Indexed OCR Text
Pages 461-480
- ٤٦١- عَلَيْهِ فْقَلَتْ يَارَسُولَ اللهِ إِنَّ عَلَىَّ حَجَّةً وَإِنَّ لِأَبِى مَعْقَلِ بَكْراً، قَالَ أَبُو مَعْقّلٍ صَدَقَتْ جَعَلْتُهُ فِى سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَعْطِهَا فَلْتَحُجَّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ فِى سَبِيلِ اللهِ، فَأَعْطَاهَا الْبَكْرَ، فَقَلَتْ يَا رَسُولَ - على حجة) أى بإرادة حج لى كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ما قدر لى الحج مع النبى صلى الله عليه وسلم وفاتنى وحصل لى الحزن والتأسف على فوت المعية التى كانت باعثة لكثرة الثواب وتؤيده رواية النسائى ولفظه أن أم معقل جعلت عليها حجة معك، وعند ابن مندة أيضاً جعلت على نفسها حجة معك فلم يتيسر لها ذلك وليس المراد أن على حجة فرضاً أو نذراً ، فلا يدل الحديث على إجزاء العمرة فى رمضان عن الحج وأنه يسقط بها الفرض عن الذمة بل المراد أن ثواب العمرة فى رمضان كثواب الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا العأويل هو المتعين . ولاشك أن رواة هذا الحديث لم يتقنوا ألفاظ الحديث ولم يحفظوها بل اختلطوا وغيروا الألفاظ واضطربوا فى الإسناد ، وفيه ضعيف ومجهول (حتى دخلا عليه) أى على النبى صلى الله عليه وسلم ( إن على حجة) تقدم تأويله ( بكراً) بالفتح الفتى من الإبل (صدقت ) زوجتى أم معقل ( جعلته) البكر ( فى سبيل الله) أى الغزو والجهاد (عليه) أى على البكر (فإنه) الحج ( فى سبيل الله) كما أن الجهاد فى سبيل الله. قال الخطابي: فيه من الفقه جواز إحباس الحيوان ، وفيه أنه جعل الحج من السبيل . وقد اختلف الناس فى ذلك فكان ابن عباس لا يرى بأساً أن يعطى الرجل من زكاته فى الحج ، وروى مثل ذلك عن ابن عمر ، وكان أحمد بن حنبل وإسحاق يقولان يعطىمن ذلك فى الحج، وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثورى والشافعى لا تصرف الزكاة إلى الحج وسهم السبيل عندهم الغزاة والمجاهدون انتهى. وقال المنذرى: قال الترمذى: وحديث أم معقل حسن غريب من هذا الوجه انتهى . وقد روى من حديث أبى بكر بن عبدالرحمن عن أبى معقل وهو الأسدى ويقال الأنصارى - -٤٦٢ - اللهِ إِّى امْرَأَةٌ قَدْ كَبِرْتُ وَسَقِمْتُ فَهَلْ مِنْ عَمَلٍ يُجْزِئُ عَنِّ مِنْ حَجَّتِ؟. قَالَ عُمْرَةٌ فِى رَمَضَانَ تُجْزِئُ حَجَّهَ)). ١٩٧٣ - حدثنا مُمَّدُ بنُ عَوْفِ الطَّأَنْىُّ حدثنا أَحَدُ بنُ خالِدِ الْوَحْبِىُّ أخبر نا مُّدُ بنُ إِسْحَقَ منْ عِيسَى بِن مَعْقَلٍ بن أُمِّ تَعْقَلِ الْأَسَدِىِّ أَسَدِ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنِى يُوسُفُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن سَلَامٍ عِنْ جَدّتِهِ أُمَّ مَعْقَلٍ قَالَتْ ((لَمَاْ حَجَّ رَسُولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَكَنَ لَنَا جَمَلٌ - وحديث أم معقل فى إسناده رجل مجهول وفى إسناده أيضاً إبراهيم بن مهاجر البجلى الكوفى وتكلم فيه غير واحد . وقد اختلف على أبى بكر بن عبد الرحمن فيه، فروى عنه كما ههنا ، وروى عنه عن أم معقل بغير واسطة ، وروى عنه عن أبى معقل كما ذكرنا . وقد أخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها ((مامنعك أن تحجى معنا؟ قلت لم يكن لنا إلا ناضحان فحج أبو ولدها وابتها على ناضح وترك لنا ناضحاً ننضح عليه . قال فإذا جاء رمضان فاعتمرى فإن عمرة فيه تعدل حجة)) ولفظ البخارى ((فإن عمرة فى رمضان حجة)) أو نحواً مما قال، وسماها فى رواية مسلم أم سنان . وفيه قال جعله فى سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أعطها فلتحج عليه فعمرة فى رمضان تقضى حجة أو حجة معى)) انتهى كلام المنذرى (إنى امرأة قد كبرت) من باب سمع أى من طول عمرى ( وسقمت ) الآن فما أدرى متى أحج (فهل من عمل يجزىء) أى يكفى (على من حجتى ) معك ( تجزىء حجة) معى . (الأسدى أسد خزيمة) الأسدى منسوب إلى أسد والأسد كثيرون لكن - : ٦ -٤٦٣ -- فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقَلٍ فى سَبِيلِ اللهِ وَأَصَابَفَ مَرَضٌ وَهَلَكَ أَبُو مَعْقَلٍ وَخَرَجَ النَّبُ صلى اللهُ عليه وسلم ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَجِِّ جِئْتُهُ فَقَالَ ◌َ أُمَّ مَعْقَلٍ مَا مَنَعَكِ. أَنْ تَخْرُجِى مَعَنَا؟ قَالَتْ لَقَدْ تَهَيَّأْنَا فَهَكَ أَبُو مَعْقَلٍ وَ كَانَ لَنَا ◌َجَلٌ هُوَّ الَّذِى نَُّ عَلَيْهِ ، فَأَوْصَى بِهِ أَبُو مَعْقَلٍ فِى سَبِيلِ اللهِ قَالَ فَهَلاً خَرَجْتٍ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَجِّ فى سَبِيلِ اللهِ، فَأَمَّا إِذْ [ إِذَا ] فَاتَتْكِ هُذِهِ الحَجَةُ مَعَنَاَ ، فَاعْتَمِرِى فِى رَمَضَنَ فَإِنَّهَا كَحِجَّةٍ، فَكَنَتْ تَقُولُ الحَجُّ حَجَّةٌ وَالْعُمْرَةُ عُمَْةٌ، وَقَدْ قَالَ هُذَا لِيَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، مَا أَذْرِى أَلِيَ خَاصَّةً » . - أم معقل هى منسوب إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضرأبى قبيلة عظيمة من مضر الحمراء : قاله فى تاج العروس ( فجعله أبو معقل فى سبيل الله) ولم يكن لى غير هذا الجمل فكان هذا هو السبب لفوت حجتى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأصابنا مرض) بعد ذلك ( وهلك أبو معقل) بعد رجوعه مع النبى صلى الله عليه وسلم وليس المراد أنه مات قبل خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الحج، فالعبارة فيها تقديم وتأخير، ولفظ البخارى : قالت لنا ناضح فركبه أبو فلان وابنه وترك ناضحاً تنضح عليه. وفى لفظ لمسلم: قالت ناضحان كانا لأبى فلان زوجها حج هو وابنه على أحدهما وكان الآخر يسقى عليه غلامنا (فلما فرغ) النبى صلى الله عليه وسلم ( من حجه) ودخل المدينة (جئته) أى أنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فقال) لى النبى صلى الله عليه وسلم (لقد تهيأنا) للخروج معك فلم نقدر على الخروج وخرج أبو معقل معك ( فهلك أبو معقل ) بعد الحج ( فأوصى به) أى جعله فى سبيل الله ( فهلا خرجت عليه) أى على ذلك الجمل المعد فى سبيل الله (فإنها) العمرة فى رمضان (كحجة) معى أى فى الثواب (فكانت تقول) أم معقل (الحج حجة والعمرة عمرة) تعنى ما هما واحدة فى - -٤٦٤- - المنزلة فكيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم عمرة رمضان كحجة (و) لا شك (قد قال هذا) القول أى العمرة فى رمضان تعدل حجة (فما أدرى ألى خاصة) أو لجميع الأمة عامة . قال الحافظ فى الفتح: قال ابن خزيمة فى هذا الحديث: إن الشىء يشبه بالشىء ويجعل عدله إذا أشبهه فى بعض المعانى لا جميعها، لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر . وقال ابن بطال: فيه دليل على أن الحج الذى ندبها إليه كان تطوعاً لإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزىء عن حجة الفريضة. فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة فى رمضان تعدل الحجة فى الثواب لا أنها تقوم مقامها فى إسقاط الفرض للاجماع على أن الاعتمار لا يجزىء عن حج الفرض . ونقل الترمذى عن إسحاق بن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن. وقال ابن العربى: حديث العمرة صحيح وهو من فضل الله ونعمته فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها . وقال ابن الجوزى : فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد . وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد عمرة فريضة فى رمضان كمجة فريضة وعمرة نافلة فى رمضان كحجة نافله . ويحتمل أن يكون لبركة رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصاً بهذه المرأة. قال الحافظ: الثالث قال به بعض المتقدمين كسعيد بن جبير فإنه قال: ولا تعلم هذا إلا لهذه المرأة وحدها، وهكذا وقع عند أبى داود من قول أم معقل ، والظاهر حمله على العموم . انتهى . قال المنذرى: فى إسناده محمد بن إسحاق. وقال النمرى : أم طليق لها محبة حديثها مرفوع: عمرة فى رمضان تعدل حجة فيها نظر . وقال أيضاً : أم معقل الأنصارية وهى أم طليق لها كنيتان انتهى. قال الحافظ : وزعم ابن عبد البر - -٤٦٥- ١٩٧٤ - حدثنا مَُدَّدٌ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ منْ عَامِرِ الْأحْوَلِ عن بَكْرِ بِن عَبْدِ اللهِ عن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: ((أرَادَ رسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم الحَجَّ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا أَحِجَّفِى [أَحْجِجْنِى ]َمَ رَسُولِ اللهِ صلى اله عليه وسلم عَلَى بَلِكَ فَقَالَ مَا عِنْدِى مَا أُحِجُكِ عَلَيْهِ قَالَتْ [فَقَالَتْ] أَحْجِجْنِى عَلَى بَلِكَ فُلانٍ قَالَ ذَاكَ حَبِيسٌ فى سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلٌّ فَأَنَى رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فَقَالَ إنَّ امْرَأْتِى تَقَرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَرَحمَةَ اللهِ وَإِنَّها سأَلَنْسِ الحَجَّ مَعَكَ قَالَتْ أَحِجَّبِى مع رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ مَاَ عِنْدِى مَ أُحِبُّكِ عَلَيْهِ قَالَتْ [ فَقَالَتْ] أُحِجِّنِ عَلَى جَمَلِكَ فُلاَنٍ، فَقُلْتُ ذَاكَ حَبِيسٌ فِى سَبِيلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ أَمَ إِنَّكَ لَوْ أَحْجَجْتَهَاَ عَلَيْهِ كَانَ . فِى سَبِيلِ اللهِ، أَمَا وَإِنَّهَ أمَرَ نْنِى أَنْ أَسْأَلَكَ مَا يَعْدِلُ حِجَّةٌ مَعَكَ؟ قال - أن أم معقل هى أم طلهق لما كنيتان وفيه نظر ، لأن أبا معقل مات فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وأبا طليق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب وهو من صغار التابعين ، فدل على تغاير المرأتين انتهى . قلت : لحديث أم معقل طرق وأسانيد ولا يخلو من الاضطراب فى المتن والإسناد. وقد ساق بعض أسانيد الحافظ فى الإصابة فى ترجمة أبى معقل ولأجل دفع الاضطراب ورفع التناقض قد أولت فى تفسير بعض الألفاظ كما عرفت . والحديث الصحيح فى هذا الباب ما أخرجه الشيخان عن ابن عباس ، كذا فى الشرح ( فأتى ) الرجل ( رسول الله صلى الله عليه وسلم) بعد ما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجته ( إنها سألتنى الحج معك) قبل أن تخرج (ذاك) الجمل ( حييس) أى وقف ( قال) النبى صلى الله عليه وسلم (أما) بفتح الهمزة وفتح الميم المخففة حرف التنبيه (وإنها أمرتنى) عطف على أنها سألتنى . قال - (٣٠ - عون المعبود٥) -- ٤٦٦ - رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أقْرِتُهاَ السَّلاَم وَرِحَةَ اللهِ وَبَرَ كَاتِ وَاخْبِرْها أنَّها تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِى يَغْنِى عُمْةً فِى رَمَضانَ )). ١ ١٩٧٥ - حدثنا عَبْدُ الأعْلَى بنُ حَمَّدٍ أخبرنا دَاوُدُ بنُ عَبْدِ الرَّحمنِ عِنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عِنْ عَائِشَةَ ((أنّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم اعْتَمَرَ هُمْتَيْنِ عُمْةً فِى ذِى الْقَعْدَةِ وَهُمْرَةٌ فِى شَوَّالَ )) . الحافظ فى الفتح: والذى يظهر لى أن حديث ابن عباس عند الشيخين فى قصة امرأة من الأنصار ، وأن حديث أم معقل عند أهل السنن أنهما قصتان وقعتا لامرأتين، ووقعت لأم طليق قصة مثل هذه أخرجها أبو على بن السكن وابن منده والدولابى فى الكنى من طريق طلق بن حبيب أن أبا طليق حدثه أن امرأته قالت له وله جمل وناقة أعطنى جملك أحج عليه قال جملى حبيس فى سبيل الله ، قالت إنه فى سبيل الله ، قالت إنه فى سبيل الله أن أحج عليه، فذكر الحديث وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت أم طليق، وفيه ما يعدل الحج ، قال عمرة فى رمضان ، وفى القصة التى فى حديث ابن عباس من التغاير للقصة التى فى حديث غيره، ولقوله فى حديث ابن عباس إنها أنصارية ، وأما أم معقل فإنها أسدية انتهى . وقد أخرج النسائى نحوه مختصراً من رواية أبى معقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه ذكر العمرة فى رمضان وأخرجه ابن ماجه مختصراً . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( عمرة فى رمضان تعدل حجة )) انتهى . ( اعتمر عمرتين) وروى سعيد بن منصور عن الدراوردى عن هشام عن قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله . لم يتكلم المنذرى على هذا الحديث، وهو وهم ، فإن رسول الله صلى الله عليه == =٤٦٧ = - أبيه عن عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر عمرتين فى ذى القعدة وعمرة فى شوال. قال الحافظ: إسناده قوى. وقد رواه مالك عن هشام عن أبيه مرسلا لكن قولها فى شوال مغاير لقول غيرها فى ذى القعدة ويجمع بينهما بأن يكون وقع فى آخر شوال وأول ذى القعدة ، ويؤيده ما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح عن مجاهد عن عائشة (( لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى ذى القعدة)) انتهى. وقال الحافظ ابن القيم: وظن بعض الناس أن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر فى سنة مرتين واحتج بما أخرجه أبو داود عن عائشة - = وسلم لم يعتمر فى شوال قط فإنه لا ريب أنه اعتمر عمرة الحديبية، وكانت فى ذى القعدة ، ثم اعتمر من العام القادم عمرة القضية وكانت فى ذى القعدة ، ثم غزا غزاة الفتح ودخل مكة غير محرم ، ثم خرج إلى هوازن وحرب ثقيف ، ثم رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرانة ، وكانت فى ذى القعدة ، ثم إعتمر مع حجته عمره قرنها بها ، وكان ابقد ؤها فى ذى القعدة ، وسيأتى حديث أنس بعد هذا فى أن عمرة صلى الله عليه وسلم كانها كانت فى ذى القعدة. وقد روى مالك فى الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر إلا ثلاثاً ، إحداهن فى شوال، واثنتين فى ذى القعدة ). وهذا مرسل عند جميع رواة الموطأ . قال ابن عبد البر: وقد روى مسنداً عن عائشة ، وليس رواته مسنداً ممن يذكر مع مالك فى صحة النقل . وقال ابن شهاب: (( اعتمر رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر ، اعتمر عام الحديبية ، فصده الذين كفروا فى ذى القعدة سنة ست ، واعتمر من العام المقبل فى ذى القعدة سنة سبع ، آمناً هو وأصحابه ، ثم اعتمر العمرة الثالثة فى ذى القعدة سنة ثمان ، حين أقبل من الطائف من الجعرانة )) . وروى معمر عن الزهرى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعاً))، فذ کر مثل هذا ، وكذلك فى حديث عبد الله بن عمرو وغيره، وكذلك ذكرموسى ابن عقبة وزاد: ((ومنهن واحدة مع حجته)) وكذلك قال جابر: ((اعتمر = -٤٦٨- - قالوا وليس المراد بها ذكر مجموع ما اعتمره فإن أنسا وعائشة وابن عباس وغيرهم قد قالوا إنه اعتمر أربع عمر فعلم أن مرادها به أنه اعتمر فى سنة مرتين مرة فى ذى القعدة ومرة فى شوال . قال ابن القيم : وهذا الحديث وهم وإن كان محفوظاً عنها، فإن هذا لم يقع قط فإنه اعتمر أربع معمر بلا ريب : العمرة الأولى كانت فى ذى القعدة عمرة الحديبية ثم لم يعتمر إلا فى العام