Indexed OCR Text

Pages 321-340

- ٣٢١ -
٧٣ - باب الوضوء من مس اللحم النيء وغسله
١٨٣ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ الْعَلَاءِ وَأَيُّوبُ بنُ محمَّدٍ الرَُّّ وَعَمْرُو بنُ
عُثْنَ الْحِمْصِىُّ المَعْنَى قَالُوا حدثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيةَ قال أخبرنا هِلَاَلُ بنُ
مَيْعُونِ الْهَِىُّ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ الَّيِىِّ، قَالِ هِلاَلٌ: لا أَعْلَهُ إلاَّ عن أبى
سَعِيدٍ، وقال أَيُّبٌ وَعَمْرُوَ: وَأُرَاهُ عن أَبِى سَعِيدٍ ((أَنَّ النَِّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم
مَرَّ بِغُلاَمٍ يَسْلُ شَةً، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: تَنَحَّ حَتّى
(باب الوضوء من مس اللحم النيء)
على وزن حمل أى غير النضيح ( وغسله ) الواو بمعنى أو أى باب الوضوء
الشرعى أو غسل اليد من مس لحم غير مطبوخ هل هو ضرورى أم لا ؟ فبين
الحديث أنه غير ضرورى ، والضمير المجرور فى غسله يرجع إلى الماس بقرينة
المقام والله أعلم. وأما إرجاع الضمير إلى اللحم أى الوضوء من غسل اللحم
النيء فبعيد .
( الرقى ) بفتح الراء وكسر القاف نسبة إلى الرقة مدينة على الفرات (المعنى)
أى واحد أى أحاديثهم متقاربة فى المعنى (لا أعلمه إلا عن أبى سعيد) أى لا أعلم
هذا الحديث إلا أن عطاء بن يزيد أخبرنى به عن أبى سعيد الخدرى ، وفى رواية
ابن حبان الجزم بأنه عن أبى سعيد ذكره السيوطى رح، وهذا اللفظ فى رواية
محمد بن العلاء ( وقال أيوب وعمرو) فى روايتهما عن عطاء بن يزيد ( وأراه)
أى أظنه ( يسلخ شاة) أى ينزع الجلد عن الشاة. فى المصباح: سلخت الشاة
سلخاً من باب قتل ومن باب قتل ومن باب ضرب قالوا ولا يقال فى البعير
سلخت جلده وإنما يقال كشطته . انتهى. (تنح) أمر من تنحى يتنحى أى -
(٢١ - عون المعبود ١)

- ٣٢٢ -
أُرِيِكَ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ الْجِدِ وَالَّحْمِ فَدَحَسَ بِهَا حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الْإِطِ،
ثَُّ مَضَى فَصَلَّى لِلنَّسِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)) زَادَ عَمْرٌوَ فِى حَدِيثِهِ: يَعْنِى لَمْ يَنَّ
مَآءَا وقال: عن هِلَاَل بنِ مَيْمُونِ الرَّمْلِيِّ.
قال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ وَأَبُو مُعَاوِيَّةً عن هِلاَلٍ عن
عَطَاء عن النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم مُرْسَلاً، لَمْ يَذْ كُرْ أَبَا سَعِيدٍ .
- تحول عن مكانك (حتى أريك) قال الخطابي: ومعنى أريك: أعلمك، ومنه
قوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ (فدحس بها) فى الصحاح الدحس : إدخال
اليدين جلد الشاة وصفاقها لسلخها ، أى أدخل يده بين الجلد واللحم بشدة وقوة
ودسها(١) بينهما كفعل السلاح (حتى توارت) أى استقرت (ولم يتوضأ) قال
الخطابى : ومعنى الوضوء فى هذا الحديث غسل اليد ويؤيد ذلك رواية عمرو الآتية
(زاد عمرو فى حديثه) بعد قوله لم يتوضأ ( يعنى لم يمس ماء) والظاهر أن هذا
التفسير من عمرو بن عثمان ( وقال ) أى عمرو فى روايته ( عن هلال بن ميمون
الرملى) أى بصيغة المنعنة دون الإخبار كما فى رواية محمد بن العلاء وأيوب
( مرسلا لم يذكر أبا سعيد) المراد من المرسل ههنا معناه المشهور، أى قول
التابعى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل كذا أو فعل بحضرته
كذا. قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه وفى إسناده هلال بن ميمون الجهنى
الرملى كنيته أبو المغيرة. قال ابن معين ثقة، وقال أبو حاتم الرازى ليس بقوى
يكتب حديثه .
(١) الدم إدخال الشيء فى الشيء بقهر وقوة.

- ٣٢٣ -
٧٤ - باب ترك الوضوء من مس الميتة
١٨٤ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ قال حدثنا سُلِيمَانُ - يَعْنِى ابنَ بِلاَلٍ .
عن جَعْفَرِ عن أَبِيهِ عن جَابِرِ (( أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مَرَّ بِالسُّوقِ
دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ الْعَلِيَةِ وَالنََّسُ كَنَفَتَيْهِ ، فَمَرَّ بِجَدْىٍ أَسَكٍ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ
فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قال: أَيُّكُمُ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ)) وَسَقَ الْحَدِيثَ.
( باب ترك الوضوء من مس الميتة )
أى ميتة مأكول اللحم .
(من بالسوق داخلا من بعض العالية) أى كان دخوله صلى الله عليه وسلم
من بعض العالية إلى السوق ، والعالية والعوالى أماكن بأعلى أراضى المدينة ،
والنسبة إليها علوى وأدناها على أربعة أميال وأبعدها من جهة نجد ثمانية أميال
قاله ابن الأثير (والناس كنفتيه(٢١) بفتح الكاف والنون والفاء . قال النووى:
والناس كنفته ، وفى بعض النسخ كنفتيه ومعنى الأول جانبه والثانى جانبيه
(فمر يجدى) بفتح الجيم وسكون الدال من ولد المعز قاله الجوهرى وكذا فسره
الأردبيلي ( أسك ) بفتح الهمزة والسين المفتوحة والكاف المشددة . قال القاضى
عياض فى المشارق : يطلق على ملتصق الأذنين وعلى فاقدهما وعلى مقطوعهما
وعلى الاصم الذى لا يسمع ، والمراد ههنا الأول . وقال ابن الأثير: المراد الثالث،
وقال النووى فى شرح مسلم والقرطبى المراد صغير الأذنين ( وساق ) الراوى
(الحديث) بتمامه. والحديث أخرجه مسلم فى الزهد من صحيحه وبقيته ((أبكم
يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا ما نحب أنه لنا بشىء وما نصنع به؟ قال تحبون أنه
لكم قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت، ــ
(١) ونصبه على الظرف وهو فى موضع خبر المبتدأ .

