Indexed OCR Text
Pages 21-40
- ٢١ -
وَحَزُرْنَا قِيَمَهُ فِى الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الْأُخْرَيَبْنِ مِنَ الظُّهْرِ،
وَحَزُرْنَا قِيَامَهُ فِى الْأُخْرَ يَبْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النَّصْفِ مِنْ ذَلِكَ)).
١٢٩ - باب قدر القراءة فى صلاة الظهر والعصر
٧٩٠ - حدثنا مُوسَىَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمَّدٌ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ
عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ ((أَنَّ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فى الظَّهْرِ
وَالْعَصْرِ بِالسَّمَاءِ وَالَّارِقِ وَالسَّاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَنَحْوِهِ مِنَ الشُّوَرِ)) .
- حكاية وأما على إعرابه فيتعين جر السجدة بالإضافة. كذا قال على القارى
فى المرقاة (وحزرنا قيامه فى الأخريين على النصف من ذلك) المذكور فى الأوليين
أى حزرنا قيامه فى كل ركعة من الأخريين من الظهر قدر خمس عشرة آية
(وحزرنا قيامه فى الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر) أى حزرنا
قيامه فى كل ركعة من الأوليين من العصر قدر خمس عشرة آية. الحديث يدل
على تخفيف الأخريين من الظهر والعصر من الأوليين منهما . ويدل أيضاً على
استحباب التخفيف فى صلاة العصر وجعلها على النصف من صلاة الظهر .
والحكمة فى إطالة الظهر أنها فى وقت غفلة بالنوم فى القائلة فطولت ليدركها
المتأخر ، والعصر ليست كذلك بل تفعل فى وقت تعب أهل الأعمال نففف .
وقد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يطول فى صلاة الظهر تطويلا زائداً
على هذا المقدار كما فى حديث ((إن صلاة الظهر كانت تقام ويذهب الذاهب إلى
البقيع فيقضى حاجته ثم يأتى أهله فيتوضأ ويدرك النبى صلى الله عليه وسلم
فى الركعة الأولى مما يطيلها)) قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى.
( باب قدر القراءة فى صلاة الظهر والعصر )
(كان يقرأ فى الظهر والعصر بالسماء والطارق والسماء ذات البروج) قد تقرر -
- ٢٢ -
٧٩١ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُعَذٍ أخبرنا أَبِى أخبرنا شُعْبَةُ عن سِماكٍ
قال سَمِعَ جَابِرَ بِنَ سَمُرَةَ قال ((كَانَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم إذا
أَدْخَضَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَقَرَأْ بِنَحْوٍ من: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالْعَصْرَ
كَذَلِكَ وَالصَّلَوَاتِ كَذَلِكَ، إلاَّ الصُّبْحَ فإِنَّهُ كَانَ يُطِيلُهاَ ».
- فى الأصول أن كان تفيد الاستمرار وعموم الأزمان فينبغى أن يحمل قوله كان
يقرأ فى الظهر على الغالب من حاله صلى الله عليه وسلم، أو تحمل على أنها لمجرد
وقوع الفعل لأنها قد تستعمل لذلك كما قال ابن دقيق العيد ، لأنه قد ثبت أنه
صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فى الظهر بسبح اسم ربك الأعلى ، أخرجه مسلم
وأنه قرأ من سورة لقمان والذاريات فى صلاة الظهر ، أخرجه النسائى وأنه
قرأ فى الاولى من الظهر بسبح اسم ربك الأعلى، وفى الثانية هل أتاك
حديث الغاشية أخرجه النسائى. وثبت أنه كان يقرأ فى الأوليين من صلاة
الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول فى الأولى ويقصر فى الثانية عند البخارى
ولم يعبن السورتين . وثبت أنه كان يقرأ فى الظهر فى الركعتين الأوليين فى كل
ركعة قدر ثلاثين آية وفى الأخريين قدر خمس عشرة آية انتهى بتغيير واختصار
قلت وقد ثبت أن صلاة الظهر كانت تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضى
حاجته ثم يأتى أهله فيتوضأ ويدرك النبى صلى الله عليه وسلم فى الركعة الأولى
مما يطيلها أخرجه مسلم. وكذا ورد أحاديث مختلفة فى قراءته صلى الله عليه وسلم
فى سائر الصلوات . قال الحافظ : وجمع بينها بوقوع ذلك فى أحوال متغايرة
إما لبيان الجواز أو لغير ذلك من الأسباب . واستدل ابن العربى باختلافها على
عدم مشروعية سورة معينة فى صلاة معينة وهو واضح فيما اختلف لا فيما لم يختلف
كتنزيل وهل أتى فى صبح الجمعة انتهى. قال المنذرى: وأخرجه الترمذى
والنسائى، وقال الترمذى حديث حسن .
( إذا دحضت الشمس) أى إذا زالت عن كبد السماء ( والعصر كذلك)
أي بقرأ في العصر بنحو من سورة والليل إذا يغشى (والصلوات كذلك) أى -
- ٢٣ -
٧٩٢ - حدثنا مُحمَّدُ بنُ عِيسَ أخبرنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْنَ وَيَزِيدُ بنُ
هَارُونَ وَهُشَيٌْ عن سُلَيْنَ الَّيْعِىِّ عن أُمَيَّةَ عن أَبِى ◌ِلَزٍ عن ابنِ مَ ((أَنَّ
النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم سَجَدَ فى صَلاَةِ الظَّهْرِ ثُمَّ قَمَ فَرَكَعَ فَرَ أَيْنَا أَنَّهُ قَرَأْ
- كذلك يقرأ فى سائر الصلوات مثل سورة والليل إذا يغشى (إلا الصبح فإنه كان
يطيلها) وفى رواية مسلم ((كان النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ فى الظهر بالليل إذا
يغشى وفى العصر نحو ذلك وفى الصبح أطول من ذلك)) والحكمة فى إطالة الصبح
أنها تفعل فى وقت الغفلة بالنوم فى آخر الليل فيكون فى التطويل انتظار
للمتأخر. قال النووى حاكياً عن العلماء إن السنة أن تقرأ فى الصبح والظهر بطوال
المفصل ويكون الصبح أطول وفى العشاء والعصر بأوساط المفصل وفى المغرب
بقصاره . قال قالوا والحكمة فى إطالة الصبح والظهر إنهما فى وقت غفلة بالنوم
آخر الليل وفى القائلة فطولها ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها ، والعصر ليست
كذلك بل تفعل فى وقت تعب أهل الأعمال خففت عن ذلك، والمغرب ضيقة
الوقت فاحتيج إلى زيادة تخفيفها لذلك ولحاجة الناس إلى عشاء صامهم وضيفهم،
والعشاء فى وقت غلبة النوم والنعاس ولكن وقتها واسع فأشبهت العصر انتهى.
