Indexed OCR Text

Pages 241-260

- ٢٤١ -
ثُمَّ حَلَّ مِنْ كَلِّ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ النَّاسُ مِثْلَ فِعْلِ [ مِثْلَ مَا فَعَلَ]
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مَنْ أَهْدَى وَسَقَ الْهَدْىَ مِنَ النَّاسِ)).
- إلى مكة من منى وهذان القولان للشافعى ومالك، وبالثانى قال أبو حنيفة،
ولو لم يصم الثلاثة ولا السبعة حتى عاد إلى وطنه لزمه صوم عشرة أيام قاله النووى
( وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة الخ) فيه إثبات طواف
القدوم ، واستحباب الرمل فيه هو الحبب وأنه يصلى ركعتى الطواف ، وأنهما
يستحبان خلف المقام . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . -
= أوتهاتر وفقنا الله لما يحيه من الجضوع عند ورود السنن إذا محت والانقياد لقبولها
وانهام الأنفس وإلزاق الخطأ بها إذا لم يوفق لإدراك حقيقة الصواب، دون القدح فى
السنن، والتعريح على الآراء المنكوسة والمقاييس المعكوسة، إنه خير مسئول ،
تم كلامه .
وطائفة قالت : كان مفرداً أولا ، ثم أدخل العمرة على الحج ، فصار قارناً ،
فظنوا أن ذلك من خصائصه، وأنهم يجمعون بذلك بين الأحاديث . وهذا ، مع أن
الأكثر لا يجوزونه، فلم تأت لفظة واحدة تدل عليه، بخلاف الأول ، فإنه قد قاله
طائفة ، وفيه أحاديث صحاح .
وطائفة قالت: قرن ابتداء من حين أحرم، وهو أصح الأقوال ، لحديث عمر
وأنس وغيرهما وقد تقدما .
والذين قالوا : أفرد ، طائفتان :
طائفة ظنت أنه أفرد إفراداً اعتمر عقبه من التنعيم . وهذا غلط بلا ريب، لم
ينقل قط بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولا قاله أحد من الصحابة ، وهو خلاف المتواتر
المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم .
وطائفة قالت: أفرد إفراداً اقتصر فيه على الحج ولم يعتمر . والأحاديث الثابتة
التى اتفق أئمة الحديث على صحتها صريحة فى أنه اعتمر عقبه، فهو باطل قطعاً ، وإن
كان إفراداً مجرداً عن العمرة ، فالأحاديث الصحيحة تدل على خلافه .
=
(١٦ - عون المعبود ٥ )

- ٢٤٢ -
١٧٨٩ - حدثنا القَعْنَيُّ عن مَالِكٍ عن نَافِعِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمَرَ
عن حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهَا قَالتْ: يَارَسُولَ اللهِ مَا شَأْنُ
النَّاسِ قَدْ حَلُوا وَلم تَخْلِلْ أنتَ مِنْ ◌ُْرَتِكَ؟ فَقَال: إنى لَبَّدْتُ رَأْسِ
وَقَلَّدْتُ هَدْبِ فَلاَ أحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ الْهَدْىَ )».
- (أنها قالت يارسول الله ما شأن الناس) هذا دليل للمذهب الصحيح المختار
: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان قارناً فى حجة الوداع ( من عمرتك) أى العمرة
المضمومة إلى الحج وفيه أن القارن لا يتحلل بالطواف والسعى ولا بد له فى تحلله
من الوقوف بعرفات والرمى والحلق والطواف كما فى الحاج المفرد ( لبدت رأسى
وقلدت هديى) فيه استحباب التلبيد وتقليد الهدى وهما سنتان بالاتفاق وقال -
والذين قالوا : تمتع . طائفتان :
==
طائفة قالت : تمتع تمتعاً حل منه . وهذا باطل قطعاً كما تقدم .
وطائفة قالت : تمتع تمتعاً لم يحل منه لأجل الهدى . وهذا وإن كان أقل خطأ
من الذى قبله ، فالأحاديث الصحيحة تدل على أنه قرن ، إلا أن يريدوا بالتمتع القران
فهذا حق .
وطائفة قالت: أحرم إحراماً مطلقاً ، ثم عينه بالإفراد ، وهذا أيضاً يكفى فى
رده الأحاديث الثابتة الصريحة .
وطائفة قالت: قرن وطاف طوافين ، وسعى سعيين . والأحاديث الثابتة التى
لا مطعن فيها تبطل ذلك ، والله أعلم .
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وقد تأتى ((من)) بمعنى الباء كقوله: ﴿يحفظونه من أمر الله) أى بأمره ،
تريد : ولم تحل أنت بعمرة .
وقالت طائفة : معناه لم تحل من العمرة التى امرت الناس بها .
وقالت طائفة : هذه اللفظة غير محفوظة، فإن عبيد الله بن عمر لم يذكرها فى
حديثه، حكاهما ابن حزم .
=
------