- ٣٢٤-
٧٥ - باب فى ترك الوضوء مما مست النار
١٨٥ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ قال حدثنا مَالِكٌ عن زَيْدِ بنِ أَسْلمَ
عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن ابنِ عَبَّسٍ ((أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَكَلَ
كَتِفَِ شَةٍ ثُمَّ صَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)».
١٨٦ - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ وَحُمَّدُ بنُ سُلَيْنَ الْأَنْبَرِىُّ الَعْنى
فالا حدثنا وَكِيعٌ عن مِسْعَرٍ عن أَبِى صَخْرَةَ جَامِعِ بِنِ شَدَّادٍ عن المغِيرَةِ بنِ
عَبْدِ اللهِ عن الْغِيرَةِ بنِ شُعْبَةً قال: ((ضِفْتُ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم ذَاتَ
لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِنْبٍ فَشُوِىَ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزّلِ بِهَ مِنْهُ. قال: فَجَاء
- فقال والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)) وأخرجه البخارى فى الأدب
المفرد وفيه الأسك الذى ليس له أذنان . والحديث فيه جواز مس ميتة مأكول
اللحم ، وأن غسل اليد بعد مسها ليس بضرورى . قال المنذري: وأخرجه مسلم
( باب فى ترك الوضوء مما مست النار )
وفى بعض نسخ المتن مما مسته النار وهو أصرح، أى ترك الوضوء من
أ كل شىء طبخته النار لأن ما طبخته النار ومسته لا ينقض الوضوء.
(كتف شاة) الكتف كفرح ومثل وجبل يقال له بالفارسية شانه أى أ كل
اللحم الكتف . وهذا الحديث نص صريح فى عدم انتقاض الوضوء بأ كل ما مسته.
النار وسيجىء بيانه فى آخر الباب. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم .
( ضفت) بكسر الضاد أى نزلت عليه ضيفاً. قال الجوهرى: ضفت الرجل
ضيافة إذا نزلت عليه ضيفاً ( يجنب ) بفتح الجيم وسكون النون قال ابن سيده
جنب الشاة شقها وجنب الإنسان شقه وفى النهاية الجنب القطعة من الشىء -

٣٢٥٠٠ -
بِلاَلٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ. قال: فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ وقال: مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ ، وَقَامَ
يُصَلِّى)). زَادَ الْأَنْبَرِىُّ: (( وَكَانَ شَرِبِ وَفَاءٍ [ وَى ] فَقَصَّهُ لِ عَلَى سِوَاكِ،
أَوْ قال: قُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَالِكٍ )).
- يكون معظمه أو شيئاً كثيراً منه (فشوى) بضم الشين وكسر الواو المخففة يقال
شويت اللحم أشويه شياً فانشوى مثل كسرته فانكسر فهو مشوى ( الشفرة )
بفتح الشين وسكون الفاء . قال الجوهرى هى السكين العظيمة ، وقال ابن الأثير
هى السكين العريضة ( يحز) بالحاء المهملة والزاء المعجمة المشددة فى الصحاح حزه
واحتزه أى قطعه ، والتحرز التقطع ، والحزة قطعة من اللحم قطعت طولا .
وفيه دليل على جواز قطع اللحم بالسكين ، وفى النهى عنه حديث ضعيف
فى سنن أبى داود ، فإن ثبت خص بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك لما فيه من
التشبه بالأعاجم وأهل الترف ( فآذنه ) أى أعلمه وأخبره. فى النهاية الآذان
الإعلام بالشىء آذن إيذاناً وأذن تأذيناً، والمشدد مخصوص بإعلام وقت الصلاة
( وقال) النبى صلى الله عليه وسلم ( ماله) لبلال قد عجل ولم ينتظر إلى أن
أفرغ من أكل طعامى (تربت يداه) قال الجوهرى ترب الشىء بكسر الراء أصابه
التراب ، ومنه ترب الرجل افتقر كأنه لصق بالتراب ، يقال تربت يداك وهو
على الدعاء أى لا أصبت خيراً انتهى . وقال الخطابى فى المعالم : تربت يداه كلمة
تقولها العرب عند اللوم ومعناها الدعاء عليه بالفقر والعدم، وقد يطلقونها فى كلاهم
[كلامهم] وهم لا يريدون وقوع الأمر كما قالوا عقرى حلقى فإن هذا الباب لما كثر
فى كلامهم وأدام استعماله فى مجارى استعمالهم صار عندهم بمعنى اللغو ، وذلك من
لغو اليمين الذى لا اعتبار به ولا كفارة فيه ، ومثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم
((فعليك بذات الدين تربت يداك)» (وقام يصلى) استدل الإمام البخارى بهذا
الحديث على أن الأمر بتقديم العشاء على الصلاة خاص بغير الإمام الراتب -