قال الشوكانى: وكون السنة فى صلاة المغرب القراءة بقصار المفصل غير مسلم
فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بسورة الأعراف والطور والمرسلات
والدخان انتهى . قال المنذرى: وأخرجه مسلم مختصراً وأخرجه النسائى.
(عن أمية) قال فى الخلاصة أمية عن أبى مجلز وعنه سليمان أبو المعتمر مجهول
( سجد فى صلاة الظهر ) أى سجدة التلاوة ( ثم قام فركع ) قال ابن الملك
يعنى لما قام من السجود إلى القيام ركع ولم يقرأ بعد السجدة شيئاً من باقى
السورة وإن كانت القراءة جائزة. قلت بل القراءة بعدها أفضل ولملها كانت
الصلاة تطول أو تركها لبيان الجواز مع أنه لانص فى عدم قراءته عليه السلام -
- ٢٤ -
تَنْزِيلَ السَّجْدَةَ. قال ابنُ عِيسَى: لم يَذْ كُرْ أُمَيَّةُ أَحَدٌ إِلاَّ مُمْتَمِرٌ)).
٧٩٣ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ عن مُوسَىَ بنِ سَالِمٍ أخبرنا
عَبْدُ اللهِ بنُ عُبَيْدِ اللهِ قال ((دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَأْسٍ فى شَبَابٍ مِنْ بَنِى هَشِمٍ
فَقُلْنَاَ لِشَابِّ مِنَّا: سَلِ ابنَ عَبَأَسٍ أَكَانَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم يَقْرَأْ
فى الظّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ فقال: لاَ. فَقِيلَ لَهُ: لَعَلَّهُ [وَلَعَلَّهُ] [فَلَعَلَّهُ] كَانَ
- وإن كانت آخر السورة ثم أنه لم يكتف بالركوع وإن كان جائزاً أيضاً كما هو
مذهبنا اختياراً للعمل بالأفضل كذا فى المرقاة . قلت : لا بد للاكتفاء بالركوع من
دليل واللكلام فى هذه المسألة موضع آخر (فرأينا) أى علمنا ( أنه قرأ تنزيل
السجدة ) بنصب تنزيل على المفعولية وبرفعه على الحكاية والسجدة مجرورة
ويجوز نصبها بتقدير أعنى ورفعها بتقدير هو والمعنى سمعوا بعض قراءته لأنه كان
قد يرفع صوته ببعض ما يقرأ به فى الصلوات السرية ليعلموا سنية قراءة تلك
السورة قاله القارى ( قال ابن عيسى لم يذكر أمية أحد ) أى من شيوخه
( إلا معتمر) ابن سليمان. والحديث سكت عنه المؤلف المنذرى. قال الحافظ
رواه أبو داود والطحاوى والحاكم من حديث ابن عمر نحوه وفيه أمية شيخ
سليمان التيمى رواه له عن أبى مجلز وهو لا يعرف. قاله أبو داود فى رواية
الرملى عنه. وفى رواية الطحاوى عن سليمان عن أبى مجلز قال ولم أسمعه منه
لكنه عند الحاكم بإسقاطه ، ودلت رواية الطحاوى على أنه مدلس انتهى .
وقال ميرك ورواه أحمد وزاد فى الركعة الأولى من الظهر ، ورواه الحاكم وقال
صحيح على شرطهما وأقره الذهبي على ذلك .
( فى شباب ) جمع شاب وهو من بلغ إلى ثلاثين سنة ولا يجمع فاعل على
فعال غيره ( سل ) أمر من السؤال ( فقال لا) أعلم أن ابن عباس رضى الله عنه
كانٍ بشك فى القراءةفى السرية تارة وينفيها أخرى وربما أثبتها . أما نفيه ففى -
- ٢٥ -
يَقْرَأُ فِى نَفْسِهِ، فقال: ◌َمْشَا هَذِهِ شَرٌ مِنَ الْأُولَى، كَانَ عَبْدَاً مَأْمُوراً بَلَّغَ
مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَمَا اخْتَصَّنَا دُونَ النَّاسِ بِشَىْءٍ إلا بِثَلاَثِ خِصَلٍ: أُمِرْنَا أَنْ
نَسْبِغَ الْوُضُوءَ وَأَن لانأْ كُلَ الصَّدَقَةَ وَأَنْ لانَنْزِىءَ الْخِمارَ عَلَى الْفَرَسِ» .
