولئك العصاة)) فذاك فى واقعة معينة،
أراد منهم الفطر خالقه بعضهم فقال هذا. ففى النسائى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن
جابر قال ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح فى رمضان فصام حتى
بلغ كراع الغميم ، فصام الناس معه ، فبلغه أن الناس شق عليهم الصيام ، فدعا بقدح
من ماء بعد العصر فشرب ، والناس ينظرون ، فأفطر بعض الناس وصام بعض .
فبلغه أن نلساً صلموا. فقال: أولئك العصاة)) فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أقطر
بعد العصر ليقتدوا به، فلما لم يقتد به بعضهم قال (( أولئك العصاة))، ولم يرد بذلك
تحريم الصيام مطلقاً على المسافر . والدليل عليه. ما روى النسائى أيضاً عن أبى هريرة
قال: (أتى النبى صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، فقالملأبى بكر وعمر: ادنيا ،
فيكلا. فقالا: إنا صائمان. فقال: أرحلوا لصاحبكم، اعملوا لصاحبكم))، وأعله
بالإرسال. ومر الظهران: أدنى إلى مكة من كراع الغميم فإن كراع الغميم بين يدى
عسفان بنحو ثمانية أميال، وبين مكة وعسفان ستة وثلاثون ميلا .
قالوا: وأما احتجاجكم بالآية ، وأن الله أمر المسافر بعدة من أيام أخر ، فهى
فرضه الذى لا يجوز غيره ، فاستدلال باطل قطعاً . فإن الذى أنزلت عليه هذه الآية ،
وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها ، قد صام بعد نزولها بأعوام فى السفر ، ومحال
أن يكون المراد منها ماذكرتم، ولا يعتقده مسلم ، فعلم أن المراد بها غير ماذكرتم .
فإما أن يكون المعنى: فأفطر، فعدة من أيام أخر ، كما قال الأكثرون ، أو يكون
المعني : فعدة من أيام أخر تجزىء عنه، وتقبل منه ، ونحو ذلك . فما الذى أوجب
تعيين التقدير بأن عليه عدة من أيام أخر ، أو فقرسنه ، ونحو ذلك ؟
وبالجملة : ففعل من أنزلت عليه تفسيرها ، وتبيين المراد منها، وبالله التوفيق .
وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصرى العلم، يحتجون بعموم نص على حكم ،
ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل اسمابه الذى يبين مراده ، ومن تدبير هذا
علم به مراد النصوص ، وفهم معانيها .
=
(٤ -عون المعبود:٧ )

- ٥٠ -
٤٣ - باب من اختار الصيام
٢٣٩٢ - حدثنا مُؤَمِّلُ بنُ الْفَضْلِ أخبرنا الْوَلِيدُ أخبرنا سَعِيدُ بنُ
عَبْدِ الْعَزِيزِ حدَّثَنِ إِسْمَاعِيلُ بنُ مُبَيْدِ اللهِ حدَّ ثَنِى أُمّ الدَّرْدَاءِ من أَبِى الدَّرْدَاءِ
قال: ((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فى بَعْضٍ غَزَوَاتِهِ فِى حَرّ
( باب من اختار الصيام)
(حدثتنى أم الدرداء) الصغرى واسمها هجيمة التابعية وليست الكبرى
المسماة خيرة الصحابية وكلتاهما زوجتا أبى الدرداء ( عن أبى الدرداء) عويمر بن
مالك الأنصارى الخزرجى (فى بعض غزواته) زاد مسلم من طريق سعيد بن -
= وكان يدور بينى وبين المكيين كلام فى الاعتمار من مكة فى رمضان وغيره ،
فأقول لهم: كثرة الطواف أفضل منها، فيذكرون قوله صلى الله عليه وسلم: ((عمرة
فى رمضان تعدل حجة))، فقلت لهم فى أثناء ذلك : محال أن يكون مراد صاحب
الشرع العمرة التى يخرج إليها من مكة إلى أدنى الحل ، وأنها تعدل حجة ، ثم لا يفعلها
هو مدة مقامه بمكة أصلا ، لا قبل الفتح ولا بعده ، ولا أحد من أصحابه ، مع أنهم
كانوا أحرص الأمة على الخير ، وأعلمهم بمراد الرسول، وأقدرهم على العمل به . ثم
مع ذلك يرغبون عن هذا العمل اليسير والأجر العظيم؟ يقدر أن يحج أحدثم فى
رمضان ثلاثين حجة أو أكثر، ثم لا يأتى منها بحجة واحدة ، وتختصون أنتم عنهم
بهذا الفضل والثواب ، حتى يحصل لأحدكم ستون حجة أو أكثر ؟ هذا ما لا يظنه
من له مسكة عقل . وإنما خرج كلام النبي صلى الله عليه وسلم على العمرة المعتادة التى
فعلها هو وأصحابه، وهى التى أنشأوا السفر لها من أوطانهم ، وبها أمر أم معقل ،
وقال لها: ((عمرة فى رمضان تعدل حجة) ولم يقل لأهل مكة: اخرجوا إلى أدنى
الحل فأكثروا من الاعتمار ، فإن عمرة فى رمضان تعدل حجة . ولا فهم هذا أحد
منهم . وبالله التوفيق .