- ٣٢٦ ١
١٨٧ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا أَبُو الْأَحْوَصِ قال حدثنا سِمَكٌ عن
عِسَكْرِمَةَ عن ابنِ عَبَسِ قال: ((أَكَلَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم كَتِفاً
ثُمَ مَسَحَ يَدَهُ بِسْحٍ كَانَ تَحْتَهُ، ثُمَ قامَ فَصَلَّى )).
١٨٨ - حدثنا حَفْصُ بنُمَرَ النَِّرِىُّ قال حدثنا هَمَمٌ عن قَتَادَةَ عن
يَحْسَى بنُ يَعْمُرَ عن ابنِ عَبََّسِ ((أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم انْتَشَ مِنْ
كَتِفٍ ثُمَّ صَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ » .
-- قلت هذا الاستدلال صحيح وحسن جداً. وقال الخطابى ليس هذا الصنيع من
رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخالف لقوله (( إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة
فابدأوا بالعشاء )) وإنما هو للصائم الذى أصابه الجوع وتاقت نفسه إلى الطعام ،
وهذا فيمن حضره الطعام وهو متماسك فى نفسه ولا يزعجه الجوع ولا يعجله عن
إقامة الصلاة وإيفاء حقها انتهى ملخصاً، قلت: وإن وافقه عليه جماعة فهو بعيد
(وفى) على وزن ربى كذا فى أكثر النسخ أى كثر وطال يقال وفى الشىء وفياً
أى تم وكثروفى بعض نسخ الكتاب وفاء وكذا فى نسخ المصابيح أى طويلا
تاماً كثيراً ( فقصه لى على سواك ) أى قص ما ارتفع من الشعر فوق السواك.
قال السيوطى: وفى رواية البيهقى فى هذا الحديث فوضع السواك تحت الشارب وقص
عليه (أو قال) هذا تردد من الراوى. قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وابن ماجه.
(بمسح) بكسر الميم البلاس(١) وهو كساء معروف (فصلى) من غير وضوء
جديد والحديث فيه ثلاث مسائل: الأولى عدم انتقاض الوضوء مما مسته النار ،
الثانية جواز أداء الصلاة بعد الأكل بغير المضمضة ، الثالثة جواز مسح اليد بعد
الطعام وأن غسلها ليس بضرورى . قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه.
(انتهش) النهش بالمعجمة أخذ اللحم بالأضراس وبالإهمال بمقدم الفم -
(١) البلاى كسحاب كليم معرب اذبلاس.

- ٣٢٧ -
١٨٩ - حدثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ الْسَنِ الْعَمِىُّ قال حدثنا حَجَّاجٌ قال ابنُ
جُرَيجٍ أخبرنى ◌ُمَّدُ بنُ الْمُنْكَدِرِ قال سَمِعْتُ جَابِرَ بِنَ عَبْدِ اللهِ يقولُ:
قَرَّبْتُ لِلنَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم خُبْزاً وَلَحْمًا فَأَ كَلَ ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ
ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ دَعَ بِفَضْلٍ طَعَمِهِ فَ كَلَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأ»
١٩٠ - حدثنا مُوسَى بنُ سَهْلٍ أَبُو عِمْرَ انَ الرَّمْلِيُّ قال حدثنا عَلِىُّ بنُ
عَيَأْشٍ قال حدثنا شُعَيْبُ بنُ أَبِى ◌َخْزَةَ عن مُمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جَابِرٍ قال:
(« كَنَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم تَرْكُ الْوُضُوءِ
مِمَّ غَيَّرَتِ النَّارُ)).
قال أَبُو دَاوُدَ : وَهَذَا اخْتِصَارٌ مِنَ الْحْدِيثِ الْأَوَّلِ.
١٩١ - حدثنا أَحَمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ السَّرْحِ قال حدثنا عَبْدُ الملِكِ بنُ
أَبِى كَرِيمَةَ ، قال ابن السَّرْحِ: ابنُ أَبِى كَرِيمَةَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِنَ قال حَدََّى
عُبَيْدُ بنُ ثُمَمَةَ الْمُرَادِىُّ قال: ((قَدِمَ عَلَيْنَ مِصْرَ عَبْدُ اللهِ بنُ الْخَارِثِ بنِ
- قاله الكرمانى قال المنذرى: وقد أخرج البخارى ومسلم من حديث عطاء بن
يسار عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أ كل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ.
(قرّبت ) بشدة الراء (ولم يتوضأ) الوضوء الشرعى المتبادر من السياق.
(كان آخر الآمرين ) قال الحافظ فى فتح البارى قال أبو داود وغيره : إن
المراد بالأمر ههنا الشأن والقصة لا مقابل النهى . انتهى . أى آخر الواقعتين منه
صلى الله عليه وسلم (مما غيرت النار) بنضج وطبخ . قال المنذرى: وأخرجه النسائى.
( من خيار المسلمين) وهذا من ابن السرح توثيق لابن أبى كريمة . قلت :
ولم يعرف فيه جرح (ثمامة) بضم الثاء المثلثة (المرادى) بضم الميم وتخفيف الراء -

