Indexed OCR Text
Pages 241-260
- ٢٤١- = قالوا : وأما قولكم إن نافعاً أثبت فى ابن عمر وأولى به من أبى الزبير وأخص، فروايته أولى أن نأخذ بها ، فهذا إنما يحتاج إليه عند التعارض ، فكيف ولا تعارض بينهما ؟ فإن رواية أبى الزبير صريحة فى أنها لم تحسب عليه ، وأما نافع فرواياته ليس فيها شىء صريح قط، أن النبى صلى الله عليه وسلم حسبها عليه ، بل مرة قال ((فمه)) أى فما يكون؟ وهذا ليس بإخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه حسبها ، ومرة قال (( أرأيت إن عجز واستحمق؟ )) وهذا رأى محض ، ومعناه أنه ركب خطة عجز، واستحمق ، أى ركب أحموقة وجهالة ، فطلق فى زمن لم يؤذن له فى الطلاق فيه، ومعلوم أنه لو كان عند ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم حسبها عليه لم يحتج أن يقول للسائل ((أرأيت إن عجز واستحمق؟ ))، فإن هذا ليس بدليل على وقوع الطلاق ، فإن من عجز واستحمق يرد إلى العلم والسنة التى سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكيف يظن بابن عمر أنه يكتم نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الاعتداد بتلك الطلقة، ثم يحتج بقوله ((أرأيت إن عجز واستحمق))، وقد سأله مرة رجل عن شىء فأجابه بالنص ، فقال السائل : أرأيت إن كان كذا وكذا ؟ قال: ((اجعل أرأيت باليمن))، ومرة قال (تحسب من طلاقها))، وهذا قول نافع ، ليس قول ابن عمر ، كذلك جاء مصرحاً به فى هذا الحديث فى الصحيحين ، قال عبد الله لنافع (( ما فعلت التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها ))، وفى بعض ألفاظه : (( خسبت تطليقة))، وفى لفظ للبخارى عن سعيد بن جبير عن ابن عمر : ((فسبت على بتطليقة))، ولكن هذه اللفظة انفرد بها سعيد بن جبير عنه ، وخالف نافع وأنس بن سيرين ويونس بن جبير وسائر الرواة عن ابن عمر ، فلم يذكروا ((حسبت على))، وانفراد ابن جبير بها، كانفراد أبى الزبير بقوله ((ولم يرها شيئاً))، فإن تساقطت الروايتان لم يكن فى سائر الألفاظ دليل على الوقوع، وإن رجح إحداهما على الأخرى فرواية أبى الزبير صريحة فى الرفع ، ورواية سعيد بن جبير غير صريحة فى الرفع ، فإنه لم يذكر فاعل الحساب ، فلعل أباه رضى الله عنه حسبها عليه بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم فى الوقت الذى ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث ، وحسبه عليهم ، اجتهاداً منه ، ومصلحة رآها للأمة ، لئلا يتتابعوا فى الطلاق المحرم ، فإذا علموا أنه يلزمهم وينفذ عليهم أمسكوا عنه، وقدكان فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم == (١٦ - عون المعبود ٦) - ٢٤٢ - = لا يحتسب عليهم به ثلاثاً فى لفظ واحد فلما رأى عمر الناس قد أكثروا منه رأى إلزامهم به ، والاحتساب عليهم به . قالوا : وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فى هذا الباب ، ویتبین وجهها ، ويزول عنها التناقض والاضطراب ، ويستغنى عن تكلف التأويلات المستكرهة لها، ويتبين موافقتها لقواعد الشرع وأصوله . قالوا: وهذا الظن بعمر رضى الله عنه أنه إذا احتسب على الناس بالطلاق الثلاث احتسب على ابنه بتطليقته التى طلقها فى الحيض ، وكون النبى صلى الله عليه وسلم لم يرها شيئاً مثل كون الطلاق الثلاث على عهده كان واحدة، وإلزام عمر الناس بذلك، كالزامه له بهذا، وأداه اجتهاده رضى الله عنه إلى أن ذلك كان تخفيفاً ورفقاً بالأمة ، أهلة إيقاعهم الطلاق وعدم تتابعهم فيه ، فلما أكثروا منه وتتابعوا فيه ألزمهم بما التزموه ، وهذا كماأداء اجتهاده فى الجلد فىاحمر ثمانین ،وحلق الرأس فيه والنفى، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جلد فيه أربعين ، ولم يحلق فيه رأساً ، ولم يغرب ، فلما رأى الناس قدأ كثروا منه واستهانوا بالأربعين صناعفها عليهم ، وحلق ونفى . ولهذا نظائر كثيرة ستذكر فى موضع آخر إن شاء الله . قالوا : وتوهم من توهم أنا خالفنا الإجماع فى هذه المسئلة غاط ، فإن الخلاف فيها أشهر من أن يجحد ، وأظهر من أن يستر . وإذا كانت المسئلة من موارد النزاع فالواجب فيها امتثال ما أمر الله به ورسوله ، من رد ما تنازع فيه العلماء إلى الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله، دون تحكيم أحد من الخلق ، قال تعالى ﴿فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) فهذه بعض كلمات المانعين من الوقوع . ولو استوفينا الكلام فى المسئلة لاحتملت سفراً كبيراً ، فلنقتصر على فوائد الحديث . قال الموقعون . وفيه دليل على أن الرجعة يستقل بها الزوج دون الولی ورضا المرأة، لأنه جعل ذلك إليه ، دون غيره، ودلالة القرآن على هذا أظهر من هذه الدلالة. قال تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك) جعل الأزواج أحق بالرجمة من المرأة والولى. واختلفوا فى قبوله (مرة فليراجعها)): هل الأمر بالرجعة على الوجوب أو الاستحباب؟ فقال الشافعى وأبو حنيفة والأوزاعى وابن أبى ليلى وسفيان = - ٢٤٣ - = الثورى وأحمد فى إحدى الروايتين بل أشهرهما عنه: الأمر بالرجعة استحباب. قال بعضهم: لأن ابتداء النكاح إذا لم يكن واجباً فاستدامته كذلك ، وقال مالك فى الأشهر عنه، وداود وأحمد فى الرواية الأخرى: الرجعة واجبة الأمر بها ، ولأن الطلاق لما كان محرماً فى هذا الزمن كان بقاء النكاح واستدامته فيه واجباً ، وبهذا بطل قولهم إذا لم يجب ابتداء النكاح لم تجب استدامته ، فإن الاستدامة ههنا واجبة لأجل الوقت ، فإنه لا يجوز فيه الطلاق . قالوا: ولأن الرجعة إمساك ، بدليل قوله ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ فالامساك مراجعتها فى العدة، والتسريح تركها حتى تنقضى عدتها . وإذا كانت الرجعة إمساكاً ، فلا ريب فى وجوب إمساكها فى زمن الحيض، وتحريم طلاقها ، فتكون واجبة . ثم اختلف الموجبون للرجعة فى علة ذلك : فقالت طائقة. إنما أمره برجعتها ليقع الطلاق الذى أراده فى زمن الإباحة ، وهو الطهر الذى لم يمسها فيه ، فلو لم يرتجعها لمكان الطلاق الذى ترتبت عليه الأحكام هو الطلاق المحرم ، والشارع لا يرتب الأحكام على طلاق محرم ، فأمر برجعتها ، ليطلقها طلاقاً مباحاً ، يترتب عليه أحكام الطلاق . وقالت طائفة: بل أمره برجعتها عقوبة له على طلاقها فى زمن الحيض ، فعاقبه بنقيض قصده، وأمره بارتجاعها ، عكس مقصوده. وقالت طائفة : بل العلة فى ذلك أن تحريم الطلاق فى زمن الحيض معلل بتطويل العدة فأمره برجعتها ليزول المعنى الذى حرم الطلاق فى الحيض لأجله . وقال بعض الموجبين إن أبى رجعتها أجبر عليها . فإن امتنع ضرب وحبس ، فان أصر حكم عليه برجعتها وأشهد أنه قد ردها عليه، فتكون امرأته ، يتوارثان، ويلزمه جميع حقوقها ، حتى يفارقها فراقاً ثانياً ، قاله أصبغ وغيره من المالكية . ثم اختلفوا ، فقال مالك : يجبر على الرجعة ، إن طهرت، مادامت فى العدة ، لأنه وقت للرجعة. وقال أشهب : إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت لم تجب رجعتها فى هذه الحال ، وإن كانت فى العدة ، لأنه لا يجب عليه إمساكها فى هذه الحال لجواز طلاقها فيه ، = - ٢٤٤ - = فلا يجب عليه رجعتها فيه ، إذ او وجبت الرجعة فى هذا الوقت الحرم الطلاق فيه . وقوله صلى الله عليه وسلم (( حق تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم إن شاء امسك بعد ذلك وإن شاء طلق)) قال البيهقى: أكثر الروايات عن ابن عمر (( أن النبى صلى الله عليه وسلم أمره أن براجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك)) فإن كانت الرواية عن سالم ونافع وابن دينار فى أمره ((بأن يراجعها ، حتى تطهر ، ثم تخيض، ثم تطهر))، محفوظة، فقد قال الشافعى: يحتمل أن يكون إنما أراد بذلك الاستبراء ، أن يستبرئها بعد الحيضة التى طلقها فيها بطهر تام، ثم حيض تام ، ليكون تطليقها وهى تعلم عدتها ، أبالحمل هى أم بالحيض؟ أو ليكون تطليقها بعد علمة بالحمل، وهو غير جاهل ماصنع ، أو يرغب فيمسك للحمل ، أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكف عنه حاملا . آخر كلامه . وأكثر الروايات فى حديث ابن عمر مصرحة بأنه إنما أذن فى طلاقها بعد أن تطهر من تلك الحيضة ، ثم تحميض ثم تطهر ، هكذا أخرجاه فى الصحيحين من رواية نافع عنه، ومن رواية ابنه سالم عنه. وفى لفظ متفق عليه: ((ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض عنده حيضة أخرى ، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها))، وفى لفظ آخر متفق عليه: (( مرة فليراجعها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التى طلقها فيها )) ، ففى تعدد الحيض والطهر ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها، من رواية ابنه سالم ومولاء نافع وعبد الله بن دينار وغيرهم ، والذين زادوا قد حفظوا مالم يحفظه هؤلاء . ولو قدر التعارض فالزائدون أكثر وأثبت فى ابن عمر وأخص به ، فرواياتهم أولى، لأن نافعاً مولاه أعلم الناس بحديثه ، وسالم ابنه كذلك ، وعبد الله بن دينار من أثبت الناس فيه ، وأرواهم عنه ، فكيف يقدم اختصار أبى الزبير ، ويونس بن جبير على هؤلاء؟. ومن العجب تعليل حديث أبى الزبير فى ردها عليه من غير احتساب بالطلقة بمخالفة غيره له ، ثم تقدم روايته التى سكت فيها عن تعدد الحيض والطهر على رواية نافع وابن دينار وسالم ! فالصواب الذى لا يشك فيه أن هذه الرواية ثابتة محفوظة ، ولذلك أخرجها أصحاب الصحيحين . = - ٢٤٥ - = واختلف فى جواز طلاقها فى الطهر المتعقب للحيضة التى طلق فيها على قولين : هما روايتان عن أحمد ومالك : أشهرهما عند أصحاب مالك : المنع حتى تحيض حيضة مستقبله سوى تلك الحيضة، ثم تطهر كما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم. والثانى يجوز طلاقها فى الطهر المتعقب لتلك الحيضة وهو قول الشافعى وأبى حنيفة، وأحمد فى الرواية الأخرى . ووجهه أن التحريم إنما كان لأجل الحيض ، فإذا طهرت زال موجب التحريم ، فاز طلاقها فى هذا الطهر كما يجوز فى الطهر الذى بعده، وكما يجوز أيضاً طلاقها فيه، لو لم يتقدم طلاق فى الحيض، ولأن فى بعض طرق حديث ابن عمر فى الصحيح ((ثم ليطلقها طاهراً، أو حاملا)) وفى لفظ ((ثم ليطلقها طاهراً من غير جماع فى قبل عدتها)) وفى لفظ ((فإذا طهرت فليطلقها تظهرها، قال: فراجعها ثم طلقها لطهرها)) وفى حديث أبي الزبير وقال ((إذا طهرت فليطلق أو ليمسك)) وكل هذه الألفاظ فى الصحيح . وأما أصحاب القول الثانى فاحتجوا بما تقدم من أمره صلى الله عليه وسلم بإمساكها حتى تحيض ، ثم تطهر ثم تحميض ، ثم تطهر. وقد تقدم. قالوا : وحكمة ذلك من وجوه : أحدها : أنه لو طلقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها . وهذا عكس مقصود الرجعة ، فإن الله سبحانه إنما شرع الرجعة لإمساك المرأة وإيوائها ، ولم شعث النكاح، وقطع سبب الفرقة، ولهذا