Indexed OCR Text

Pages 101-120

- ١٠١ -
الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَلَى، فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، وَيْسَحُ
يِرَ أْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُم يُكَبِّرُ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَحْمَدُهُ، ثُمَّ ◌َقْرَأُ
مِنَ الْقُرْآنِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَتَيَسَّرَ - فَذَ كَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ حَمَّدٍ قَال - ثُمَّ يُكَبِّرُ
فَيَسْجُدُ فَيُمَكِّنَ وَجْهَهُ - قال ◌َّامٌ - وَرُبَّمَا قال جَبْهَهُ مِنَ الْأَرْضِ، حتَّ
تَطْمِنَّ مَقَصِلُهُ وَتَشْتَرْخِىَ، ثُمَّ يُكَبُِّ فَيَسْتَوِى قَاعِداً عَلَى مَفْعَدِهِ وَيُقِيمُ صُلْبَهُ
فَوَصَفَ الصَّلاَةَ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكَاتٍ حَتَّى فَرَغَ ، لَا تَعِمُّ صَلَهُ أَحَدِكم حتَّى
يَفْعَلَ ذَلِكَ )) .
٨٤٤ - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيَّةً عن خَالِدٍ عن مُمَّدٍ - يَعْنى ابنَ عَمْرِو -
عن عَلِيِّ بنِ يَحْتَ بنِ خَلَّدٍ عن رِفَاءَةَ بنِ رَافِعٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قال ((إِذَا
- الوضوء كما أمره الله تعالى) أى فى سورة المائدة (فيغسل وجهه ويديه إلى
المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ) المشهور أن الكعب هو العظم
الناشز عند ملتقى الساق والقدم وهو الصحيح ، وقوله رجليه فى حالة النصب
معطوف على وجهه أى يغسل رجليه. قال الخطابي : فيه من الفقه أن ترتيب
الوضوء وتقديم ما قدمه الله فى الذكر واجب، وذلك معنى قوله عليه السلام :
يسبغ الوضوء كما أمره الله ثم عطف عليه بحرف الفاء الذى يقتضى التعقيب من
غير تراخ ( وتيسر) هذا تفسير لقوله أذن له فيه ( فيسجد فيمكن وجهه قال هام
وربما قال) أى إسحاق بن عبد الله ( جبهته من الأرض ) يقال أمكنته من
الشىء ومكنته منه فتمكن واستمكن أى قوى عليه. قال الخطابي: فيه دليل
على أن السجود لا يجزىء على غير الجبهة وأن من سجد على كور العمامة لم يسجد
معها على شىء من جبهته لم تجزه صلاته (حتى تطمئن مفاصله) جمع مفصل وهو
رءوس العظام والعروق (وتسترخى) أى تفتر وتضعف .

-١٠٢-
قُمْتَ فَتَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِيْلَةِ فَكِّرْ ثُمَّ افْرَأْ بِأُمّ الْقُرْآنِ وَبِمَ شَاءَ اللهُ أَنْ تَقْرَأُ
إِذَا رَكَمْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَنَيْكَ وَإِمْدُدْ ظَهْرَكَ. وقال: إذَا سَجَدْتَ
فَمَكِّنْ لِسُجُودِكَ [بِسُجُودِكَ] فَإِذَا رَفَعْتَ فَقْعُدْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى)).
٨٤٥ - حدثنا مُؤَمَّلُ بنُ هِشَامِ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ عن مُمَّدِ ابنِ إِسْحَاقَ
حدثنى عَلُِّ بنُ يَحْسَ بنِ خَلَّدِ بنِ رَافِعٍ عن أَبِيهِ عن عَمٍِّ رِفَاعَةَ بنِ
رَافِع عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، قال: ((إِذَا أَنْتَ قُمْتَ فى
صَلاَتِكَ فَ كَبْرِاللهَ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ افْرَأْ مَاتَيَسِّرَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ - وقال فيه -
فَإِذَا جَلَسْتَ فِى وَسَطَ الصَّلاَةِ فَاطْمَئِنَّ وَافْرِشْ فَخِذَكَ الْيُسْرَى، ثُمَّ تَشَهِّدْ،
- ( ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ) قد تمسك بحديث المسىء من لم
يوجب قراءة الفاتحة فى الصلاة ، وأجيب عنه بهذه الرواية المصرحة بأم القرآن
( فضع راحتيك ) أى كفيك ( على ركبتيك فيه رد على أهل التطبيق ( وامدد
ظهرك ) أى ابسطه ( فمكن ) أى يديك قاله الطيبى ( لسجودك) أى اسجد
سجوداً تاماً مع الطمأنينة. قاله ابن الملك. وقال ابن حجر : معناه فمكن
جبهتك من مسجدك فيجب تمكينها بأن يتحامل عليها بحيث لو كان تحتهاقطن
انكبس (فإذا رفعت ) أى رأسك من السجود (فاقعد على مخذك اليسرى)
أى ناصباً قدمك اليمينى . قال إبن حجر : أى تنصب رجلك اليمنى كما بينه بقية
الأحاديث السابقة ، ومن ثم كان الافتراش بين السجدتين أفضل من الإقعاء
المسنون بينهما كمامر لأن ذلك هو الأكثر من أحواله عليه السلام.
( فإذا جلست فى وسط الصلاة) بفتح السين . قال فى النهاية : يقال فيما
كان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب بسكون السين وما كان متصل
الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح والمراد ههنا القعود التشهد الأول فى الرباعية -