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
واختلف أهل العلم فى الأفضل من الصوم والفطر فذهب عبد الله بن عمرو =

- ٥١ -
شَدِيدٍ حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ بَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ كَّهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ
الْرِّ مَافِيناَ صَائِمٌ إلاَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وَعَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةً ».
٢٣٩٣ - حدثنا حَامِدُ بنُ يَحِْى أخبرنا هَائِمُ بنُ الْقَاسِمِ ح.
وأخبرنا عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ أخبرنا أَبُو قُتَيْبَةَ المعنى قالاَ أخبرنا عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ
حَبِيبٍ بِنِ عَبْدِ اللهِ الْأَزْدِىِّ، قال حدِّثْنِى حَبِيبُ بنُ عَبْدِ اللهِ، قَال ◌َمِعْتُ
سِنْأَنَ بنَ سَلَمَةَ بنِ الْمَحَبَّقِ الْهُذَلِيِّ يُحَدِّثُ عن أَبِيِهِ قال قال رَسُولُ اللهِ
- عبد العزيز: هذا فى شهر رمضان وليس ذلك فى غزوة الفتح لأن عبد الله بن
رواحة المذكور فى هذا الحديث المذكور أنه كان صائماً استشهدبمؤتة قبل غزوة
الفتح بلا خلاف ولا فى غزوة بدر لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم ( ما فينا
صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة) وهذا مما يؤيد
أن هذا السفر لم يكن فى غزوة الفتح ، لأن الذين استمروا على الصيام من
الصحابة كانوا جماعة ، وفى هذا أنه ابن رواحة وحده. قاله القسطلانى . قال
المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجه.
( سنان بن سلمة بن المحبق) بفتح الموحدة المشددة ويكسر قال الطبى
بكسر الهاء وأهل الحديث يفتحونها. قال القارى: قلت قول المحدثين أقوى -
= وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب والشعبى والأوزاعى وإسحاق وأحمد إلى أن
الفطر أفضل . وذهب أنس وعثمان بن أبي العاص إلى أن الصوم أفضل . وهو قول
الشافعى وأبى حنيفة ومالك . وذهب عمربن عبد العزيزومجاهد وقتادة إلى أن أفضل
الأمرين: أيسرهما . لقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
وذهبت طائفة إلى أنهما سواء، لا يرجح أحدهما على الآخر :
وذهبت طائفة : إلى تحريم الصوم فى السفر ، وأنه لا يجزى .
وقد علمت أدلة كل فريق مما تقدم .

-- ٥٣ -
صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ خُولَةٌ تَأْوِى إلى شِبَعٍ فَلْيَصُمْ رمضانَ
حَيْثُ أَدْرَكَهُ)).
٢٣٩٤ - حدثنا نَصْرُ بنُ الْمُهَاجِرِ أخبرنا عَبْدُ الصَّمَدِ - يعنى ابنَ
عَبْدِ الْوَارِثِ أخبرنا عَبْدُ الصََّدِ بنُ حَبِيبٍ حَدَّتنى أَبِى عن سِنَانِ بنِ سَلَمَةً
عن سّمَةَ بنِ الْمُحَبِّقِ قال قال رِسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ أَدْرَكَهُ
رَمَضَانُ فى السَّفَرِ، فَذَ كَّرَ مَعْنَاهُ)).