سماه إمساكاً ، فأمره الشارع أن يمسكها فى ذلك الطهر ، وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ، ثم تطهر ، لتكون الرجعة للامساك لا للطلاق . قالوا : وقد أكد الشارع هذا المعنى ، حتى إنه أمر فى بعض طرق هذا الحديث بأن يمسها فى الطهر المتعقب لتلك الحيضة ، فإذا حاضت بعده وطهرت ، فإن شاء طلقها قبل أن يمسها ، فإنه قال ((مرة فليراجعها، فإذا طهرت مسها ، حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها )) ذكره ابن عبد البر ، وقال : الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء ، لأنه المبتغى من النكاح ، ولا يحصل الوطء إلا فى الطهر ، فإذا وطئها حرم طلاقها فيه ، حتى تحيض ، ثم تطهر ، فاعتبرنا مظنه الوطء ومحله ، ولم يجعله محلا للطلاق. = - ٢٤٦ - = الثانى : أن الطلاق حرم فى الحيض لتطويل العدة عليها ، فلو طلقها عقب الرجعة من غير وطء لم تكن قد استفادت بالرجعة فائدة ، فإن تلك الحيضة التى طلقت فيها لم تكن تحتسب عليها من العدة ، وإنما تستقبل العدة من الطهر الذى يليها، أو من الحيضة الأخرى، على الاختلاف فى الأقراء ، فإذا طلقها عقب تلك الحيضة كانت فى معنى من طلقت ثم راجعها ، ولم يمسها حتى طلقها، فإنها تبنى على عدتها فى أحد القولين ، لأنها لم تنقطع بوطء، فالمعنى المقصود إعدامه من تطويل العدة موجود بعينه هنا ، لم يزل بطلاقها عقب الحيضة ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع حكم الطلاق جملة بالوطء، فاعتبر الطهر الذى هو موضع الوطء، فإذا وطىء حرم طلاقها ، حتى تحيض ثم تطهر . ومنها : أنها ربما كانت حاملا، وهو لا يشعر ، فإن الحامل قد ترى الدم بلا ريب، وهل حكمه حكم الحيض ، أو دم فساد ؟ على الخلاف فيه ، فأراد الشارع أن يستبرئها بعد تلك الحيضة بطهر تام ، ثم بحيض تام ، فينئذ تعلم هل هى حامل أو حائل ؟ فإنه ربما يمسكها إذا علم أنها حامل منه، وربما تكف هى عن الرغبة فى الطلاق إذا علمت أنها حامل ، وربما يزول الشر الموجب للطلاق بظهور الحمل ، فأراد الشارع تحيق علمها بذلك ، نظراً للزوجين ، ومراعاة لمصلحتهما ، وحسماً لباب الندم وهذا من أحسن محاسن الشريعة . وقيل : الحكمة فيه أنه عاقبه بأمره بتأخير الطلاق جزاء له على ما فعله من إيقاعه على الوجه المحرم . ورد هذا بأن ابن عمر لم يكن يعلم التحريم . وأجيب عنه بأن هذا حكم شامل له ولغيره من الأمة ، وكونه رضى الله عنه لم يكن عالماً بالتحريم يفيد نفى الإثم ، لا عدم ترتب هذه المصلحة على العلاق المحرم فى نفسه . وقيل : حكمته أن الطهر الذى بعد تلك الحيضة هو من حريم تلك الحيضة ، فهما كالقرء الواحد ، فلو شرع الطلاق فيهلصار كموقع طلقتين فى قرء واحد ، وليس هذا بطلاق السنة . وقيل : حكمته أنه نهى عن الطلاق فى الطهر، ليطول مقامه معها، ولعله تدعوه نفسه إلى وطئها ، وذهاب ما فى نفسه من الكراهة لها ، فيكون ذلك حرصاً على = - ٢٤٧ - = ارتفاع الطلاق البغيض إلى الله، المحبوب إلى الشيطان ، وحضاً على بقاء النكاح ، ودوام المودة والرحمة . والله أعلم . وقوله صلى الله عليه وسلم ((ثم ليطلقها طاهراً)) وفى اللفظ الآخر ((فإذا طهرت فليطلقها إن شاء))، هل المراد به انقطاع الدم ، أو التطهر بالغسل، أو ما يقوم مقامه من التيمم؟ على قولين ، هما روايتان عن أحمد : إحداهما : أنه انقطاع الدم وهو قول الشافعى . والثانية : أنه الاغتسال ، وقال أبو حنيفة، إن طهرت لأكثر الحيض حل طلاقها بانقطاع الدم، وإن طهرت لدون أكثره لم يحل طلاقها حتى تصير فى حكم الطاهرات بأحد ثلاثة أشياء، إما أن تغتسل ، وإما أن تتيمم عند العجز وتصلى، وإما أن يخرج عنها وقت صلاة ، لأنه متي وجد أحد هذه الأشياء حكمنا بانقطاع حيضها . وسر المسألة أن الأحكام المترتبة على الحيض نوعان : منها مايزول بنفس انقطاعه كصحة الغسل والصوم ، ووجوب الصلاة فی ذمتها . ومنها مالا يزول إلا بالغسل كمل الوطء وضحة الصلاة، وجواز الليث فى المسجد، وصحة الطواف ، وقراءة القرآن على أحد الأقوال، فهل يقال الطلاق من النوع الأول ، أو من الثانى ؟ ولمن رجح إباحته قبل الغسل أن يقول : الحائض إذا انقطع دمهاصارت كالجنب، يحرم عليها ما يحرم عليه ، ويصح منها ما يصح منه ، ومعلوم أن المرأة الجنب لا يحرم طلاقها . ولمن رجح الثانى أن يجيب عن هذا بأنها لو كانت كالجنب لحل وطؤها ، ويحتج بما رواه النسائى فى سننه من حديث المعتمر بن سليمان قال : سمعت عبيد الله عن نافع عن عبد الله: (( أنه طلق امرأته وهى حائض تطليقة، فانطلق عمر فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : مر عبد الله فليراجعها ، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلايمسها حتى يطلقها، فإن شاء أن يمسكها فليمسكها فإنها العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء)). وهذا على شرط الصحيحين، وهو مفسر لقوله (( إذا طهرت )) فيجب حمله عليه . وتمام هذه المسألة: أن العدة هل تنقضى بنفس انقطاع الدم وتنقطع الرجعة ، == -٢٤٨ - = أم لا تنقطع إلا بالغسل ، وفيه خلاف بين السلف والخلف ، يأتى فى موضعه إن شاء الله تعالى . وقوله صلى الله عليه وسلم (( ثم ليطلقها طاهراً قبل أن يمس) دليل على أن طلاقها فى الطهر الذى مس فيه ممنوع منه وهو طلاق بدعة ، وهذا متفق عليه ، فلو طلق فيه . قالوا : لم يجب عليه رجعتها ، قال ابن عبد البر : أجمعوا على أن الرجعة لا تجب