- ١٠٣ -
ثُمَّ إِذَا قُمْتَ فِثْلَ ذَلِكَ حَتّى تَفْرُغَ مِنْ صَلاَتِكَ)).
٨٤٦ - حدثنا عَبَأَدُ بنُ مُوسَى الْتَلِىُّ أخبرنا إِشْمَاعِيلُ - يَعْنى ابنَ
جَعْفَرٍ - أخبرنى يَحِ بنُ عَلِيِّ بِنِ يَمِ بنِ خَلَّدٍ بِنِ رَافِعِ الزُّرَبِىُّ عن أَبِهِ
عن جَدِّهِ عن رِفَعَةَ بنِ رَافِعٍ ((أَنَّ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم - فَقَصَّ
هذا الحديثَ قال فيه : - فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللهُ ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ ثُمَّ كَبِّرْ، فَإِنْ
كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ وَإِلَّ فَاْحَدِ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبِّرْهُ وَهَلَّهُ - وقال فيه-
وإن [فإن] انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا انْتَقَصْتَ مِنْ صَلاَتِكَ)).
- ويلحق به الأول فى الثلاثية (فاطمئن) يؤخذ منه أن المصلى لا يشرع فى التشهد
حتى يطمئن يعنى يستقر كل مفصل فى مكانه ويسكن من الحركة ( وافترش
فذك اليسرى ) أى القها على الأرض وابسطها كالفراش للجلوس عليها .
والافتراش فى وسط الصلاة موافق لمذهب الشافعى وأحمد ، لكن أحمد يقول
يفترش فى التشهد الثانى كالأول . والشافعى يتورك فى الثانى ومالك يتورك فيهما
كذا ذكره ابن رسلان. وفيه دليل لمن قال إن السنة الافتراش فى الجلوس
للتشهد الأوسط وهم الجمهور. قال ابن القيم: ولم يرو عنه فى هذه الجلسة غير هذه
الصفة يعنى الفرش والنصب . وقال مالك: يتورك فيه لحديث ابن مسعود أن
النبى صلى الله عليه وسلم كان يجلس فى وسط الصلاة وفى آخرها متوركا . قال ابن
القيم: لم يذكر عنه صلى الله عليه وسلم التورك إلا فى التشهد الأخير . والحديث
دليل لمن قال بوجوب التشهد الأوسط كذا فى النيل .
(قال فيه ) أى فى الحديث (كما أمرك الله) أى فى سورة المائدة (ثم تشهد)
أى قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بعد الوضوء (فأقم) أى
الصلاة . وقيل معنى تشهد إذن لأنه مشتمل على كلتى الشهادة فأقم على هذا -

- ١٠٤ -
٨٤٨ - حدثنا أَبُو الْوَلِدِ الطَّيَالِيُّ أخبرنا اللّهْثُ عن يَزِيدَ بنِ أَبى
حَبِيبٍ عن جَعْغَرَ بنِ الْسَكَِ ح. وأخبرنا قُتَيْبَةُ أخبرنا اللَّيْثُ عن جَمْغَرِّ
ابْنِ عَبْدِ اللهِ الْأُنْصَرِىِّ عن تَسِيمِ بنِ الْمَحْمُودِ عن عَبْدِ الرَّحَنِ بنِ شِبْلٍ
قال: ((نَهَى رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم عن نَقْرَةِ الْغُرَابِ وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ
وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ المَكَنَ فِى الْمَسْجِدِ كما يُوَطِّنُ الْبِيرُ)» هذا لَفْظُ قُتَيْبَةَ.
- يراد به الإقامة للصلاة كذا نقله ميرك عن الأزهار. قال ابن حجر: وفيه دلالة
ظاهرة لمن قال بوجوب الأذان والإقامة على الكفاية ، وقيل أى أحضر قلبك
وانو وكبر فأقم الصلاة أو أحضر قلبك واستقم ، كذا فى المرفاة .
(عن جعفر بن الحكم) هو جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصارى
الأوسى المدنى عن أنس ومحمد بن لبيد وسليمان بن يسار، وعنه ابنه عبد الحميد
ويزيد بن أبى حبيب والليث موثق ( عن جعفر بن عبد الله الأنصارى )
هو عبد الله بن الحكم المذكور (عن عبد الرحمن بن شبل) بكسر الشين
المعجمة وسكون الموحدة ابن عمرو بن زيد الأنصارى الأوسى المدنى أحد النقباء
نزيل حمص مات أيام معاوية رضى الله عنه ( عن نقرة الغراب ) بفتح النون
يريد المبالغة فى تخفيف السجود وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره
فيما يريدأ كله . وقال الخطابى: هى أن لا يتمكن الرجل من السجود فيضع
جبهته على الأرض حتى يطمئن ساجداً، فإنما هو أن يمس بجبهته أو بأنفه
الأرض كنقرة الطائر ثم يرفعه ( وافتراش السبع) وهو أن يضع ساعديه على
الأرض فى السجود ( وأن يوطن ) بتشديد الطاء ويجوز بتخفيفها ( الرجل المكان
فى المسجد كما يوطن البعير) فيه وجهان أحدهما أن يألف الرجل مكاناً معلوماً من
المسجد لا يصلى إلافيه كالبعير لا يأوى من عطنه إلا إلى مبرك دمت قد أوطنه -

-- ١٠٥-
٨٤٩ - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا جَرِيرٌ عن عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ
عن سَالِمٍ الْبَّادِ قال: ((أَتَيْنَ عُقْبَةَ بنَ عَمْرِ و الْأَنْصَارِىَّ أَبَ مَعُودٍ فَقُلْفَ
لَهُ: حَدِّثْنَ عن صَلَةِ رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم ، فَقَامَ بَيْنَ أَيْدِيناً فى
المَسْجِدِ فَكَبَّرَ ، فَأَ رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْدٍ عَلَى رُكْبَنَيْهِ وَجَعَلَ أَصَابِعَهُ أَسْفَلَ
مِنْ ذَلِكَ وَجَانَى بَيْنَ مِرْ فَقَيْهِ حَتَّى اسْتَقَرَّ كُلُّ شَىْءٍ مِنْهُ، ثُمَّ قال: سَمِعَ اللهُ
لِمَنْ عِدَهُ، فَمَ حَتَّى اسْتَقَرَّ كُلُّ شَىْءٍ مِنْهُ، ثُمَّ كَبَِّ وَسَجَدَ وَوَضَعَ كَفِيْهِ
عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ جَانَى بَيْنَ مِرْ فَقَيْهِ حَتَّى اسْتَقَرَّ كُلُ شَىْهِ مِنْهُ، ثُمَ رَفَعَ
رَأْسَهُ فَجَلَسَ خَتَّى اسْتَقَرَّ كُلُّ شَىْءٍ مِنْهُ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا، ثُمَّ صَلَّى
- واتخذه مناخاً لا يبرك إلا فيه والوجه الآخر أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا
أراد السجود برك البعير على المكان الذى أوطنه ، وأن لا يهوى فى سجوده ،
فيثنى ركبتيه حتى يضعها بالأرض على سكون ومهل. قاله الخطابى. قلت : الوجه
الثانى لا يصح ههنا لأنه لا يمكن أن يكون مشبها به ، وأيضاً لو كان أريد هذا
المعنى لما اختص النهى بالمكان فى المسجد فلما ذكر دل على أن المراد هو الأول
قال ابن حجر: وحكمته أن ذلك يؤدى إلى الشهرة والرياء والسمعة والتقيد
بالعادات والحظوظ والشهوات وكل هذه آفات أىّ آ فات فتعين البعد عما أدى
إليها ما أمكن. قال المنذرى: وأخرجه النسائي وابن ماجه.
(عن سالم البراد ) هو أبو عبد الله الكوفى عن ابن مسعود وأبى مسعود،
وعنه عطاء بن السائب وإسماعيل بن أبى خالد وثقه ابن معين وغيره ( فلما ركع
وضع يديه على ركبتيه) فيه رد على أهل التطبيق ( وجعل أصابعه أسفل من
ذلك ) المعنى أنه وضع كفيه على الركبتين وأصابعه أسفل منهما ، وفى رواية
النسائى وضع راحتيه على ركبتيه وجعل أصابعه من وراء ركبتيه (وجافى بين -