- ٢٤٣ -
- الخطابى : هذا يبين لك أن قد كانت هناك عمرة ولكنه قد أدخل عليها حجة
قصار بذلك قارناً انتهى . ولم يختلف الناس فى أن إدخال الحج على العمرة جائز
ما لم يفسخ الطواف بالبيت للعمرة، واختلفوا فى إدخال العمرة على الحج . قال
المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه.
= وقالت طائفة: هى مروية بالمعنى، والحديث ((ولم تحل أنت من حجك))،
فأبدل لفظ الحج بالعمرة .
وقالت طائفة: الحديث إنما فيه إقراره لها على أنه فى عمرة ، وليس فيه أنها
عمرة مفردة لا حجة معها . وقد أخبر عن نفسه بأنه قرن ، فهو إذن فى حج وعمرة
ومن كان فى حج وعمرة فهو فى عمرة قطعاً .
وهذه الوجوه بعضها واه وبعضها مقارب .
فقول من قال: المراد به من حجتك ـ بعيد جداً، إذ لا يعبر بالعمرة عن
الحج، وليس هذا عرف الشرع، ولا يطلق ذلك إلا إطلاقاً مقيداً ، فيقال : هى
الحج الأصغر .
وقول من قال: إنها ظنت أنه صلى الله عليه وسلم كان فسخ العمرة ، كما أمر
أصحابه، ولم يحل كما أحلوا - فبعيد جداً، فإن هذا الظن إنما كان يظهر بإحلاله،
فيه يكون معتمراً فكيف تظن أنه قد فسخ بعمرة ، وهى تراه لم يحل ؟
وأما قول من قال: معناه لم تحل بعمرة، و(( من)) بمعنى الباء - فتعسف
" ظاهر، وإضافة العمرة إليه تدل على أنها عمرة مختصة به هو فيها .
وأما قول من قال : معناه لم تحلل من العمرة التى أمرت الناس بها - ففاسد،
فإنه كيف يحل من عمرة غيره؟ وحفصة أجل من أن تسأل هذا السؤال ؟
وأما قول من قال : إن هذه اللفظة غير محفوظة ، ولم يذكرها عبيد الله -
نفطأ من وجهين :
أحدهما : أن مالكاً قد ذكرها، ومالك مالك .
والثانى: أن عبيد الله نفسه قد ذكرها أيضاً، ذكره مسلم فى الصحيح عن
يحيي بن سعيد عن عبيد الله، فذكر الحديث، وفيه: ((ولم تحل من عمرتك)) .=

- ٢٤٤ -
٢٥ - باب الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة
١٧٩٠ - حدثنا هَنَّأَدٌ يَعْنِ ابْنَ السَّرِىِّ عن أَبنِ أَبِىِ زَائِدَةَ أنبأنا
مَُّدُ بنُ إِسْحَاقَ من عَبْدِ الرَّْنِ بنِ الأُسْوَدِ عن سُلَيِْ بنِ الأَسْوَدِه أَنَّ
أَبَ ذَرِّ كَانَ يَقُولُ فى مَنْ حَجَّ ثُمَّ فَسَخَهَ بِعُْرَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّ
لِلِرَّكْبِ الَّذِينَ كَنُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليهٍ وسلم)).
( باب الرجل يهل الخ)
( إلا للركب ) بفتح الراء وسكون الكاف ، قال ابن الأثير: ركب اسم
من أسماء الجمع كنفر ورهط، والرا كب فى الأصل هو راكب الإبل خاصة ثم
اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة انتهى. ويجىء تحقيق الحديث فى آخر
الباب. قال المنذرى: وقد أخرج مسلم فى صحيحه من حديث يزيد بن شريك
التيمى وأخرجه النسائى وابن ماجه .
-
= وقول من قال حروية بالمعنى - بعيد أيضاً .
فالوجه الأخير أقربها إلى الصواب : وهو أنه ليس فيه إلا الإخبار عن كونه
فى عمرة، وهذا لا ينفي أن يكون فى حجة .
وأجود منه أن يقال . المراد بالعمرة المتعة ، وقد تقدم أن التمتع يراد به القران،
والعمرة تطلق على التمتع ، فيكون المراد لم تحل من قرانك وسمته عمرة ، كما يسمى
تمتعاً ، وهذه لغة الصحابة كما تقدم ، والله اعلم .
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وهذا الحديث قد تضمن أمرين :
أحدهما: فعل الصحابة لها، وهو بلاريب بأمر النبى صلى الله عليه وسلم، وهذا الرواية.
والثانى : اختصاصهم بها دون غيرهم، وهذا رأى ، فروايته حجة، ورأيه غير
حجة، وقد خالفه فيه عبد الله بن عباس ، وأبو موسى الأشعرى . وقد حمله طائقة
على أن الذى اختص به هو وجوب الفسخ عليهم حتما ، وأما غيرهم فيستحب له ذلك ،
هذا إن كان مراده متعة الفسخ ، وإن كان المراد مطلق المتعة فهو خلاف الاجماع
والسنة المتواترة . والله أعلم .

- ٢٤٥ -
١٧٩١ - حدثنا التُّفَتْلِ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِى ابنَ مُحَمَّدٍ أنبأنا
[أخبر نى] رَبِعَةُ بِنُ أَبِ عَبْدِ الرَّحْنِ عن الْحَارِثِ بنِ بِلاَلِ بنِ الَارِثِ
عن أبيهِ قال (( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ فَسْخُ الحَجّ لَنَا خَاصَّةً أُوْ لِمَنْ بَعْدَنَا؟
قَالَ بَلْ لَكُمْ خَصَّةٍ )) .
- ( قلت يارسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا، قال بل لكم خاصة)
قال الخطابي: قد قيل إن الفسخ إنما وقع إلى العمرة لأنهم كانوا يحرمون
العمرة فى أشهر الحج ولا يستبيحونها فيها ، ففسخ رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم الحج عليهم وأمرهم بالعمرة فى زمان الحج ليزولوا عن شبه
الجاهلية ولتمسكوا بما تبين لهم فى الإسلام وقد بين صلى الله عليه وآله وسلم
أنه ليس لمن بعدهم ممن أحرم بالحج أن يفسخه . وقد اتفق أهل العلم على
أنه إذا فسد حجه مضى فيه مع الفساد ، واختلفوا فيمن أهل بحجتين ، فقال
الشافعى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه : لا يلزمه إلا حجة واحدة، ومن
حجتهم فى ذلك أن المضى فيها لا يلزم وأن فعله لم يصح بالإجماع وقال أبو حنيفة
وأصحابه: يرفض أحدهما إلى قابل لأنه يكون فى معنى الفسخ ، وقد أخبر صلى الله
عليه وسلم أن فسخ الحج كان لهم خاصاً دون من بعدهم وقال سفيان الثورى :
يلزمه حجة وعمرة من عامه ويهريق دماً ويحج من قابل . وحكى عن مالك أنه
قال يصير قارناً وعليه دم ، ولا يلزمه على مذهب الشافعى شىء من عمرة ولا دم
ولا قضاء من قابل انتهى
-
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وقد قال عبد الله بن أحمد: سألّت أبى عن حديث بلال بن الحرث المزنى فى فسخ
الحج ؟ فقال : لا أقول به ، وليس إسناده بالمعروف ، ولم يروه إلا الدراوردى وحده .
وقال عبد الحق : الصحيح فى هذا قول أبى ذرغير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن القطان : فيه الحرث بن بلال عن أبيه بلال بن الحرث ، والحرث بن بلال
لا يعرف حاله .