القابل محمرة القضية فى ذى القعدة، ثم رجع إلى المدينة ولم يخرج إلى مكة حتى فتحها سنة ثمان فى رمضان ولم يعتمر ذلك العام ، ثم خرج إلى حدين وهزم الله أعداؤه فرجع إلى مكة وأحرم بعمرة وكان ذلك فى ذى القعدة كما قال أنس وابن عباس ، فمتى اعتمر فى شوال ولكن لقى العدو فى شوال وخرج فيه من مكة وقفى عمرته لما فرغ من أمر العدو فى ذى القعدة ليلا، ولم يجمع ذلك العام بين عمرتين ولا قبله ولا بعده انتهى. قال ابن القيم: وقولها اعتمر فى شوال إن كان هذا محفوظاً فلعله فى عمرة الجمرانة حين خرج فى شوال ولكن إنما أحرم بها - = رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر . كلهن فى ذى القعدة ، إحداهن زمن الحديبية ، والأخرى فى صلح قريش ، والأخرى فى رجعته من الطائف ومن حنين - من الجعرانة )) وهذا لا يناقض ما روى الثورى عن جعفر عن أبيه عن جابر : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر، وحجة بعد. ما هاجر، معها عمرة))، فإن جابراً أراد عمرته)) ، فإن جابراً أراد عمرته المفردة التى أنشأ لها سفراً لأجل العمرة، ولا يناقض هذا أيضا حديث ابن عمر (( أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين)) كما سيأتى بعد هذا : فإن كان هذا محفوظاً عن عائشة (( أنه اعتمر فى شوال)) فلعله عرض لها فى ذلك ما عرض لابن عمر من قوله ((إنه اعتمر فى رجب ))، وإن لم يكن محفوظاً عن عائشة كان الوهم من عروة أو من هشام ، والله أعلم ، بل أن يحمل على أنه ابتدأ إحرامها فى شوال ، وفعلها فى ذى القعدة ، فتفق الأحاديث كلها . والله أعلم . -٤٦٩- ١٩٧٦ - حدثنا النُّفَعِلِىُّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا أَبُو إِسْحَاقَ عن مُجَاهِدٍ قال ((سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ :: كَمِ اهْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم؟ فقالَ: مَّتَيْنِ ، فقالَتْ عَائِشَةُ: لَقَدْ عَلَ ابنُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قد اعْتَمَرَ ثَلاَثًا سِوَى الَّتِى قَرَهَاَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ». - فى ذى القعدة وكذا أوله شيخ مشائخها محمد إسحاق المحدث الدهلوى فقال : قولها عمرة فى شوال هذه إشارة إلى عمرة الجعرانة التى وقعت فى ذى القعدة ، لكن لما كان خروجه صلى الله عليه وسلم إلى حنين فى شوال وكان بعد رجوعه من حنين وقوع هذه العمرة فى هذه السنة فى هذا السفر نسبتها إلى شوال وإن كانت فى ذى القعدة انتهى . والحديث سكت عنه المنذرى . ( مرتين) بشبه أن يكون ابن عمر لم يعد العمرة التى قرنها النبى صلى الله عليه وسلم بحجته ولم يعد أيضاً عمرة الحديبية التى صد عنها (لقد علم ابن عمر) كأنها نسبته إلى نسيانه بعد علمه بأنها كانت أربع عمر. وقد روى مجاهد وعروة بن الزبير عن عبد الله بن عمر أنه قال: اعتمر النبى صلى الله عليه وسلم أربع كما عدد البخارى وغيره ( قد استمر ثلاثاً) عمرة الحديبية سنة ست، والعمرة فى العام المقبل، وعمرة الجعرانة (سوى التى قرنها بحجة الوداع ) وهى الرابعة وكانت سنة عشر مع حجة الوداع . قال المنذرى: وأخرجه النسائى وأخرجه ابن ماجه مختصراً بنحوه. قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: قال ابن حزم : صدقت عائشة، وصدق ابن عمر . لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر منذ هاجر إلى المدينة عمرة كاملة مفردة . إلا اثنتين . كما قال ابن عمر وهما عمرة القضاء. وعمرة الجعرانة عام حنين. وعدت عائشة وأنس إلى هاتين = - ٤٧٠ - ١٩٧٧ - حدثنا التُّفَيْلِىُّ وَقُتَيْبَةُ قَالاً أخبر نادَاوُدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْعَطْارُ عن عَمْرِو بنِ دِينَرٍ عن عِكْرِمَةً عن ابنِ عَبَأْسٍ قال: ((اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَرْبَعَ مُمَرٍ: مُمْرَةَ الْدَيْبِيَةِ ، وَالثَّانِيَةَ حِينَ تَوَاطَُّوا عَلَى عُمْرَةٍ مِنْ قَابِلٍ ، وَالثَّالِئَةَ مِنَ الْجِرَّانَةِ، وَالرَّابِعَةَ الَّى قَرَنَ مَعَ حَجَّتِهِ)) . (أربع عمر) بضم العين وفتح الميم جمع عمرة هو مفعول اعتمر (عمرة الحديبية) بتخفيف الياء وتشديدها قيل هى اسم بئر، وقيل شجرة ، وقيل قرية قريب من مكة أكثرها فى الحرم وهى على تسعة أميال من مكة ، ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً إلى هذا الموضع فاجتمع قريش وصدوه من دخول مكة فصالحهم ورجع على أن يأتى العام المقبل ولم يعتمر ولكن عدوها من العمر لترتب أحكامها من إرسال الهدى والخروج عن الإحرام فنحر وحلق وكانت فى ذى القعدة ( والثانية ) بالنصب عطف على عمرة الحديبية أى العمرة الثانية ( حين تواطؤا على عمرة من قابل) أى توافقوا وصالحوا فى الحديبية على أداء العمرة فى السنة القابلة وهى أيضاً فى ذى القعدة سنة سبع (والثالثة من الجعرانة) فيها لغتان إحداهما بكسر الجيم وسكون العين المهملة وفتح الراء مخففة وبعد الألف نون والثانية بكسر العين وتشديد الراء وهى ما بين الطائف ومكة وهى = لعمرتين