-١٠٦ -
أَرْبَعَ رَكَمَاتٍ مِثْلَ هَذِهِ الرَّكْمَةِ، فَصَلَّى صَلاَتَهُ ثُمَّ قال: هَكَذَا رَأَيْنَ رسولَ
الله صلى اللهُ عليه وسلم يُصَلِّى)).
- مرفقيه) أى باعدها عن جنبيه وهو من الجفاء وهو البعد عن الشىء (فصلى
صلاته) أى أتمها وفرغ منها . قال المنذرى: وأخرجه النسائى.
-
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
فصل
فى سياق صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان اتفاق الأحاديث فيها
وغلط من ظن أن التخفيف الوارد فيها هو التخفيف الذى اعتاده سراق الصلاة
والنقارون لها :
ففى الصحيحين عن البراء بن عازب قال ((رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه
وسلم، فوجدت قيامه فركمته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته نجاسته بين السجدتين
فسجدته جلسته ما بين التسليم والانصراف قريباً من السواء)) لفظ مسلم . وفى
صحيح مسلم أيضاً عن شعبة عن الحكم قال ((غلب على الكوفة رجل - قد سماه ....
زمن ابن الأشعث ، فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلى بالناس ، فكان يصلى ، فإذا
رفع رأسه من الركوع قلم قدر ما أقول اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء
الأرض وملء ما شئت من شىء بعد ، أهل الثناء والمجد ، لا مانع لما أعطيت ، ولا
معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) قال الحكم: فذكرت ذلك لعبد الرحمن
ابن أبى ليلى فقال : سمعت البراء بن عازب يقول : كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه
وسلم وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريباً من
السواء)). وروى البخارى هذا الحديث وقال فيه: ((ماخلا القيام والقعود ، قريباً
من السواء)) . ولاشك أن قيام القراءة وقعود التشهد يزيدان فى الطول على بقية
الأركان. ولما كان صلى الله عليه وسلم يوجز القيام ويستوفى بقية الأركان صارت
صلاته قريباً من السواء. فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى . والبراء تارة
قرب ولم يحدد ، فلم يذكر القيام والقعود، وتارة استثنى وحدد فاحتاج إلى ذكر =

- ١٠٧-
= القيام والقعود وقد غلط بعضهم حيث فهم من استثناء القيام والقعودأنه استثنى القيام
من الركوع والقعود بين السجدتين ، فإنه كان يخفضهما فلم يكونا قريباً من بقية
الأركان . فإنهما ركنان قصيران . وهذا من سوء الفهم ، فإن سياق الحديث يبطله ،
فإنه قد ذكر هذين الركنين بأعيانهما ، فكيف يذكرهما مع بقية الأركان . ويخبر
عنهما بأنهما مساويان لها ، ثم يستثنيهما منها؟ وهل هذا إلا بمنزلة قول القائل : قام
زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيداً وعمراً ؟
وقد ثبت تطويل هذين الركنين عن النبى صلى الله عليه وسلم فى عدة أحاديث
صحيحة صريحة:
أحدها : هذا، وقد استدل البراء بن عازب على إصابة أبى عبيدة فى تطويله
ركن الاعتدال من الركوع بقوله: (( كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وركوعه وإذا رفع رأسه وسجوده وما بين السجدتين قريباً من السواء)). ولوكان
النبى صلى الله عليه وسلم يخفف هذين الركنين لأفكر البراء صلاة أبى عبيدة ، ولم
يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتضمن تصويبه.
ومنها ما رواه مسلم فى صحيحه من حديث حماد بن سلمه : أخبرنا ثابت عن أنس
قال: ((ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تمام
كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة ، وكانت صلاة أبى بكر
متقاربة ، فلما كان عمر مد فى صلاة الفجر . وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حق نقول قد أوهم ، ثم يسجد ويقعد بين
السجدتين حق نقول قد أوهم)). رواه مسلم بهذا اللفظ . ورواه أبو داود
من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وحميد عن أنس قال (( ما صليت خلف رجل
أوجز صلاة ،ن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تمام ، وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده ، قام حتى نقول قد أوهم ، ثم يكبر ، ثم يسجد ،
وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم )) جمع أنس رضى الله عنه فى هذا
الحديث الصحيح بين الإخبار عن إيجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة وإتمامها
وأن من إتمامها إطالة الاعتدالين جداً، كما أخبر به . وقد أخبر أنه ما رأى أوجز
صلاة منها ولا أتم ، فيشبه والله أعلم أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمام إلى
الركوع والسجود وركنى الاعتدال، فيهذا تصير الصلاة تامة موجزة ، فيصدق قوله
(.ارأيت أوجز منها ولا أتم)) ويطابق هذا حديث البراء المتقدم وأحاديث أنس =