- من اللغويين وأحرى كما لا يخفى (من كانت له حمولة) بفتح الحاء أى مركوب
كل ما يحمل عليه من إبل أو حمار أو غيرهما وفعول يدخله الماء إذا كان بمعنى
مفعول أى من كان له دابة (تأوى) أى تأويه ، فإن آوى لازم ومتعد على
لفظ واحد . وفى الحديث يجوز الوجهان والمعنى تؤوى صاحبها أو تأوى بصاحبها
( إلى شبع) بكسر الشين وسكون الموحدة ما أشبعك وبفتح الباء المصدر
والمعنى الأول هنا أظهر والثانى يحتاج إلى تقدير مضاف وهو فى الرواية أكثر
يعنى من كانت له حمولة تأويه إلى حال شبع ورفاهية أو إلى مقام يقدر على
الشمع فيه ولم يلحقه فى سفره وعناء ومشقة وعناء (فليصم رمضان حيث أدركه)
أى رمضان. قال الطيبي: الأمر فيه محول على الندب والحث على الأولى
والأفضل للنصوص الدالة على جواز الإفطار فى السفر مطلقاً. وقال المظهر:
يعنى من كان راكباً وسفره قصير بحيث يبلغ إلى المنزل فى يومه فليصم رمضان .
وقال داود: يجوز الإفطار فى السفر أى قدر كان. قاله على المقارى. قال
المنذرى: فى إسناده عبد الصمد بن حبيب الأزدى العوذى المصرى . قال يحيى
ابن معين: ليس به بأس . وقال أبو حاتم الرازى يكتب حديثه وليس بالمتروك.
وقال يحيى من كبار الضعفاء . وقال البخارى: لين الحديث ضعفه أحمد . وقال -

- ٥.٣ -
٤٤ - باب متى يفطر المسافر إذا خرج
٢٣٩٥ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُمَرَ حدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بنُ يَزِيْدَ ح.
وأخبرنا جَعْفَرُ بنُ مُسَافِرٍ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْسَى المعنى حدَّثَنِى سَعِيدٌ
- يَعنى ابنَ أَبِى أُثُّوبَ - زَادَ جَعْفَرٌ وَاللَّيْثُ قال حدَّثَنِى يَزِيدُ مِنْ أَبِى حَبِيبٍ
- البخارى أيضاً: عبد الصمد بن حبيب منكر الحديث ذاهب الحديث ولم يعد
البخارى هذا الحديث شيئاً. وقال أبو حاتم الرازى : لين الحديث ضعفه أحمد
ابن حنبل . وذكر له أبو جعفر العقيلى هذا الحديث وقال لا يتابع عليه ولا يعرف
إلا به والله أعلم .
( باب متى يفطر المسافر إذا خرج )
(عبيد الله بن عمر) البصرى القواريرى ( حدثنى عبد الله بن يزيد)
أبو عبد الرحمن المصرى نزيل مكة (أخبرنا عبد الله بن يحيى) المعافرى البرلسى
(المعنى) أى معنى حديث عبد الله بن يزيد وعبد الله بن يحيى واحد (حدثنى)
أى قال كل واحد منهما حدثنى سعيد بن أبى أيوب ( زاد جعفر) أى قال
جعفر بن مسافر فى روايته عن عبد الله بن يحيى (والليث) بالرفع أى حدثنى
سعيد والليث (قال) أى سعيد بن أبى أيوب وكذا قال الليث (حدثنى يزيد -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وقد روى الترمذى عن محمد بن كعب قال (( أتيت أنس بن مالك فى رمضان
وهو يريد سفراً. وقد رحلت له راحلته ، ولبس ثياب السفر . فدعا بطعام فأكل .
فقلت له : سنة؟ فقال: سنة. ثم ركب)) قال الترمذى : هذا حديث حسن . وفيه
حجة لمن جوز للمسافر الفطر فى يوم سافر فى أثنائه . وهو إحدى الروايتين عن
الإمام احمد، وقول عمرو بن شرحبيل والشعبى وإسحاق. وحكاه عن أنس ، وهو
قول داود وابن المنذر .