-٢٤٦٠ -
- قلت : قال المنذرى . حديث بلال أخرجه النسائي وابن ماجه . قال
الدار قطنى : تفرد به ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن الحارث عن أبيه وتفرد به
عبد العزيز الدراوردى عنه. هذا آخر كلامه . والحارث بن بلال شبه المجهول،
وقد قال الإمام أحمد فى حديث بلال هذا إنه لا يثبت. هذا آخر كلامه. وحديث
أبى ذر فى ذلك محهح . انتهى. وفى المنتقى قال أحمد بن حنبل: حديث بلال
ابن الحارث عندى ليس يثبت ولا أقول به ولا يعرف هذا الرجل يعنى الحارث
ابن بلال . وقال: أرأيت لو عرف الحارث بن بلال إلا أن أحد عشر رجلا
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يروون مايروون من الفسخ أين يقع الحارث
بن بلال منهم . وقال فى رواية أبى داود: ليس يصح حديث فى أن الفسخ كان
لهم خاصة، وهذا أبو موسى الأشعرى يفتى به فى خلافة أبى بكر وشعاراً من
خلافة عمر ، ويشهد لما قاله قوله فى حديث جابر بل هى للأبد . وحديث أبى ذر
موقوف وقد خالفه أبو موسى وابن عباس وغيرهما انتهى .
وقال ابن القيم فى زاد المعاد : نحن نشهد بالله أن حديث بلال بن الحارث
لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلط عليه، قال ثم كيف يكون
هذا ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عباس يفتى بخلافه ويناظر عليه
طول عمره بمشهد من الخاص والعام وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
متوافرون ولا يقول له رجل واحد منهم هذا كان مختصًا بنا ليس لغيرنا انتهى
وقد روى عن عثمان مثل قول أبى ذر فى اختصاص ذلك بالصحابة ولكنهما
جميعاً مخالفان المروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن ذلك للأبد بمحض الرأى.
قاله الشوكانى .
وأما حديث أبى ذر من أن المتعة فى الحج كانت لهم خاصة فيرده إجماع
المسلمين على جوازها إلى يوم القيامة . ومن جملة ما احتج به المانعون من الفسخ -

- ٢٤٧-
٢٦ - باب الرجل يحج عن غيره
١٧٩٢ - حدثنا القَعْنَِئُ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَبٍ عن سُلَمَاَنَ
ابِ يَسَرِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ قَالَ ((كَانَ الْفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ
رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمٍ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَتْعَمَ تَسْتَفْتِهِ، فَجْعَلَ
الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ
عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَدِهِ فى الحجِّ أَدْرَ كَتْ أَبِ شَيْئًا كَبِراً لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتْبُتَ
عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفْحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَمْ وَذُلِك فى حَجَّةِ الوَدَاعِ ».
- أن مثل ما قاله عثمان وأبو ذر لا يقال بالرأى ، ويجاب بأن هذا من مواطن
الاجتهاد ومما للرأى فيه مدخل ، على أنه قد ثبت فى الصحيحين عن عمران بن
حصين أنه قال : تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن فقال رجل
برأيه ما شاء ، فهذا تصريح من عمران أن المنع من التمتع بالعمرة إلى الحج من
بعض الصحابة إنما هو من محض الرأى، فكما أن المنع من المتع على العموم
من قبيل الرأى كذلك دعوى اختصاص التمتع الخاص أعنى به الفسخ بجماعة
مخصوصة . وقد أطال الكلام ابن القيم فى ذلك والله أعلم .
( باب الرجل يحج عن غيره )
( امرأة من خثعم ) بالخاء المعجمة مفتوحة فمثلثة ساكنة فعهن مهملة غير
منصرف للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث لكونه اسم قبيلة معروفة ( جعل الفضل
ينظر إليها) وأعجبه حسنها ( وتنظر إليه) وكان الفضل رجلا جميلا (أدركت
أبى) حال كونه ( شيخاً) منصوب على الحال وقوله (كبيراً) يصح صفة
ولا ينافى اشتراط كون الحال نكرة إذ لا يخرجه ذلك عنها (لا يستطيع أن) -

-٢٤٨ -
- صفة ثانية ويحتمل الحال ووقع فى بعض ألفاظه وإن شددته خشيت عليه (أفأحج)
نيابة ( عنه قال نعم) أى حجى عنه (وذلك) أى جميع ما ذكر (فى حجة الوداع)
قال فى سبل السلام : فى الحديث روايات أخر، ففى بعضها أن السائل رجل
وأنه سأل هل يحج عن أمه ، فيجوز تعدد القضية . وفى الحديث دليل على أنه
يجزى الحج عن المكلف إذا كان ميئوساً منه القدرة على الحج بنفسه مثل
الشيخوخة فإنه ميئوس زوالها ، وأما إذا كان عدم القدرة لأجل مرض أو جنون
يرجى برؤهما فلا يصح . وظاهر الحديث مع الزيادة أنه لا بد فى صحة التحجيج
عنه من الأمرين عدم ثباته على الراحلة والخشية عن الضرر عليه من شده، فمن
لا يضره الشد كالذى يقدر على المحفة لا يجزئه حج الغير عنه. ويؤخذ من الحديث
أنه إذا تبرع أحد بالحج عن غيره لزمه الحج عن ذلك الغير وإن كان لا يجب
عليه الحج، ووجهه أن المرأة لم تبين أن أباها مستطيع بالزاد والراحلة ولم يستفصل
صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ، ورد هذا بأنه ليس فى الحديث إلا الإجزاء
لا الوجوب فلم يتعرض له ، وبأنه يجوز أنها قد عرفت وجوب الحج على أبيها
كما يدل له قولها إن فريضة الله على عباده فى الحج، فإنها عبادة دالة على علمها
بشرط دليل الوجوب وهو الاستطاعة . واتفق القائلون فإجزاء الحج عن فريضة
الغير بأنه لا يجزىء إلا عن موت أو عدم قدرة من عجز ونحوه بخلاف النفل
فإنه ذهب أحمد وأبو حنيفة إلى جواز النيابة عن الغير فيه مطلقاً للتوسيع
فى النقل ، وذهب بعضهم إلى أن الحج عن فرض الغير لا يجزء أحداً وأن هذا
الحكم يختص بصاحبة هذه القصة وإن كان الاختصاص خلاف الأصل إلا أنه
استدل بزيادة رواية فى الحديث بلفظ: حجى عنه وليس لأحد بعدك ، ورد بأن
هذه الزيادة رويت بإسناد ضعيف . وعن بعضهم أنه يختص بالولد ، وأجيب
عنه بأن القياس عليه دليل شرعى، وقد نبه صلى الله عليه وآله وسلم على العلة
بقوله فى الحديث. فدين الله أحق بالقضاء)) فجعله ديناً والدين يصح أن يقضيه -