--- ١٠٨-
= كلها تدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين
زيادة على ما يفعله أكثر الأئمة ويعنادونه . وروايات الصحيحين تدل على ذلك . ففى
الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: ((إنى لا آلو أن أصلى بكم
كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بنا . قال ثابت فكان أنس يصنع شيئاً
لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً ، حتى يقول القائل
قد نسى، وإذا رفع رأسه فى السجدة مكث ، حتى يقول القائل قد نسى)). وفى لفظ
((وإذا رفع رأسه بين السجدتين)). وفى رواية للبخارى من حديث شعبة عن ثابت
(( كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يصلى. وإذا رفع
رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسى)) وهذا يبين أن إطالة ركنى الاعدالين م)
ضيع من عهد ثابت. ولهذا قال ((فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تفعلونه)) وهذا
-- والله أعلم - مما أنكره أذر مما أحدث الناس فى الصلاة حيث قال (( ما أعلم
شيئاً مما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل ولا الصلاة ؟ قال أوليس
قد أحدثتم فيها ما أحدثتم؟)) فقول ثابت أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل أنس ، وقول
أنس ((إنكم قد أحدثم فيها)) يبين ذلك أن تقصير هذين الركنين هو مما أحدث فيها
ومما يدل على أن السنة إطالتهما (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى بالليل ،
فقرأ البقرة والنساء وآل عمران ، وركع نحواً من قيامه ورفع نحواً من ركوعه ،
وسجد نحواً من قيامه ، وجلس نحواً من سجوده)) متفق عليه .
وفى صحيح مسلم عن ابن عباس (( أن النى صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه
من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وما بينهما وملء
ما شئت من شىء بعد ، أهل الثناء والمجد . لامانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت .
ولا ينفع ذا الجد منك الجد)).
وفى صحيح مسلم عن أبى سعيد قال: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع
رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء ما شئت من شىء
بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد ، لا مانع لما أعطيت ولا
معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)» وفى صحيح مسلم نحوه من حديث
عبد الله بن أبى أوفى . وزاد بعد قوله (( وملء ما شئت من شى بعد: اللهم طهرنى
بالتلج والبرد والماء البارد ، اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب =
/

١٠٩-
= الابيض من الوسخ)) فهذه الاذكار والدعوات ونحوها - والله أعلم - من التى
كان يقولها فى حديث أنس (( أنه كان يمكث بعد الركوع حتى يقولوا قد أوم)) لانه
ليس محل سكوت ، بناء الذكر مفسراً فى هذه الاحاديث ، وروى النسائى وأبوداود
عن سعيد بن جبير قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ((ما صليت وراء أحد بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا
الفتى ، يعنى عمر بن عبد العزيز قال فزرنا فى ركوعه عشر تسبيحات ، وفى
سجوده عشر تسبحات)) وإسناده ثقات .
وفى صحيح مسلم عن أبى قزعة قال: ((أتيت أبا سعيد الخدرى وهو مكثور
عليه ، فلما تفرق الناس عنه قلت: إنى لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه، أسألك
عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : مالك فى ذلك من خير ، فأعادها
عليه ، فقال : كانت صلاة الظه تقام ، فينطلق أحدنا إلى البقيع ، فيقضى حاجته،
ثم يأتى أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى
الركعة الأولى)) وفى رواية (( مما يطولها)) وفى هذا ما يدل على أن أبا سعيد رأى
أن صلاة الناس فى زمانه أنقص مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلها .
ولهذا قال للسائل ((مالك فى ذلك من خير)).
وفى الصحيحين: (( أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فى الفجر بالستين إلى
المائة)) ومن المتيقن أنه صلى الله عليه وسلم لم تكن قراءته فى الصلاة هذا، بل
ترتيلا، بتدبر وتأن. وروى النسائى بإسناد صحيح عن عائشة (( أن النبى صلى الله
عليه وسلم قرأ فى المغرب بسورة الأعراف، فرقها فى ركعتين)) وأصله فى الصحيح
((أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فى المغرب بطولى الطوليين)) يريد الأعراف،
كما جاء مفسراً فى رواية النسائى .
وفى الصحيحين عن جبير بن مطعم: ((أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فى
المعرب بالطور )) . وفى الصحيحين عن ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث
(( أنها سمعته وهو يقرأ والمرسلات عرفاً ، فقالت يا بنى لقد ذكرتنى بقراءتك هذه
السورة، إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها فى المغرب)).
وهذا يدل على أن هذا الفعل غير منسوخ ، لأنه كان فى آخر حياته صلى الله
عليه وسلم .

- ١١٠-
وقد روى الإمام أحمد عن أبى هريرة قال ((شكا أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم مشقة السجود عليهم ، فقال: استعينوا بالركب)) قال ابن عجلان: هو أن يضع
مرفقيه على ركبتيه إذا طاله السجود وأعيا . وهذا يدل على أن النبى صلى الله عليه
وسلم كان يطيل السجود بحيث يحتاج الصحابة إلى الاعتماد على ركبهم، وهذا لا يكون
مع قصر السجود .
وفى الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إنى لأقوم فى الصلاة وأنا أريد
أن أطول فيها ، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فيها مخافة أن أشق على أمه)) وأما ما رواه
مسلم فى صحيحه من حديث جابر بن سمرة (( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فى
الفجر بقاف والقرآن المجيد، وكانت صلاته بعد تخفيفاً)) فالمراد به - والله أعلم -
أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفاً، بعنى أنه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة
بقية الصلوات لوجهين :
أحدهما: أن مسلماً روى فى صحيحه عن سماك بن حرب قال: (( سألت جابر
ابن سمرة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال : كان يخفف الصلاة ولا يصلى
صلاة هؤلاء ، قال : وأنبأنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فى الفجر
بقاف والقرآن المجيد ونحوها )) نجمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالتخفيف وأنه كان يقرأ فى الفجر بقاف .
الثانى : أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله صلى الله
عليه وسلم التى ما زال يصليها . ولم يذكر أحد أنه نقص فى آخر أمره من الصلاة ،
وقد أخبرت أم الفضل عن قراءته فى المغرب بالمرسلات فى آخر الأمر ، وأجمع
الفقهاء أن السنة فى صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل .
وأما قوله (( ولا يعلى صلاة هؤلاء)) فيحتمل أمرين : أحدهما : أنه لم يكن
يحذف كذفهم، بل يتم الصلاة ، والثانى : أنه لم يكن يطيل القراءة إطالتهم. وفى
مسند أحمد وسنن النسائى عن عبد الله بن عمر قال: ((إن كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم ليأمرنا بالتخفيف ، وإن كان ليؤمنا بالصافات )) وهذا يدل على أن الذى أمر
به هو الذى فعله، فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته، ولهذا
صلى على المنبر وقال (إنما فعلت هذا لتأنموا بى ولتعدموا صلاتى))، وقال مالك بن
الحويرث وصاحبه (صلوا كما رأيتمونى أصلى)) وذلك أنه مامن فعل فى الغالب ==