- ٥٤ -
أَنَّ كُلَيْبَ بنَ ذُهْلِ الْضْرَمِيِّ أَخْبَرَهُ عن عُبَيْدٍ، قال جَعْفَرُ ابنُ جَبْرِ قال :
((كُنْتُ مَعَ أَبِى بَصْرَةَ الْغِفَرِيِّ صَاحِبِرَ سُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فى سَفِيفَةٍ
مِنَ الْفُسْطَاطِ فى رمضانَ فَرُفِعَ ثُمَّ قُرِّبَ غَذَاؤُهُ [غَدَاهُ] قال جَعْفَرٌ فى حَدِيثِهِ
- بن أبى حبيب) والحاصل أن فى رواية عبيد الله بن عمر واسطة سعيد بن أبى
أيوب بين عبد الله بن يزيد ويزيد بن أبى حبيب ، وفى رواية جعفر واسطة
الليث بن سعد أيضا بين عبد الله بن يحيى ويزيد بن أبى حبيب .
وأخرج أحمد فى مسنده من طريق أبى عبد الرحمن حدثنا سعيد بن أبى
أيوب حدثنى يزيد بن أبى حبيب أن كليب بن ذهل أخبره فذكر الحديث
نحو . .
٠
وأخرج أحمد حديثاً آخر غير هذا الحديث من طريق حجاج ويونس
قالا حدثنا الليث حدثى يزيد بن أبى حبيب فذكره (عن عبيد) بغير ذكر
نسب هكذا فى رواية عبيد الله بن عمر ( قال جعفر ) بن مسافر فى روايته
( ابن جبر) أى عبيد بن جبير ولفظ جبر هكذا وقع بفتح الجيم مكبراً .
فى نسخ الكتاب وهكذا فى الخلاصة وأما فى الميزان والتقريب فبضم الجيم
مصغراً . قال الحافظ : هو القبطى مولى أبي بصرة ، وذكر يعقوب بن سفيان
فى الثقات وقال ابن خزيمة لا أعرفه انتهى (فى سفينة من الفسطاط) بضم الفاء -
= وقال مالك والشافعى وأبو حنيفة: لا يفطر. وهو قول الزهرى والأوزاعى
ومكحول
وفى المسألة قول شاذ جداً ، لا يلتفت إليه وهو إنه إن دخل عليه الشهر وهو
مقيم ، ثم سافر فى أثنائه، لم يجز له الفطر . ولا يفطر حتى يدخل عليه رمضان
مسافراً . وهذا قول عبيدة السلمانى وأبى مجلز وسويد بن غفلة. وقد صح أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خرج إلى الفتح فى رمضان. فصام ، وأفطر))

- ٥٥-
فَلَمْ يُجَوِزْ الْبُيُوتَ حَتّى دَمَا بِالسُّفْرَةِ، قال: اقْتَرِبْ، قُلْتُ: أَسْتَ تَرَى
الْهُيُوتَ؟ قال أَبُو بَصْرَةَ: أَتَرْغَبُ من سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
قال جَعَفَرٌّ فى حَدِيثِهِ: فَأَكَّلَ )).
- أو كسرها فسكون السين المدينة التى فيها مجمع الناس ويقال لمصر والبصرة الفسطاط
قاله السندى وفى النيل: هو اسم علم لمصر العتيقة التى بناها عمرو بن العاص انتهى.
والجار والمجرور صفة سفينة أى خرجت السفينة من الفسطاط. وفى رواية لأحمد
قال ركبت مع أبى بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية فى سفينة . وفى رواية
له ركبت مع أبى بصرة السفينة وهو يريد الإسكندرية (فرفع) بالراء بصيغة
المجهول أى رفع أبو بصرة ومن كان معه على السفينة . وفى رواية لأحمد فدفع
بالدال وهو الواضح وفى رواية له : فلما دفعنا من مرسانا أمر بسفرته فقربت
(غداؤه) أى طعام أول النهار ( قال) أبو بصرة (اقترب) أى لأجل الطعام،
وفى رواية لأحمد ثم دعانى إلى الغداء ( ألست ترى البيوت ) وفى رواية لأحمد
ما تغيب عنا منازلنا بعد ( أترغب عن سنة رسول الله) وأخرج الترمذى من
حديث محمد بن كعب قال : أتيت أنس بن مالك فى رمضان وهو يريد السفر ،
أو قد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأ كل ، فقلت له سفة ؟
فقال سنة . ثم ر کب انتهى.