- هذه الرواية وأما شكه ففى الرواية الآتية وأما إثباتها فما رواه أيوب عن أبى
العالية البراء قال سألت ابن عباس أقرأ فى الظهر والعصر؟ قال هو إمامك أقرأ
منه بأقل أو أكثر أخرجه ابن المنذر والطحاوى وغيرهما . وقد أثبت قراءته فيهما
خباب وأبو قتادة وغيرها فروايتهم مقدمة على من نفى فضلا على من شك
( فقال خمشاً) قال الخطابى دعاء عليه أن يخمش وجهه أو جلده كما يقال جد عاله
وصاباً وطعناً ونحو ذلك من الدعاء بالسوء انتهى. قلت: وهو منصوب بفعل
لا يظهر قاله فى النهاية . والخمش معناه بالفارسية خراشيدن ( أن نسبغ الوضوء)
من الإسباغ وهو فى اللغة الإنمام ومنه درع سابغ أى أن نتمه ولا نترك شيئاً من
فرائضه وسننه ( وأن لا نأكل الصدقة) لأنها لا تحل لآل محمد صلى الله عليه
وسلم ( وأن لا ننزىء الحمار على الفرس) أى لا نحملها عليها النسل ، يقال نزا
الذكر على الأنثى ركبه وأنزيته أنا ، ولعل المعنى فيه أنه يقل عددها وانقطع
نماؤها وتعطلت منافعها ، والخيل المركوب والركض والطلب والجهاد وإحراز
الغنائم والأكل وغيرها من المنافع مما ليس فى البغل. واعلم أنه يشكل
الاختصاص فى الإسباغ والإنزاء فإن الأول مستحب أمر به كل واحد والثانى
مكروه نهى عنه كل واحد ، نعم حرمة أكل الصدقة مخصوص بأهل البيت
ويجاب بأن المراد الأيجاب وهو مختص بهم أو المراد الحث على المبالغة والتأكيد
فى ذلك، وقيل هذا كقول على رضى الله عنه إلا فى هذه الصحيفة فالمقصود
نفى الاختصاص والاستيثار بشىء من الأحكام لأن هذه الأشياء ليست
مخصوصة بهم. كذا فى اللعات. قال المنذرى: وأخرجه النسائى. قلت : -
- ٢٦ -
٧٩٤ - حدثنا زِيَادُ بنُ أَثُّوبَ أخبرنا مُشَمٌْ أنبأنا حُصَيْنٌ عن عِكْرِمَةَ
عن ابنِ عَبَّاسِ قال: ((لا أَدْرِى أَ كَانَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم يَقْرَأْ
فى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لاَ » .
١٣٠ - باب قدر القراءة فى المغرب
٧٩٥ - حدثنا الْقَمْنَبِىُّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَبٍ عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ
عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ عن ابنٍ عَبَّاسٍ ((أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِذْتَ الْحَارِثِ سَمِعَتْهُ وَهُو
يَقْرَأُ وَالمُرْسَلَاتِ عُرْفًا، فقالت: يا بنَىَّ لَقَدْذَ كَّرْتَنَى بِقِراءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ
إِنَّهَ الآخِرُ مَا سَمِعْتُ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم يَقْرَأُ بِهَاَ فِى لَغْرِبِ)).
- والترمذى أيضاً مختصراً وقال هذا حديث حسن صحيح .
( لا أدرى أ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فى الظهر والعصر
أم لا ) وقد درى وعلم قراءته صلى الله عليه وسلم خباب وأبوقتادة وغيرهما
فرواية العالمين تكون مقدمة على الشاك . والحديث أخرجه الطبر انى أيضاً .
( بأب قدر القراءة فى المغرب )
( أن أم الفضل بنت الحارث ) هى والدة ابن عباس الراوى عنها وبذلك
صرح الترمذى فى روايته فقال عن أمه أم الفضل واسمها لبابة ويقال أنها أول
امرأة أسلمت بعد خديجة والصحيح أخت عمر زوج سعيد بن زيد (إنها لآخر
ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال الحافظ: وصرح عقيل فى روايته
عن ابن شهاب إنها آخر صلوات النبى صلى الله عليه وسلم ولفظه (( ثم ما صلى انا
بعدها حتى قبضه الله)) أورده المصنف فى باب الوفاة، وقد تقدم فى باب إنما جعل
الإمام ليؤتم به من حديث عائشة أن الصلاة التى صلاها النبى صلى الله عليه وسلم
بأصحابه فى مرض موته كانت الظهر، وأشرنا إلى الجمع بينه وبين حديث أم الفضل -
- ٢٧ -
٧٩٦ - حدثنا الْقَعْنَبُّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَبٍ عن مُمَّدِ بنِ جُبَيْرِ
ابنِ مُطْعِمٍ عن أَبِيهِ أَنَّه قال: (( سَمِعْتُ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم يَقْرَأْ
بالطّورِ فى المَغْرِبِ)) .
- هذا بأن الصلاة التى حكتها عائشة كانت فى المسجد والتى حكمتها أم الفضل
كانت فى بيته كما رواه النسائي، لكن يعكر عليه رواية ابن إسحاق عن ابن
شهاب فى هذا الحديث بلفظ ((خرج)) إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
عاصب رأسه فى مرضه فصلى المغرب)) الحديث أخرجه الترمذى: ويمكن حمل
قولها خرج إلينا أى من مكانه الذى كان راقداً فيه إلى من فى البيت فصلى بهم
فتلتثم الروايات انتهى ( يقرأ بها فى المغرب) هو فى موضع الحال أى سمعته فى
حال قراءته . وهذا الحديث يرد على من قال التطويل فى صلاة المغرب منسوخ
قال المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه .
( يقرأ بالطور) أى بسورة الطور . قال ابن الجوزى: يحتمل أن يكون
الباء بمعنى من كقوله تعالى ﴿ يشرب بها عباد الله) وهو خلاف الظاهر. وقد
ورد فى الأحاديث ما يشعر بأنه قرأ السورة كلها ، فعند البخارى فى التفسير
بلفظ « سمعته يقرأ فى المغرب بالطور فلما بلغ هذه الاية ( أم خلقوا من غير
شىء أم هم الخالقون - الآيات إلى قوله - المصيطرون) كاد قلبى يطير )) وقد
اوعى الطحاوى أنه لا دلالة فى شىء من الأحاديث على تطويل القراءة لاحتمال
أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة ، ثم استدل لذلك بما رواه من طريق
هشيم عن الزهرى فى حديث جبير بلفظ ((سمعته يقرأ (إن عذاب ربك لواقع)))
قال فأخبر أن الذى سمعه من هذه السورة هو هذه الاية خاصة ، وليس فى السياق
ما يقتضى قوله خاصة ، وحديث البخارى المتقدم يبطل هذه الدعوى ، وقد ثبت
فى رواية أنه سمعه يقرأ: ﴿والطور وكتاب مسطور) ومثله لابن سعد وزاد -
- ٢٨ -
٧٩٧ - حدثنا الْسَنُ بنُ عَلِىِّ أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عن ابنِ جُرَيج
حدثنى ابنُ أَبِ مُلَيْكَةَ عن عُرْوَةَ بنِ الأُّبَيْرِ عِن مَرْوَانَ بنِ الْحَكَ قَال
قال لِ زَيْدُ بنُ ثَبِتٍ: (( مَ لَكَ تَقْرَأُ فِى الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ وَقَدْ رَأَيْتُ
رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم يَقْرَأُ فِى الْمَغْرِبِ بِطُولَى العُولَيْنِ؟ قال قُلْتُ
مَ طُولَى الطُّوَلَيَيْنِ؟ قال: الْأَعْرَافُ وَالْآخَرُ الْأَنْعَامُ، وَسَأَلْتُ أَنَاَ ابنُ أَبِى
مُلَيْكَةَ فقال لِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ: الْمَائِدَةُ وَالْأَعْرافُ)).