- ١١١-
= إلا ويسمى خفيفاً بالنسبة إلى ما هو أطول منه وطويلا بالنسبة إلى ما هو أخف
منه ، فلا يمكن تحديد تخفيف المأمور به فى الصلاة باللغة ولا بالعرف، لأنه ليس له
عادة فى العرف كالقبض والحزر والاحياء والاصطياد، حتى يرجع فيه إليه ، بل هو
من العبادات التى يرجع فى صفاتها ومقاديرها إلى الشارع، كما يرجع إليه فى أصلها ،
ولوجاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاة الشرعية اختلافاً متبايناً لا ينضبط،
ولسكان لكل أهل عصر ومصر، بل لأهل الدرب والسكة، وكل محل لكل طائفة
غرض وعرف وإرادة فى مقدار الصلاة ، يخالف عرف غيرهم ، وهذا يفضى إلى تغيير
الشريعة ، وجعل السنة تابعة لأهواء الناس ، فلا يرجع فى التخفيف المأمور به إلا إلى
فعله صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان يصلى وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة ، وقد
أمرنا بالتخفيف لأجلهم ، فالذى كان يفعله هو التخفيف ، إذ من المحال أن يأمر بأمر
ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة، إلا أن يكون منسوخاً .
وفى صحيح مسلم عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مثنة من فقه ، فأطيلوا الصلاة وأقصروا
الخطبة ، وإن من البيان سحراً)). جعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل، وأمر
بإطالتها ، وهذا الأمر إما أن يكون عاماً فى جميع الصلوات ، وإما أن يكون المراد به
صلاة الجمعة ، فإن كان عاماً فظاهر ، وإن كان خاصاً بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون
عظيما وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة ، وتفعل فى شدة الحر ، ويتقدمها خطبتان
ومع هذا فقد أمر بإطالتها، فما الظن بالفجر ونحوها ، التى تفعل وقت البرد والراحة
مع قلة الجمع ، وقد روى النسائى فى سننه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فى الفجر
بالروم)) وفى سنن أبى داود عن جابر بن سمرة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من والليل إذا يغشى ، والعصر كذلك ،
والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها)) وقد روى الإمام أحمد والنسائى
بإسناد على شرط مسلم عن سليمان بن يسار عن أبى هريرة قال: ((ما صليت وراء
أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان ، قال سليمان : كان يطيل
الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين ، ويخفف العصر، ويقرأ فى المغرب
بقصار المفصل ، ويقرأ فى العشاء بوسط المفصل ، ويقرأ فى الصبح بطوال المفصل))
وفى الصحيحين عن أبى برزة قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى ==

- ١١٢-
= الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ فى الركعتين أو إحداهما
ما بين الستين إلى المائة)) لفظ البخارى ، وهذا يدل على أمرين: شدة التغليس
بها ، وإطالتها .
فإن قيل: ما ذكر تموه من الأحاديث معارض بما يدل على نقضه، وأن السنة
هى التخفيف ، فروى أبو داود فى سننه من حديث ابن وهب أخبرنى سعيد بن
عبد الرحمن بن أبى العمياء أن سهل بن أبى أمامة حدثه (( أنه دخل هو وأبوه على
أنس بن مالك بالمدينة فى من عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة ، فإذا هو يصلى
صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر ، أو قريباً منها ، فلما سلم قال : يرحمك الله، أرأيت
هذه الصلاة المكتوبة ، أم شىء تنفله ؟ قال إنها للمكتوبة ، وإنها لصلاة رسول الله
صلى الله عليه وسلم، كان يقول : لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوماً
شددوا على أنفسهم فشدد عليهم ، فتلك بقاياهم فى الصوامع والديار . رهبانية ابتدعوها
ما كتبناها عليهم)) وسهل بن أبى أمامة وثقه يحيى بن معين وغيره . وروى له مسلم
وفى الصحيحين عن أذر قال ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة
ويكلها)) وفى الصحيحين أيضاً عنه قال (( ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا
أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم)) زاد البخارى ((وإن كان ليسمع بكاء الصبى
فيخفف، مخافة أن تفتّن أمه)) وفى سنن أبى داود عن رجل من جهينة ((أنه سع
النبى صلى الله عليه وسلم، يقرأ فى الصبح ﴿ إذا زلزلت) فى الركعتين كلتيهما ، فلا
أدرى أنسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم عمداً فعل ذلك وفى صحيح مسلم عن
جابر بن سمرة أن النبى صلى الله عليه وسلم ، كان يقرأ فى الظهر بالليل إذا يغشى ،
وفى العصر نحو ذلك)) .
وفى سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال ((كان النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ فى
المغرب ﴿ قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد))).
وفى سنن ابن ماجه عن عمرو بن حريث قال ((كأنى أسمع صوت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقرأ فى صلاة الغداة ( فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس))).
وفى سنن أبى داود عن جابر بن سمرة قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ
فى الظهر والعصر بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق، وشبههما)).
وفى صحيح مسلم عنه أيضاً قال (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فى الظهر
بالليل إذا يغشى ، وفى العصر نحو ذلك، وفى الصبح أطول من ذلك)).