فى هذه الصورة ، وليس هذا الإجماع ثابتاً ، وإن كان قد حكاء صاحب المغنى أيضاً ، فإن أحد الوجهين فى مذهب أحمد وجوب الرجعة فى هذا الطلاق ، حكاه فى الرعاية، وهو القياس ، لأنه طلاق محرم ، فتجب الرجعة فيه ، كما تجب فى الطلاق فى زمن الحيض . ولمن فرق بينهما أن يقول: زمن الطهر وقت للوطء والطلاق ، وزمن الحيض ليس وقتاً لواحد منهما ، فظهر الفرق بينهما ، فلا يلزم من الأمر بالرجعة فى غير زمن الطلاق الأمر بها فى زمنه، ولكن هذا الفرق ضعيف جداً ، فإن زمن الطهر متى اتصل به المسيس صار كزمن الحيض فى تحريم الطلاق سواء، ولا فرق بينهما ، بل الفرق المؤثر عند الناس أن المعنى الذى وجبت لأجله الرجعة إذا طلقها حائضاً منتف فى صورة الطلاق فى الطهر الذى مسها فيه ، فإنها إنما حرم طلاقها فى زمن الحيض لتطويل العدة عليها ، فإنها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءاً اتفاقاً . فتحتاج إلى استئناف ثلاثة قروء كوامل ، وأما الطهر فإنها تعتمد بما بقى منه قرءاً ، ولو كان لحظة ، فلا حاجة بها إلى أن يراجعها ، فإن من قال الأقراء الأطهار كانت أول عدتها عنده عقب طلاقها ، ومن قال هى الحيض استأنف بها بعد الطهر ، وهو لو راجعها ثم أراد أن يطلقها لم يطلقها إلا فى طهر، فلا فائدة فى الرجعة. هذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين . وبعد، ففيه إشكال لا ينتبه له إلا من له خبرة بمأخذ الشرع وأسراره ، وجمعه وفرقه . وذلك أن النى صلى الله عليه وسلم أمره أن يطلقها إذا شاء قبل أن يمسها ، وقال: (( فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء))، وهذا ظاهر فى أن العدة إنما يكون استقبالها من طهر لم يمسها فيه ، إن دل على أنها بالاطهار ، وأما طهر قد أصابها فيه فلم يجعله النبى صلى الله عليه وسلم من العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء == - ٢٤٩ - = فكما لا تكون عدتها متصلة بالحيضة التى طلق فيها ينبغى أن لا تكون متصلة بالطهر الذى مسها فيه. لأن النبى صلى الله عليه وسلم سوى بينهما فى المنع من الطلاق فيهما، وأخبر أن العدة التى أمر الله أن يطلق لها النساء هى من وقت الطهر الذى لم يمسها فيه، فمن أين لنا أن الطهر الذى مسها فيه هو أول العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء، وهذا مذهب أبى عبيد ، وهو فى الظهور والحجة كما ترى ، وقال الإمام أحمد والشافعى ومالك وأصحابهم: لو بقى من الطهر لحظة حسبت لها قرءاً ، وإن كان قد جامع فيه ، إذا قلنا : الأقراء الأطهار . قال المنتصرون لهذا القول : إنما حرم الطلاق فى زمن الحيض دفعاً لضرر تطويل العدة عليها ، فلو لم تختسب ببقية الطهر قرءاً كان الطلاق فى زمن الطهر أضر بها وأطول عليها . وهذا ضعيف جداً، فإنها إذا طلقت فيه قبل المسيس احتسب به، وأما إذا طلقت بعد المسيس كان حكمها حكم المطلقة فى زمن الحيض ، فكما لا تحتسب ببقية الحيضة لا تحتسب بيقية هذا الطهر الممسوسة فيه . قالوا : ولم يحرم الطلاق فى الطهر لأجل التطويل الموجود فى الحيض ، بل إنما حرم لكونها مرتابة، فلعلها قد حملت من ذلك الوطء، فيشتد ندمه إذا تحقق الحمل، ويكثر الضرر . فإذا أراد أن يطلقها طلقها طاهراً من غير جماع ، لأنهما قد تيقنا عدم الريبة، وأما إذا ظهر الحمل فقد دخل على بصيرة وأقدم على فراقها حاملاً . قالوا : فهذا الفرق بين الطلاق فى الحيض والطهر المجامع فيه . قالوا : وسر ذلك أن المرأة إن كانت حاملا من هذا الوطء فعدتها بوضع الحمل ، وإن لم تكن قد حملت منه فهو قرء صحيح ، فلا ضرر عليها فى طلاقها فيه . ولمن نصر قول أبى عبيد أن يقول : الشارع إنما جعل استقبال عدة المطلقة من طهر لم يمسها فيه، ليكون المطلق على بصيرة من أمره ، والمطلقة على بصيرة من عدتها أنها بالإقراء . فأما إذا مسها فى الطهر ثم طلقها ، لم يدر أحاملا أم حائلا ، ولم تدر المرأة : أعدتها بالحمل أم بالأقراء، فكان الضرر عليهما فى هذا الطلاق أشد من الضرر فى طلاقها وهى حائض ، فلا تحستب بقية ذلك الطهر قرءاً، كما لم يُحتسب الشارع به فى جواز إيقاع الطلاق فيه. وهذا التفريع كله على أقوال الأئمة والجمهور . -٢٥٠- = وأما من لم يوقع الطلاق البدعى فلا يحتاج إلى شىء من هذا . وقوله (ليطلقها طاهراً أو حاملا)) دليل على أن الحامل طلاقها سنى ، قال ابن عبد البر : لاخلاف بين العلماء أن الحامل طلاقها للسنة، قال الإمام أحمد : أذهب إلى حديث سالم عن أبيه ((ثم ليطلقها طاهراً أو حاملا)) وعن أحمد رواية أخرى، أن طلاق الحامل ليس بسنى ولا بدعى ، وإنما يثبت لها ذلك من جهة العدد ، لامن جهة الوقت، ولفظة ((الحمل)) فى حديث ابن عمر انفرد بها مسلم وحده فى بعض طرق الحديث . ولم يذكرها البخارى . فلذلك لم يكن طلاقها سنياً ولا بدعياً، لأن الشارع لم يمنع منه . فإن قيل: إذا لم يكن سنياً كان طلاقها بدعياً ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم إنما أباح طلاقها فى طهر لم يمسها فيه ، فإذا مسها فى الطهر وحملت واستمر حملها ، استمر المنع من الطلاق، فكيف يبيحه تجدد ظهور الحمل ، فإذا لم يثبتوا هذه اللفظة لم يكن طلاق الحامل جائزاً . فالجواب : أن المعنى الذى لأجله حرم الطلاق بعد المسيس معدوم عند ظهور الحمل ، لأن المطلق عند ظهور الحمل قد دخل على بصيرة ، فلايخاف ظهور أمر یتجدد به الندم، وليست المرأة مرتابة لعدم اشتباه الأمر عليها ، بخلاف طلاقها مع الشك فى حملها . والله أعلم . وقوله ( طاهراً أو حاملا)) احتج به من قال الحامل لا تحيض، لأنه صلى الله عليه وسلم حرم الطلاق فى زمن الحيض ، وأباحه فى وقت الطهر والحمل ، فلو كانت الحامل تحيض لم يبح طلاقها حاملا إذا رأت الدم، وهو خلاف الحديث . ولأصحاب القول الآخر أن يجيبوا عن ذلك ، بأن حيض الحامل لم يكن له تأثير فى العدة بحال ، لا فى تطويلها ولا تخفيفها، إذ عدتها بوضع الحمل، أباح الشارع طلاقها حاملا مطلقاً، وغير الحامل لم يبح طلاقها إلا إذا لم تكن حائضاً ، لأن الحيض يؤثر فى العدة ، لأن عدتها بالأقراء ، فالحديث دل على أن المرأة لها حالتان ، أحدهما : أن تكون حائلا ، فلا تطلق إلا فى طهر لم يمسها فيه . والثانية : أن تكون حاملا، فيجوز طلاقها . والفرق بين الحامل وغيرها فى الطلاق إنماهو بسبب الحمل وعدمه، لا بسبب حيض ولا طهر ولهذا يجوز طلاق الحامل بعد المسيس، دون الحائل ، وهذا جواب سديد والله أعلم . = -٢٥١ - = وقد أفردت لمسألة الحامل هل تحيض أم لا؟ مصنفاً مفرداً. وقد احتج بالحديث من يرى أن السنة تفريق الطلقات على الأقراء ، فيطلق لكل قرء طلقة ، وهذا قول أبى حنيفة وسائر الكوفيين، وعن أحمد رواية كقولهم. قالوا : وذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم إنما أمره بإمساكها فى الطهو المتعقب للحيض ، لأنه لم يفصل بينه وبين الطلاق طهر كامل ، والسنة أن يفصل بين الطلقة والطلقة قرء كامل ، فإذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت . طلقها طلقة بائنة ، لحصول الفصل بين الطلقتين بطهر كامل . قالوا : فلهذا المعنى اعتبر الشارع الفصل بين الطلاق الأول والثانى . قالوا: وفى بعض حديث ابن عمر ((السنة أن يستقبل الطهر ، فيطلق لكل قرء ((وروى النسائى فى سننه عن ابن مسعود قال: ((طلاق السنة أن يطلقها تطليقة وهى طاهر فى غير جماع ، فإذا حاضت فطهرت طلقها أخرى ، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة)). وهذا الاستدلال ضعيف ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإمساكها فى الطهر الثانى ، ليفرق الطلقات الثلاث على الأقراء ، ولا فى الحديث ما يدل على ذلك ، وإنما أمره بطلاقها طاهراً قبل أن يمسها، وقد ذكرنا حكمة إمساكها فى الطهر الأول . وأما قوله (( والسنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء))، فهو حديث قد تكلم الناس فيه وأنكروه على عطاء الخراسانى ، فانه انفرد بهذه اللفظة دون سائر الرواة ، قال البيهقى: وأما الحديث الذى رواه عطاء الخراسانى عن ابن عمر فى هذه القصة: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( السنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء))، فإنه أتى فى هذا الحديث بزيادات لم يتابع عليها ، وهو ضعيف فى الحديث لا يقبل منه ماینفرد به . وأما حديث ابن مسعود فمع أنه موقوف عليه ، فهو حديث يرويه أبو إسحاق عن أبى الأحوص عن عبد الله، واختلف على أبى إسحاق فيه، فقال الأعمش عنه كما تقدم، وقال سفيان الثورى عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص عنه: (( طلاق السمنة أن يطلقها طاهراً من غير جماع))، ولعل هذا حديثان ، والذى يدل عليه أن الأعمش قال : سألت إبراهيم، فقال لى مثل ذلك. وبالجملة فهذا غايته أن يكون قول ابن مسعود = - ٣٥٢ - = وقد خالفه على وغيره. وقد روى عن ابن مسعود روايتان: إحدهما : التفريق، والثانية: إفراد الطلقة، وتركها حتى تنقضى عدتها. قال: (( طلاق السنة أن يطلقها وهى طاهر، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها، أو يراجعها إن شاء)) ، ذكره ابن عبد البر عنه . ولأن هذا أرداً طلاق لأنه طلاق من غير حاجة إليه ، وتعريض لتحريم المرأة عليه إلا بعد زوج وإصابة، والشارع لاغرض له فى ذلك ولامصلحة للمطلق ، فكان بدعيا . والله أعلم . وقوله (( فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء))، احتج به من يرى الأقراء هى الأطهار . قالوا : واللام بمعنى الوقت ، كقوله تعالى ( أقم الصلاة لدلوك الشمس) وقول العرب : كتب لثلاث مضين ولثلاث بقين. وفى الحديث («فليصلها حين ذكرها ، ومن الغد للوقت قالوا فهذه اللام الوقتية بمعنى ( فيه))). وأجاب الآخرون عن هذا بأن اللام فى قوله تعالى ( فطلقوهن لعدتهن) هى اللام المذكورة فى قوله صلى الله عليه وسلم (( أن تطلق لها النساء))، ولا يصح أن تكون وقتية ، ولا ذكر أحد من أهل العربية أن اللام تأتى بمعنى ((فى )) أصلا. ولا يصح أن تكون هنا بمعنى ((فى))، ولو صح فى غير هذا الموضع ، لأن الطلاق لا يكون فى نفس العدة، ولا تكون عدة الطلاق ظرفاً له قط ، وإنما اللام هنا على بابها للاختصاص . والمعنى طلقوهن مستقبلات عدتهن، ويفسر هذا قراءة النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث ابن عمر: (( فطلقوهن فى قبل عدتهن)» ، أى فى الوقت الذى تستقبل فيه العدة . وعلى هذا فاذا طلقها فى طهرها استقبلت العدة من الحيضة التى تليه، فقد طلقها فى قبل عدتها ، بخلاف ما إذا طلقها حائضاً، فإنها لا تعتد بتلك الحيضة ، وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذى يليها ثم تشرع، فى العدة ، فلا يكون طلاقها حائضاً طلاقاً فى قبل عدتها ، وقد أفردت لهذه المسألة مصنفاً مستقلا ذكرت فيه مذاهب الناس ومآخذهم، وترجيح القول الراجح والجواب عما احتج به أصحاب