- ٢٤٩ -
١٧٩٣ - حدثنا حَقْصُ بنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بِمَعْنَاهُ قَلاَ
أخبرنا شُعْبَةُ من التُّعانِ بنِ سَالِمٍ عن حَمْو بن أُوْسٍ عن أُبِ رَزِينٍ قَلَ
حَقْصٌ فِى حَدِيِثِ رَجُلٌ مِنْ بَيِ عَمِرٍ أَنَّهُ قَالَ ((يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِ شَيْخٌ
كَبِيرٌ لاَ يَسْتَطِيعُ الحَجِّ وَالْعُمْرَةَ وَلاَ الظَّعْنَ مَمَا قَل احْجُجْ عَنْ أَبِكَ
وَاعْتَمِرْ)).
- غير الولد بالاتفاق. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وقد أخرجه
أيضاً البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من حديث عبد الله بن عباس عن الفضل
ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
( عن أبى رزين) هو لقيط العقيلى ( ولا الظن) بكسر الظاء وبفتح العين
وسكونها مصدر ظعن يظعن بالضم إذا سار . قاله السيوطى وقال السندى :
الظعن بفتحتين أو سكون الثانى ، وفى المجمع الظعن الراحلة أى لا يقوى على
السير ولا على الركوب من كبر السن ( قال احجج عن أبيك واعتمر) الحديث
يدل على جواز حج الولد عن أبيه العاجز عن المشى، واستدل به على وجوب
الحج والعمرة . وقد جزم بوجوب العمرة جماعة من أهل الحديث وهو المشهور
عن الشافعى وأحمد وبه قال إسحاق والثورى والمزنى والمشهور عن المالكية أن
العمرة ليست بواجبة وهو قول الحنفية ولا خلاف فى المشروعية . قال المنذرى :
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه . وقال الترمذى حسن صحيح . وقال الإمام
أحمد : لا أعلم فى إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا ولا أصح منه.
-
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
قول الإمام أحمد ، قال البيهقى قال مسلم : سمعت أحمد بن حنبل يقول - فذكر.
وفى سنن ابن ماجه بإسناد على شرط الصحيحين عن عائشة قالت: (( يا رسول الله،
هل على النساء جهاد؟ قال: جهاد لا ققال فيه، الحج والعمرة)).
=

-- ٢٥٠ -
١٧٩٤ - حدثنا إِسْحَقُ بنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالقَائِيُّ وَهَنَّهُ بنُ السَّرِىِّ
المعنَى وَاحِدٌ قَالَ إِسْحَاق أخبرنا عَبْدَةُ بنُ سُلَمَنَ عن ابنِ أُبِى عُرُوبَةَ عن
قَتَادَةَ عن عَزْرَةَ عن سَعِيدٍ بنٍ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَّاسٍ ((أَنَّ النّبِيَّ صلى اللهُ
عليهِ وسلم سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ لَبْكَ عن شُبْرُمَةَ، قَالَ مَنْ شُهْرُمَةُ؟ قَالَ
أَنْخٌ لِ أَوْ قَرِيبٌ لِ قَلَ حَجَجْتَ عن نَفْسِكَ؟ قالَ لاَ، قَالَ حُجُّ عن
نَفْسِكَ ثُمَّ حُجُّ عن شُبْرُمَةَ ».
- ( يقول لبيك عن شبرمة) بضم الشين المعجمة فموحدة ساكنة (أو قريب لى)
شك من الراوى والحديث أخرجه أيضًاً ابن حبان وصححه والبيهقى قال إسناده
محيح وليس فى هذا الباب أصح منه ، وقد روى موقوفاً والرفع زيادة يتعين -
= واحتج من نفى الوجوب بحديث جابر: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن
العمرة، أواجبة هى؟ قال: لا، وأن تعتمر خير لك)) ، رواه الترمذى من حديث
الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر وقال . حسن صحيح . قال البيهقى :
كذا رواه الحجاج مرفوعاً ، والمحفوظ إنما هو عن جابر موقوف عليه غير مرفوع.
وقد نوقش الترمذى فى تصحيحه ، فإنه من رواية الحجاج بن أرطاة ، وقد ضعف ،
ولو كان ثقة فهو مدلس كبير، وقد قال: عن محمد بن المنكدر ، لم يذكر سماعاً ،
ولا ريب أن هذا قادح فى صحة الحديث .
وقد قال الشافعى : ليس فى العمرة شىء ثابت بأنها تطوع ، وقد روى عن النبى
صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف ، لا تقوم بمثله حجة . ثم كلامة .
قال البيهقى. وروى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر مرفوعاً: ((الحج والعمرة
فريضتان واجبتان))، قال البيهقى: وهذا أيضاً ضعيف لا يصح. فقد سقط الاحتجاج
برواية جابر من الطريقين . وفى سنن ابن ماجه من حديث عمر بن قيس . أخبرنى
طلحة بن يحيى عن محمد بن إسحق عن طلحة بن عبيد الله: أنه سمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: الحج جهاد، والعمرة تطوع)) رواه عن هشام بن عمار عن الحسن
ابن يحيى الخشنى .