وقول الصحابى من السنة ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد صرح هذان الصحابيان بأن الإفطار للمسافر قبل مجاوزة البيوت من السنة.
قال الخطابي : فيه حجة لمن رأى للمقيم ذى الصيام إذا سافر من يومه أن يفطر،
وهو قول الشعبى وإليه ذهب أحمد بن حنبل ، وعن الحسن أنه قال يفطر إن
شاء وهو فى بيته يوم يريد أن يخرج. وقال إسحاق بن راهويه: إذا وضع رجله
فى الرحل فله أن يفطر، وحكاه عن أنس بن مالك وشبهوه بمن أصبح صائماً -

-٦٠
٤٥ - باب قدر مسيرة ما يفطر فيه
٢٣٩٦ - حدثنا عِيسَ بنُ حَادٍ أنهأنا اللَّيْثُ - يَعنى ابنَ سَمْدٍ - عن
يَزِيدَ بنِ أَبِى حَبِيبٍ عن أَبِى الْخَيْرِ عن مَنْصُورِ الْكَلْبِىِّ أَنَّ دُحْيَةَ بنَ خَلِيفَةَ
- ثم مرض فى يومه فإن له أن يفطر من أجل المرض قالوا فكذلك من أصبح
صائماً، ثم سافر لأن كل واحد من الأمرين سبب للرخصة حدث بعد ما مضى
شىء من النهار .
قلت : والسفر لا يشبه المرض لأن السفر من فعله وهو الذى ينشئه باختياره
والمرض شىء يحدث عليه لا باختياره، فهو يعذر فيه ولا يعذر فى السفر الذى
هو فعل نفسه. ولو كان فى الصلاء فمرض كان له أن يصلى قاعداً ، ولوسافر
وهو صائم لم يكن له أن يفطر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يفطر إذا سافر
يومه ذلك ، وهو قول مالك والأوزاعى والشافعى، وروى ذلك عن النخعى
ومكحول والزهرى. قلت: وهذا أحوط الأمرين. والإقامة إذا اختلط حكمها
بحكم السفر غلب حكم المقام انتهى كلامه . قال الشوكانى: والحديث سكت عنه
أبو داود والمنذرى والحافظ فى التلخيص ورجال إسناد ثقات. وأخرج البيهقى
عن أبى إسحاق عن أبى ميسرة عمرو بن شرحبيل أنه كان يسافر وهو صائم
فيفطر من يومه .
( باب قدر مسهرة ما يفطر فيه )
(أن دحية بن خليفة) الكلبى سحابى جليل نزل المزة . كذا فى التقريب -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال المجوزون للفطر فى مطلق السفر : هب أن حديث دحية لم يثبت . فقد أطلق
الله تعالى، ولم يقيده بحد ، كما أطلقه فى آية التيمم فلا يجوز حده إلا بنص من الشارع
أو إجماع من الأمة، وكلاهما مما لا سبيل إليه. كيف وقد قصر أهل مكة مع النبي ==

- ٥٧ -
خَرَجَ مِنْ قَرْبَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرَّةً إلى قَدْرِ قَرْبَةٍ عَقَبَةً مِنَ الْفُسْطَاطِ ،
- (خرج من قرية) له يقال لها مزة بكسر الميم وتشديد الزاى هى قرية كبيرة فى
سفح الجبل من أعلى دمشق. كذا فى المراصد ( من دمشق ) أى قرية كائنة
من أعمال دمشق ، وعند أحمد أنه خرج من قريته ( إلى قدر قرية عقبة) بفتح
العين المهملة وبفتح القاف بإضافة قرية إلى عقبة ( من الفسطاط ) واعلم أن ظاهر
العبارة بدل على أن عقبة قرية من الفسطاط ،ومن المعلوم أن الفسطاط يقال لمصر
والبصرة فعلى هذا المسافة التى بين قرية عقبة وبين الفسطاط هى مقدار المسافة
التى كانت بين مزة وبين الموضع الذى خرج إليه دحية الكلبى . والمسافة بين
عقبة وبين الفسطاط هى ثلاثة أميال كما ذكره الراوى . لكن لفظ أحمد فى
مسنده من طريق حجاج ويونس قالا حدثنا الليث حدثنى يزيد بن أبى حبيب -
= صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة، ولا تأثير للنسك فى القصر بحال؟ فإن الشارع
إنما علل القصر بالسفر فهو الوصف المؤثر فيه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
سمى مسيرة البريد سفراً، فى قوله: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر
بريداً إلا مع ذى محرم)) وقال تعالى (وإن كنتم مرضى أوعلى سفر أو جاء أحد منكم
من الغائط أولا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا يدخل فيه كل سفر طويل
أو قصير. وقال صلى الله عليه وسلم ((إذا سافرتم فى الخصب فأعطوا الإبل حقها من
الأرض . وإذا سافرتم فى الجدب فبادروا بها نقبها)) وهذا يعم كل سفر ، ولم يفهم
منه أحد اختصاصه باليومين فما زاد. ونهى (( أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو )
ونهى (( أن يسافر الرجل وحده)) وأخبر ((أن دعوة المسافر مستجابة)) وكان «يتعوذ
من وعثاء السفر)) وكان ((إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه)).