-- ١١٣-
= وفى الصحيحين عن البراء (( أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ فى العشاء بالتين
والزيتون، فى السفر)) وفى بعض السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه قرأ فى
الصبح بالمعوذتين)) وفى الصحيحين عن جابر (( أن النبى صلى الله عليه وسلم قال
لمعاذ : أفتان أنت يامعاذ؟ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها،
والليل إذا يغشى؟)).
وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((إذا صلى
أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه
فليطول ما شاء)) ورواه ابن ماجه من حديث عثمان بن أبى العاص .
وفى صحيح مسلم عن أنس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع
بكاء الصبى مع أمه وهو فى الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة)).
فالجواب : أنه لا تعارض بحمد الله بين هذه الأحاديث، بل هى أحاديث يصدق
بعضها بعضاً ، وأن ما وصفه أنس من تخفيف النبى صلى الله عليه وسلم صلاته هو
مقرون بوصفه إياها بالتمام كما تقدم ، وهو الذى وصف تطويله ركنى الاعتدال حتى
كانوا يقولون: قد أوهم ، ووصف صلاة عمر بن عبد العزيز بأنها تشبه صلاة النبى
صلى الله عليه وسلم ، مع أنهم قدروها بعشر تسبيحات ، والتخفيف الذى أشار إليه
أنس، هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود، كماجاء مصرحاً به فيما رواه
النسائى عن قتيبة عن العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: ((دخلنا على أنس بن
مالك فقال : صليتم ؟ قلنا : نعم ، قال ياجارية ، هلمى لنا وضوءاً. ما صليت وراء
إمام أشبه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا ، قال زيد : وكان
عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود)) وهذا حديث
صحيح، فإن العطاف بن خالد المخزومى وثقه ابن معين، وقال أحمد: ثقة صحيح
الحديث . وقد جاء هذا صريحاً فى حديث عمران بن حصين ، لما صلى خلف على
بالبصرة قال: ((لقد ذكرنى هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت
صلاة رسول الله صلى عليه وسلم معتدلة ، كان يخفف القيام والقعود ويطيل الركوع
والسجود)) وقد تقدم قول أنس: (( كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
متقاربة)) وحديث البراء بن عازب ((أن قيامه صلى الله عليه وسلم وركوعه وسجوده
كان قريباً من السواء)).
(٨ - عون المعبود ٣)

- ١١٤-
= فهذه الأحاديث كلها تدل على معنى واحد، وهو أنه كان يطيل الركوع والسجود
ويخفف القيام . وهذا بخلاف ما كان يفعله بعض الأمراء الذين أنكر الصحابة
صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبى صلى الله عليه وسلم يفعله غالباً ، وتخفيف
الركوع والسجود والاعتدالين . ولهذا أنكر ثابت عليهم تخفيف الاعتدالين ، وقال
(( كان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه)) وحديث ابن أبى العمياء إنما فيه ((أن
صلاة أنس كانت خفيفة)) وأنس فقد وصف خفة صلاة النبى صلى الله عليه وسلم ،
وأنها أشبه شيء بصلاة عمر بن عبد العزيز مع تطويل الركوع والسجود والاعتدالين
وأحاديثه لا تتناقض ، والتخفيف أمر نسى إضافى، فعشر تسبيحات وعشرون آية
أخف من مائة تسبيحة ومائق آية ، فأى معارضة فى هذا لما تقدم من الأحاديث
الصحيحة الصريحة ؟
وأما تخفيف النبى صلى الله عليه وسلم الصلاة عند بكاء الصبى ، فلايعارض ماثبت
عنه من صفة صلاته، بل قد قال فى الحديث نفسه ((إنى أدخل فى الصلاة وأنا أريد
أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز)). فهذا تخفيف لعارض، وهو من السنة،
كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف ، وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض،
كما ثبت عنه (( أنه قرأ فى السفر فى العشاء بالتين والزيتون)) وكذلك قراءته فى الصبح
بالمعوذتين ، فإنه كان فى السفر، ولذلك رفع الله تعالى الجناح عن الأمة فى قصر
الصلاة فى الفر والخوف ، والقصر قصران: قصر الأركان، وقصر العدد ، فإن
اجتمع السفر والخوف ، اجتمع القصران ، وإن انفرد السفر وحده شرع قصر
العدد، وإن انفرد الخوف وحده ، شرع قصر الأركان . وبهذا يعلم سر تقييد
القصر المطلق فى القرآن بالخوف والسفر ، فإن القصر المطلق الذى يتناول القصرين
إنما يشرع عند الخوف والسفر، فإن انفرد أحدهما بقى مطلق القصر، إما فى العدد
وإما فى القدر ، ولو قدر أنه صلى الله عليه وسلم خفف الصلاة لا لعذر، كان فى ذلك
بيان الجواز ، وأن الاقتصار على ذلك للعذر ونحوه يكفى فى أداء الواجب . فأما أن
يكون هو السنة وغيره مكروه ، مع أنه فعل النبى صلى الله عليه وسلم فى أغلب أوقاته
فاشى وكلا ، ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف ، والذين رووا التخفيف
رووه أيضاً ، فلا تضرب سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض ، بل
يستعمل كل منها فى موضعه . وتخفيفه إما لبيان الجواز، وتطويله لبيان الأفضل =

-١١٥-
= وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضى التخفيف ، فيكون
التخفيف فى موضعه أفضل ، والتطويل فى موضعه أفضل ، ففى الحالين ماخرج عن
الأفضل ، وهذا اللائق بحاله صلى الله عليه وسلم ، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبياً عن
أمته، وهو اللائق بمن اقتدى به ، وانتم به صلى الله عليه وسلم .
وأما حديث معاذ فهو الذى فتن النقارين وسراق الصلاة ، لعدم علمهم بالقصة
وسياقها، فإن معاذاً على مع النبى صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة، ثم ذهب إلى
بنى عمرو بن عوف بقباء، فقرأ بهم سورة البقرة . هكذا جاء فى الصحيحين من
حديث جابر: (( أنه استفتح بهم بسورة البقرة ، فانفرد بعض القوم وصلى وحده
فقيل: نافق فلان؟ فقال: والله ما نافقت، ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأتاه فأخبره، فقال النبى صلى الله عليه وسلم حينئذ: أفتان أنت يامعاذ؟ هلا صليت
بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى؟)). وهكذا نقول:
إنه يستحب أن يصلى العشاء بهذه السور وأمثالها . فأى متعلق فى هذا للنقارين
وسراق الصلاة ؟ ومن المعلوم أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يؤخر العشاء الآخرة
وبعد ما بين بنى عمرو بن عوف وبين المسجد ، ثم طول سورة البقرة ، فهذا الذى
أنكره النبى صلى الله عليه وسلم، وهو موضع الإنكار، وعليه يحمل الحديث الآخر
(( يا أيها الناس، إن منكم منفرين)) ومعلوم أن الناس لم يكونوا ينفرون من صلاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ممن يصلى بقدر صلاته، وإنما ينفرون ممن يزيد
فى الطول على صلاته ، فهذا الذى ينفر .
وأما إن قدر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وكثير من
الباطولية الذين يعتادون النقر ، كصلاة المنافقين ، وليس لهم فى الصلاة ذوق ولا لهم
فيها راحة ، بل يصلبها أحدهم استراحة منها لا بها ، فهؤلاء لا عبرة بنفورهم ، فإن
أحدهم يقف بين يدى المخلوق معظم اليوم ، ويسعى فى خدمته أعظم السعى ، فلا
يشكو طول ذلك ولا يتبرم به ، فإذا وقف بين يدى ربه فى خدمته جزءاً يسيراً من
الزمان ، وهو أقل القليل بالنسبة إلى وقوفه فى خدمة المخلوق ، استتقل ذلك
الوقوف ، واستطال وشكا منه، وكأنه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى ، ومن كانت
هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه ، فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه ،
والله المستعان .