- ٢٥١ -
٢٧ - باب كيف التلبية
١٧٩٥ حدثنا الْقَمْنَبِىُّ عن مَالِكٍ عن نافِعِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ
(أَنّ تْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم: كَّيْكَ الَّهُمَّ كَبْكَ. كَيْكَ
- قبولها إذا جاءت من طريق ثقة وهى ههنا كذلك لأن الذى رفعه عبدة بن سلمان
قال الحافظ وهو ثقة محتج به فى الصحيحين ، وتابعه على رفعه محمد بن بشر ومحمد
ابن عبيد الله الأنصارى، وكذا رجح عبد الحق وابن القطان رفعه ، وقد رجح
الطحاوى أنه موقوف، وقال أحمد رفعه خطأ . وقال ابن المنذر : لا يثبت رفعه.
وقد أطال الكلام الحافظ فى التلخيص ومال إلى محته وظاهر الحديث أنه لا يجوز
لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره وسواء كان مستعليماً أو غير مستطيع لأن
النبى صلى الله عليه وآله وسلم لم يستفصل هذا الرجل الذى سمعه يلبى عن شبرمة،
وهو ينزل منزلة العموم، وإلى ذلك ذهب الشافعى. وقال الثورى: إنه يجزى.
حج من لم يحج عن نفسه ما لم يتضيق عليه . قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه .
وقال البيهقى : هذا إسناد صحيح ليس فى الباب أصح منه .
( باب كيف التلبية )
هى مصدر لى كزكى تزكية أى كيف قال لبيك، وهو عند ابن سيبويه
والأكثرين مثنى لقلب ألفه ياء مع المظهر وليست ثنيته حقيقية بل من المثناة
لفظاً ومعناها التكثير والمبالغة وهو منصوب على المصدر بعامل مضمر أى أجبت
إجابة بعد إجابة إلى ما لا نهاية له . قال ابن عبد البر: قال جماعة من أهل العلم:
معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن فى الناس بالحج (اللهم لبيك) أى يا أشـ
أجبناك فيما دعوتنا . وأخرج أحمد بن منيع فى مسنده وابن أبى حاتم من طريق
قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام
من بناء البيت قيل له أذن فى الناس بالحج ، قال رب وما يبلغ صوتى قال أذن -

- ٢٥٢ -
لاَ شَرِيكَ لَكَ كَتَبْكَ. إِنَّ الْدَ وَالْفِّعْمَةَ لَكَ، وَلُلْكَ لاَشَرِبِكَ لَكَ». قالَ
وَكَنَ عَبْدُ اللهِ بنُمَ يَزِيدُ فى تَلْبِيَتِهِ لَبْكَ لَبِّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ
وَالْرُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءِ إِلَيْكَ وَالعَمَلُ .
- وعلى البلاغ ، قال فنادى إبراهيم يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت
العتيق ، فسمعه من بين السماء والأرض ، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى
الأرض يلبون . ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وفيه فأجابوه
بالتلبية فى أصلاب الرجال وأرحام النساء ، وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج
يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ (إن الحمد)
روى بكسر الهمزة على الاستئناف، كأنه لما قال لبيك استأنف كلاماً آخر فقال
إن الحمد ، وبالفتح على التعليل كأنه قال أجبتك لأن الحمد والنعمة لك، والكسر
أجود عند الجمهور وحكاه الزمخشرى عن أبى حنيفة وابن قدامة عن أحمد
ابن حنبل وابن عبد البر عن اختيار أهل العربية لأنه يقتضى أن تكون الإجابة
مطلقة غير معللة ، فإن الحمد والنعمة لله على كل حال والفتح يدل على التعليل ،
لكن قال فى اللامع والعدة إنه إذا كسر صار للتعليل أيضاً من حيث أنه
استئناف جواباً عن سؤال عن العلة ( والنعمة لك ) بكسر النون الإحسان والمنة
مطلقًاوهى بالنصب على الأشهر عطفاً على الحمد، ويجوز الرفع على الابتداء والخبر -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
فى معنى التلبية ثمانية أقوال :
أحدهما : إجابة لك بعد إجابة، ولهذا المعنى كررت التلبية. إيذاناً تكرير الإجابة.
الثانى : أنه انقياد ، من قولهم لبب الرجل ، إذا قبضت على تلابيبه، ومنه : ليبته
بردائه . والمعنى: انقدت لك، وسعت نفسى لك خاضعة ذليلة، كما يفعل بمن ليب
بردائه ، وقبض على تلابيبه.