ومعلوم أن شيئاً من هذه الأسفار لا يختص بالطويل . ولا أنه لو سافر دون اليومين
لم يقرع بين نسائه. ولم يقض للمقمات . فما الذى أوجب تخصيص اسم السفر بالطويل
بالنسبة إلى القصر والفطر دون غيرهما .
قالوا : وأين معنا فى الشريعة تقسيم الشارع السفر إلى طويل وقصير، واختصاص
أحدهما بأحكام لا يشاركه فيها الآخر.

- ٥٨ -
وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فى رمضانَ، ثُمَّ إِنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ، وَكَرِهَ
آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا، فَمَّا رَجَعَ إلى قَرْيَتِهِ قال: وَاللّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمِ
أمْراً ما كُنْتُ أَظُنُّ أَنِى أراهُ أنَّ قَوْمَا رَ غِبُوا عن هَدْىِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم وَأَمَبِ يَقُولُ: ذُلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا، ثُمَّ قَالَ مِنْدَ ذُلِكَ: الَّهُمَّ
اقْبِضْنِ إِلَيكَ »
- عن أبى الخير عن منصور الكلبى عن دحية بن خليفة أنه خرج من قريته
إلى قريب من قرية عقبة فى رمضان فذكر الحديث ، وهذا رواه أحمد فى مسعد
أبى بصرة الغفارى لا فى مسند دحية الكلبى.
ومعنى الحدفت على رواية أحمد أن دحية الكابى خرج من قريته مرة إلى
قريب من قرية عقبة فتكون المسافة بين مزة وبين عقبة ثلاثة أميال والله أعلم.
كذا فى الشرح ( ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس ) قال الخطابي: فى هذا حجة لمن
لم يجد السفر الذى يترخص فيه للافطار إلا فى سفر يجوز فيه القصر ، وهو عند
أهل العراق ثلاثة أيام ، وعند أكثر أهل الحجاز ليلتان أو نحوهما، وليس
الحديث بالقوى ، وفيه رجل ليس بالمشهور ، ثم إن دحية لم يذكر فيه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر فى قصر السفر ، وإنما قال قوماً رغبوا عن
هدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولعلهم إنما رغبوا عن قبول الرخصة -
= ومعلوم أن إطلاق السفر لا يدل على اختصاصه بالطويل ، ولم یبین النی صلى الله
عليه وسلم مقداره . وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع ، فسكوته عن تحديده من
أظهر الأدلة على أنه غير محدود شرعاً .
قالوا: والذين حددوه - مع كثرة اختلافهم وانتشار أقوالهم - ليس معهم
نص بذلك ، وليس حد بأولى من حد ، ولا إجماع فى المسألة ، فلا وجه للتحديد .
وبالله التوفيق .

- ٥٩ -
٢٣٩٧ - حدثنا مَُدَّدٌ حدثنا المُعْتَمَرُ عن عُبَيْدِ اللهِ عنْ نَافِع ((أَنّ
ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْغَةِ فَلاَ يُفْطِرُ وَلاَ يَقْصُرُ)).