-٣٢٨-
جَزْءٍ مِنْ أَصْحَبِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلمٍ، فَسَمِعْتَهُ يُحَدِّثُ فى مَسْجِدِ
مِصْرَ قال: لَقَدْ رَأَيْكُنى سَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ سَادِسَ سِتَّةٍ مَعَ رسولِ الهِ صلى اللهُ
عليه وسلم فى دَارِ رَجُلٍ، فَمَرَّ بِلَاَلٌ، فَنَادَاهُ بِالصَّلاَةِ، فَخَرَ جْنَا فَرَرْنَا بِرَجُلٍ
وَبُرْمَتُهُ عَلَى النَّارِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: أَطَبَتْ بُرْمَتُكَ؟
قال: نَعَمْ بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى، فَتَنَاوَلَ مِنْهَا بَضْعَةٌ، فَمْ يَزَلْ يَعْلِكُهاَ حَتَّى
أَحْرَمَ بِالصَّلاَةِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ».
- وبالدال المهملة، منسوب إلى مراد وهو أبو قبيلة من اليمن (مصر) بدل من
ضمير المتكلم ( الجزء) بفتح الجيم وسكون الزاء المعجمة بعدها همزة (لقد
رأيتنى) الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين وياء المتكلم فيه المفعول الأول
وسابع المفعول الثانى والشك من الراوى ( فناداه ) أى رسول الله صلى الله عليه
وسلم . فيه دليل على جواز الإعلام للصلاة بعد الأذان ، لكن لا على الطريق
المحدثة التى يقال لها التثويب، بل فيه مجرد الإعلام والإيذان ( وبرمته) بضم
الباء وسكون الراء : هى القدر وجمعها البِرَام بكسر الباء . قاله الجوهرى.
(أطابت برمتك) بهمزة الاستفهام، والطيب خلاف الخبيث ، يقال : طاب
الشىء يطيب طيبة وتطيابًا، ونسبة الطيبة إلى البرمة مجاز ، لأن المراد من طيبة
البرمة تطياب ما فيها من الطعام ، أى نضج ما فى البرمة وصار لائقاً للأكل
( بأبى أنت وأمى) أى أنت مفدى بهما أو فديتك بهما ( فتناول منها بضعة)
أى أخذ من اليرمة قطعة من الذى هو فيها وهو اللحم ( يملكها) أى يمضغها
(أحرم بالصلاة) أى دخل فيها (وأنا أنظر إليه) أى إلى النبى صلى الله عليه وسلم
أو إلى مضغه لتلك القطعة ثم دخوله فى الصلاة، ويحتمل أن قوله وأنا أنظر إليه
قاله الراوى وقت تحديثه بذلك ، أى أنا متيقن بتلك الواقعة كأنى أنظر إلى -

٠- ٣٢٩ -
٧٦ - باب التشديد فى ذلك
١٩٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا يَحْسِى عن شُعْبَةَ قال حَدَّ ثَنَى أَبُو بَكْرٍ
ابنِ حَفْصٍ عن الْأَغَرِّ عن أَبِى هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمـ
((الْوُضُوءِ مِّ أَنْضَجَتِ النَّارُ)).
١٩٣ - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدثنا أَبَانٌ عن يَحْمَى - يَعْنى
ابنَ أَبِى كَثِيرٍ عن أَبِى سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بنَ سَعِيدِ بنِ المُغِيرَةِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ
دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَمِيبَةً فَسَقَّتْهُ قَدَحاً مِنْ سَوِيقٍ، فَدَعَ بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ . قالَتْ:
يَا ابْنَ أُخْتِى أَلاَ تَوَضَّأَ، إِنَّ النَِّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((تَوَضَُّوا مِمَّ غَيَّرَتِ
النَّارُ ، أو قال: مِمَّ مَسَّتِ النَّارُ)).
- فعل النبى صلى الله عليه وسلم، وفيه دلالة واضحة على أن المضمضة بعد الأكل
للصلاة ليس بضرورى، وعلى أن أكل ما غيرته النار ليس بناقض للوضوء.
( باب التشديد فى ذلك )
أى فى الوضوء مما مست الغار، أى وجوب الوضوء الشرعى منه.
(الأغر) بالغين المعجمة وشدة الراء المهملة (الوضوء مما أنضجت النار)
قال الشيخ أبو زرعة بن زين الدين العراقى: لفظه الخبر ومعناه الأمر، أى توضأوا
مما غيرته النار .
(فسقته) أى أبا سفيان ( قدحاً) بفتحتين: هو إناء يسع ما يروى رجلين
أو ثلاثة ( يا ابن أختى ألا توضأ) أى تتوضأ . وفى رواية الطحاوى قالت يا ابن
أخى توضأ ، فقال إنى لم أحدث شيئاً (أو قال) النبى صلى الله عليه وسلم والشك
من الراوى .

- ٣٣٠ -
قال أَبُو دَاوُدَ : فى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ يَا ابْنَ أَخِى .
- واختلف العلماء فى هذه المسألة ، فذهب أكثر الأئمة من السلف والخلف
إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأ كل ما مسته النار، وذهبت طائفة إلى وجوب
الشرعى بأ كل ما مسته الفار واستدلت بأحاديث الباب .
وأجاب الأكثرون عن أحاديث الوضوء مما مسته النار بوجوه : أحدها
أنه منسوخ بحديث جابر رضى الله عنه (( كان آخر الأمرين من رسول الله صلى
الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)» وأنت خبير بأن حديث جابر كان
آخر الأمرين ليس من قول جابر ، بل اختصره شعيب بن أبى حمزة أحد رواته
كما عرفت . وثانيها أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب،
وهذا اختيار الخطابى وابن تيمية صاحب المنتقى. وثالثها أن المراد بالوضوء غسل
الفم والكفين، وهذا الجواب ضعيف جداً ، لأن الحقائق الشرعية مقدمة على
غيرها ، وحقيقة الوضوء الشرعية هى غسل جميع الأعضاء التى تغتسل للوضوء،
فلايخالف هذه الحقيقة إلا لدليل. والذى تطمئن به القلوب ما حكى البيهقى عن
عثمان الدارمى أنه لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبين الراجح منها نظرنا إلى
ماعمل به الخلفاء الراشدون بعد النبى صلى الله عليه وسلم فرجحنا به أحد الجانبين
وارتضى بهذا النووى فى شرح المهذب . وروى الطبرانى فى مسند الشاميين من
طريق سليم بن عامر قال : رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار
ولم يتوضأوا. قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. وأخرج أحمد فى مسنده عن
جابر قال: أكلت مع النبى صلى الله عليه وسلم ومع أبى بكر وعمر خبزاً ولمّاً
فصلوا ولم يتوضأوا . وفى ترك الوضوء مما مست النار آثار أخر مروية عن الخلفاء
الراشدين وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين .

- ٣٣١-
٧٧ - باب الوضوء من اللبن
١٩٣ - حدثنا قُتَيْبَةُ قال حدثنا الَيْثُ عن عُقَيْلٍ عن الزُّهْرِىِّ عن
عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ عن ابنِ عَبَّاسٍ ((أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ
لَبََّا فَدَعَ بَاءٍ فَتَمَضْمَعَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَماً)).
٧٨ - باب الرخصة فى ذلك
١٩٤ - حدثنا عُسْنُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ عن زَيْدِ بنِ الْخْبَابِ عن مُطِيع
ابنِ رَاشِدٍ عِن تَوْبَةَ الْعَنْبَرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بنَ مَلِكِ ((أَنَّ رسولَ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم شَرِبَ لَمَا فَلَمْ يَمَضْعِضْ وَلَمْ يَتَوَضَّأَ وَصَلَّى)).
( باب الوضوء من اللبن )
أى المضمضة وغسل الفم بعد شرب اللبن .
(عن عُقيل) بضم العين (عن الزهرى) هو محمد بن مسلم الإمام (إِن له
رسماً) بفتحتين منصوبا اسم إن ، وهو بيان لعلة المضمضة من اللبن . والدسم
ما يظهر على اللبن من الدهن ، ويقاس عليه استحباب المضمضة من كل ما له دسم
قال النووى: الحديث فيه استحباب المضمضة من شرب اللبن . قال العلماء :
وكذلك غيره من المشروب والمأ كول يستحب له المضمضة لئلا يبقى منه بقايا
يبتلعها فى حال الصلاة ، ولينقطع لزوجته ورسمه ويتطهر فمه . قال المنذرى:
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه .
( باب الرخصة فى ذلك )
أى فى الوضوء من اللبن ( فلم يمضمض ولم يتوضأ وصلى) فيه دليل على أن
المضمضة من اللبن وغيره من الأشياء التى فيها الدسومة ليس فيها أمراً ضرورياً -

-٣٣٣ -
قال زَيْدٌ: دَلَّنِى شُعْبَةُ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ.
٧٩ - باب الوضوء من الدم
١٩٥ - حدثنا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بنُ نَافِعِ قال حدثنا ابن المُبَرَكِ
عن مُمَّدِ بنِ إسْحَقَ قال حَدَّثَنَى صَدَقَةُ بنُ يَسَارِ عن عَقِيلِ بنِ جَابِرٍ عن
- بل على سبيل الاختيار . قال الحافظ: وأغرب ابن شاهين جمل حديث أنس
ناسخاً لحديث ابن عباس ولم يذكر من قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى
النسخ . انتهى ( قال زيد ) بن الحباب الراوى عن مطيع ( دلنى شعبة) بن حجاج
أحد الناقدين للرجال . والدليل ما يستدل به والدليل الدال يقال قد دله على
الطريق يدله دلالة ( على هذا الشيخ ) أى مطيع بن راشد، فدلالة شعبة لزيد
على مطيع بن راشد لأخذ الحديث منه تدل على أن شعبة كان حسن الرأى فى
مطيع بن راشد وإلا لم يدل شعبة على من كان مستور الحال وضعيفاً عنده . قال
السيوطى قال الشيخ ولى الدين : ومطيع بصرى. قال الذهبى إنه لا يعرف
لكن قال زيد بن الحباب إن شعبة دله عليه وشعبة لا يروى إلا عن ثقة فلا يدل
إلا على ثقة، وهذا هو المقتضى لسكوت أبى داود عليه. انتهى. قلت : وكذا
سكت عنه المنذرى . وقال الحافظ فى الفتح إسناده حسن والله أعلم.
( باب الوضوء من الدم )
أى هل يكون الوضوء من خروج الدم سائلا كان أو غير سائل واجباً
أم لا ، فدل الحديث على أنه غير واجب .
(عن تمقيل بن جابر) بفتح العين ذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال
الذهبى : فيه جهالة ما روى عنه سوى صدقة بن يسار . وقال الحافظ : لا أعرف
راوياً عنه غير صدقة. انتهى . لكن الحديث قد صححه ابن خزيمة وابن حبان -

-- ٣٣٣ -
جَابِرٍ قال (( خَرَجْنَا مَعَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم - يَعْنِى فِى غَزْوَةِ ذَاتٍ
الرِّقَاعِ فَأَصَبَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَحَلَفَ أَنْ لاَ أَنْتَعِى
حَتَّى أُمْرِيقَ دَمَاً فى أَمْحَبِ مُمَّدٍ، فَخَرَجَ يَنْبَعُ أَفَرَ النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
فَزَلَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلمٍ مَنْزِلاً، فقال: مَنْ رَجُلٌ يَكُلَوُّنَا، فَانْتُدِبَ
رَجُلٌ مِنَ الْهَحِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فقال: كُونَ بِفَِ الشّعْبِ. قال:
- والحاكم كلهم من طريق ابن إسحاق (ذات الرقاع) بكسر الراء كانت هذه
الغزوة فى سنة أربع. قاله ابن هشام فى سيرته ، وفى تسمية هذه الغزوة بذات
الرقاع وجوه ذكرها أصحاب السير، لكن قال السهيلى فى الروض: والأصح
من هذه الأقوال ما رواه البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى قال : خرجنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت
أقدامنا ونقبت قدماى وسقطت أظفارى فكنا نلف على أرجلنا الخرق فميت
غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا ( فأصاب رجل) من
المسلمين بأن قتلها (خلف ) الرجل المشرك الذى قُتِلَتْ زوجته ( أن لا أنتهى)
أى لا أكف عن المعاوضة ( حتى أهريق ) أى أصب ، من أراق يريق والهاء
فيه زائدة ( مخرج يتبع) من سمع يسمع يقال تبعت القوم تبعاً وتباعة بالفتح إذا
مشيت خلفهم ، وأتبعت القوم على أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم كذا
فى الصحاح (أثر النبى صلى الله عليه وسلم) بفتحتين أى قدمه صلى الله عليه
وسلم. والحاصل أنه يمشى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم (من رجل يكلؤنا)
بفتح اللام وضم الهمزة أى من يحفظنا ويحرسنا ، يقال كلاه الله كلاءه بالكسر
أى حفظه وحرسه (فانتدب ) قال الجوهرى : ندبه لأمر فانتدب أى دعاه له
فأجاب (رجل من المهاجرين ) هو عمار بن ياسر ( ورجل من الأنصار) هو
عباد بن بشر سماهما البيهقى فى روايته فى دلائل النبوة (فقال كونا بغم الشعب) -