القول الآخر . وقوله ((مره فليراجعها)) دليل على أن الأمر بالأمر بالشىء أمر به. وقد اختلف الناس فى ذلك ، وفصل النزاع أن المأمور الأول إن كان مبلغاً محضاً كأمر النبى صلى الله عليه وسلم آحاد الصحابة أن يأمر الغائب عنه بأمره ، فهذا أمر به = - ٢٥٣ - ٥ - باب الرجل يراجع ولا يشهد ٢١٧٢ - حدثنا بِشْرُ بنُ هِلاَلٍ أَنَّ جَعْفَرَ بنَ سُلِيمَانَ حَكَّنَهُمْ عَنْ يَزِيدَ الرَّشْكِ مِن مُطَرِّفِ بنِ عَبْدِ الهِ ((أنَّ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ سُئِلَ مَنِ ( باب الرجل يراجع ولا يشهد ) (من يزيد الرشك) بكسر المهملة وإسكان المعجمة هو ابن أبى يزيد الضبعى = من جهة الشارع قطعاً، ولا يقبل ذلك نزاعاً أصلا، ومنه قوله ((مرها فلتصبر ولتحتسب)) وقوله ((مروهم بصلاة كذا فى حين كذا)) ونظائره ، فهذا الثانى مأمور به من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا عصاء المبلغ إليه فقد عصى أمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، والمأمور الأول مبلغ محض، وإن كان الأمر متوجهاً إلى المأمور الأول توجه التكليف ، والثانى غير مكلف ، لم يكن أمراً للثانى من جهة الشارع، كقوله صلى الله عليه وسلم ((مروهم بالصلاة لسبع. فهذا الأمر خطاب للأولياء بأمر الصبيان بالصلاة ، فهذا فصل الخطاب فى هذا الباب . والله أعلم بالصواب. فهذه كانت نيهنا بها على بعض فوائد حديث ابن عمر ، فلا تستطلها ، فإنها مشتملة على فوائد جمة ، وقواعد مهمة ، ومباحث ، لمن قصده الظفر بالحق ، وإعطاء كل ذى حق حقه ، من غير ميل مع ذى مذهبه، ولا خدمة لإمامة وأصحابه ، بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بل تابع الدليل حريص على الظفر بالسنة والسبيل ، يدور مع الحق أنى توجهت ركائبه ، ويستقر معه حيث استقرت مضاربه ، ولا يعرف قدر هذا السير إلا من علت همته ، وتطلعت نوازع قلبه ، واستشرفت نفسه إلى الارتضاع من ثدى الرسالة ، والورود من عين حوض النبوة ، والخلاص من شباك الأقوال المتعارضة، والآراء المتناقضة ، إلى فضاء العلم الموروث ، عمن لا ينطق عن الهوى ، ولا يتجاوز نطقه البيان والرشاد والهدى ، وبيداء اليقين التى من حلها حشد فى زمرة العلماء، وعد من ورثة الأنبياء، وما هى إلا أوقات محدودة ، وأنفاس على العبد معدودة ، فلينفقها فيما شاء . فانظر لنفسك فى الهوى من تصطفى == أنت القتيل لكل من أحببته - ٢٥٤ - الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَقَعُ بِهَا وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى طَلَاَقِهاَ وَلاَ عَلَى رَجْعَتِهاَ؟ فَقَالَ: ◌َلَقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهاَ وَعَلَى رَجْعَتِهَا وَلاَ تَعُدْ)). ٦ - باب فى سنة طلاق العبد ٢١٧٣ - حدثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حدثنا يَحْمَ يَعْفِى ابْنَ سَعِيدٍ أخبرنا عَلِيّ بِنُ الْبَارَكِ حَدَّثِ يَحْسَى بِنُ أَبِ كَثِيرٍ أَنَّ مُمَرَ بْنَ مُمَتٍِّ أَخْرَهُ أَنَّ بَا حَسَنٍ مَوْلَى بَنِى نَوْفَلٍ أُخبرَهُ أَنَّهُ اسْتَفْتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فِى ◌َمْلُوكٍ كَانَتْ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ فَطَلَقَهَا تَطْلِقَتَيْنِ ثُمَّ عُتِقَ بَعْدَ ذلِكَ مَلْ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَخْطُبَ؟ قال نَعَمْ قَضَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم . - (ثم يقع بها) أى يجامعها للرجعة (ولا تعد) نهى عن العود إلى ترك الإشهاد. وقد استدل بالحديث من قال بوجوب الإشهاد على الراجعة . وقد ذهب إلى عدم وجوب الإشهاد فى الرجعة أبو حنيفة وأصحابه والشافعى فى أحد قوليه . واستدل لهم بحديث ابن عمر السالف فإن فيه أنه قال صلى الله عليه وسلم فليراجعها ولم يذكر الإشهاد. وقال مالك والشافعى : إنه يجب الإشهاد فى الرجعة . والإحتجاج بحديث الباب لا يصلح للاحتجاج لأنه قول محابى فى أمر من مسارح الاجتهاد ، وما كان كذلك فليس بحجة لولا ما وقع من قوله طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة . هذا تلخيص ما فى النيل. قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه. ( باب فى سنة طلاق العبد ) ( أنه استفتى ابن عباس) أى أنه طلب الفتوى من ابن عباس (فى مملوك كانت تحته مملوكة ) أى كانت فى نكاحه ( فطلقها) أى طلق المملوك المملوكة (ثم عتقا) بصيغة المجهول (بعد ذلك) أى بعد الطلاق (هل يصلح له) أى هل - - ٢٥٥- ٢١٧٤ - حدثنا عُمَّدُ بنُ الْمُتَّى أَخبرنا عُثمانُ بنُ مُمَرَ أَ نبأنا عَلِيٌّ بإِسْفَادِهِ وَمَعْنَاهُ بِلاَ إِخْبَارٍ. قال ابنُ عَبَّاسٍ: بَقَيَتْ لَكَ وَاحِدَةٌ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال أَبُو دَاوَدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَذْبَلٍ قَال قال عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال ابنُ المُبَارَكِ لِمَعْرٍ مَنْ أَبُو الْسَنِ هَذَا؟ لَقَدْ تَّلَ صَخْرَةً عَظِيمَةً . قال أَبُو دَاوَدَ: أَبُو الْسَنِ هُذَا رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِىُّ. - يجوز للمملوك (أن يخطبها) من الخطبة بالكسر (قال) أى ابن عباس (نعم) أی يجوز له . قال الخطابى فى المعالم: لم يذهب إلى هذا أحد من العلماء فيما أعلم ، وفى إسناده مقال. ومذهب عامة الفقهاء أن المملوكة إذا كانت تحت مملوك فطلقها تطليقتين أنها لا تصلح له إلا بعد زوج. قال المنذرى: وأخرجه النسائى وابن ماجه. وأبو الحسن هذا قد ذكر بخير وصلاح، وقد وثقه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان غير أن الراوى عنه عمر بن معتب ، وقد قال على بن المدينى : عمر بن المعتب مفكر الحديث، وسئل أيضاً عنه فقال مجهول لم يرو عنه غير يحمى يعنى ابن أبى كثير. وقال أبو عبد الرحمن النسائى: عمر بن معتب ليس بالقوى . وقال الأمير أبو نصر : منكر الحديث . هذا آخر كلامه. ومعقب بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد التاء ثالث الحروف وكسرها وبعدها باء موحدة . انتهى كلام المنذرى . ( بإسناده ومعناه بلا إخبار) أى بإسناد الحديث المذكور ومعناه لكن بصيغة العفعنة دون صيغة الإخبار ( بقيت لك واحدة) أى تطليقة واحدة لأنها صارت حرة وطلاقها ثلاثة (قال ابن المبارك لمعمر من أبوالحن هذا لقد تحمل - - ٢٥٦ - قال الزّهْرِىُّ: وَكَان مِنَّ الْمُقْهَاءِ رَوَى الزَّهْرِىُّ عن أَبِى الْسَنِ أَحَدِيثَ. قال أَبُو دَاوُدَ: أَبُو الْسَنِ مَعْرُوفٌ وَلَيْنَ الْعَمَلُ عَلَى هذَا الْدِيثِ. ٢١٧٥ - حدثنا مُمَُّ بنُ مَسْعُودٍ أخبرنا أبُو عَصِمٍ عن ابنِ جُرَيج عن مُظَاهِرٍ عن الْقَاسِهِ بنِ مُمَّدٍ عن عَائِشَةَ عن النِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال ((طَلَقُ الْأَمَةِ تَطْلِقَتَنِ وَقُرُوْهَا حَيْضَتَانِ)). - صخرة عظيمة الخ) ليست هذه العبارة فى رواية اللؤلؤى ولذا لم يذكرها المنذرى رحمه الله، وذكرها الخطابى ثم قال بعد ذلك : يريد بذلك إنكار ما جاء به من هذا الحديث . (طلاق الأمة) مصدر مضاف لمفعوله ، أى تطليقها (تطليقتان وقروؤها - قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : وليس فى المسألة إجماع ، فإن إحدى الروايتين عن الإمام أحمد القول بهذا الحديث ، قال : ولا أرى شيئاً يدفعه وغير واحد يقول به : أبو سلمة وجابر وسعيدبن المسيب ، هذا آخر كلامه . وقال مرة : حديث عثمان وزيد فى تحريمها عليه جيد ، وحديث ابن عباس يرويه عمر بن معتب ، ولا أعرفه، ثم ذكر كلام ابن المبارك . قال أحمد : أما أبو حسن فهو عندى معروف ، ولكن لا أعرف عمر بن معتب . وقال الإمام أحمد فى رواية ابن مصنور ، فى عبد تحته مملوكة ، وطلقها تطليقتين ثم عتقا : ينزوجها وتكون على واحدة ، على حديث عمر بن معتب . وقال فى رواية أبى طالب فى هذه المسألة : يتزوجها، ولا يبالى عتقا، أو بعد العدة ، وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبى سلمة وقتادة. قال أبو بكر عبد العزير: إن صح الحديث فالعمل عليه ، وإن لم يصح فالعمل على حديث عثمان وزيد . وحديث عثمان وزيد الذى أشار إليه: هو مارواه الأثرم فى سننه عن سليمان بن يسار: ((أن تفيعاً مكاتب أم سلمة طلق امرأته حرة بتطليقتين، فسأل عثمان وزيد بن ثابت عن ذلك؟ فقالا: حرمت عليك)). قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : وللحديث بعد علة عجيبة ، ذكرها البخارى فى تاريخه الكبير قال مظاهر = -٢٥٧- قال أبُو عَصِمٍ: حدَّثْنى مُظَاهِرٌ حَدَّتِى الْقَاسِمُ عن عَائِشَةَ من النّئُّ صلى اللهُ عليه وسلم مِثْلَهُ إلاَّ أنَّهُ قال ((وَعِدَّتُهَا حَيْضَتانِ ». قال أبُو دَاوُدَ: هُوَ حَدِيثٌ تَجْهُولٌ . [ قال أبُو دَاوُدَ: الْحَدِيثَانِ جميعاً لَيَْ الْعَمَلُ عَلَيْهِمَاَ. - حيضتان) وفى الرواية الآتية وعدتها حيضتان . قال الخطابى فى المعالم: اختلف العلماء فى هذا فقالت طائفة: الطلاق بالرجال والعدة بالنساء، روى ذلك عن ابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس ، وإليه ذهبّ عطاء بن أبى رباح وهو قول مالك والشافعى وأحمد وإسحاق ، فإِذا كانت أمة تحت حر فطلاقها ثلاث وعدتها قراءان ، وإن كانت حرة تحت عبد فطلاقها ثنتان وعدتها ثلاثة أقراء فى قول هؤلاء . وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثورى: الحرة تعقد ثلاثة أقراء كانت تحت حر أو عبد وطلاقها ثلاث كالعدة، والأمة تعمد قرين وتطلق تطليقتين سواء كانت تحت حر أو عبد ، = بن أسلم عن القاسم عن عائشة رفعه ((طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان) قال أبو عاصم: حدثنا ابن جريج عن مظاهر، ثم لقيت مظاهراً فحدثنا به وكان أبو عاصم يضعف مظاهراً، وقال يحي بن سليمان : حدثنا ابن وهب قال : حدثنى أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه: (( أنه كان جالساً عند أبيه، فأتاه رسول الأمير، فقال: إن الأمير يقول لك: كم عدة الأمة ؟ قال : عدة الأمة حيضتان ، وطلاق الحر الأمة ثلاث ، وطلاق العبد الحرة تطليقتان، وعدة الحرة ثلاث حيض )) ثم قال للرسول : أين تذهب؟؟ قال: أمرنى أن أسأل القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، قال فأقسم عليك إلا رجعت إلى فأخبرتنى ما يقولان ، فذهب ورجع إلى أبى، فأخبره أنهما قالا كما قال، وقالا له : قل: إن هذا ليس فى كتاب الله، ولا فى سنة رسول الله، ولكن عمل به المسلمون . (١٧ - عون المعبود ٦) - ٢٥٨ - قال أبُو دَاوُدَ: مُظَاهِرٌ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ. قال أبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مَجْهُولٌ]. - والحديث حجة لأهل العراق إن ثبت ولكن أهل الحديث ضعفوه، ومنهم من تأوله على أن يكون الزوج عبداً انتهى. قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وابن ماجه . وقال أبو داود: هو حديث مجهول. وقال الترمذى : حديث غريب ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم ، ومظاهر لا يعلم له فى العلم غير هذا الحديث. هذا آخر كلامه. وقد ذكر له أبو أحمد بن عدى حديثاً آخر رواه عن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشرآيات من آخر آل عمران كل ليلة . قلت : ومظاهر هذا مخزومى مكى ضعفه أبو عاصم النبيل . وقال يحيى بن معين: ليس بشىء مع أنه لا يعرف . وقال أبو حاتم الرازى : منكر الحديث . وقال الخطابي : والحديث حجة لأهل العراق إن ثبت ، ولكن أهل الحديث ضعفوه، ومنهم من تأوله على أن يكون الزوج عبداً. وقال البيهقى : لو كان ثابتاً قلنا به إلا أنا لا نثبت حديثاً يرويه من تجهل عدالته وبالله التوفيق . هذا آخر كلامه . ومظاهر بضم الميم وفتح الظاء المعجمة وبعد الألف هاء مكسورة وراء مهملة . = وذكر الدار قطنى حديث مظاهر ، ثم قال : والصحيح عن القاسم خلاف هذا، وذكر عن القاسم أنه قيل له: بلغك فى هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا . وذكره الدار قطنى أيضاً من حديث ابن عمر مرفوعاً ، وقال : تفرد به عمر بن شبيب والصحيح أنه من قول ابن عمر . -٢٥٩ - ٧ - باب فى الطلاق قبل النكاح ٢١٧٦ - حدثنا مُتْلِمُ بنُ إِبْراهِيمَ حدثنا هِشَامٌ ح. وَأخبرنا ابنُ الصَّبَّاحِ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عَبْدِ الصَّعَدِ قالاَ أخبرنا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ من عَمْرِوِ بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال : (لا ◌َّلاَفَ إِلَّا فِيمَا تْلِكُ، وَلا عِنْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلا بَيْعَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ)) زَادَ ابنُ الصَّبَّاحِ ((وَلا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلَّ فِيمَا تَمْلِكُ)). ( باب فى الطلاق قبل النكاح ) (لا طلاق إلا فيما تملك) أى لا صحة له ، وقد وقع الإجماع على أنه لا يقع الطلاق الناجز على الأجنبية، وأما التعليق نحو أن يقول إن تزوجت فلانة فهى طالق ، فذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أنه لا يقع ، وحكى عن أبى حنيفة وأصحابه أنه يصح التعليق مطلقاً . وذهب مالك فى المشهور عنه وربيعة والثورى والليث والأوزاعى وابن أبى ليلى إلى التفصيل ، وهو أنه إن جاء بحاصر نحو أن يقول كل امرأة أتزوجها من بنى فلان أو بلد كذا فعى طالق ، صح الطلاق ووقع، وإِن هم لم يقع شىء. وهذا التفصيل لا وجه له إلا مجرد الاستحسان ، كما أنه لا وجه للقول بإطلاق الصحة. والحق أنه لا يصح الطلاق قبل النكاح مطلقاً . كذا فى الفيل (زاد ابن الصباح) أى فى روايته (ولا وفاء نذر إلا فيما تملك) فلو قال لله على أن أعتق هذا العبد ولم يكن ملكه وقت النذر لم يصح النذر، فلو ملكه بعد هذا لم يعتق عليه كذا فى المرقاة قال المنذرى. وأخرجه الترمذى وابن ماجه بنحوه. وقد روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم . وقال الترمذى : حديث حسن وهو أحسن شىء روى فى هذا الباب. وقال أيضاً: سألت محمد - -٢٦٠- ٢١٧٧ - حدثنا مُمَّدُ بنُ الْعَلَاَءِ أنبأنا أبُو أُسَامةَ عن الْوَلِيدِ بنِ كَثِيرِ حدَّ ثَنِى عَبْدُ الرَّلْنِ بنُ الحادِثِ عن ◌َعَمْرِو بْنِ شُعَيٍْ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ زَادَ: « وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلاَ يَمِينَ لَهُ ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلاَ يَمِينَ لَهُ)). ٢١٧٨ - حدثنا ابنُ الشَّرْحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن يَحْعَى بنِ عَبْدِ اللهِ ابنِ سَالِمِ عن عَبْدِ الرَّْنِ بنِ الحارِثِ المَخْزُومىِّ عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عن أبيهٍ عَن جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلى اللهُ عليه وسلم قال فى هذَا الْبَرِ زَادَ ((وَلانَذْرَ إِلاَّ فِيمَا ابْتُفِىَ بِهِ وَجْهُ اللهِ تَعَلَى ذِ كْرُهُ)). - ابن إسماعيل فقلت: أى شىء أصح فى الطلاق قبل النكاح؟ فقال حديث عمرو ابن شعب عن أبيه عن جده . وقال الخطابى: وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره وأجراء على عمومه، إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال والحديث حسن انتهى كلام المنذرى . ( من حلف على معصية فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رحم فلا يمين له) وهو تخصيص بعد تعميم كالخلف على ترك الكلام مع أخيه . قال الخطابي: هذا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون أراد به اليمين المطلقة من الأيمان فيكون معنى قوله لا يمين له أى لا يبر بيمينه لكن يحنث ويكفر ، كماروى أنه قال (( من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه » والوجه الآخر أن يكون أراد به النذر الذى مخرجه مخرج اليمين كقوله إن فعات فلله على أن أذبح ولدى ، فإن هذه يمين باطلة لا يلزم الوفاء بها ولا يلزمه فيها كفارة ولا فدية ، وكذلك فيمن نذر أن يذبح ولده على سبيل التبرر والتقرب. فالنذر لا ينعقد فیه والوفاء به لا يلزم به وليس فيها کفارة والله أعلم (ولا نذر سبك ..