- فى أخرى فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد .
(عن مروان بن الحكم) كان مروان حينئذ أميراً على المدينة من قبل معاوية
رضى الله عنه ( بقصار المفصل ) اختلف فى المراد بالمفصل مع الاتفاق على أن
منتهاه آخر القرآن هل هو من أول الصافات أو الجائية أو القتال أو الفتح أو
الحجرات أو ق أو الصف أو تبارك أو سبح أو والضحى إلى آخر القرآن،
أقوال أكثرها مستغرب، والراجح من هذه الأقوال أنه من الحجرات إلى
آخر القرآن . وسمى مفصلا لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة على الصحيح .
والجمهور على أن قصار المفصل من سورة لم يكن إلى آخر القرآن ، وطواله من
سورة الحجرات إلى البروج، وأوساطه من البروج إلى سورة لم يكن ( بطولى
الطوليين ) أى بأطول السورتين الطوليين، وطولى تأنيث أطول والطوليين
بتحتانيتين تثفية طولى . قال الحافظ بعد ما ذكر الاختلاف فى تفسير الطوليين
ما نصه : فحصل الاتفاق على تفسير الطولى بالأعراف ، وفى الأخرى ثلاثة
أقوال المحفوظ منها الأنعام ( قال قلت ما طولى الطوليين قال الأعراف والاخر
الأنعام ) بين النسائى فى رواية له أن التفسير من قول عروه ولفظه قال قلت :
يا أبا عبد الله وهى كنية عروه، وفى رواية البيهقى قال فقلت لعروه ، ففاعل
قال الأولى ابن أبي مليكة وفاعل قال الثانية عروه (وسألت أنا ابن أبي مليكة) -
- ٢٩ -
- هذه مقولة ابن جريج. قال المنذرى، وأخرجه البخارى مختصراً وأخرجه
النسائى .
وأحاديث الباب تدل على استحباب التطويل فى قراءة المغرب . وقد
اختلفت حالات النبى صلى الله عليه وسلم فثبت أنه صلى الله عليه وسلم قرأ فى
المغرب بالطور والصافات ، وأنه قرأ فيها بحم الدخان، وأنه قرأ فيها بسبح اسم
ربك الأعلى ، وأنه قرأ بالتين والزيتون، وأنه قرأ بالمعوذتين ، وأنه قرأ بالمرسلات
وأنه قرأ بقصار المفصل. وقال رافع بن خديج رضى اللهعنه ((كنا نصلى المغرب مع
النبى صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله)) رواه البخارى
قال الحافظ: وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان أحياناً
يطيل القراءة فى المغرب إما لبيان الجواز وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين .
قال وليس فى حديث جبير بن مطعم دليل على أن ذلك تكرر منه. وأماحديث
زيد بن ثابت ففيه إشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءه
بقصار المفصل ، ولو كان مروان يعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم واظب على
ذلك لاحتج به على زيد، لكن لم يرد زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة
بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبى صلى الله عليه وسلم .
وفى حديث أم الفضل إشعار بأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فى الصحة بأطول
من المرسلات لكونه كان فى شدة مرضه وهو مظنة التخفيف .
- ٣٠ -
١٣١ - باب من رأى التخفيف فيها
٧٩٨ - حدثنا مُوسَىَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَّادٌ أنبأنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ
(أَنَّ أَبَهُ كَانَ يَقْرَأُ فِى صَلاَةِ المَغْرِبِ بِنَحْوِ مَا تَقْرَأُونَ وَالْعَدِيَاتِ وَنَحْوِهَا
مِنَ السُّوَرِ)). قال أَبُو دَاوُدَ: هَذَا يَدُلُّ أَنَّ ذَاكَ [ذَلكَ] مَنْسُوعٌ . وقال
أَبُو دَاوُدَ : هَذَا أَصَحُّ .
( باب من رأى التخفيف فيها )
( هذا يدل أن ذاك منسوخ) أى قراءه عروة فى المغرب بنحو والعاديات
وشبهها من السور يدل على أن التطويل فى قراءة المغرب منسوخ . ولم يبين
المؤلف وجه الدلالة وكأنه لما رأى عروة اوى الخبر عمل بخلافه حمله على أنه
اطلع على ناسخه . قال الحافظ: ولا يخفى بعد هذا الحمل ، وكيف تصح دعوى
النسخ وأم الفضل تقول إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بالمرسلات . انتهى .
قلت: إن سلك فى هذه المسألة ملك النخ يثبت نسخ قراءة القصار بحديث
أم الفضل لا العكس.
واعلم أنه لما ورد على القائلين باستحباب القصار فى المغرب ، أنهم كيف
قالوا به مع ثبوت طوال المفصل بل أطول منها عن النبى صلى الله عليه وسلم أجابوا
عنه بثلاثة وجوه . الأول - أن تطويل القراءة لعله كان أولا ثم نسخ ذلك وترك
بما ورد فى قراءة المفصل . والثانى - أنه لعله فرق السورة الطويلة فى ركعتين ولم
يقرأها بتمامها فى ركعة واحدة فصار قدر ما قرأ فى الركعة بقدر القصار . والثالث -
أن هذا بحسب اختلاف الأحوال قرأ بالطوال لتعليم الجواز والتنبيه على أن
وقت المغرب ممتد ، وعلى أن قراءة القصار فيه ليس بأمر حتمى .