- ٢٥٣-
- محذوف لدلالة خبر إن تقديره إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك . وجوز
ابن الأنبارى أن يكون الموجود خبر المبتدأ وخبر إن هو المحذوف ( والملك )
بضم الميم والنصب عطفاً على اسم إن وبالرفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره
والملك كذلك (وسعديك) هو من باب لبيك فيأتى فيه ما سبق ومعناه أسعدنى
إسعاداً بعد إسعاد ، فالمصدر فيه مضاف للفاعل وإن كان الأصل فى معناه
أسعدك بالإجابة إسعاداً بعد إسعاد على أن المصدر فيه مضاف للمفعول . وقيل
المعنى مساعدة على طاعتك بعد مساعدة فيكون من المضاف المنصوب (والرغباء
إليك ) بفتح الراء والمد وبضمها مع القصر كالعلاء والعلا وبالفتح مع القصر
ومعناه الطلب والمسألة ، يعنى أنه تعالى هو المطلوب المسئول منه فبيده جميع
الأمور (والعمل) له سبحانه لأنه المستحق للعبادة وحده . وفيه حذف يحتمل -
= الثالث : أنه من لب بالمكان، إذا قام به ولزمه . والمعنى : أنا مقيم على طاعتك
ملازم لها . اختاره صاحب الصحاح .
الرابع : أنه من قولهم : دارى تلب دارك ، أى تواجهها وتقابلها ، أى
مواجهتك بما تحب متوجه إليك. حكاه فى الصحاح عن الخليل .
الخامس . معناهحباً لك بعد حب ، من قولهم . امرأة لبة، إذا كانت محبة لولدها.
السادس . أنه مأخوذ من لب الشىء ، وهو خالصه، ومنه لب الطعام ، ولب
الرجل عقله وقلبه . ومعناه : أخلصت لى وقلى لك ، وجعلت لك لبى وخالصتى .
السابع : أنه من قولهم : فلان رخى اللبب ، وفى لبب رخى ، أى فى حال واسعة
منشرح الصدر . ومعناه : إنى منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها ،
متوجه إليك بلبب رخى ، يوجد المحب إلى محبوبه، لا بكره ولا تكلف .
الثامن : أنه من الألباب ، وهو الاقتراب ، أى اقتراباً إليك بعد اقتراب ، كما
يتقرب المحب من محبوبه .
و ((سعديك)): من المساعدة، وهى المطاوعة. ومعناه: مساعدة فى طاعتك
وما تحب بعد مساعدة. قال الحربى: ولم يسمع ((سعديك)) مفرداً .

- ٢٥٤ -
- أن تقديره والعمل إليك أى إليك القصد به والانتهاء به إليك لتجازى عليه
ووقع عند مسلم من رواية موسى بن عقبة عن نافع وغيره عن ابن عمر ((كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوت به راحلته عند مسجه ذى الخليفة أهل
فقال لبيك)) الحديث. وللبخارى فى اللباس من طريق الزهرى عن سالم عن
أبيه ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبداً يقول لبيك اللهم لبيك)
الحديث. وقال فى آخره لا يزيد على هذه الكلمات . زاد مسلم من هذا الوجه
قال ابن عمر كان عمر يهل بهذا ويزيد فبيك وسعديك والخير فى يديك والرغباء
إليك والعمل وهذا القدر فى رواية مالك أيضاً عنده عن نافع عن ابن عمرأنه -
= و ((الرغباء إليك)) يقال بفتح الراء مع المد، وبضمها مع القصر. ومعناها
الطلب والمسألة والرغبة .
واختلف النحاة فى الياء فى ((لبيك)). فقال سيبويه: هى ياء التثنية.
وهو من الملتزم نصبه على المصدر ، كقولهم : حمداً وشكراً وكرامة ومسرة .
والتزموا تثنيته إيذاناً بتكرير معناه واستدامته . والتزموا إضافته إلى ضمير المخاطب
لما خصوه بإجابة الداعى . وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادراً، كقول الشاعر :
فلي فلى يدى مصور
دعوت لما نابنى مسوراً
والتثنية فيه كالتثنية فى قوله تعالى (( ثم ارجع البصر كرتين) وليس المراد مما
يشفع الواحد فقط. وكذلك ((سعديك ودواليك)).
وقال يونس : هو مفرد ، والياء فيه مثل عليك وإليك ولديك.
ومن حجة سيبويه على يونس: أن ((على)) و((إلى)) يختلفان بحسب الإضافة،
فإن جرا مضمراً كانا بالياء، وإن جرا ظاهراً كانا بالألف. فلو كان ((لبيك))
كذلك لما كان بالياء فى جميع أحواله سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر، كما قال :
فلی یدی مسور .
وقالت طائفة من النحاة : أصل الكلمة لبالبا ، أى إجابة بعد إجابة ، فتقل عليهم
تكرار الكلمة ، فجمعوا بين اللفظين ليكون أخف عليهم ، فجاءت التثنية وحذف
التنوين لأجل الاضافة .

- ٢٥٥-
- كان يزيد فيها فذكر نحوه فعرف أن ابن عمر اقتدى فى ذلك بأبيه واستدل به
على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فى ذلك . قال
الطحاوى بعد أن أخرجه من حديث ابن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وعمرو
ابن معد يكرب : أجمع المسلمون جميعاً على هذه التلبية غير أن قوماً قالوا لا بأس
أن يزيد من الذكر لله ما أحب وهو قول محمد والثورى والأوزاعى، واحتجوا
بحديث أبى هريرة يعنى الذى أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان
والحاكم قال (( من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبيك إله الحق لبيك))
وبزيادة ابن عمر المذكورة. وخالفهم آخرون فقالوا : لا ينبغى أن يزاد على -
= وقد اشتعلت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة :
إحداها: أن قولك ((لبيك)) يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك، ولا يصح
فى لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.
الثانية : أنها تتضمن المحبة كما تقدم ، ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه، ولهذا
قيل فى معناها: أنا مواجه لك بما تحب ، وأنها من قولهم: امرأةلبة، أى محبة لولدها .
الثالثة : انها تتضمن التزام دوام العبودية ، ولهذا قيل : هى من الإقامة ، أى
انا مقيم على طاعتك.
الرابعة . انها تتضمن الخضوع والذل ، أى خضوعاً بعد خضوع ، من قولهم .
انا ملب بين يديك ، أى خاضع ذليل .
الخامسة . انها تتضمن الإخلاص ، ولهذا قيل. إنها من اللب ، وهو الخالص .
السادسة انها تتضمن الافرار بسمع الرب تعالى، إذ يستحيل ان يقول الرجل
لبيك لمن لا يسمع دعاءه.
السابع. أنها تتضمن التقرب من الله، ولهذا قيل. إنها من الألباب، وهو التقرب.
الثامنة . أنها جعلت فى الإحرام شعاراً لانتقال من حال إلى حال ، ومن منسك
إلى منسك، كما جعل التكبير فى الصلاة سبعاً ، للانتقال من ركن إلى ركن ، ولهذا
كانت السنة أن يلى حتى يشرع فى الطواف ، فيقطع التلبية، ثم إذا سار لى حتى يقف
بعرفة فيقطعها ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها ثم يلي حتى يرمى جمرة العقبة =