- ٣٣٤ -
فَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَ الشّعْبِ اصْطَجَعَ الُهَاجِرِىُّ وَقَامَ الْأَنْصَارِىُّ يُصَلّى
وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ، فَرَمَهُ بِسَهْمْ.
فَوَضَعَهُ فِيهِ فَزَعَهُ حَتَّى رَمَهُ بِثَلَاثَةٍ أَسْهُمٍ ثُمَ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ الْذَبَهَ صَحِبُهُ
- قال ابن ناظور فى لسان العرب: الشعب ما انفرج بين جبلين والشعب مسيل
الماء فى بطن من الأرض له حرفان مشرفان وعرضه بطحة رجل وقد يكون بين
سندى جبلين . انتهى . وقوله . بطة رجل البطح: بر روى درافكندن بطحه
فانبطح ، والمراد من الشعب فى الحديث المعنى الأخير أى مسيل الماء فى بطن من
الأرض له حرفان مشرفان وعرضه بطحة رجل لأنه زاد ابن إسحاق فى روايته
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادى ،
فهذه الزيادة تعين المعنى الأخير ، ومعنى كونا بغم الشعب أى قفا بطرفه الذى
يلى العدو. والفم ههنا كناية عن طرفه ( فلما رأى) ذلك الرجل المشرك
(شخصه) أى شخص الأنصارى والشخص سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد
يقال ثلاثة أشخص والكثير شخوص وأشخاص (عرف) الرجل المشرك (أنه)
أى الأنصارى ( ربيئة للقوم ) الربيى والربيئة الطليعة والجمع الربايا، يقال ربات
القوم ربا وارتبأتهم أى رقبتهم ، وذلك إذا كنت لهم طليعة فوق شرف
( فرماه بسهم فوضعه فيه) أى وقعه فيه ووصل إلى بدنه ولم يجاوزه ، وهذامن
باب المبالغة فى إصابة المرمى وصواب الرمى ، والتقدير رماء بسهم فما أخطأ نفسه
كأنه وضعه فيه وضعاً بيده ما رماه به رمياً. وفى الحديث: ((من رفع السلاح
ثم وضعه فى المسلمين فدمه هدر)) أى من قاتل به من وضع الشىء من يده إذا
ألقاه، فكأنه ألقاه فى الضريبة كذا فى المجمع (فنزعه) أى نزع السهم من
جسده واستمر فى الصلاة ( حتى رماه بثلاثة أسهم) ولفظ محمد بن إسحاق :
فرمى بسهم فوضعه فيه قال: فنزعه فوضعه فثبت قائماً ثم رماه بسهم آخر فوضعه .-

- ٣٣٥ -
فَلَمَّا حَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ حَرَبَ: فَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِىُّ مَ بِالْأَنْصَارِيِّ
مِنَ الدِّمَاءِ قال: سُبْحَانَ اللهِ أَلاَ أَنْبَهْتَنِى أَوَّلَ مَ رَتَى؟ قال: كُنْتُ فِى
سُورَةٍ أَفْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَ)).
- فيه فنزعه فوضعه وثبت قائماً ، ثم عاد له فى الثالث فوضعه فيه فنزعه (ثم ركع
وسجد ) الأنصارى ولم يقطع صلاته لاشتغاله بحلاوتها عن مرارة ألم الجرح (ثم
أنبه صاحبه) من الإنباه وصاحبه مفعوله هكذا فى عامة النسخ ومادته النبه
بالضم أى القيام من النوم ويتعدى بالهمزة والتضعيف فيقال أنبهته ونبهته، وأما
الانتباه فهو لازم يقال: انتبه من النوم إذا استيقظ ، وفى بعض نسخ الكتاب
انتبه صاحبه فعلى هذا يكون صاحبه فاعله ( فلما عرف ) الرجل المشرك (أسهم)
أى الأنصارى والمهاجرى وضمير الجمع بناء على أن أقل الجمع اثنان (قد نذروا به)
بفتح النون وكسر الذال المعجمة أى علموا وأحسوا بمكانه يقال: نذرت به إذا
علمته، وأما الإنذار فهو الإعلام مع تخويف ( من الدماء) بيان ما ، والدماء
بكسر الدال جمع دم ( سبحان الله ) أصل التسبيح التنزيه والتقديس والتبرية
من النقائص، سبحته تسبيحاً وسبحاناً، ومعنى سبحان الله التنزيه لله، نصب
على المصدر بمحذوف أى أبرىء الله من السوء براءة، والعرب تقول: سبحان الله
من كذا إذا تعحبت منه (ألا أنبهتنى) أى لم ما أيقظتنى (أول ما رمى) منصوب.
لأنه ظرف لأنبهتنى وما مصدرية أى حين رميه الأول ( فى سورة) وهى سورة
الكهف كما بينه البيهقى فى الدلائل ( أن أقطعها) زاد ابن إسحاق حتى أنفدها
فلما تابع على الرمى ركعت فآذنتك وأيم الله لولا أن أضيع ثغراً أمفى رسول
الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسى قبل أن أقطعها أو أنقدها . والحديث
أخرجه محمد بن إسحاق فى المغازى وأحمد والدار قطنى وصححه ابن خزيمة وابن حبان
والحاكم كلهم من طريق ابن إسحاقى، وهذا الحديث يدل بدلالة واضحة على س.