وأقول الجوابان الأولان مخدوشان: أما الأول فلأن مبناه على احتمال النسخ -
- ٣١ -
٧٩٩ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدِ السَّرْخَسِىُّ أخبرنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ
-والنسخ لا يثبت بالاحتمال ولأن كونه متروكا إنما يثبت لو ثبت تأخر قراءة
القصار على قراءة الطوال من حيث التاريخ وهو ليس بثابت ، ولأن حديث
أم الفضل صريح فى أنها آخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو
سورة المرسلات فى المغرب . فحينئذ إن سلك مسلك النسخ يثبت نسخ قراءة
القصار لا العكس . وأما الثانى فلأن إثبات التفريق فى جميع ما ورد فى قراءة
الطوال مشكل، ولأنه قد ورد صريحاً فى رواية البخارى وغيره ما يدل على أن
جبير بن مطعم سمع الطور بتمامه قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المغرب
فلا يفيد حٍ ليت ولعل، ولأنه قد ورد فى حديث عائشة فى سنن النسائي : أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بسورة الأعراف فى المغرب فرقها فى ركعتين
ومن المعلوم أن نصف الأعراف لا يبلغ مبلغ القصار ، فلا يفيد التفريق لإثبات
القصار ، فإذن الجواب الصواب هو الثالث . كذا قال بعض العلماء .
قات : هذا الجواب الثالث أيضًا مخدوش لما فى صحيح البخارى وغيره ،
من إنكار زيد بن ثابت على مروان مواظبته على قصار المفصل فى المغرب ،
ولو كانت قراءته صلى الله عليه وسلم السور الطويلة فى المغرب لبيان الجواز لما كان
ما فعله مروان من المواظبة على قصار المفصل إلا محض السنة ولم يحسن من هذا
الصحابى الجليل إنكار ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفعل غيره إلا
لبيان الجواز ، ولو كان الأمر كذلك لما سكت مروان عن الاحتجاج بمواظبته
صلى الله عليه وسلم فى مقام الإنكار عليه. وأيضا بيان الجواز يكفى فيه مرة
واحدة ، وقد عرفت أنه قرأ بالسور الطويلة مرات متعددة. فالحق أن القراءة
فى المغرب بطوال المفصل وقصاره وسائر السور سنة ، والاقتصار على نوع من
ذلك إِن انضم إليه اعتقاد أنه السنة دون غيره مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم
والله تعالى أعلم .
- ٣٢ -
أخبرنا أَبى قال سَمِعْتُ حُمَّدَ بنَ إِسْحَقَ يُحَدِّثُ من ◌َعَمْرِ و بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ
عن جَدِّهِ أَنَّهُ قال: ((مَمِنَ المُفَصَّلِ سُورَةٌ صَغِيرَةٌ ولا كَبِيرَةٌ إِلاَّ وَقَدْ سَمِعْتُ
رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم يَؤُمُّ النَّاسَ بِهِاَ فِى الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ )).
٨٠٠ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُعَذٍ أخبرنا أبى أخبر نا قُرَّةُ عن النَّزَّالِ
ابنِ عَمَّارٍ عن أَبِى عُثْنَ النَّهْدِىِّ ((أَنَّهُ صَلَى خَلْفَ ابنٍ مَسْعُودٍ لَغْرِبَ فَقَرَأْ
بِقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)) .
١٣٢ - باب الرجل يعيد سورة واحدة فى الركعتين
٨٠١ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا [أنبأنا] ابنُ وَهْبٌ أخبرنى
[حدثنى] عَمْرُوُ عن ابنِ أَبِى هِلاَلٍ عن مُعَذِ بنِ عَبْدِ اللهِ الْهَنِىِّ أَنَّ رَجُلا
مِنْ جُهَيْنَةَ أَخْبَرَهُ ((أَنَّهُ سَمِعَ النَّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم يَقْرَأُ فى الصُّبْحِ إذا
زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ فِى الَّكْعَتَيْنِ كَلْتَيْهِاَ، فَلاَ أَدْرِى أَنَسِىَ رسولُ الله صلى اللهُ
عليه وسلم أَمْ قَرَأْ ذَلكَ عَمْداً » .
- ( عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال ) أى جده عبد الله بن
عمرو بن العاص . قال ابن حجر : ولا يحتمل هنا عود الضمير لجد شعيب ،
فيكون الحديث عن عمرو لأن المصرح به فى غير هذه الرواية هو الأول (ما من
المفصل) هو من الحجرات إلى آخر القرآن على الصحيح (فى الصلاة المكتوبة)
أى المفروضة على الأعيان وهى الخمس .
( باب الرجل يعيد سورة واحدة فى الركعتين )
(أخبره) الضمير المستتر راجع إلى الرجل والبارز إلى معاذ ولا يضر الجهل
به لأنه صحابى والصحابة كلهم عدول (أنه) أى الرجل (فى الركعتين كلتيهما) -
- ٣٣ -
١٣٣ - باب القراءة فى الفجر
٨٠٢ - حدثنا إبْراهِيمُ بنُ مُوسَ الرَّازِىُّ أنبأنا عِيسَ - يَعْنى ابنَ
يُؤَنُسَ - عن إِسْمَاعِيلَ عن أَصْبَغَ مَوْلَى عَمْرٍوِ بنِ حُرَيْثٍ عن عَمْرِوِ بنِ
حُرَيْثٍ قال ((كأنِّى أَسْتَعُ صَوْتَ النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم يَقْرَأُ فِى صَلاَةِ الْغَداةِ
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخَسِ الْجَوَارِ الْكُنَسِ﴾ »،
- تأكيداً لدفع توهم التبعيض. قال ابن الملك: أى قرأ فى كل من ركعتيها إذا
زلزلت بكمالها ( فلا أدرى أنسى) بهمزة الاستفهام (أم قرأ ذلك عمداً) تردد
الصحابى فى أن إعادة النبى صلى الله عليه وسلم للصورةهل كان نسيانالكون المعتاد
من قراءته أن يقرأ فى الركعة الثانية غير ما قرأ به فى الأولى فلا يكون مشروعاً
لأمته أو فعله عمد البيان الجواز فتكون الإعادة مترددة بين المشروعية وعدمها
وإذا دار الأمر بين أن يكون مشروعاً أو غير مشروع حمل فعله صلى الله عليه
وسلم على المشروعية أولى لأن الأصل فى أفعاله التشريع والنسيان على خلاف
الأصل. ونظيره ذكره الأصوليون فيما إذا تردد فعله صلى الله عليه وسلم بين
أن يكون جبلياً أو لبيان الشرع والأكثر على التأسى به ذكره الشوكانى .
والحديث سكت عنه المؤلف والمنذرى . قال فى النيل: وليس فى إسناده مطعن
بل رجاله رجال الصحيح .
( باب القراءة فى الفجر)
(كأنى أسمع صوت النبى صلى الله عليه وسلم) أراد بذلك قوة تحققه لذلك
بحيث إنه لشدة استحضاره له كأنه يسمع الان ( يقرأ فى صلاة الغداة ) وفى
رواية مسلم فى الفجر ( فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) وفى رواية مسلم (والليل
إذا عسمس) قال النووى : أى يقرأ بالسورة التى فيها (والليل إذا عسمس) ...
(٣- عون المعبود ٣.»
- ٣٤ -
١٣٤ - باب من ترك القراءة فى صلاته بفاتحة الكتاب
٨٠٣ - حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ أخبرنا حَمَّامٌ عن قَتَادَةَ عن أَبِى
نَضْرَةَ عن أَبِى سَعِيدٍ قال ((أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأْ بِفَتِحَةِ الْكِتَبِ وَمَا تَسَّرَ )).
- قال المنذرى : وأخرجه ابن ماجه وأخرجه مسلم من حديث الوليد بن سريع
مولى عمرو بن حريث عن عمرو بن حريث أتم منه . والحديث يدل على جواز
قراءة سورة إذا الشمس كورت فى الصبح . وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم
بمكة الصبح فاستفتح سورة المؤمنين عند مسلم من حديث عبد الله بن السائب
وأنه قرأ بالطور ، ذكره البخارى تعليقاً من حديث أم سلمة وأنه كان يقرأ فى
ركعتى الفجر أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة، أخرجه البخارى ومسلم من
حديث أبى برزة ، وأنه قرأ الزوم ، أخرجه النسائى عن رجل من الصحابة وأنه
قرأ المعوذتين . أخرجه النسائى أيضاً من حديث عقبة بن عامر وأنه قرأ إنا فتحنا
لك فتحاً مبيناً. أخرجه عبد الرزاق عن أبى بردة ، وأنه قرأ الواقعة . أخرجه
عبد الرزاق أيضاً عن جابر بن سمرة ، وأنه قرأ بيونس وهود أخرجه ابن أبى
شيبة فى مصنفه عن أبى هريرة . وأنه قرأ إذا زلزلت كما تقدم فى الباب المتقدم.
وأنه قرأ ألم تنزيل السجدة وهل أتى على الانسان. أخرجه الشيخان من حديث
ابن مسعود . قاله الشوكانى .
( باب من ترك القراءة فى صلاته بفاتحة الكتاب)
أی ما حكمه ، فثبت من أحاديث الباب أنه لا تصح صلاته .
(أمرنا) على البناء للمجهول، والآمر إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم
لأن مطلق الأمر والنهى ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهى وهو الرسول
صلى الله عليه وسلم ( أن نقرأ بفاتحة الكتاب) فيه وفيما يأتى من الأحاديث
دليل على وجوب القراءة فى الصلاة وأنها متعينة لا يجزى غيرها إلا لعاجز عنها -
أ
- ٣٥ -
- وهذا مذهب مالك والشافعى وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم .
وقال أبو حنيفة وطائفة قليلة لا يجب الفاتحة بل الواجب آية من القرآن (وما تيسر)
فى محل الجر عطف على فاتحة الكتاب ، أى أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب
وبما تيسر من القرآن. واستدل به وبقوله فما زاد فى حديث أبى هريرة الآتى
وبقوله فصاعداً فى حديث عبادة بن الصامت الآتى على وجوب قدر زائد على
الفاتحة . وتعقب بأنه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة . قال البخارى
فى جزء القراءة: هو نظير قوله تقطع اليد فى ربع دينار فصاعداً . وادعى ابن حبان
والقرطبى وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها ، وفيه نظر لثبوته
عن بعض الصحابة ومن بعدهم فيما رواه ابن المنذر وغيره ، ولعلهم أرادوا أن
الأمر استقر على ذلك . وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة يقول كل صلاة
يقرأ فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم
وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير ولإبن خزيمة من حديث
ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قام فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة
الكتاب. كذا أفاد الحافظ فى فتح البارى . قال الشوكانى فى النيل بعد ذكر
الأحاديث التى فيها زيادة فصاعداً ما نصه: وهذه الأحاديث لا تقصر عن الدلالة
على وجوب قرآن مع الفاتحة ولا خلاف فى استحباب السورة مع الفاتحة فى صلاة
الصبح والجمعة والأوليين من كل الصلوات . قال النووي : إن ذلك سنة عند
جميع العلماء . وحكى القاضى عياض عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة .
قال النووى : وهو شاذ مردود. وأما السورة فى الركعة الثالثة والرابعة فكره
ذلك مالك واستحبه الشافعى فى قوله الجديد دون القديم ، ثم قال ما حاصله إنه
قد ذهب إلى إيجاب قرآن مع الفاتحة عمر وابنه عبد الله وعثمان بن أبى العاص
وغيرهم والظاهر ماذهبوا إليه من إيجاب شىء من القرآن . وأما التقدير بثلاث -
- ٣٦ -
٨٠٤ - حدثنا إِبْراهِيمُ بنُ مُوسَ الرَّازِىُّ أنبأنا عِيسَ عن جَعْفَرِ بنِ
مَيْعُونِ الْبَصْرِىِّ أخبرنا أَبُو عُثْمانَ النَّهْدِىُّ حدثنى أَبُو هُرَيْرَةَ قال قال لِ
- آيات فلا دليل عليه إلا توم أنه لا يسمى دون ذلك قرآناً لعدم إعجازه كما قيل
وهو فاسد لصدق القرآن على القليل والكثير لأنه جنس. وأيضاً المراد ما يسمى
قرآناً لا ما يسمى معجزاً ولا تلازم بينهما، وكذلك التقدير بالاية الطويلة. نعم
لو كان حديث أبى سعيد الذى عند ابن ماجه بلفظ لا صلاة لمن لم يقرأ فى كل
ركمة بالحمد وسورة فى فريضة أو غيرها صحيحاً لكان مفسراً للمبهم فى الأحاديث
من قوله فما زاد وقوله فصاعداً وقوله ما تيسر ولكان دالا على وجوب الفاتحة
وسورة فى كل ركعة ولكنه ضعيف ، وقد عرضت هذه الأحاديث بما فى
الصحيحين وغيرهما عن أبى هريرة أنه قال فى كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم وإن لم تزد على أم القرآن
أجزأت وإن زدت فهو خير ، ولكن الظاهر من السياق أن قوله وإن لم تزد إلخ
ليس مر فوعاً ولامما له حكم الرفع فلا حجة فيه . وقد أخرج أبو عوانة هذا
الحديث كرواية الشيخين إلا أنه زاد فى آخره وسمعته يقول لا صلاة إلا بفاتحة
الكتاب. قال الحافظ فى الفتح: وظاهر سياقه أن ضمير سمعته النبى صلى الله
عليه وسلم فيكون مرفوعاً بخلاف رواية الجماعة ، ثم قال نعم قوله ما أسمعنا
وما أخفى عنا يشعر بأن جميع ما ذكره متاقى عن النبى صلى الله عليه وسلم فيكون
للجميع حكم الرفع انتهى . وهذا الإشعار فى غاية الخفاء باعتبار جميع الحديث
فإن صح جمع بينه وبين الأحاديث المصرحة بزيادة ما تيسر من القرآن بحملها
على الاستحباب انتهى حاصل كلام الشوكانى وحديث أبى سعيد أخرجه
البخارى فى جزء القراءة. قال ابن سيد الناس إسناده صحيح ورجاله ثقات ،
وقال الحافظ فى التلخيص إسناده صحيح .
- ٣٧ -
رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم ((اخْرُجْ فَنَادِ فِى الْمَدِينَةِ أَنَّهُ لاصَلَاةَ إِلاَّ بِقُرْآنٍ
وَلَوْ بِفَائِحَةِ الْكِتَبِ فَمَا زَادَ ، وَلَوْ بِفَائِحَةِ الْكِتَبِ فَمَا زَادَ)» .
٨٠٥ - حدثنا ابنُ بَثَّارِ أخبرنا يَحْيَى أخبرنا جَعْفَرُ عن أَبِى عُثمانَ عن
أَبِ هُرَيْرَةَ قال ((أَمَرَنِ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم أَنْ أُنَادِىَ أَنَّهُ لاصَلاَةَ
إلاَّ بِقِراءَةٍ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَ زَادَ ».
- (أخرج فناد ) أمر منالنداء أصله نادی علی وزن قاتل حذفت الياء للأمر
( لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد ) استدل الحنفية على عدم تعين
الفاتحة بهذا الحديث ، ويجاب بأنه من رواية جعفر بن ميمون وليس بثقة كما قال
النسائى ، وقال أحمد ليس بقوى فى الحديث ، وقال ابن عدى يكتب حديثه
فى الضعفاء . وأيضاً قد روى المؤلف هذا الحديث بعده بلفظ أمرنى رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن أنادى أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فمازاد ،
وليست الرواية الأولى بأولى من الرواية الثانية. وأيضاً أين تقع هذه الرواية على
فرض محتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب وعدم إجزاء الصلاة
بدونها. وأما الجواب بأن معناه أقل مجزىء الفاتحة كم ولو يوماً فليس بجيد
لأن للخصم أن يقول معناء كاتقوا النار ولو بشق تمرة .
( أمرنى رسول صلى الله عليه وسلم أن أنادى أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة
الكتاب فما زاد) هذا الحديث ضعيف لأنه من طريق جعفر بن ميمون وهو
ضعيف ليس بثقة كما عرفت ، ولكنه يشهد لصحته ما عند مسلم وابن حبان
والمؤلف من حديث عبادة بن الصامت بلفظ لا صلاة ان لم يقرأ بفاتحة الكتاب
فصاعداً)) ويشهد له أيضاً حديث أبى سعيد المتقدم. والحديث يدل على أنه
لا تصح صلاة بغير قراءة الفاتحة ، وهو حجة على الحنفية .
- ٣٨ -
٨٠٦ - حدثنا الْقَعْنَبِىُّ عن مَالِكٍ من الْعَلَاءِ بنِ عَبْدِ الرَّْحَنِ أَنَّهُ سَمِعَ
أَبَ السَّائِبِ مَوْلَى هِثْلَمٍ بِنِ زُهْرَةَ يقولُ: سَمِعْتُ أَبَ هُرَيْرَةَ يقولُ : قال
رسولُ اله صلى اللهُ عليه وسلم: (( مَنْ صَلَّى صَلَةٌ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ
فَهِىَ خِدَاجٌ فَهِىَ خِدَاجٌ فَهِىَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمٍ. قال فَقُلْتُ: يا أبا هُرَيْرَةَ
- فإن قلت : الحديث حجة على القائلين بفرضية الناتجة فى الصلاة لاعلى الحنفية
لأنهم إذا أثبتوا به فرضية الفاتحة لزمهم أن يثبتوا به فرضية شىء من القرآن ،
زائد على الفاتحة أيضاً وهم ليسوا بقائلين به، قيل قال أبو هريرة وإن لم تزد على
أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير رواه البخارى ، وله حكم الرفع، كما قال
الحافظ . وروى ابن خزيمة عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قام فصلى
ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب. وروى البخارى فى جزء القراءة عن
أبى هريرة رضى الله عنه قال: يجزىء بفاتحة الكتاب ، وإن زاد فهو خير .