عمرة الحديبية التى صد عنها، والعمرة التى قرنها بحجته ، فتألفت أقوالهم وانتفى التعارض عنها . ثم قال الشيخ ابن القيم رحمه الله بعد قول المنذرى : وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً فى رمضان - إلى أن قال المنذرى : وكان ابتداء خروجهم لها فى رمضان -: وهذا لا يصح لأنه صلى الله عليه وسلم يخرج فى رمضان إلى مكة إلا فى غزاة الفتح ولم يعتمر فيها . : - ٤٧١ = ١٩٧٨ - حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ وَهُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ قالاً أخبرنا ◌َّامٌ عَن قَتَادَةَ عن أَنَسِ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عَ كُلَّهُنَّ فِى ذِى الْقَعْدَةِ إلَّ الَّى مَعَ مَجَّتِهِ )). قال أَبُو دَاوُدَ: أَنْقَنْتُ مِنْ هُهُنَ مِنْ هُدْبَةَ وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبِى الْوَلِدِ وَلم أَضْبِطْهُ (ُهُمْرَةَ زَمَنَ الْدَيْبِيَةِ أَوْ مِنَ الْدَيْبِيَةِ وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ فِى ذِى الْقَعْدَةِ - إلى مكة أقرب فهى فى ذى القعدة أيضاً سنة ثمان وهى بعد الفتح (والرابعة التى قرن مع حجقه ) هى فى سنة عشر وكانت أفعالها فى ذى الحجة بلا خلاف ، وأما إحرامها فالصحيح أنه كان فى ذى القعدة. كذا فى عمدة القارى . قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وابن ماجه. وقال الترمذى: غريب وذكر أنه روی مرسلا . ( هدية) بضم الهاء وسيكون الدال وفى صحيح مسلم هداب وهما واحد (إلا التى مع حجته) أى العمرة كلها فى ذى القعدة إلا التى فى حجته كانت فى ذى الحجة قاله الحافظ وقال ابن القيم : ولا تناقض بين حديث أنس أنهن فى ذى القعدة إلا التى مع حجته وبين قول عائشة وابن عباس لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى ذى القعدة، لأن مبدأ عمرة القران كان فى ذى القعدة ونهايتها كان فى ذى الحجة مع انقضاء الحج ، فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها وأنس أخبر عن انقضائها (اتقنت) من الاتقان وهو الحفظ والضبط التام (من ههنا) الذى يأتى بعد ذلك وهو من قوله عمرة زمن الحديبية إلى آخر الحديث (من هدية) بن خالد ( وسمعته) أى القول المذكور آنفاً ( من أبى الوليد) الطيالسى ( ولم أضبطه) أى لم أحفظه كما ينبغى ثم شرع فى بيان لفظ هدية فقال ( عمرة زمن الحديبية) نصب باعتمر وهى العمرة الأولى (أو من الحديبية) هذا شك من أحد الرواة فوق أبى داود ، وهكذا أخرجه مسلم بالشك وأما - - ٤٧٢ - وَكُمْرَّةً مِنَ الْجِرَّانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَاْمَ حُنَيْنٍ فِى ذِى الْقَمْدَةِ ، وَهُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ ». - البخارى فأخرجه من غير شك ولفظه عمرته من الحديبية ( وعمرة القضاء فى ذى القعدة ) من العام المقبل هى العمرة الثانية وهى عمرة القضاء والقضية ، وإنما سميت بهما لأنه صلى الله عليه وسلم قاضى قريشاً لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التى صدر عنها إذلو كان كذلك لكانتا عمرة واحدة ، وهذا مذهب المالكية والشافعية ، وتقدم بيان ذلك . وقال الحنفية: هى قضاء عنها ، قال ابن الهمام فى فتح القدير شرح الهداية: وتسمية الصحابة وجميع السلف إياها بعمرة القضاء ظاهر فى خلافه وتسمية بعضهم إياها عمرة القضيه لا ينفيه ، فإنه اتفق فى الأولى مقاضاة النبى صلى الله عليه وسلم أهل مكة على أن يأتى من العام المقبل فيدخل مكة بعمرة ويقيم ثلاثاً وهذا الأمر قضية تصح إضافة هذه العمرة إليها ، فإنها عمرة كانت عن تلك القضية فهى قضاء عن تلك القضية فتصح إضافتها إلى كل منهما ، فلا تستلزم الإضافة إلى القضية نفى القضاء، والإضافة إلى القضاء تفيد ثبوته فيثبت مفيد ثبوته بلا معارض انتهى ( وعمرة من الجعرانة ) هى الثالثة (غنائم) جمع غنيمة وهى ما نهل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة، والفىء ما يغل منهم بعد أن تضع الحرب أوزارها ( حنين) بالصرف واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال ، وكانت فى سنة ثمان فى زمن غزوة الفتح ، ودخل عليه صلى الله عليه وسلم بهذه العمرة إلى مكة ليلا وخرج منها ليلا إلى الجعرانة فبات بها فلما أصبح وزالت الشمس خرج فى بطن سرف حتى جامع الطريق ، ومن ثم خفيت هذه العمرة على كثير من الناس. قاله القسطلانى ( وعمرة مع حجته) فى ذى الحجة هى الرابعة . والحديث أخرجه البخارى ومسلم من طريق هدبة بن خالد. وأخرج أيضًا البخارى من طريق أبى الوليد وساق متنه بالضبط والإتقان وأخرجه الترمذى . - ٤٧٣ - - فائدة: ولم يحفظ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه اعتمر فى السنة إلا مرة واحدة ، ولم يعتمر فى سنة مرتين. فإن قيل فبأى شىء يستحبون العمرة فى السنة مراراً خصوصاً فى رمضان ثم لم يثبتوا ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم، قيل: إن النبى صلى الله عليه وسلم كان يشتغل فى العبادات بما هو أهم من العمرة ولم يكن يمكنه الجمع بين تلك العبادات وبين العمرة فإنه لو اعتمر مراراً لبادرت الأمة إلى ذلك وكان يشق عليها ، وقد كان يترك النبى صلى الله عليه وسلم كثيراً من العمل وهو يحب أن يعمله خشية المشقة عليهم. ولما دخل البيت خرج منه حزيناً فقالت له عائشة فى ذلك فقال إنى أخاف أن أكون قد شققت على أمتى وهم أن ينزل يستسقى مع سقاة زمزم للحاج فاف أن يغلب أهلها على سقايتهم بعده . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) رواه الشيخان من حديث أبى هريرة ، ولفظ الترمذى من حديث ابن مسعود مرفوعا ((تابعوا بين الحج والعمرة)) وفيه دليل على التفريق بين الحج والعمرة فى التكرار وتنبيه على ذلك ، إذ لو كانت العمرة بالحج لا تعقل فى السنة إلا مرة لسوى بينهما ولم يفرقا . وقد ندب النبى صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بلفظه فثبت الاستحباب من غير تقييد . ولا شك أن الحديث فيه دليل على استحباب الاستكثار من الاعتمار خلافا لقول من قال يكره أن يعتمر فى السنة أكثر من مرة كالمالكية وهذا القول لا يصح، والصحيح جواز الاستكثار من الاعتمار وخالف مالكا مطرف من أصحابه وابن المواز قال مطرف : لا بأس بالعمرة فى السنة مراراً. وقال ابن المواز أرجو أن لا يكون به بأس. وقد اعتمرت عائشة مرتين فى شهر ولا أدرى أن يمنع أحد من التقرب إلى الله بشىء من الطاعات ولا من الازدياد من الخير فى موضع ولم يأت بالمنع منه نص . وهذا قول الجمهور . ويكفى فى هذا أن النبى - - ٤٧٤ - ٨١ - باب المهلة بالعمرة تحيض فيدركها الحج فتنقض عمرتها وتهل بالحج، هل تقضى عمرتها ١٩٧٩ - حدثنا عَبْدُ الْأَعْلَى بنُ حَادٍ أخبرنا دَاوُدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ حدّى عَبْدُ اللهِ بنُ عُثَانَ بنِ خُثَمٍ مِن يُوسُفَ بنِ مَاهِكَ عن حَفْصَةَ بِذْتِ عَبْدِ الرَّمنِ بنِ أَبِى بَكْرٍ عن أَبِيهَا ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم - صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم سوى عمرتها التى كانت أهلت بها وذلك فى عام واحد ، واعتمرت عائشة فى سنة مرتين . فقبل للقاسم لم يفكر عليها أحد فقال: أعلى أم المؤمنين. وكان أنس إذا جم رأسه خرج فاعتمر. وعن على أنه كان يعتمر فى السنة مرارا. ذكره ابن القيم وأطال الكلام فيه. ( باب المهلة بالعمرة تحيض ) قبل إتمامأفعال العمرة ( فيدركها الحج فتنقض عمرتها) وفى بعض النسخ فترفض عمرتها ( وتهل) تحرم (بالحج) بعد رفضها ( هل تقفى عمرتها) التى أحرمت بها قبل إدراك الحج . فإن قلت: يفهم من ترجمة الباب أن عائشة كانت قد رفضت العمرة لأجل عذر الحيض فالعمرة التى أهلت بها من التنعيم قضاء عنها لأداء مرة أخرى. قلت : نعم كذا يفهم من ترجمة الباب لكن فيه كلام لأن العمرة لا يصح رفضها ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يسمك طوافك لحجك وعمرتك)» وفى لفظ (( حللت منهما جميعاً)). فإن قيل قد ثبت فى صحيح البخارى أنه صلى الله عليه وسلم قال لها ((ارفضى عمرتك وانقضى رأسك وامتشطى» وفى لفظ آخر ((دعى عمرتك وانقضى رأسك وامتشطى)) وفى لفظ ((أهلى بالحج ودهى العمرة)) فهذا صريح فى رفضها من - - ٤٧٥ - قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: يَعَبْدَ الرَّحْمَنِ أَرْدِفْ أُخْتَكَ عَلِئَةَ فَأَغْمِرْهَا مِنَ الْتّغْسِيمِ فإِذا هَبَطْتَ بِهَ مِنَ الْأَكَمَةِ فَلْتُحْرِمْ فَإِنَهَا مُمْرَةٌ مُتََّةٌ )). - وجهين أحدهما قوله ارفضيها ودعيها، والثانى أمره لها بالامتشاط. قيل معنى قوله أرفضيها أتركى أفعالها والاقتصار عليها وكونى فى حجة معها ، ويتعين أن يكون هذا المراد بقوله ((حللت منهما جميعاً)) لما قضيت أعمال الحج . وقوله ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) فهذا صريح أن إحرام العمرة لم ترفض وإنما رفضت أعمالها والاقتصار عليها ، وأنها بقضاء حجتها انقضى حجتها وعمرتها ، ثم أعمرها من التفعيم تطبيباً لقلبها إذ تأتى بعمرة مستقلة كصواحباتها. ويوضح ذلك إيضاحاً بيناً ما روى مسلم فى صحيحه ولفظه («قالت عائشة وخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع فحصت فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة ولم أهل إلا بعمرة فأمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنقض رأسى وأمتشط وأهل بالحج وأترك العمرة ، قالت ففعلت ذلك حتى إذا قضيت حجى بعث معى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبى بكر وأمر فى أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتى التى أدر كنى الحج ولم أحل منها )) فهذا حديث فى غاية الصحة والصراحة أنها لم تكن أحلت من عمرتها وأنها بقيت محرمة بها حتى أدخلت عليها الحج ، فهذا خبرها عن نفسها وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها كل منهما يوافق الآخر، كذا فى زاد المعاد ( أختك عائشة) بدل من أختك ( فإذا هبطت ) من باب ضرب أى نزلت (بها) أى بعائشة (من الأكمة) تل، وقيل شرفة كالرابية وهو