- ٣٣٦ -
- أمرين أحدهما : أن خروج الدم من غير السبيلين لا ينقض الطهارة سواء كان
سائلا أو غير سائل، وهو قول أكثر العلماء وهو الحق. قال محمد بن إسماعيل
الأمير اليمانى فى سبل السلام قال الشافعى ومالك وجماعة من الصحابة والتابعين:
إن خروج الدم من البدن من غير السبيلين ليس بناقض . انتهى . وقال الحافظ
سراج الدين بن الملقن فى البدر المنير : روى البيهقى عن معاذ ليس الوضوء من
الرعاف والقىء. وعن ابن المسيب أنه رعف فمسح أنفه بخرقة ثم صلى . وعن ابن
مسعود وسالم بن عبد الله وطاؤس والحسن والقاسم ترك الوضوء من الدم . زاد
النووى فى شرحه عطاءاً ومكحولاوربيعة ومالكا وأباثور وداود . قال البغوى:
وهو قول أكثر الصحابة والتابعين . انتهى كلامه . وزاد ابن عبد البر فى
الاستذكار يحيى بن سعيد الأنصارى . وقال بدر الدين العينى فى شرح الهداية:
إِنه قول ابن عباس وجابر وأبى هريرة وعائشة. انتهى. وثانيهما أن دماء
الجراحات طاهرة معفوة المجروحين ، وهو مذهب المالكية وهو الحق . وقد
تواترت الأخبار فى أن المجاهدين فى سبيل الله كانوا يجاهدون ويذوقون آلام
الجراحات فوق ماوصفت ؛ فلا يستطيع أحد أن ينكر عن سيلان الدماء من
جراحاتهم وتلويث ثيابهم ، ومع هذا هم يصلون على حالهم، ولم ينقل عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم بنزع ثيابهم المتلبسة بالدماء حال الصلاة
وقد أصيب سعد رضى الله عنه يوم الخندق ، فضرب له خيمة فى المسجد فكان
هو فيه ودمه يسيل فى المسجد فما زال الدم يسيل حتى مات . ومن الأدلة الدالة
على طهارة دم الجراحة أثر عمر بن الخطاب رضى الله عنه؛ وفيه أنه صلى صلاة
الصبح وجريحه يجرى دماً . ومن المعلوم أن الجرح الذى يجرى يتلوث به الثياب
قطعاً. ومن المحال أن يفعل عمر رضى الله عنه مالا يجوز له شرعاً ثم يسكت عنه
سائر أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم من غير نكير ، فهل هذا إلا لطهارة
دماء الجراحات.

- ٣٣٧ -
- واعترض بعض الحنفية على حديث جابر بأنه إنما ينهض حجة إذا ثبت
اطلاع النبى صلى الله عليه وسلم على صلاة ذلك الرجل ولم يثبت .
قلت : أورد العلامة العينى فى شرح الهداية حديث جابر هذا من رواية
سنن أبى داود ، وصحيح ابن حبان والدارقطنى والبيهقى ، وزاد فيه: فبلغ ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا لهما . قال العينى ولم يأمره بالوضوء ولا بإعادة
الصلاة والله أعلم والعهدة عليه . قال الشوكانى فى السيل الجرار: حديث جابر
أخرجه أحمد وأبو داود والدار قطنى وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ومعلوم
أن النبى صلى الله عليه وسلم قد اطلع على ذلك الاستمرار ولم ينكر عليه الاستمرار
فى الصلاة بعد خروج الدم ، ولو كان الدم ناقضاً لبين له ولمن معه فى تلك الغزوة
وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. انتهى كلامه. على أنه بعيد كل
البعد أن لا يطلع النبى صلى الله عليه وسلم على مثل هذه الواقعة العظيمة ، وقد
كان ذلك الزمان زمان نزول الوحى ولم يحدث أمر قط إلا أوحى الله تعالى إليه
صلى الله عليه وسلم ، وهذا ظاهر لمن تتبع الحوادث التى وقعت فى زمن النبى
صلى الله عليه وسلم ، ولم ينقل أنه أخبره بأن صلاته قد بطلت .
فإن قلت : قد وقع فى إسناد حديث جابر عقيل بن جابر وهو مجهول ، قال
الذهبى: فيه جهالة ، ما روى عنه سوى صدقة بن يسار، وقال الحافظ : لا أعرف
راوياً عنه غير صدقة . انتهى فكيف يصح الاستدلال به .
قلت : نعم عقيل مجهول لكن بجهالة العين لا يجهالة العدالة ، لأنه انفرد
عنه راو واحد وهو صدقة بن يسار ، وكل من هو كذلك فهو مجهول العين ،
والتحقيق فى مجهول العين أنه إن وثقه أحد من أئمة الجرح والتعديل ارتفعت
جهالته . قال الحافظ فى شرح النخبة : فإن سمى الراوى وانفرد راو واحد بالرواية
عنه فهو مجهول العين كالمبهم إلا أن يوثقه غير من انفرد عنه على الأصح وكذا -
(٢٢ - عون المعبود ١)