- فى الإفطار أصلا. وقد يحتمل أن يكون دحية إنما صار فى ذلك إلى ظاهر اسم
السفر ، وقد خالفه غير واحد من الصحابة ، وكان ابن عمر وابن عباس رضى الله
عنهما لا يريان القصر والإفطار فى أقل من أربعة برد وهما أفقه من دحية وأعلم
بالسنن . انتهى .
قال المنذری : قال الخطابی : ولیس الحدیث بالقوی ، فیإسناده رجل ليس
بالمشهور، وهو بشير بن أبى منصور الكلبى ، فإن رجال الإسناد جميعهم ثقات
يحتج بهم فى الصحيح -واه، وهو مصرى روى عنه أبو الخير يزيد بن عبدالله
اليزنى ولم أجد من رواه عنه سواه، فيكون مجهولا كماذكره الخطابى. ولم
يزد فيه البخارى على منصور الكلبى . وقال ابن يونس فى تاريخ المصريين :
منصور بن سعيد بن الأصبغ الكلى . وقال البيهقى : والذى روينا عن دحية
الكلى ذلك، فكأنه ذهب فيه إلى ظاهر الآية فى الرخصة فى السفر. وأراد
بقوله رغبوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فى قبول الرخصة
لا فى تقدير السفر الذى أفطر فيه .
( ابن عمر كان يخرج إلى الغابة) وهو موضع قريب من المدينة من عواله
كذا فى مجمع البحار . وقال فى المراصد: موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه
أموال لأهل المدينة من طرفائه صنع منبر النبى صلى الله عليه وسلم، وهو على
بريد منها انتهى . والحديث سكت عنه المنذرى .

- ٦٠ -
٤٦ - باب من يقول صمت رمضان كله
٢٣٩٨ - حدثنا مُسَلَّدٌ أخبرنا يَحْسَى عن المَلَّبِ بن أَبِى حَبِيبَةَ أخبرنا
اَحْسَنُ عنْ أَبِى ◌َكَرَةَ قَال قال رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((لاَ يَقُولَنَّ
أَحَدُ كُمْ إِنِى مُعْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَقُمْتُهُ كُلَّهُ فَلاَ أَدْرِى أَكَرِهَ التَّزْكِيَةَ
أَوْ قَالَ لَاَبُدٌّ مِنْ نَوْمَةٍ أَوْ رَقْدَةٍ ».
( باب من يقول صمت رمضان كله )
( لا يقولن أحدكم) النهى ليس راجعاً إلى ذكر رمضان بلا شهر وإنما
هو راجع إلى نسبة الصوم إلى نفسه فيه كله مع أن قبوله عند الله تعالى فى محل
الخطر ( فلا أدرى ) قائل هذا القول الحسن البصرى بينه أحمد قال حدثنا يزيد
أخبرنا همام عن قتادة عن الحسن عن أبى بكرة مرفوعاً ((لا يقوان أحدكم
صمت رمضان كله ولا قمته كله)) قال الحسن: والله أعلم أخاف على أمته التزكية
إذلا بد من راقد أو غافل. قال أحمد . وقال يزيد مرة قال قتادة: والحديث
أخرجه أحمد من عدة طرق من طريق يحيى بن سعيد عن مهلب بن أبى حبيبة
كما عند المؤلف وليس فيه ذكر القائل . ومن طريق محمد بن جعفر وعبد الوهاب
كلاهما عن سعيد عن قعادة عن الحسن عن أبى بكرة مرفوعاً (( لا يقوان أحدكم
قت رمضان كله)) قال فالله تبارك وتعالى أعلم أخشى على أمته أن تزكى أنفسها
قال عبد الوهاب: فالله أعلم أخشى التزكية على أمته أو قال لابد من نوم أو غفلة
ومن طريق يزيد وعفان كلاهما عن همام أخبرنا قتادة عن الحسن عن أبى بكرة
مرفوعاً ((لا يقولن أحدكم قمت رمضان كله)) قال قتادة: فالله تبارك وتعالى أعلم
أخشى على أمته التزكية . قال عفان أو قال لا بد من راقد أو غافل . ومن طريق
بهز حدثنا همام أخبرنا قتادة عن الحسن عن أبى بكرة مرفوعاً قال (( لا يقولن -