ما اجتمع من الحجارة فى مكان واحد وربما غلظ وربما لم يغلظ والجمع أكم وأكات مثل قصبة وقصب وقصبات وجمع الأكمر آكام مثل جبل وجبال وجمع الآكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب وجمع الأكرآ كام مثل عنق وأعناق كذا فى المصباح قال المنذري: قال أبو بكر لـ -٤٧٦ - ١٩٨٠ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا سَعِيدُ بنُ مُزَاحِمٍ بن أبى مُزَاحِمٍ حدثنى أَبِىِ مُزَاعِمُ عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَسِيدٍ عن مُحَرِّشِ الْكَمِّ قال: ((دَخَلَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم الْجِرَّانَةَ فَجَاءَ إلى الَسْجِدٍ فَرَكَعَ مَاشَاءَ اللهُ ثُمَّ أَخْرَمَ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ فَاسْتَقْبَلَ بَطْنَ سَرِفَ حَتَّى لَقِىَ طَرِيقَ المَدِينَةِ فَأَصْبَحَ بِمَّةَ كَبَائِتٍ » . - أحمد بنعمرو البزار ولا يعلم روت حفصة عن أبيها إلا هذا الحديث. هذا آخر كلامه. وقد أخرج البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه من حديث عمرو بن أوس عن عبد الرحمن بن أبى بكر عن النبى صلى الله عليه وسلم أمره أن يعمر عائشة من التنعيم انتهى . (أبى مزاحم) بدل من لفظ أبى (فياء إلى المسجد) الذى هناك ( فاستقبل بطن سرف) بفتح السين وكسر الراء وآخره فاء موضع على ستة أميال من مكة من طريق المروة جبل بمكة بنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث وفيه مافت أى توجه واستقبل وجهه إلى بطن سرف ( فأصبح بمكة ) قال السندى فى فتح الودود: ظاهر هذا أنه كان بمكة إلا أنه جاء الجعرانة ليلا ثم رجع إلى مكة فأصبح بها بحيث ما علم بخروجه منها وهو خلاف المشهور ، والمشهور أنه كان بالجعرانة فأصبح فيها كبائت، فالظاهر أن هذا التقديم والتأخير من تصرفات بعض الرواة ، والصواب رواية الترمذى والنسائى عن محرش الكعبى ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا فدخل مكة ليلا فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كيائت ، فلما زالت الشمس من الغد خرج فى بطن سرف حتى جامع الطريق طريق جمع بسرف فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس)) انتهى ولفظ أحمد فى مسنده ((أن النبى صلى الله - -٤٧٧ - ٨٢ - باب المقام فى العمرة ١٩٨١ - حدثنا دَاوُدُ بنُ رُشَيْدٍ أخبرنا يَحْيَى بنُ زَ كَرِياً أخبرنا مُمَّدُ بنُ إسْحَاقَ عن أُبَانَ بنِ صَالحٍ وَعن ابنِ أبِى نَجِيحٍ من مُجَاهِدٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَقَمَ فى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ثَلاَثً ». - عليه وسلم خرج من الجعرانة معتمراً فدخل مكة ليلا ثم خرج من تحت ليلعه فأصبح بالجعرانة كبائت ، فلما زالت الشمس أخذ فى بطن سرف حتى جامع الطريق طريق المدينة)) وفى لفظ لأحمد ((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلا من الجعرانة حين أمسى مستمراً فدخل مكة ليلا فقفى عمرته ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت حتى إذا زالت الشمس خرج من الجمرانة فى بطن سرف، حتى جامع الطريق طريق المدينة بسرف)) انتهى. قال المنذرى : وأخرجه الترمذى والنسائى أتم منه . وقال الترمذى: حسن غريب ولا يعرف لمحرش الكعبى عن النبى صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث. وقال أبو عُمر النمرى : روى عنه حديث واحد وذكر هذا الحديث . ( باب المقام فى العمرة ) أى المقام بمكة بعد أداء العمرة . (أقام فى عمرة القضاء ثلاثاً) قال ابن القيم : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعد الهجرة خمس مرات سوى المرة الأولى ، فإنه وصل إلى الحديبية وصد عن الدخول إليها ، ثم دخلها المرة الثانية فقضى عمرته وأقام بها ثلاثاً ثم خرج، ثم دخلها المرة الثالثة عام الفتح فى رمضان، ثم دخلها بعمرة من الجعرانة قال المنذرى: وذكر البخارى نحوه تعليقاً. وأخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما فى الحديث الطويل من حديث أبى إسحاق السبيعى عن البراء بن عازب رضى الله - = ٤٧٨ جـ ٨٣ - باب الإفاضة فى الحج ١٩٨٢ - حدثنا أَحَدُ بنُ حَنْبَلِ أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ عن نَفِعٍ عن ابنٍ ثُمَ ((أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ صَلَى الظُّهْرَ بِمِنَّى - يَعْنِى رَاجِعَاً ». - عنهما (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة فى عمرة القضاء ثلاثاً)). ( باب الإفاضة فى الحج ) هى طواف الزيارة وهو المأمور به فى قوله تعالى ﴿ولياوفوا بالبيت العتيق) ( أفاض يوم النحر) أى طاف بالبيت ( ثم صلى الظهر بمنى يعنى راجعاً) والذى رواه جابر فى الحديث الطويل وعائشة هو أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة ثم رجع إلى منى . واختلف العلماء فيه، فمنهم من رجح هذا الحديث، ومنهم حديث جابر وعائشة ، ومنهم من توقف لصحة الحديثين . كذا فى فتح الودود. وقال النووى : وفى هذا الحديث إثبات طواف الإفاضة وأنه يستحب فعله يوم النحر وأول النهار وقد أجمع العلماء على أن هذا الطواف وهو طواف الإفاضة ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به . واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمى والنحر والحلق، فإن أخره عنه وفعله فى أيام التشريق أجزأه ولا دم عليه بالإجماع ، فإن آخره إلى ما بعد أيام التشريق وأتى به بعدها أجزأ. ولا شىء عليه عندنا، وبه قال جمهور العلماء . وقال مالك وأبو حنيفة: إذا تطاول لزمه معه دم والله أعلم . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى ولفظ البخارى مختصر . قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : هكذا قال ابن عمر، وقال جابر فى حديثه الطويل: ((ثم أفاض إلى البيت فصلى == -٤٧٩- = بمكة الظهر)) رواه مسلم وقالت عائشة: « أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى ، فمكث بها )) الحديث ، وسيأتى فاختلف الناس فى ذلك ، فرجعت طائفة ، منهم ابن حزم وغيره ، حديث جابر وأنه صلى الظهر بمكة . قالوا : وقد وافقته عائشة ، واختصاصها به وقربها منه ، واختصاص جابر ، وحرصه على الاقتداء به ، أُم لا يرتاب فيه . قالوا : ولأنه صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة وحلق رأسه ، وخطب الناس، ونحر مائة بدنة هو وعلى، وانتظر حتى سلخت ، وأخذ من كل بدنة بضعة ، فطبخت وأ كلا من لحمها . قال ابن حزم : وكانت حجته فى آذار ، ولا يتسع النهار لفعل هذا جميعه ، مع الافاضة إلى البيت والطواف وصلاة الركعتين ، ثم يرجع إلى منى ، ووقت الظهر باق. وقالت طائفة ، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره : الذى يرجح أنه إنما صلى الظهر منى، لوجوه : أحدها : أنه لو صلى الظهر بمكة لأناب عنه فى إمامة الناس بعنى إماماً يصلى بهم الظهر ، ولم ينقل ذلك أحد. ومحال أن يصلى بالمسلمين الظهر بمنى نائب له ، ولا ينقله أحد ، فقد نقل الناس نيابة عبد الرحمن بن عوف ، لما صلى بهم الفجر فى السفر ، ونيابة الصديق لما خرج صلى الله عليه وسلم يصلح بين بنى عمرو بن عوف ، ونيابته فى مرضه، ولا يحتاج إلى ذكر من صلى بهم بمكة، لأن إمامهم الراتب ، الذى كان مستمراً على الصلاة قبل ذلك وبعده ، هو الذی کان یصلى بهم . الثانى : أنه لو صلى بهم بمكة لكان أهل مكة مقيمين ، فكان يتعين عليهم الإمام، ولم يقل لهم النبي صلى الله عليه وسلم ((أنمواصلاتكم فإنا قوم سفر)) كما قاله فى عزاة الفتح الثالث : أنه يمكن اشتباه الظهر المقصورة بركعتى الطواف ، ولاسيما والناس يصلونهما معه، ويقتدون به فيهما فظنهما الرائى الظهر .. وأما صلاته بمنى والناس خلفه فهذه لا يمكن اشتباهها بغيرها أصلا، لاسيما وهو صلى الله عليه وسلم كان إمام الحاج الذى لا يصلى لهم سواه، فكيف يدعهم بلا إمام يصلون أفراداً ولا يقيم لهم من يصلى بهم ؟ هذا فى غاية البعد . : ٠- ٤٨٠ - ١٩٨٣ - حدثنا أحمدُ بنُ حَذْبَلٍ وَيَحْبَى بنُ مَعِينٍ - المعْنَى وَاحِدٌ - قالاً أخبرنا ابنُ أَبِى عَدِىٌّ عن مُحمّدٍ بنِ إِسْحَاقَ أخبرنا أَبُو عُبَيْدَةَ بِنُ عَبْدِ اللهِ بنِ زَمْعَةَ عن أَبِيهِ وَعن أُمُِّ زَيْذَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَةَ عن أُمِّسَلَّةَ يَحَدِّثَنِهِ جِعَا ذَاكَ عَنْهَا قَالَتْ: ((كانَتْ لَيْلَتى التى يَصِيرُ إلىَّ فِيهَا رَسُولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم مَسَاءَ يَوْمِ النَّحْرِ فَصَارَ إلىَّ فَدَخَلَ عَلَىَّ وَهْبُ بنُ زَمْعَةَ - (عن أبيه) وهو عبد الله بن زمعة ( وعن أمه) أى أم أبى عبيدة (زينب بنت أبى سلمة) بدل عن أمه وهى بنت أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم (كانت لهلتى التى يصير) أى يرجع (إلىّ فيها) أى يدخل علىّ فيها (مسم) يوم النحر) أى اتفق أن كانت ليلة نويتى مساءيوم النحر أى مساء ليلة تلى يوم - = وأما حديث عائشة فقد فهم منه جماعة - منهم المحب الطبرى وغيره - أنه صلى الظهر بمنى، ثم أفاض إلى البيت بعد ما صلى الظهر، لأنها قالت: ((أفاض من آخر يومه حين صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى)). قالوا : ولعله صلى الظهر بأصحابه ، ثم جاء إلى مكة فصلى الظهر بمن لم يصل ، كما قال جابر ، ثم رجع إلى منى فرأى قوماً لم يصلوا فصلى بهم ثالثة ، کما قال ابن عمر وهذه حرفشة فى العلم ، وطريقة يسلكها القاصرون فيه ، وأما حول أهل العلم ، فيقطعون ببطلان ذلك ، ويحيلون الاختلاف على الوهم والنسيان ، الذى هو عرضة البشر ، ومن له إلمام بالسنة ومعرفة بحمجته صلى الله عليه وسلم ، يقطع بأنه لم يصل الظهر فى ذلك اليوم ثلاث مرات بثلاث جماعات ، بل ولا مرتين . وإنما صلاها على عادته المستمرة قبل ذلك اليوم وبعده ، صلى الله عليه وسلم . وفهم منه آخرون - منهم ابن حزم وغيره ـ أنه أفاض حين صلاها بمكة . وفى نسخة من نسخ السنن (( أفاض حتى صلى الظهر ثم رجع)) وهذه الرواية ظاهرة فى أنه صلاها بمكة، كما قال جابر، ورواية (( حين)) محتملة للأمرين ، والله أعلم .