فهذه الأحاديث تدل على أن ما زاد على الفاتحة ليس بفرض فى الصلاة ، فقالوا:
باستحباب ما زاد على الفاتحة لتأتلف الأخبار .
( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج) بكسر الخاء المعجمة.
قال الإمام الخطابى فى المعالم : يعنى ناقصة نقص فساد وبطلان ، تقول العرب :
أخدجت الفاقة إذا ألقت ولدها وهو دم لم يستبن خلقه فهى مخدج . والخداج
اسم مبنى منه . انتهى. وقال النووى: قال الخليل بن أحمد والأصمعى وأبو حاتم
السجستانى والهروى رحمهم الله تعالى وآخرون : الخداج النقصان، يقال خدجت
الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق، وأخذجته إذا ولدته
ناقصاً وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لذى اليدية مخدج اليد أى ناقصها قالوا:
فقوله صلى الله عليه وسلم خداج أى ذات خداج. وقال : جماعة من أهل اللغة:
خدجت وأخدجت إذا ولدت لغير تمام انتهى وفيه فرضية قراءة الفاتحة فى كل -
- ٣٩ -
إِى أَ كُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الْإِمَامِ. قال: فَغَمَزَ ذِرَاعِى وقال اقْرَأْ بها يا فارِسِىٌّ
فِى نَفْسِكَ فَإِنِّى سَمِعْتُ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ قال اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:
قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِ وَبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَاَ لِ وَنِصْفُهاَ لِعَبْدِى،
وَلِمَبْدِى مَا سَأَلَ . قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: اقْرَأُوا يقولُ الْعَبْدُ:
الْدُ لِلِهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ، يقولُ اللهُ عَزْ وَجَلَّ ◌َحَدَنِ عَبْدِى. يقولُ الرَّحْمنِ
- صلاة وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها الفاتحة فهى ناقصة نقص فساد وبطلان لأن
الخداج النقصان والفساد ، ومن ذلك قولهم أخدجت الناقة وخدجت إذا ولدت
قبل تمام وقتها وقبل تمام الخلق وذلك نتاج فاسد . وقد زعم الحنفية أن قوله
خداج يدل على جواز الصلاة لأنه النقصان والصلاة الناقصة جائزة ، وهذا
تحكم فاسد ( غير تمام ) بيان خداج أو بدل منه وقيل إنه تأكيد (فغمز ذراعى)
أى كبس ساعدى . قال الباجى: هو على معنى التأنيس له وتنبيه على فهم مراده
والبعث له على جمع ذهنه وفهمه لجوابه (اقرأ بها يافارسى فى نفسك) معناه اقرأها
سراً بحيث تسمع نفسك ، وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم أن المراد
تدبر ذلك وتذكره فلا يقبل لأن القراءة لا تطلق إلا على حركة اللسان بحيث
يسمع نفسه ، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة
لسانه لا يكون قارئً مرتكباً لقراءة الجنب المحرمة . قاله النووى.
( قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين) قال الخطابي : المراد بالصلاة
القراءة، يدل على ذلك قوله عليه السلام عند التفسير له والتفصيل المراد منه
إذا قال الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدنى عبدى إلى آخر السورة .
وقد سمى القرآن صلاة لوقوعها فى الصلاة وكونها جزءاً من أجزائها . قال الله
تعالى ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) أى قراءتك. وقال تعالى ﴿وقرآن
الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ أى صلاة الفجر، فى الصلاة مرة -
- ٤٠ -
الرَّحِيمِ، يقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْفَى عَلَىِّ عَبْدِى، يقولُ الْعَبْدُ مَالِكِ يَوْمٍ
الدِّينِ، يقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلّ ◌َجَّدَنِ عَبْدِى. يقولُ الْعَبْدُ إِيَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّكَ
نَسْتَعِينُ، فَهَذِهِ بَيْنِى وَبِيْنَ عَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأْلَ. يقولُ الْعَبْدُ اهْدِنَ
- قرآناً والقرآن صلاة لانتظام أحدهما بالآخر يدل على صحة ماقلناه ، قوله عليه
السلام بينى وبين عبدى نصفين ، والصلاة خالصة لله عز وجل لا يشرك فيها
أحد ، فعقل أن المراد به القراءة، وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى لا إلى
اللفظ، وذلك أن سورة الحمد نصفها ثناء ونصفها مسألة ودعاء ، والثناء عليه
والدعاء لعبده، وليس هذا انقسام ألفاظ وحروف ، وقسم الثناء من جهة المعنى
إلى قوله تعالى { إياك نعبد) وهو تمام النصف الأول، وباقى الآية وهو قوله
تعالى من قسم الدعاء والمسألة ، ولذا قال عليه السلام حاكياً عن ربه وهذه الاية
بينى وبين عبدى ، ولو كان المراد به قسمة الألفاظ والحروف لكان النصف
الأخير يزيد على الأول زيادة بينة فيرتفع معنى التعديل والتنصيف ، وإنما هو
قسمة المعانى كماذكرته لك ، وهذا كما يقال نصف السنة إقامة ونصفها سفر ،
يراد به انقسام السنة مدة السفر ومدة الإقامة ، لا على سبيل التعديل والتسوية
بينهما حتى يكونا سواء ، لا يزيد أحدهما على الآخر . وقيل لشريح: كيف
أصبحت ؟ قال : أصبحت ونصف الناس علىّ غضبان ، يريد أن الناس بين
محكوم له ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان على باستخراجى الحق منه ،
وإكراهى إياه ، ولقول الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفين شامت الموتى ومثن بالذى كنت أفعل
(فنصفها لى) وهو (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين)
(ونصفها لعبدى) وهو من ﴿ إهدنا الصراط المستقيم) إلى آخره، (ولعبدى
ما سألٍ) أى بعينه إن كان معلقاً على السؤال وإلا فمثله من رفع درجة ودفع -