-١١٦-
١٤٦ - باب قول النبى صلى الله عليه وسلم
كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه
٨٥٠ - حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْراهِيمَ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ أخبرنا يُونُسُ عن
الْحَسَنِ عن أَنَسِ بنِ حَكِيمٍ الضَّبِىِّ قال: خَفَ مِنْ زِيَادٍ أَو ابنِ زِيَادٍ فَأَنَى
المَدِينَةَ فَلَقَىَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قال فَذَسِّبَنِى؛ فَنْتَسَبْتَ لَهُ، فقال: يا فَتَى [يا بنَىَّ]
أَلاَ أُحَدِّئُكَ حَدِيثًا؟ قال قُلْتُ: بَلَى رَحِمَكَ اللهُ. قال يُونُسُ: وَأَحْسَبُهُ
ذَكَرَهُ عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَسَبُ النَّسُ بِهِ
( باب قول النبى صلى الله عليه وسلم كل صلاة لا يتمها صاحبها
تتم من تطوعه)
( فنسبنى) نسّب صيغة الماضى من التفعيل أى أظهر، وذكر أبو هريرة
نسبه معى وجعلنى فى نسبه وبالفارسية بس إظهار نسب كردبا من ومرا دررشته
ونسب خود داخل كرد. قال فى أساس البلاغة ومن المجاز قولهم: جلست إليه
فنسبنى فانتسبت له . انتهى . وليس المراد أنه سأل عن نسبى لأنه يقال للرجل
إذا سئل عن نسبه استنسب لنا أى انتسب لنا حتى نعرفك . قاله أبو زيد كذا
فى المسان ( فانتسبت له) صيغة المتكلم من الافتعال ، ومن خواصه المطاوعة
ومعناه فاتصلت معه فى النسب والله أعلم . قال العراقى فى شرح الترمذى :
لا تعارض بينه وبين الحديث الصحيح أن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة
فى الدماء، فحديث الباب محمول على حق الله تعالى وحديث الصحيح محمول على
حقوق الآدميين فيما بينهم ، فإن قيل فأيهما يقدم محاسبة العباد على حق الله تعالى
ومحاسبتهم على حقوقهم؟ فالجواب أن هذا أمر توقيفى وظواهر الأحاديث دالة
على أن الذى يقع أولا المحاسبة على حقوق الله تعالى قبل حقوق العباد كذا فى -

- ١١٧ -
يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَلِهِمْ الصَّلاَةُ، قال يقولُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ لِمَائِكَتِهِ وَهُوَ
أَعَْ: انْظُرُوا فِى صَلاَةِ عَبْدِى أَتَّهَا أَمْ نَقَصَها؟ فإِنْ كَانَتْ قَمَّةً كُتِبَتْ لَهُ
قَمَّةً وَ إِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَ شَيْئاً. قال: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِىَ مِنْ تَطَوَّعٍ؟
فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَؤُّعٌ قال: أَرِمُوا لِعَبْدِى فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوَّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ
الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاكَ [ ذَاكُمُ])) .
٨٥١ - حدثنا مُوسَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حمّادٌ عن حَيْدٍ عن الحَسَنِ
عن رَجُلٍ مِنْ بَنِ سُلَيْطٍ عن أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْسَهُ عن النَّيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم بِنَحْوِهِ .
- مرقاة الصعود (أنظروا فى صلاة عبدى) أى صلاته الفريضة (أتمها) أى أداها
تامة وصحيحة (أم نقصها) أى صلاها ناقصة ( هل لعبدى من تطوع) فى صحيفته
أى سنة أو نافلة من صلاة على ماهو ظاهر من السياق قبل الفرض أو بعده
أو مطلقاً (أتموا لعبدى فريضته من تطوعه) قال العراقى فى شرح الترمذى :
هذا الذى ورد من إ كمال ما ينتقص العبد من الفريضة بما له من التطوع يحتمل
أن يراد به ما انتقص من السنن والهيئات المشروعة المرغب فيها من الخشوع
والأذكار والأدعية وأنه يحصل له ثواب ذلك فى الفريضة وإن لم يفعله فى الفريضة
وإنما فعله فى التطوع ، ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رأساً فلم يصله
فيعوض عنه من التطوع ، والله تعالى يقبل من التطوعات الصحيحة عوضاً عن
الصلاة المفروضة والله سبحانه أن يفعل ماشاء، فله الفضل والمن ، بل له أن يسامح
وإن لم يصل شيئاً لافريضة ولا نفلا (ثم تؤخذ الأعمال على ذاك) أى إن انتقص
فريضة من سائر الأعمال تكمل من التطوع ، وفى رواية لابن ماجه ثم يفعل بسائر
الأعمال المفروضة مثل ذلك . قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه .

- ١١٨ -
٨٥٢ - حدثنا مُوسَ بنُ إِشْمَاعِيلَ أخبرنا حمّادٌ عن دَاوُدَ بنِ أَبِ هِنْدٍ
عن زُرَارَةَ بنِ أَوْفَ عن ◌َمِيمِ الدَّارِئِ عن النِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم بِهَذَا
لَمْنَى قال (( ثُمَّ الزَّكَاءُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَلُ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ » .
١٤٧ - باب تفريع أبواب الركوع والسجود
ووضع اليدين على الركبتين
٨٥٣ - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ عِنْ أَبِى يَعْفُورَ. قال
أَبُودَاوُدَ: وَاسْمُهُ وَقْدَانُ، عن مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ قال: ((صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِى
فَجَعَلْتُ يَدَىِّ بَيْنَ رُ كْبَتَّىَّ، فَفَهَافِى عِن ذَلِكَ، فَعُدْتُ. فقال: لا تَصْنَعْ
- ( ثم الزكاة مثل ذلك ) أى مثل الصلاة إن كان انتقص منها شيئاً تكمل
من التطوع ( ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك ) قال فى المرقاة أى تؤخذ سائر
الأعمال من الجنايات والسيئات على حسب ذلك من الطاعات والحسنات فإن
الحسنات يذهبن السيئات . وقال ابن الملك أى على حسب ذلك المثال المذكور،
فمن كان حق عليه لأحد يؤخذ من عمله الصالح بقدر ذلك ويدفع إلى صاحبه
انتهى . قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه .
( باب تفريع أبواب الركوع والسجود ووضع اليدين على الركبتين )
( عن أبى يعفور) اسمه وقدان العبدی الکوفی عن ابن أبى أوفى وابن
عمر وأنس، وعنه ابنه يونس وشعبة وأبو عوانة وأبو الأحوص وثقه أحمد .
واعلم أن أبا يعفور هذا هو الأكبر كما جزم به المزى وهو مقتضى صنيع ابن
عبد البر ، وصرح الدارمى فى روايته من طريق اسرائيل عن يعفور بأنه العبدى
والعيدى هو الأكبر بلا نزاع . وذكر النووى فى شرح مسلم أنه الأصفر
وتعقب (عن مصعب بن سعد) أى ابن أبى وقاص (جعلت يدى بين ركبتى) -

- ١١٩ -
هَذَا فإِنَّ كُنَّ نَفْعَلُهُ، فَنُهِينَ عن ذَلِكَ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِينَ عَلَى الرُّكَبِ))
٨٥٤ - حدثنا مُمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ نُمَيْرِ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةً حدثنا
- وفى رواية البخارى فطبقت بين كفى ثم وضعتهما بين نفذى، والتطبيق
الإلصاق بين باطنى الكفين حال الركوع وجعلهما بين الفخذين ( فعدت ) من
العود ( فإنا كنا نفعله فنهينا عن ذلك وأمرنا إلخ) فيه دليل على نسخ التطبيق
لأن هذه الصيغة حكمها الرفع. قال الترمذى: التطبيق منسوخ عند أهل العلم
وقال لا اختلاف بينهم فى ذلك إلا ما روى عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم
يطبقون انتهى . وقد روى ابن المنذر عن ابن عمر بإسناد قوى قال إنما فعله
النبى صلى الله عليه وسلم مرة يعنى التطبيق . وروى ابن خزيمة من وجه آخر
عن علقمة عن عبد الله قال علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أراد أن يركع
طبق يديه بين ركبتيه فركع فبلغ ذلك سعداً فقال صدق أخى كنا نفعل هذا ثم
أمرنا بهذا يعنى الإمساك بالركب ، فهذا شاهد قوى لطريق مصعب بن سعد .
وروى عبد الرزاق عن معمر ما يوافق قول سعد أخرجه من وجه آخر عن علقمة
والأسود قال صلينا مع عبد الله فطبق ثم لقينا عمر فصلينا معه فطبقنا فلما انصرف
قال ذلك شىء كنا نفعله ثم ترك . وفى الترمذى من طريق أبى عبد الرحمن
السلمى قال قال لنا عمر بن الخطاب إن الركب سنت لكم نفذوا بالركب ، ورواه
البيهقى بلفظ : كنا إذا ركعنا جعلنا أيدينا بين أنفاذنا فقال عمر إن من السنة
الأخذ بالركب . وهذا أيضاً حكمه حكم الرفع لأن الصحابى إذا قال السنة كذا
أو سن كذا الظاهر انصراف ذلك إلى سنة النبى صلى الله عليه وسلم ولاسيما
إذا قاله مثل عمر كذا فى فتح البارى. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم
والترمذى والنسائى وابن ماجه .
-

- ١٢٠ -
الأعَشُ عن إِبْراهِيمَ عن عَلَقَةَ وَالْأَسْوَدِ مِن عَبْدِ اللهِ قال ((إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمُ
فَلْيَفَرِشْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَلْيُطَبِّقْ بَيْنِ كَفَّيْهِ فِكَأْتِى أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلاَفِ
أصَابِعِ رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم)).
١٤٨ - باب ما يقول الرجل فى ركوعه وسجوده
٨٥٥ - حدثنا الرَّبِيعُ بنُ نَافِعِ أَبُو تَوْبَةَ وَمُوسَى بنُ إِشْمَاعِيلَ
لَعْنَى قالا أخبرنا ابنُ المُبَرَكِ عن مُوسَى قال أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بنُ أَثُوبَ عن
عَمِّهِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قال: ((لَمَّ نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّعْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾
- (عن إبراهيم) هو ابن يزيد بن قيس بن الأسود النخعى أبو عمران
الكوفى الفقيه يرسل كثيراً عن علقمة وهمام بن الحارث والأسود بن يزيد
وأبى عبيدة بن عبد الله ومسروق ، وعنه الحكم ومنصور والأعمش وابن عون
وزبيد وخلق (فليفرش) بضم الراء أى فليبسط (وليطبق بين كفيه) أى وليلصق
بين باطنى كفيه فى حال الركوع وليجعلهما بين فخذيه . قال النووى: مذهبنا
ومذهب العلماء كافة أن السنة وضع اليدين على الركبتين وكراهة التطبيق إلا ابن
مسعود وصاحبيه عاقمة والأسود فإنهم يقولون إن السنة التطبيق لأنه لم يبلغهم
الناسخ وهو حديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه ، والصواب ما عليه
الجمهور لثبوت الناسخ الصريح . انتهى. قلت تقدم آنفاً حديث سعد بن أبى
وقاص وشواهده. قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى .
( باب ما يقول الرجل فى ركوعه وسجوده )
(عن موسى) هو ابن أيوب الغافقى المصرى عن عمه إياس بن عامر وعنه
الليث، ابن المبارك وثقه ابن معين (قال أبو سلمة) كنية موسى بن إسماعيل -