-٣٣٨-
٨٠ - باب فى الوضوء من النوم
١٩٦ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُمَِّ بنِ حَنْبَلٍ قال حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال
أنبأنا [ حدثنا] ابنُ جُرَيجٍ قال أخبرنى نَافِعٌ قال حَدَّثَنَى عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ
(( أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم شُغِلَ عَنْهَاَ لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَاَ فى
الَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَطْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَ فقال:
لَيْسَ أَحَدٌ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ غَيْرَكُمُ ».
- من انفرد عنه إذا كان متأهلا لذلك . انتهى. وعقيل بن جابر الراوى قد وثقه
ابن حبان وصحح حديثه هو وابن خزيمة والحاكم فارتفعت جهالته وصار حديث
جابر صالحاً للاحتجاج . وقد أطال أخونا المعظم الكلام فى شرح حديث جابر
المذكور فى غاية المقصود شرح سنن أبى داود ، وأورد أبحاثاً شريفة فعليك
أن ترجع إليه .
( باب فى الوضوء من النوم )
من قليله وكثيره هل هو واجب .
( شغل عنها) مبنياً للمفعول أى شغل عن صلاة العشاء، والشغل المذكور
كان فى تجهيز جيش، رواه الطبرى من وجه صحيح عن الأعمش عن أبى سفيان
عن جابر قاله الحافظ ( حتى رقدنا فى المسجد ) الرقاد : النوم . قال الحافظ :
استدل به من ذهب إلى أن النوم لا ينقض الوضوء ولا دلالة فيه لاحتمال أن
يكون الراقد منهم قاعداً متمكناً أو لاحتمال أن يكون مضطجعاً، لكنه توضأ
وإن لم ينقل اكتفاء بما عرف من أنهم لا يصلون على غير وضوء . انتهى.
ويجىء بيان المذاهب فى آخر الباب ( ثم خرج علينا) رسول الله صلى الله عليه
وسلم من الحجرة (فقال ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم) وفى رواية للمؤلف -

- ٣٣٩ -
١٩٧ - حدثنا شَاذَّ بنُ فَيَّاضِ قال حدثنا هِشَامٌ الدَّسْتَوَأَيُّ عن قَتَادَةَ
عن أَنَسِ قال: ((كانَ أَشْحَبُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَنْتَظِرُونَ
الْمِشَاءَ الآخِرَةَ حَتّى تَخْقَ رُؤُوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلُونَ وَلاَ يَتَوَضَّأُونَ)) .
-- وغيره عن أبى سعيد الخدرى فقال: إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم ،
وإنكم لن تزالوا فى صلاة ما انتظرتم الصلاة. قال المنذرى: وأخرحه
البخارى ومسلم .
( حدثنا شاذ) بالشين المعجمة والذال المعجمة المشددة ( بن فياض ) بالفاء
والياء المشددة اسمه هلال ولقبه شاذ أبو عبيدة البصرى . قال أبو حاتم ثقة
(الدستوائى ) بفتح الدال منسوب إلى الدستواء وهى كورة من كور الأهواز
أو قرية ، وقيل هو منسوب إلى بيع الثياب الدستوائية التى تجلب منها
قاله ابن الأثير ( العشاء الآخرة ) العشى والمشية من صلاة المغرب إلى
العتمة ، تقول : أتيته عشية أمس وعشى أمس، والعشاء بالكسر والمد ،
والعشاءان المغرب والعتمة ، وزعم قوم أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع
الفجر ، وأنشدوا :
غدونا غدوة سحراً بليل عشاء بعد ما انتصف النهار
والعشاء بالفتح والمد : الطعام بعينه وهو خلاف الغداء كذا فى الصحاح
( حتى تخفق رؤوسهم) خفق يخفق من باب ضرب يضرب يقال: خفق برأسه
خفقة أو خفقتين: إذا أخذته سنة من النعاس فمال رأسه دون جسده كذا فى
المصباح . قال الخطابي: معناه تسقط أذقانهم على صدورهم ( ثم يصلون ولا
بتوضأون ) قال الخطابى فى هذا الحديث من الفقه أن عين النوم ليس بحدث
ولو كان حدثاً لكان أى حال وجد ناقضاً للطهارة كسائر الأحداث التى قليلها
وكثيرها وعمدها وخطؤها سواء فى نقض الطهارة، وإنما هو مظنة الحدث -

- ٣٤٠ -
قال أَبُو دَاوُدَ : وَزَادَ فِيهِ شُعْبَةُ عنِ قَتَادَةَ وقال: ((كُنَّا نَخْفِقُ عَلَى عَهْدِ
رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم)).
قال أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابنُ أَبِى عَرُوبَةَ عن قَتَادَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ .
- موهم لوقوعه من النائم غالباً فإذا كان بحال من التماسك فى الاستواء فى القعود
المانع من خروج الحدث منه كان محكوماً ببقاء الطهارة المتقدمة ، وإذا لم يكن
كذلك بل يكون مضطجعاً أو ساجداً أو قائماً أو مائلا إلى أحد شقيه أو على
حالة يسهل معها خروج الحدث من حيث لا يشعر بذلك كان أمره محمولا على
أنه قد أحدث ، لأنه قد يكون منه الحدث فى تلك الحال غالباً ، ولو كان نوم
القاعد ناقضاً للطهارة لم يجز على عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
بين أظهرهم والوحى ينزل عليه أن يصلوا محدثين بحضرته ، فدل أن النوم إذا
كان بهذه الصفة غير ناقض للطهر . وفى قوله : كان أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ينتظرون إلخ دليل على أن ذلك أمر كان يتواتر منهم وأنه قد كثر
حتى صار كالعادة لهم وأنه لم يكن نادراً فى بعض الأحوال ، وذلك يؤكد
ما قلناه من أن عين النوم ليس بحدث . انتهى كلامه . قال المنذرى: وأخرج
مسلم من وجه آخر عن أنس قال: (( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ينامون ثم يصلون ولا يتوضأون . انتهى (ابن عروبة) بفتح العين وبضم الراء
المخففة: هو سعيد بن أبى عروبة (عن قتادة بلفظ آخر) لعله يشير إلى ما أخرجه
فى أبواب قيام الليل حدثنا أبو كامل أخبرنا يزيد بن زريع أخبرنا سعيد عن
قتادة عن أنس بن مالك فى هذه الآية: ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون
ربهم) قال: كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون. قال ابن كثير فى
تفسيره عن أنس وعكرمة ومحمد بن المنكدر وأبى حازم وقتادة هو الصلاة بين
العشاءين. وعن أنس أيضاً هو انتظار صلاة العتمة . رواه ابن جرير بإسناد
جيد . انتهى .