- ٢٥٦ -
- ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس كمافى حديث عمرو بن معد يكرب
ثم فعله هو ولم يقل لبوا بما شئتمما من جنس هذا، بل علمهم كما علمهم التكبير
فى الصلاة فكذا لا ينبغى أن يتعدى فى ذلك شيئاً مما علمه، ثم أخرج حديث
عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه أنه سمع رجلا يقول: لبيك ذا المعارج ،
فقال إنه لذو المعارج وما هكذا كنا نلبى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
انتهى . وسيأتى بعض الكلام فيه .
-
= فيقطعها فالتلبية شعار الحج والتنقل فى أعمال المناسك . فالحاج كلما انتقل من ركن
إلى ركن قال ((لبيك اللهم لبيك)) كما ان المصلى يقول فى انتقاله من ركن إلى ركن
((الله أكبر)) فإذا حل من نسكه قطعها، كما يكون سلام المصلى قاطعاً لتكبيره.
التاسعة: أنها شعار التوحيد ملة إبراهيم، الذى هو روح الحج ومقصده ، بل
روح العبادات كلها والمقصود منها. ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التى يدخل فيها بها.
العاشرة. أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذى يدخل منه إليه، وهو
كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له .
الحادية عشرة : أنها مشتملة على الحمد لله الذى هو من احب ما يتقرب به العبد
إلى الله ، واول من يدعى إلى الجنة اهله ، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها .
الثانية عشرة . أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها ، ولهذا عرفها باللام
المفيدة للاستغراق ، اى النعم كلها لك ، وانت موليها والمنعم بها .
الثالثة عشرة . أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده ، فلا ملك
على الحقيقة لغيره .
الرابعة عشرة . أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بإن المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته
وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك .
الخامسة عشرة: فى ((إن)) وجهان: فتحها وكسرها، فمن فتحها تضمنت معنى
التعليل ، أى لبيك لأن الحمد والنعمة لك ، ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة ،
تتضمن ابتداء الثناء على الله ، والثناء إذا كثرت جمله وتعددت كان أحسن من قلتها ،
وأما إذا فتحت فإنها تقدر بلام التعليل المحذوفة معها قياساً، والمعنى لبيك لأن الحمد الك=

ـــ٢٥٧ -
- ثم اعلم أن فى حكم التلبية أربعة مذاهب: الأول - أنها سنة من السمن لا يجب
بتركهاشىء. وهو قول الشافعى وأحمد. والثانى - واجبة ويجب بتركها دم. حكاه
الماوردى عن بعض الشافعية ، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابى
عن مالك وأبى حنيفة. والثالث - واجبةلكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج.
قال ابن المنذر قال أصحاب الرأى: إن كبر أو هلل أو سبح ينوى بذلك الإحرام
فهو محرم . الرابع - أنها ركن فى الإحرام لا ينعقد بدونها ، حكاه ابن عبد البر .-
= والفرق بين بين أن تكون جمل الثناء علة لغيرها وبين أن تكون مستقلة مرادة
لنفسها، ولهذا قال ثعلب: من قال ((إن)) بالكسر فقد عم، ومن قال ((أن))
بالفتح فقد خص . ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية
عن المؤمنين ( إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم) كسر ((إن)) وفتحها.
فمن فتح كان المعنى: ندعوه لأنه هو البر الرحيم )) ومن كسر كان الكلام جملتين ،
إحداهما قوله ((ندعوه))، ثم استأنف فقال ((إنه هو البر الرحيم ، قال أبو عبيد:
والكسر أحسن ، ورجحه بما ذكرناه
السادسة عشرة : أنها متضمنة للاخبار عن اجتماع الك والنعمة والحمد لله عز وجل،
وهذا نوع آخر من الثناء عليه ، غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العلية ، فله سبحانه
من أوصافه العلى نوعا ثناء ، نوع متعلق بكل صفة على انفرادها ، ونوع متعلق اجتماعها
وهو كمال مع كمال وهو عامة الكمال ، والله سبحانه يفرق فى صفاته بين الملك والحمد ،
وسوغ هذا المعنى أن اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكمال والملك وحده كمال ،
والحمد كمال واقتران أحدهما بالآخر كمال ، فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع
النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام
الداعى إلى محبته، كان فى ذلك من العظمة والكمال والجلال ماهو أولى به وهو أهله،
وكان فى ذكر العند له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه، والتوجه
بدواعى المحبة كلها إليه ماهو مقصود العبودية ولبها ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ونظير هذا اقتران الغنى بالكرم، كقوله : ﴿ فإن ربى غنى كريم ) فله كمال من
غناه وكرمه ، ومن اقتران أحدهما بالآخر .
ونظيره اقتران العزة بالرحمة: ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ).
=
( ١٧ - عون المعبوده)

"- ٢٥٨ -
- عن الثورى وأبى حنيفة وابن حبيب من المالكية وأهل الظاهر قالوا هى نظير
تكبيرة الإحرام للصلاة. وهو قول عطاء أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح
عنه قال: التلبية فرض الحج. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وطاؤس وعكرمة
وحكى النووى عن داود أنه لا بد من رفع الصوت بها وهذا زائد على أصل
كونها ركناً . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم النسائى والترمذى
وابن ماجه .
-
= ونظيره اقتران العفو بالقدرة: ﴿ وكان الله عفواً قديراً).
ونظيره اقتران العلم بالحلم: ﴿ والله عليم حليم ) .
ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة : ﴿ والله قدير والله غفور رحيم ).
وهذا يطلع ذا اللب على رياض من العلم أنيقات ، ويفتح له باب محبة الله ومعرفته ،
والله المستعان وعليه التكلان .
السابعة عشرة: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل ما قلت أنا والنبيون
من قبلى: لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمدوهو على كل شىء قدير))
وقد اشتملت بالتلبية على هذه الكلمات بعينها ، وتضمنت معانيها. وقوله ((وهو على
كل شىء قدير)) لك أن تدخلها تحت قولك فى التلبية ((لاشريك لك)). ولك أن
تدخلها تحت قولك (( إن الحمد والنعمة لك))، ولك أن تدخلها تحت إثبات الملك له
تعالى ، إذ لو كان بعض الموجودات خارجاً عن قدرته وملكه ، واقعاً بخلق غيره ،
لم يكن نفى الشريك عاما ، ولم يكن إثبات الملك والحمد له عاما ، وهذا من أعظم المحال،
والملك كله له ، والحمد كله له ، وليس له شريك بوجه من الوجوه.
الثامنة عشرة . أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل فى صفات الله
وتوحيده، فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم . ولقول الفلاسفة
وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكال التى هى متعلق الحمد ، فهو سبحانه محمود
لذاته ولصفاته ولأفعاله، فمن جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده ، ومبطلة لقول
مجوس الأمة لقدرية الذين أخرجوا من ملك الرب وقدرته أفعال عباده من الملائكة
والجن والإنس ، فلم يثبتوا له عليها قدرة ولا جعلوه خالقاً لها . فعلى قولهم لا تكون =

- ٢٥٩-
١١٩٦ - حدثنا أَحَدُ بنُ حَنْبَلِ أخبرنا يَحْتَى بنُ سَعِيدٍ أخبرنا
جَعْفَرٌ أخبرنا أَبِى عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ «أُهَلِّ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليهِ وسلم فَذَ كَرَ التِّلمِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابنِ مُمَرَ قَلَ وَالنَّسُ يَزِيدُونَ
ذَا لََّارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنِّىُّ صلى اللهُ عليهِ وسلم يَسْمَعُ فَلاَ يَقُولُ
لَهُمْ شَيْئاً ».
- (ذا المعارج) من أسماء الله تعالى والمعارج المصاعد والدرج واحدها معرج،
يريد معارج الملائكة إلى السماء ، وقيل المعارج الفواضل العالية كذا فى النهاية
وفى رواية البيهقى ذا المعارج وذا الفواضل ( فلا يقول) النبى صلى الله عليه وسلم
(لهم شيئاً) فسكوت النبى صلى الله عليه وسلم على قولهم يدل على جواز الزيادة -
= داخلة تحت ملكه، إذ من لاقدرة له على الشىء كيف يكون هذا الشىء داخلا تحت
ملكه؟ فلم يجعلوا الملك كله لله، ولم يجعلوه على كل شىء قدير ، وأما الفلاسفة
فعندهم لا قدرة له على شىء البتة ، فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها
باين جميع الطوائف المعطلة .
التاسعة عشرة: فى عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر ، وهو قوله .
((إن الحمد والنعمة لك والملك))، ولم يقل إن الحمد والعمة والملك - لطيفة بديعة،
وهى أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين، فإنه لو قال إن الحمد والنعمة والملك
لك ، كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد، فلما مت الجملة الأولى بقوله (لك))
ثم عطف الملك، كان تقديره، والملك لك، فيكون مساوياً لقوله ((له الملك وله
الحمد، ولم يقل له الملك والحمد ، وفائدته تكرار الحمد فى الثناء .
العشرون. لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر ، كان فيه إشعار
اقترانهما وتلازمهما، وعدم مفارقة أحدهما للآخر ، فالانعام والحمد قرينان
الحادية والعشرون : فى إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له لطيفة وهى أنه أخبر
لا شريك له عقب إجابته بقوله لبيك، ثم أعادها عقب قوله ((إن الحمد والنعمة لك =

- ٢٦٠ -
١١٩٧ - حدثنا التَّعْنَبِىُّ عن مالِكٍ عن عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِى بَكْرِ
ابنِ مُمَّدَ بنِ عَمْرٍوٍ بِنِ حَزْمِ عن عَبْدِ لَلِكِ بِنِ أَبِى بَكْرِ بِنِ عَبْدِ الرَّْنِ
ابنِ الحَارِثِ بِ هِثَمٍ عن خَلاَّدِ بِ السَّائِبِ الأَنْصَارِىِّ عن أَبِهِ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم قال (( أَتَانِى جِبْرَائِلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَمَرَّبِى
- على التلبية المعينة ، ويدل على جواز ما وقع عند النسائى عن ابن مسعود قال :
كان من تلبية النبى صلى الله عليه وسلم فذكره، ففيه دلالة على أنه قد كان يلى
بغير ذلك وما تقدم عن عمر وابن عمر . وروى سعيد بن منصور من طريق
الأسود بن يزيد أنه كان يقول لبيك غفار الذنوب . وفى حديث جابر الطويل
فى صفة الحج: حتى استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك
قال : وأهل الناس بهذا الذى يهلون به فلم يرد عليهم شيئاً منه ولزم تلبيته .
والحاصل أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومة رسول اللهصلى الله عليه
وسلم عليها وأنه لا بأس بالزيادة لكونه لم يردها عليهم وأقرهم عايها، وهو قول
الجمهور، كذا فى الفتح. وحكى الترمذى عن الشافعى قال : فإن زاد فى التلبية
شيئاً من تعظيم الله فلا بأس وأحب إلىّ أن يقتصر على تلبية رسول الله صلى الله
عليه وسلم وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه ثم زاد من قبله زيادة والله أعلم .
قال المنذرى : وأخرجه ابن ماجه انتهى .
= والملك لا شريك لك)). وذلك يتضمن أنه لا شريك له فى الحمد والنعمة الملك،
والأول يتضمن أنه لا شريك لك فى إجابة هذه الدعوة ، وهذا نظير قوله تعالى:
( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العام قائماً بالقسط ، لا إله إلا هو العزير
الحكيم) فأخبر بأنه لا إله إلاهو فى أول الآية، وذلك داخل تمت شهادته وشهادة
ملائكته وأولى العلم ، وهذا هو المشهود به ، ثم اخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل ،
فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط .